الْإِذْنُ: الْإِعْلَامُ لُغَةً
قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْمَحَلِّ: لِأَنَّهُ عَجَزَ الْمُشْتَرِي عَنْ إيفَاءِ الثَّمَنِ، وَالْعَجْزُ عَنْ إيفَاءِ الثَّمَنِ يُوجِبُ حَقَّ الْفَسْخِ قِيَاسًا عَلَى الْعَجْزِ عَنْ إيفَاءِ الْمَبِيعِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ الْمُسَاوَاةُ اهـ.
وَرَدَّ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ: وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، بَلْ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ هِيَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ، وَقَوْلُهُ: وَهَذَا لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ. . . إلَخْ
لِبَيَانِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ، فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً جَامِعَةً فِي صِحَّةِ جَامِعَةً فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ هَا هُنَا بِدُونِ مُلَاحَظَةِ كَوْنِ الْعَقْدِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُوجِبَ الْعَجْزُ عَنْ التَّسْلِيمِ حَقَّ الْفَسْخِ فِي غَيْرِ عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ أَيْضَا، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَالْمَدَارُ فِي تَحَقُّقِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ هَا هُنَا كَوْنُ الْبَيْعِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ لِبَيَانِ الْمُصَنِّفِ صِحَّةَ الْقِيَاسِ هَا هُنَا بِقَوْلِهِ: وَهَذَا لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ.
وَمِنْ قَضِيَّتِهِ الْمُسَاوَاةُ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمِنْ قَضِيَّتِهِ الْمُسَاوَاة لَيْسَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، بَلْ أَطْبَقَتْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ كَلِمَةُ الثِّقَاتِ هَا هُنَا كَصَاحِبِ الْكَافِي وَصَاحِبِ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالْإِمَامِ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرِهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(كِتَابُ الْمَأْذُونِ)
إيرَادُ كِتَابِ الْمَأْذُونِ بَعْدَ كِتَابِ الْحَجْرِ ظَاهِرُ الْمُنَاسَبَةِ، إذْ الْإِذْنُ يَقْتَضِي سَبْقَ الْحَجْرِ، فَلَمَّا تَرَتَّبَا وُجُودًا تَرَتَّبَا أَيْضًا ذِكْرًا وَمَا لِلتَّنَاسُبِ (قَوْلُهُ الْإِذْنُ الْإِعْلَامُ لُغَةً) أَقُولُ: لَمْ أَرَ قَطُّ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ الثِّقَاتِ مَجِيءَ الْإِذْنِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا كَوْنُ الْأَذَانِ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَقَوْلُهُ الْإِذْنُ الْإِعْلَامُ لُغَةً مَحَلُّ نَظَرٍ يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ يُرَاجِعُ كُتُبَ اللُّغَةِ.
نَعَمْ قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ تَفْسِيرُ مَعْنَى الْإِذْنِ لُغَةً بِالْإِعْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَعَلَّهُمْ تَسَامَحُوا فِي التَّفْسِيرِ فَعَبَّرُوا عَنْ مَعْنَى الْإِذْنِ مِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ إذْنًا: أَيْ أَبَاحَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْقَامُوسُ بِمَا يُلَازِمُهُ عَادَةً مِنْ الْإِعْلَامِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ الْإِيمَاءِ إلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ حَيْثُ قَالَ هَاهُنَا: يُحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْإِذْنِ لُغَةً وَشَرْعًا، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا لُغَةً فَالْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ رَفْعُ الْمَانِعِ لِمَنْ هُوَ مَحْجُورٌ عَنْهُ وَإِعْلَامٌ بِإِطْلَاقِهِ فِيمَا حُجِرَ عَنْهُ مِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الشَّيْءِ إذْنًا اهـ. ثُمَّ إنَّ مِنْ الْمُسْتَبْعَدِ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَالْإِذْنُ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ، وَمِنْهُ الْأَذَانُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ اهـ.
وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ فِي فَصْلِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ مِنْ كِتَابِ الْمَأْذُونِ: لِأَنَّ الْإِذْنَ هُوَ الْإِعْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أَيْ إعْلَامٌ اهـ. فَإِنَّ مَدَارَ مَا ذَكَرَهُ اتِّحَادُ الْإِذْنِ وَالْأَذَانِ حَيْثُ اسْتَشْهَدَا بِمَعْنَى أَحَدِهِمَا عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا، وَالْأَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْإِذْنِ لُغَةً مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهُ فِي مَبْسُوطِهِ حَيْثُ قَالَ: أَمَّا الْإِذْنُ فَهُوَ الْإِطْلَاقُ
[ ٩ / ٢٨٠ ]
وَفِي الشَّرْعِ: فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عِنْدَنَا،
لُغَةً؛ لِأَنَّهُ ضِدُّ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ فَكَانَ إطْلَاقًا عَنْ شَيْءٍ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي الشَّرْعِ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ عِنْدنَا)
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ اهـ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ إذْنُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إسْقَاطٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ الْعَبْدُ لِأَجَلِهِ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَوْلَى قَبْلَ إذْنِهِ، وَبِالْإِذْنِ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ عِنْدَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَإِنَّ الْمَوْلَى إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ أَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ الْعَبْدُ لِأَجَلِهِ مَحْجُورًا عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَوْلَى قَبْلَ إذْنِهِ اهـ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: لِأَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَقَبْلَ الْإِذْنِ لَا تَتَعَلَّقُ الدُّيُونُ بِرَقَبَتِهِ وَلَا بِكَسْبِهِ، وَبَعْدَ الْإِذْنِ يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ وَتَتَعَلَّقُ الدُّيُونُ بِهَا اهـ. وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَفِي الشَّرْعِ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ وَهُوَ حَقُّ الْمَوْلَى مَالِيَّةَ الْكَسْبِ وَالرَّقَبَةِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ تَعَلُّقَ حَقِّ الْغَيْرِ بِهَا صَوْنًا لِحَقِّ الْمَوْلَى، وَإِنَّهُ بِالْإِذْنِ أَسْقَطَ حَقَّهُ اهـ. فَتَلَخَّصَ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ هَاهُنَا حَقُّ الْمَوْلَى، وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَانْحِجَارُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَا عَهِدَ تَصَرُّفَهُ إلَّا مُوجِبًا تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَبِكَسْبِهِ وَذَلِكَ مَالٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ اهـ. قَالَ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ: الْمُرَادُ بِالْحَقِّ هَاهُنَا حَقُّ الْمَنْعِ لَا حَقُّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَعَ اخْتِصَاصِهِ بِإِذْنِ الْعَبْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ بِالْإِذْنِ وَلِذَلِكَ يَأْخُذُ مِنْ كَسْبِهِ جَبْرًا عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَالْمُسْقِطُ هُوَ الْمَوْلَى إنْ كَانَ الْمَأْذُونُ رَقِيقًا وَالْوَلِيُّ إنْ كَانَ صَبِيًّا اهـ كَلَامَهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْحَقِّ هَاهُنَا حَقُّ الْمَنْعِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَقُّ الْمَوْلَى، بَلْ يَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَنْعِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَبْدِ هُوَ حَقُّ الْمَوْلَى لَا حَقُّ غَيْرِهِ: فَإِنَّ مَعْنَى حَقِّ الْمَنْعِ حَقٌّ هُوَ مَنْعٌ عَنْ التَّصَرُّفِ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةً، وَمَعْنَى حَقُّ الْمَوْلَى حَقٌّ هُوَ لِلْمَوْلَى، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي هُوَ مَنْعُ الْعَبْدِ عَنْ التَّصَرُّفِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَوْلَى لَا لِغَيْرِهِ فَكَانَ حَقًّا لَهُ قَطْعًا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ بِالْإِذْنِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ أَصْلًا فَمَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ تُحِيطُ بِكَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ تَعَلَّقَتْ بِكَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ جَمِيعًا فَيُبَاعُ كُلُّ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْمَوْلَى فِي كَسْبِهِ وَرَقَبَتِهِ جَمِيعًا لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا إذَا لَمْ تُحِطْ بِهِمَا دُيُونٌ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي نَفْعًا إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فِي مَعْنَى الْإِذْنِ شَرْعًا إسْقَاطُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَلْبَتَّةَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ إسْقَاطُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَةِ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بَلْ فِي صُورَةِ عَدَمِ إحَاطَتِهِ أَيْضًا بِالنَّظَرِ إلَى الْبَعْضِ السَّاقِطِ بِمِقْدَارِ الدَّيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى، أَمَّا اخْتِصَاصُ حَقِّ الْمَوْلَى بِإِذْنِ الْعَبْدِ فَلَا يَضُرُّ إذْ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ بَيَانُ إذْنِ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَبِينُ فِيهِ إذْنُ الصَّبِيِّ أَيْضًا عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْإِذْنِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ قَالَ: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَمَا هُوَ التَّفْسِيرُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ فَكُّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ بِالرِّقِّ شَرْعًا عَمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْإِذْنُ لَا الْإِنَابَةِ وَالتَّوْكِيلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِهِ، وَالثَّابِتُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ فَكُّ الْحَجْرِ عَنْ التِّجَارَةِ. وَقَالَ: هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْإِيضَاحِ وَالذَّخِيرَةِ وَالْمُغْنِي وَغَيْرِهَا اهـ. وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي التَّبْيِينِ: وَحُكْمُهُ هُوَ التَّفْسِيرُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ فَكِّ الْحَجْرِ اهـ. أَقُولُ: كَوْنُ حُكْمِ الْإِذْنِ مَا هُوَ تَفْسِيرُهُ الشَّرْعِيُّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا هُوَ أَثَرُهُ الثَّابِتُ بِهِ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِهِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي مُسْكَةٍ أَنَّ مَا يَثْبُتُ بِالشَّيْءِ وَيَصِيرُ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ مَحْمُولًا عَلَيْهِ بِالْمُوَاطَأَةِ. ثُمَّ أَقُولُ: لَيْسَ الْمَذْكُورُ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ حُكْمَهُ مَا هُوَ تَفْسِيرُهُ الشَّرْعِيُّ، بَلْ الْمَذْكُورُ فِيهَا هَكَذَا، وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِهِ فَنَقُولُ: حُكْمُهُ شَرْعًا عِنْدَنَا فَكُّ الْحَجْرِ الثَّابِتِ بِالرِّقِّ شَرْعًا عَمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْإِذْنُ لَا الْإِنَابَةُ وَلَا التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ
[ ٩ / ٢٨١ ]
وَالْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرِّقِّ بَقِيَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ وَعَقْلِهِ الْمُمَيِّزِ وَانْحِجَارُهُ عَنْ التَّصَرُّفِ لِحَقِّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَا عَهِدَ تَصَرُّفَهُ إلَّا مُوجِبًا تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَبِكَسْبِهِ، وَذَلِكَ مَالُ الْمَوْلَى فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِ كَيْ لَا يَبْطُلَ حَقُّهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى،
الشَّيْءُ مَا يَثْبُتُ بِهِ، وَالثَّابِتُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ فَكُّ الْحَجْرِ عَنْ التِّجَارَةِ اهـ. فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِفَكِّ الْحَجَرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا مَا هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَيَئُولُ إلَى مَعْنَى انْفِكَاكِ الْحَجْرِ وَيَصِيرُ صِفَةً لِلْحَجْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ بِفَكِّ الْحَجْرِ الْمَذْكُورِ فِي تَفْسِيرِ الْإِذْنِ شَرْعًا مَا هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ وَصِفَةٌ لِلْإِذْنِ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ حُكْمًا لِلْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ الِانْفِكَاكَ أَثَرٌ ثَابِتٌ بِالْفَكِّ كَالِانْكِسَارِ مَعَ الْكَسْرِ. ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْإِذْنِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ وَعَزَاهُ إلَى التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا حُكْمُهُ فَمِلْكُ الْمَأْذُونِ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ التِّجَارَةِ وَتَوَابِعِهَا وَضَرُورَاتِهَا، وَعَدَمُ مِلْكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، إلَى هَذَا أَشَارَ فِي التُّحْفَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِالشَّيْءِ، وَالثَّابِتُ بِالْإِذْنِ مَا قُلْنَا فَكَانَ حُكْمًا لَهُ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
(قَوْلُهُ وَالْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الرِّقِّ بَقِيَ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ وَعَقْلِهِ الْمُمَيِّزِ) فَإِنْ قِيلَ: الْمَأْذُونُ عَدِيمُ الْأَهْلِيَّةِ لِحُكْمِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لِنَفْسِ التَّصَرُّفِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ إنَّمَا تُرَادُ لِحُكْمِهَا وَهُوَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ أَهْلًا لِسَبَبِهِ.
أُجِيبُ بِأَنْ حُكْمَ التَّصَرُّفِ مِلْكُ الْيَدِ وَالرَّقِيقُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، أَلَا يَرَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ مِلْكِ الْيَدِ يَثْبُتُ لَلْمُكَاتَبِ مَعَ قِيَامِ الرِّقِّ فِيهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مَعَ الرِّقِّ أَهْلٌ لِلْحَاجَةِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِقَضَائِهَا وَأَدْنَى طَرِيقِ قَضَائِهَا مِلْكُ الْيَدِ فَهُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلتَّصَرُّفِ، وَمِلْكُ الْعَيْنِ شُرِعَ لِلتَّوَصُّلِ إلَيْهِ فَمَا هُوَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ يَخْلُفُهُ الْمَوْلَى فِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ ثُمَّ مَاتَ، فَمَتَى اخْتَارَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ يَثْبُتُ مِلْكُ الْعَيْنِ لِلْوَارِثِ عَلَى سَبِيلِ الْخِلَافَةِ عَنْ الْمُوَرِّثِ بِتَصَرُّفٍ بَاشَرَهُ الْمُوَرِّثُ بِنَفْسِهِ، كَذَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ هَذَا الْكِتَابِ وَفِي عَامَّةِ كُتُبِ الْأُصُولِ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا أَنَّ الرَّقِيقَ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ بِأَهْلِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ يَشْكُلُ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ رَقَبَةً لَا يَدًا، وَالْمُدَبَّرُ مَمْلُوكٌ لَهُ يَدًا لَا رَقَبَةً، وَالْقِنُّ مَمْلُوكٌ لَهُ يَدًا وَرَقَبَةً، فَإِنَّ الرَّقِيقَ إذَا كَانَ مَالِكًا يَدَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَوْلَاهُ يَدًا فِي صُورَةٍ إنْ كَانَ قِنًّا أَوْ مُدَبَّرًا، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ لَهُ مِلْكُ الْيَدِ بِأَهْلِيَّتِهِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ مَوْلَاهُ بِالْإِذْنِ أَوْ الْكِتَابَةِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، إذْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَصْلَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ مُتَصَرِّفٌ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ لَهُ بِلِسَانِهِ النَّاطِقِ وَعَقْلِهِ الْمُمَيِّزِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى)
[ ٩ / ٢٨٢ ]
وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ التَّأْقِيتُ، حَتَّى لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا كَانَ مَأْذُونًا أَبَدًا حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَاتِ لَا تَتَوَقَّتُ
ثُمَّ الْإِذْنُ كَمَا يَثْبُتُ بِالصَّرِيحِ يَثْبُتُ بِالدَّلَالَةِ، كَمَا إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ عَلَى الْمَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ حَتَّى يَبِيعَ، وَالْعَبْدُ فِي الشِّرَاءِ مُتَصَرِّفٌ لِنَفْسِهِ لَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي ذِمَّتِهِ بِإِيجَابِ الثَّمَنِ فِيهَا، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ عَنْ الْأَدَاءِ حَالَ الطَّلَبِ حُبِسَ وَذِمَّتُهُ خَالِصُ حَقِّهِ لَا مَحَالَةَ، وَلِهَذَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقِصَاصِ صَحَّ وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمَوْلَى فَكَانَ الشِّرَاءُ حَقًّا لَهُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي نَفَاذَ تَصَرُّفَاتِهِ قَبْلَ الْإِذْنِ أَيْضًا، لَكِنْ شَرَطْنَا إذْنُ الْمَوْلَى دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ اهـ. وَهَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ نَاقِلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ.
أَقُولُ: يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ حَتَّى يَبِيعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَالٌ يَبِيعُهُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ تَصَرُّفِهِ الشِّرَاءُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ تَصَرُّفِهِ أَخْذُ الْمُضَارَبَةِ أَوْ إيجَارُ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِك التَّصَرُّفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَلَا يَقْتَضِي شَيْءٌ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ بِنَاءُ قَوْلِهِ الْمَزْبُورِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التِّجَارَةِ وَمَا هُوَ الْغَالِبُ وُقُوعًا فِيهَا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي التِّجَارَةِ هُوَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ كَمَا سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ مِنْ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَّهُمَا هُمَا الْغَالِبُ وُقُوعًا فِي بَابِ التِّجَارَةِ، فَعَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الْبِنَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي أَوَّلِ تَصَرُّفِهِ مَالٌ يَبِيعُهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ الشِّرَاءُ ثَمَّةَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ الشِّرَاءُ بَلْ أَوَّلُ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ مُؤَاجَرَةُ نَفْسِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ عِنْدَ الْخَصْمِ فَإِنَّ مُؤَاجَرَةَ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ. اهـ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ إيرَادِهِ وَجَوَابِهِ سَقَامَةٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ قَالَ: بَلْ أَوَّلُ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ مُؤَاجَرَةُ نَفْسِهِ بِطَرِيقِ الْجَزْمِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ مُؤَاجَرَةُ نَفْسِهِ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُؤَاجَرَةُ نَفْسِهِ خَطَأٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْأَسَاسِ وَالْمُغْرِبِ، وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: بَدَلَ ذَلِكَ إيجَارُ نَفْسِهِ كَمَا قُلْت فِيمَا مَرَّ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّا بِصَدَدِ إثْبَاتِ مَا قُلْنَا إنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ يَتَصَرَّفُ بَعْدَ الْإِذْنِ لِنَفْسِهِ بِأَهْلِيَّتِهِ لَا بِصَدَدِ الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ الْخَصْمُ، بَلْ لَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ مِنْ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بِمَا قَالَهُ الْخَصْمُ أَصْلًا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تُحْمَلَ الْمُقَدِّمَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ دُونَ مَذْهَبِنَا، عَلَى أَنَّهَا لَوْ حُمِلَتْ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ لَمْ نَسْلَمْ أَيْضًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ تَصَرُّفٍ يُبَاشِرُهُ أَخْذُ الْمُضَارَبَةِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَالْخَصْمُ لَا يُنْكِرُ جَوَازَ ذَلِكَ فَلَمْ يُفِدْ الْحَمْلُ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَاَلَّذِي يُمْكِنُ فِي الْجَوَابِ مَا قَدَّمْنَا لَا غَيْرَ (قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ التَّأْقِيتُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ كَوْنَهُ إسْقَاطًا عِنْدَنَا بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ التَّأْقِيتُ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ مَذْكُورٌ فِي حَيِّزِ التَّعْرِيفِ فَكَيْفَ
[ ٩ / ٢٨٣ ]
وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونًا عِنْدَنَا خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
جَازَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْحِيحُ النَّقْلِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَنَا مُعَرَّفٌ بِذَلِكَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ. وَالثَّانِي أَنَّ حُكْمَهُ الشَّرْعِيَّ هُوَ تَعْرِيفُهُ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ حُكْمًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ تَعْرِيفًا اهـ كَلَامَهُ. أَقُولُ: فِي كُلٍّ مِنْ وَجْهَيْ الْجَوَابِ نَظَرٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ تَصْحِيحَ النَّقْلِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَنَا مُعَرَّفٌ بِذَلِكَ عَيْنُ الِاسْتِدْلَالِ، فَإِنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الدَّلِيلُ، وَتَصْحِيحُ النَّقْلِ بِهِ هُوَ الِاسْتِدْلَال، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ حُكْمِهِ الشَّرْعِيِّ هُوَ تَعْرِيفُهُ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ مُبَايِنٌ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَثَرًا مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ مَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِالْمُوَاطَأَةِ مُتَّحِدٍ بِهِ فِي الذَّاتِ فَأَنَّى يَكُونُ أَحَدُهُمَا هُوَ الْآخَرُ، وَقَدْ مَرَّ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ.
وَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُورُ عَلَى نَفْسِ التَّعْرِيفِ حَتَّى يَرِدَ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَوُّرٌ، وَالتَّصَوُّرُ لَا يُكْتَسَبُ مِنْ التَّصْدِيقِ بَلْ عَلَى الْحُكْمِ الضِّمْنِيِّ، كَأَنْ يُقَالَ: هَذَا التَّعْرِيفُ صَحِيحٌ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ مُطَابِقٌ لِأُصُولِنَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ تَصْدِيقَاتٌ تَقْبَلُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهَا قَطْعًا، وَنَظِيرُ هَذَا مَا حَقَّقُوا فِي قِنِّهِ مِنْ أَنَّ الْمَنْعَ وَالنَّقْضَ وَالْمُعَارَضَةَ فِي التَّعْرِيفِ إنَّمَا تَتَوَجَّهُ إلَى الْأَحْكَامِ الضِّمْنِيَّةِ لَا إلَى نَفْسِ التَّعْرِيفَاتِ، تَدَبَّرْ تَرْشُدْ
[ ٩ / ٢٨٤ ]
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا فَيُعَاقِدُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى رَاضِيًا بِهِ لَمَنَعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ. .
قَالَ (وَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ إذْنًا عَامًّا جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي سَائِرِ التِّجَارَاتِ) وَمَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ أَذِنْت لَك فِي التِّجَارَةِ وَلَا يُقَيِّدُهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ التِّجَارَةَ اسْمٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْجِنْسَ فَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مَا بَدَا لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ التِّجَارَةِ.
(وَلَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِالْغَبْنِ الْيَسِيرِ فَهُوَ جَائِزٌ) لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (وَكَذَا بِالْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ خِلَافًا لَهُمَا) هُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْبَيْعَ بِالْفَاحِشِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعِ، حَتَّى اُعْتُبِرَ مِنْ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَلَا يَنْتَظِمُهُ الْإِذْنُ كَالْهِبَةِ.
قَوْلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَيْعًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا) قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ بَعْدَ أَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا: هَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ: إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِكِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا. وَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا رَأَى الرَّاهِنَ يَبِيعُ الرَّهْنَ فَسَكَتَ لَا يَبْطُلَ الرَّهْنُ اهـ.
أَقُولُ: كَأَنَّهُ فَهِمَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا فَهِمَهُ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْإِمَامِ قَاضِي خَانْ أَنَّ سُكُوتَ الْمَالِكِ فِيمَا إذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لَا يَصِيرُ إذْنًا فِي حَقِّ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ لَا فِي حَقِّ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ ذَلِكَ الْعَبْدُ فِي بَابِ التِّجَارَةِ مُطْلَقًا. وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَكَذَا الْمُرْتَهِنُ إذَا رَأَى الرَّاهِنَ يَبِيعَ الرَّهْنَ فَسَكَتَ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ هُنَاكَ عَدَمُ صِحَّةِ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ بِلَا رَيْبٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى كَوْنِ السُّكُوتِ إذْنًا فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ فِيمَا إذَا بَاعَ عَيْنًا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى بِغَيْرِ رِضَاهُ، بَلْ خِلَافُهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَأَمَّا الْإِذْنُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَنَحْوُ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَلَا يَنْهَاهُ فَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَنَا إلَّا فِي الْبَيْعِ الَّذِي صَادَفَهُ السُّكُوتُ.
وَأَمَّا فِي الشِّرَاءِ فَيَصِيرُ مَأْذُونًا، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَصِيرُ مَأْذُونًا اهـ. وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ: إذَا نَظَرَ الرَّجُلُ إلَى عَبْدِهِ وَهُوَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَإِذَا رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَالَ الْمَوْلَى.
قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَأَى الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ يَشْتَرِي شَيْئًا بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَسَكَتَ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ كَذَا هَاهُنَا اهـ. فَكَيْفَ يَجُوزُ حَمْلُ كَلَامِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ عَلَى خِلَافِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ وَإِذَا رَأَى عَبْدًا يَبِيعُ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ فَسَكَتَ يَصِيرُ مَأْذُونًا فِي التِّجَارَةِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَالَ الْمَوْلَى كَمَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ رَآهُ يَظُنُّهُ مَأْذُونًا لَهُ فِيهَا فَيُعَاقِدُهُ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى رَاضِيًا بِهِ لَمَنَعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ) قَالَ صَاحِبُ
[ ٩ / ٢٨٥ ]
وَلَهُ أَنَّهُ تِجَارَةٌ وَالْعَبْدُ مُتَصَرِّفٌ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ فَصَارَ كَالْحُرِّ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ.
(وَلَوْ حَابَى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنْ كَانَ فَمِنْ جَمِيعِ مَا بَقِيَ)؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي الْحُرِّ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَلَا وَارِثَ لِلْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَا فِي يَدِهِ يُقَالُ لِلْمُشْتَرِي أَدِّ جَمِيعَ الْمُحَابَاةِ وَإِلَّا فَارْدُدْ الْبَيْعَ كَمَا فِي الْحُرِّ.
(وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ وَيَقْبَلَ السَّلَمَ)؛ لِأَنَّهُ تِجَارَةٌ.
(وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ)؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَفَرَّغُ بِنَفْسِهِ
. قَالَ (وَيَرْهَنُ وَيُرْتَهَنُ)؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهُ إيفَاءٌ وَاسْتِيفَاءٌ.
(وَيَمْلِكُ أَنْ يَتَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَيَسْتَأْجِرَ الْأُجَرَاءَ وَالْبُيُوتَ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ
(وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً)؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ
(وَيَشْتَرِي طَعَامًا فَيَزْرَعُهُ فِي أَرْضِهِ)؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الرِّبْحَ قَالَ ﵊ «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ».
(وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَ شَرِكَةَ عِنَان وَيَدْفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَيَأْخُذُهَا)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ
(وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ عِنْدَنَا) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: لَا يَمْلِكُ الْعَقْدَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَذَا عَلَى مَنَافِعِهَا؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا. وَلَنَا أَنَّ نَفْسَهُ رَأْسُ مَالِهِ فَيَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ،
الْعِنَايَةِ فِي تَفْصِيلِ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَقُلْنَا جَعَلَ سُكُوتَهُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ بَيَانِ، إذْ النَّاسُ يُعَامَلُونَ الْعَبْدَ حِينَ عِلْمِهِمْ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى وَمُعَامَلَتُهُمْ قَدْ تُفْضِي إلَى لُحُوقِ دُيُونٍ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَقَدْ يُعْتَقُ وَقَدْ لَا يُعْتَقُ وَفِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْمُسْلِمِينَ بِإِتْوَاءِ حَقِّهِمْ، وَلَا إضْرَارَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى فِيهِ ضَرَرٌ مُتَحَقِّقٌ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَلْحَقُهُ وَقَدْ لَا يَلْحَقُهُ،
[ ٩ / ٢٨٦ ]
إلَّا إذَا كَانَ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ الْإِذْنِ كَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يَنْحَجِرُ بِهِ، وَالرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمَوْلَى. أَمَّا الْإِجَارَةُ فَلَا يَنْحَجِرُ بِهِ وَيَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الرِّبْحُ فَيَمْلِكُهُ. .
قَالَ (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مِنْهَا دُونَ غَيْرِهِ فَهُوَ
فَكَانَ مَوْضِعَ بَيَانِ أَنَّهُ رَاضٍ بِهِ أَوَّلًا، وَالسُّكُوتُ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ بَيَانٌ اهـ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ جَانِبِ الْخَصْمِ عَلَى قَوْلِهِ وَالنَّاسُ يُعَامِلُونَ الْعَبْدَ حِينَ عِلْمِهِمْ بِسُكُوتِ الْمَوْلَى حَيْثُ قَالَ لَهُمَا أَنْ يَقُولَا ذَلِكَ لِحَمَاقَةِ الْمُعَامِلِ حَيْثُ اغْتَرَّ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ وَلَمْ يَسْأَلْ مِنْ الْمَوْلَى وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُعَامِلَ لَا يَغْتَرُّ بِمُجَرَّدِ السُّكُوتِ بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْعُرْفُ مِنْ أَنْ مَنْ لَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُؤَدِّبُهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ حَيْثُ قَالُوا: وَلَنَا أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ مَنْ لَا يَرْضَى بِتَصَرُّفِ عَبْدِهِ يَنْهَاهُ عَنْهُ وَيُؤَدِّبُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يَنْهَ عُلِمَ أَنَّهُ رَاضٍ فَجُعِلَ سُكُوتَهُ إذْنًا دَلَالَةً دَفْعًا لِلْغُرُورِ عَنْ النَّاسِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ إطْلَاقًا مِنْهُ فَيُبَايِعُونَهُ حَمْلًا لِفِعْلِهِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ وَالْعُرْفُ، كَمَا فِي سُكُوتِ النَّبِيِّ ﵊ عِنْدَ أَمْرٍ يُعَايِنُهُ عَنْ التَّغْيِيرِ. وَسُكُوتِ الْبِكْرِ وَسُكُوتِ الشَّفِيعِ اهـ. فَبَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ يَحْتَاجُ الْمُعَامِلُ إلَى السُّؤَالِ مِنْ الْمَوْلَى، وَكَيْفَ يَحْمِلُ الْعَاقِلُ عَدَمَ سُؤَالِهِ عَلَى حَمَاقَتِهِ، وَهَلَّا تَكُونُ النَّظَائِرُ لِمَا عَامَلَهُ دُونَ خِلَافِهِ؟ ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ شَيْءٌ فِي تَقْرِيرِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ ضَرَرَ الْمَوْلَى غَيْرَ مُعْتَبَرٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَحَقِّقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَلْحَقُهُ وَقَدْ لَا يَلْحَقُهُ، وَجَعَلَ ضَرَرَ الْمُسْلِمِينَ مُعْتَبَرًا مَعَ أَنَّهُ أَيْضًا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدُّيُونَ قَدْ تَلْحَقُهُ وَقَدْ لَا تَلْحَقُهُ.
فَمَا الْفَرْقُ وَالرُّجْحَانُ؟ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ. ثُمَّ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: عَيْنُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ الَّذِي رَآهُ مِنْ الْبَيْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ غَيْرُهُ، وَكَذَا إذَا رَأَى أَجْنَبِيًّا يَبِيعُ مِنْ مَالِهِ وَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا، وَالْمُرْتَهِنُ إذَا رَأَى الرَّاهِنَ يَبِيعُ الرَّهْنَ وَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا، وَإِذَا رَأَى رَقِيقَهُ يُزَوِّجُ نَفْسَهُ وَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ إذْنًا، فَمَا الْفَرْقُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الضَّرَرَ فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي رَآهُ مُتَحَقِّقٌ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَمَّا يَبِيعُهُ فِي الْحَالِ فَلَا يَثْبُتُ بِالسُّكُوتِ، وَلَيْسَ فِي ثُبُوتِ الْإِذْنِ فِي غَيْرِهِ ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا إنَّ الدَّيْنَ قَدْ يَلْحَقُهُ وَقَدْ لَا يَلْحَقُهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ السُّكُوتِ إذْنًا بِالنَّظَرِ إلَى ضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ كَوْنُهُ إذْنًا بِالنَّظَرِ إلَى مُتَحَقِّقٍ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ بَيْعِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَهُ، وَفِي الرَّهْنِ لَمْ يَصِرْ سُكُوتُهُ إذْنًا؛ لِأَنَّ جَعْلَهُ إذْنًا يُبْطِلُ مِلْكَ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الْيَدِ، وَقَدْ لَا يَصِلُ إلَى يَدِهِ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَكَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مُتَحَقِّقٌ.
لَا يُقَالُ: الرَّاهِنُ أَيْضًا يَتَضَرَّرُ بِبُطْلَانِ مِلْكِهِ عَنْ الثَّمَنِ، فَتَرْجِيحُ ضَرَرِ الْمُرْتَهِنِ تَحَكُّمٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ مِلْكِهِ عَنْ الثَّمَنِ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ مَوْقُوفٌ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَبُطْلَانُ مِلْكِ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الْيَدِ بَاتٌّ فَكَانَ أَقْوَى. وَأَمَّا الرَّقِيقُ عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً إذَا زَوَّجَ نَفْسَهُ فَإِنَّمَا لَمْ يَصِرْ السُّكُوتُ فِيهِ إذْنًا.
قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ نَاقِلًا عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ إنَّمَا يَصِيرُ إذْنًا وَإِجَازَةً دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَكُونُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَمْلُوكِ مَمْلُوكُ الْمَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ إصْلَاحِ مِلْكِهِ، وَمَنَافِعُ بُضْعِ الْمَمْلُوكَةِ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إبْطَالُ مِلْكِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَكَانَ مَوْقُوفًا، وَأَمْكَنَ فَسْخُهُ فَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَحَدٌ. وَقِيلَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ نِكَاحَ الرَّقِيقِ مَوْقُوفٌ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى وَإِجَازَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَنَّ سُكُوتَهُ إجَازَةٌ أَوْ لَا، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا مُحَقَّقًا لِلْمَوْلَى فَلَا يَكُونُ السُّكُوتُ إذْنًا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: وَعِنْدِي أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ السُّكُوتِ إذْنًا كَانَ لِأَجْلِ دَفْعِ الضَّرَرِ فَحَيْثُ لَا ضَرَرَ يَبْقَى عَلَى الْقِيَاسِ وَلَا يُجْعَلُ إذْنًا اهـ.
أَقُولُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَ مَنْ أَوْرَدَ النَّظَرَ، إذْ لَا كَلَامَ فِي أَنَّ كَوْنَ السُّكُوتِ إذْنًا كَانَ لِأَجْلِ دَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ نِكَاحَ الرَّقِيقِ هَلْ فِيهِ ضَرَرٌ أَمْ لَا، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إذْنِ الْمَوْلَى، فَإِنْ كَانَ سُكُوتُهُ إذْنًا تَحَقَّقَ الضَّرَرُ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا
[ ٩ / ٢٨٧ ]
مَأْذُونٌ فِي جَمِيعِهَا) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَكُونُ مَأْذُونًا إلَّا فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعٍ آخَرَ. لَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ تَوْكِيلٌ وَإِنَابَةٌ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ وَيَثْبُتُ الْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ لَهُ دُونَ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ حَجْرَهُ فَيَتَخَصَّصُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ كَالْمُضَارِبِ. وَلَنَا أَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَفَكُّ الْحَجْرِ عَلَى مَا بَيِّنَاهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ مِنْ جِهَتِهِ، وَحُكْمُ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَاقِعٌ لِلْعَبْدِ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ
فَحَيْثُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ إذْنًا فِي صُورَةِ تَزْوِيجِ الرَّقِيقِ نَفْسَهُ لَمْ يُفِدْ كَوْنَ نِكَاحِهِ مَوْقُوفًا عَلَى إذْنِهِ عَدَمُ ثُبُوتِ الضَّرَرِ فِيهَا وَإِنْ بَنَى عَدَمَ ثُبُوتِ الضَّرَرِ فِيهَا عَلَى عَدَمِ كَوْنِ سُكُوتِهِ فِيهَا إذْنًا لَزِمَ الْمُصَادَرَةُ، إذْ هُوَ أَوَّلُ الْكَلَامِ الَّذِي طُولِبَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي النَّظَرِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ سُكُوتَهُ إجَازَةٌ أَوْ لَا، تَأَمَّلْ تَقِفْ
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعٍ آخَرَ) يَعْنِي إذَا نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنْ التِّجَارَةِ بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْهَا فَالْخِلَافُ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِيمَا إذَا سَكَتَ عَنْ النَّهْيِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ سَوَاءٌ نَهَى عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ يَكُونُ مَأْذُونًا فِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ، خِلَافًا لَزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ كَمَا ذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ وَنُقِلَ عَنْهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ أَذِنَ لَهُ إذْنًا عَامًا ثُمَّ نَهَاهُ عَنْ نَوْعٍ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا الشَّرْحُ لَا يُطَابِقُ الْمَشْرُوحَ، إذْ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظٌ آخَرُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إذَا نَهَاهُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي نَوْعٍ آخَرَ، وَيَأْبَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَطْعًا، كَيْفَ وَمَسْأَلَةُ الْإِذْنِ الْعَامِّ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُتَفَرِّعَاتِهَا فِي الصَّحِيفَةِ الْأُولَى، وَنَحْنُ الْآنَ بِصَدَدِ بَيَانِ مَسْأَلَةِ الْإِذْنِ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ فَلَا مَعْنَى لِخَلْطِهِ حَدِيثَ الْإِذْنِ الْعَامِّ هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّهُ إسْقَاطٌ وَفَكُّ الْحَجْرِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَظْهَرُ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ فَلَا يُتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ
[ ٩ / ٢٨٨ ]
وَالنَّفَقَةِ، وَمَا اسْتَغْنَى عَنْهُ يَخْلُفُهُ الْمَالِكُ فِيهِ.
قَالَ (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ بِمَأْذُونٍ)؛ لِأَنَّهُ اسْتِخْدَامٌ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِشِرَاءِ ثَوْبٍ مُعَيَّنٍ لِلْكِسْوَةِ أَوْ طَعَامٍ رِزْقًا لِأَهْلِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مَأْذُونًا يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ الِاسْتِخْدَامِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: أَدِّ إلَيَّ الْغَلَّةَ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا، أَوْ قَالَ أَدِّ إلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ الْمَالَ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْكَسْبِ، أَوْ قَالَ لَهُ اُقْعُدْ صَبَّاغًا أَوْ قَصَّارًا؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ بِشِرَاءِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَهُوَ نَوْعٌ فَيَصِيرُ مَأْذُونًا فِي الْأَنْوَاعِ. .
قَالَ (وَإِقْرَارُ الْمَأْذُونِ بِالدُّيُونِ وَالْغُصُوبِ جَائِزٌ وَكَذَا بِالْوَدَائِعِ)؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ تَوَابِعِ التِّجَارَةِ،
إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ بِجُمْلَتِهِ وَفَكُّ الْحَجْرِ بِذِمَّتِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ. كَيْفَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَصَحَّ هِبَتُهُ وَإِقْرَاضُهُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَفَكُّ الْحَجْرِ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمُدَّعَى إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إسْقَاطُهُ وَفَكُّهُ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي جَمِيعِهَا كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى.
فَإِذَا قُلْت: الْمُرَادُ أَنَّهُ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَفَكُّ الْحَجْرِ فِي بَعْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَهُوَ جِنْسُ التِّجَارَةِ وَالْمُدَّعَى كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ هَذَا الْجِنْسِ لَا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ أَجْنَاسِ التَّصَرُّفَاتِ فَلَا يُرَدُّ النَّقْضُ بِالتَّبَرُّعَاتِ وَلَا عَدَمُ ثُبُوتِ الْمُدَّعَى. قُلْت: فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَلَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ أَنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ بِذَلِكَ إذَا أَطْلَقَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِنَوْعٍ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، لَكِنْ لَا يُجْدِي طَائِلًا؛ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ صُورَةُ التَّقْيِيدِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ وَإِنْ قَيَّدَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَهَلَّا يَتَوَقَّفُ تَمَامُهُ عَلَى أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ فِي نَوْعٍ مِنْ التِّجَارَةِ إذْنًا فِي جَمِيعِهَا فَيُؤَدِّي إلَى الْمُصَادَرَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ.
فَإِنْ قُلْت: عَلَّلَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَلَا يُتَخَصَّصُ بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ بِقَوْلِهِ لِكَوْنِ التَّخْصِيصِ إذْ ذَاكَ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ اهـ فَلَا مُصَادَرَةَ عَلَى الْمَطْلُوبِ. قُلْت: ذَاكَ التَّعْلِيلُ لَيْسَ بِتَامٍّ، إذْ لِقَائِلٍ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا يَكُونُ التَّخْصِيصُ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ أَنْ لَوْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ أَوَّلًا فَيَتَحَقَّقُ إسْقَاطُ الْحَقِّ وَفَكُّ الْحَجْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَظَهَرَ مَالِكِيَّةُ الْعَبْدِ فِي التِّجَارَاتِ مُطْلَقًا ثُمَّ خَصَّصَهُ بِنَوْعٍ مِنْهَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ. إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا قَيَّدَهُ أَوَّلًا فَقَالَ أَذِنْت لَك فِي هَذَا النَّوْعِ فَقَطْ،
[ ٩ / ٢٨٩ ]
إذْ لَوْ لَمْ يَصِحَّ لَاجْتَنَبَ النَّاسُ مُبَايَعَتَهُ وَمُعَامَلَتَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِهِ يُقَدَّمُ دَيْنُ الصِّحَّةِ كَمَا فِي الْحُرِّ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَجِبُ مِنْ الْمَالِ لَا بِسَبَبِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَحْجُورِ فِي حَقِّهِ.
. قَالَ (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ.
قَالَ (وَلَا يُزَوِّجُ مَمَالِيكَهُ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُزَوِّجُ الْأَمَةَ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْمَالِ بِمَنَافِعِهَا فَأَشْبَهَ إجَارَتَهَا. وَلَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ يَتَضَمَّنُ التِّجَارَةَ وَهَذَا لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّبِيِّ الْمَأْذُونِ وَالْمُضَارِبِ وَالشَّرِيكِ شَرِكَةَ عِنَانٍ وَالْأَبِ وَالْوَصِيِّ. .
قَالَ (وَلَا يُكَاتِبُ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتِجَارَةٍ، إذْ هِيَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَالْبَدَلُ فِيهِ مُقَابَلٌ بِفَكِّ الْحَجْرِ فَلَمْ يَكُنْ تِجَارَةً (إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْمَوْلَى وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى قَدْ مَلَكَهُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ كَلَامُ وَاحِدٍ لَيْسَ لِأَوَّلِهِ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ وَلِآخِرِهِ الَّذِي هُوَ قَيْدُهُ حُكْمٌ آخَرُ، بَلْ لِلْمَجْمُوعِ حُكْمٌ وَاحِدٌ يَتِمُّ أَوَّلُهُ بِآخِرِهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؟ تَأَمَّلْ جِدًّا. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَنُوقِضَ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ فَكُّ الْحَجْرِ وَإِسْقَاطُ الْحَقِّ، وَإِذَا أَذِنَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فُلَانَةَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْإِذْنَ فِيهِ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا فِي مِلْكِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَالرِّقُّ أَخْرَجَ الْعَبْدَ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَتْ الْوِلَايَةُ لِلْمَوْلَى، وَلِهَذَا جَازَ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَيْهِ فَكَانَ الْعَبْدُ كَالْوَكِيلِ وَالنَّائِبِ عَنْ مَوْلَاهُ فَيَتَخَصَّصُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ.
[ ٩ / ٢٩٠ ]
وَيَصِيرُ الْعَبْدُ نَائِبًا عَنْهُ وَتَرْجِعُ الْحُقُوقُ إلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الْكِتَابَةِ سَفِيرٌ. .
قَالَ (وَلَا يُعْتِقُ عَلَى مَالٍ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْكِتَابَةَ فَالْإِعْتَاقُ أَوْلَى
(وَلَا يُقْرِضُ)؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ كَالْهِبَةِ
(وَلَا يَهَبُ بِعِوَضٍ وَلَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَذَا لَا يَتَصَدَّقُ)؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَبَرُّعٌ بِصَرِيحِهِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً أَوْ ابْتِدَاءً فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِذْنِ بِالتِّجَارَةِ. قَالَ (إلَّا أَنْ يُهْدِيَ الْيَسِيرَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ يُضَيِّفَ مَنْ يُطْعِمُهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ التِّجَارَةِ اسْتِجْلَابًا لِقُلُوبِ الْمُجَاهِزِينَ، بِخِلَافِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ أَصْلًا فَكَيْفَ يَثْبُتُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا أَعْطَاهُ الْمَوْلَى قُوتَ يَوْمِهِ فَدَعَا بَعْضَ رُفَقَائِهِ عَلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْطَاهُ قُوتَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَكَلُوهُ قَبْلَ الشَّهْرِ يَتَضَرَّرُ بِهِ
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الضَّرَرَ اللَّاحِقَ بِالْمَوْلَى يَمْنَعُ الْإِذْنَ وَقَدْ يَتَضَرَّرُ الْمَوْلَى بِغَيْرِ مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَالِمًا بِالتِّجَارَةِ فِي الْبَزِّ دُونَ الْخَزِّ. أُجِيبُ بِأَنَّهُ ضَرَرٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وَلَئِنْ كَانَ فَلَهُ مَدْفَعٌ وَهُوَ التَّوْكِيلُ بِهِ عَلَى أَنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَدْفَعُ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ إذَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّتِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ فَلَيْسَ السُّؤَالُ وَارِدًا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَبِالْجُمْلَةِ إلَخْ لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ حَاصِلَ السُّؤَالِ أَنَّهُ قَدْ يَلْحَقُ الضَّرَرُ بِالْمَوْلَى عِنْدَ تَصَرُّفِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ مَا خَصَّهُ بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ثُبُوتَ كَوْنِ الْعَبْدِ مُتَصَرِّفًا بِأَهْلِيَّتِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ لَا يَدْفَعُ وُرُودَ ذَلِكَ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ بِأَهْلِيَّتِهِ وَمَالِكِيَّتِهِ لَا يَمْلِكُ الْإِضْرَارَ بِالْغَيْرِ، إذْ لَا إضْرَارَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَرُدُّ السُّؤَالَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ لَا مَحَالَةَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَنْسَدَّ بَابُ الْمُعَارَضَةِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ الدَّلِيلَ مَعَ أَنَّهَا طَرِيقٌ مَقْبُولٌ لَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السُّؤَالَ الْمَزْبُورَ مُعَارَضَةٌ، فَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَائِلِ جَوَابِهِ دُونَ
[ ٩ / ٢٩١ ]
الْمَوْلَى. قَالُوا: وَلَا بَأْسَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَصَدَّقَ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ كَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ فِي الْعَادَةِ. .
قَالَ (وَلَهُ أَنْ يَحُطَّ مِنْ الثَّمَنِ بِالْعَيْبِ مِثْلَ مَا يَحُطُّ التُّجَّارُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَرُبَّمَا يَكُونُ الْحَطُّ أَنْظَرُ لَهُ مِنْ قَبُولِ الْمَعِيبِ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ مَا إذَا حَطَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ
(وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّلَ فِي دَيْنٍ وَجَبَ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ التُّجَّارِ. .
قَالَ (وَدُيُونُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاعُ وَيُبَاعُ كَسْبُهُ فِي دَيْنِهِ بِالْإِجْمَاعِ. لَهُمَا أَنَّ غَرَضَ الْمَوْلَى مِنْ الْإِذْنِ تَحْصِيلُ مَالٍ لَمْ يَكُنْ لَا تَفْوِيتُ مَالٍ قَدْ كَانَ لَهُ،
قَوْلِهِ هَذَا
. (قَوْلُهُ وَدُيُونُهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ لِلْغُرَمَاءِ) أَيْ يَبِيعُهُ الْقَاضِي لِدَيْنِ الْغُرَمَاءِ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الْبَيْعِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ لَا يَرَى الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَبَيْعُ الْقَاضِي الْعَبْدَ بِغَيْرِ رِضَا مَوْلَاهُ حَجْرٌ عَلَيْهِ. أُجِيبُ بِأَنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَجْرٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَحْجُورًا عَنْ بَيْعِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ لِلْمَوْلَى بَيْعُ الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ بِغَيْرِ رِضَا الْغُرَمَاءِ وَحَجْرُ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَكَانَ كَالتَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدَّيْنِ فِي جَوَازِ أَنْ يَبِيعَهَا الْقَاضِي عَلَى الْوَرَثَةِ إنْ امْتَنَعُوا عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ حَجْرًا لِكَوْنِهِمْ مَحْجُورِينَ عَنْ بَيْعِهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَا الْغُرَمَاءِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ، وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الذَّخِيرَةِ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْسِمُ مَادَّةَ الْإِشْكَالِ، إذْ لِسَائِلٍ أَنْ يُعِيدَ الْكَلَامَ إلَى كَوْنِهِ مَحْجُورًا عَنْ بَيْعِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْحَجْرَ عَلَى الْحُرِّ الْعَاقِلِ بِسَبَبِ الدَّيْنِ فَيَشْكُلُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
ثُمَّ إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدِّينِ ظَاهِرٌ، إذْ لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ، وَلِهَذَا إذَا أَعْتَقَ الْوَرَثَةُ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدَّيْنِ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُمْ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فَإِنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى فِيهِ بَاقٍ وَلِهَذَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ إيَّاهُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكِتَابِ، فَسَبَبُ كَوْنِ الْوَرَثَةِ مَحْجُورِينَ عَنْ بَيْعِ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدِّينِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ كَوْنِهَا مَمْلُوكَةً لَهُمْ فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ أَصْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرَى الْحَجْرَ بِسَبَبِ الدَّيْنِ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمَوْلَى مَحْجُورًا عَنْ بَيْعِ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فَلَا سَبَبَ لَهُ سِوَى الدَّيْنِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُنْتَقَضَ بِهِ أَصْلُهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ (قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ مِنْ الْغَائِبِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى إنَّمَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْفِدَاءِ كَمَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَ الْفِدَاءِ مِنْ الْغَائِبِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا فَلَا إشَارَةَ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ مِنْ الْمَوْلَى إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْلَى أَوْ نَائِبِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الْفِدَاءِ مِنْهُ فَكَمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْلَى أَوْ نَائِبِهِ كَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عِنْدَ غَيْبَتِهِمَا أَيْضًا كَمَا لَا يَخْفَى. وَالْبَيْعُ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقَعْ الْفِدَاءُ مِنْ الْمَوْلَى كَمَا هُوَ الْحَاصِلُ مِنْ الْبَاقِي بَعْدَ الثِّنْيَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمَّا تَصَوَّرَ عَدَمَ الْفِدَاءِ فِي كُلٍّ مِنْ صُورَتَيْ الْحُضُورِ وَالْغَيْبَةِ احْتَمَلَ جَوَازَ الْبَيْعِ فِي كُلٍّ مِنْ تَيْنِكَ الصُّورَتَيْنِ أَيْضًا فَمِنْ أَيْنَ حَصَلَتْ الْإِشَارَةُ إلَى انْحِصَارِ جَوَازِهِ فِي صُورَةِ حُضُورِ الْمَوْلَى؟ نَعَمْ الْبَيْعُ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الشُّرُوحِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ حَيْثُ قَالُوا: هَذَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى حَاضِرًا.
فَأَمَّا إذَا كَانَ غَائِبًا
[ ٩ / ٢٩٢ ]
وَذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ الدَّيْنِ بِكَسْبِهِ، حَتَّى إذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ الدَّيْنِ يَحْصُلُ لَهُ لَا بِالرَّقَبَةِ، بِخِلَافِ دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ جِنَايَةٍ، وَاسْتِهْلَاكُ الرَّقَبَةِ بِالْجِنَايَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِذْنِ. وَلَنَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءً كَدِينِ الِاسْتِهْلَاكِ، وَالْجَامِعُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ التِّجَارَةُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ، وَتَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءٌ حَامِلٌ عَلَى الْمُعَامَلَةِ، فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ صَلُحَ غَرَضًا لِلْمَوْلَى، وَيَنْعَدِمُ الضَّرَرُ فِي حَقِّهِ بِدُخُولِ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ،
فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُ الْعَبْدَ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى، فَإِنَّ الْخَصْمَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ هُوَ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا بِحَضْرَتِهِ أَوْ بِحَضْرَةِ نَائِبِهِ، بِخِلَافِ الْكَسْبِ فَإِنَّهُ يُبَاعُ بِالدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى غَائِبًا؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ فِيهِ هُوَ الْعَبْدُ اهـ. لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي حُصُولِ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ الْمَوْلَى كَمَا ادَّعَاهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ التِّجَارَةُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ الضَّرَرِ وَبَيَانُهُ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الدَّيْنِ التِّجَارَةُ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْرُوضُ وَالتِّجَارَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ بِلَا خِلَافٍ فَسَبَبُهَا دَاخِلٌ تَحْتَهُ، وَإِذَا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَهُ كَانَ مُلْتَزَمًا، فَلَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءً كَانَ إضْرَارًا؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ قَدْ لَا يُوجَدُ وَالْعِتْقُ كَذَلِكَ فَتُتْوَى حُقُوقُ النَّاسِ. وَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى اهـ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ الْأَوْجَهَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا إلَخْ وَإِنْ كَانَ أُسْلُوبُ تَحْرِيرِهِ يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَ سَبَبِ
[ ٩ / ٢٩٣ ]
وَتَعَلُّقُهُ بِالْكَسْبِ لَا يُنَافِي تَعَلُّقَهُ بِالرَّقَبَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِمَا، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْكَسْبِ فِي الِاسْتِيفَاءِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَإِبْقَاءً لِمَقْصُودِ الْمَوْلَى، وَعِنْدَ انْعِدَامِهِ يُسْتَوْفَى مِنْ الرَّقَبَةِ. وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ دُيُونُهُ الْمُرَادُ مِنْهُ دَيْنٌ وَجَبَ بِالتِّجَارَةِ أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَضَمَانِ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَالْأَمَانَاتِ إذَا جَحَدَهَا، وَمَا يَجِبُ مِنْ الْعُقْرِ بِوَطْءِ الْمُشْتَرَاةِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ لِاسْتِنَادِهِ إلَى الشِّرَاءِ فَيَلْحَقُ بِهِ
الدَّيْنِ التِّجَارَةُ وَكَوْنَ التِّجَارَةِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ لَا مَدْخَلَ لِخُصُوصِيَّةِ شَيْءٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ تَضَرُّرِ النَّاسِ. فَإِنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِتَوَى حَقِّهِمْ سَوَاءٌ كَانَ سَبَبَ الدَّيْنِ التِّجَارَةُ أَوْ غَيْرُهَا كَصَدَاقِ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، وَسَوَاءً كَانَتْ التِّجَارَةُ تِجَارَةً دَاخِلَةً تَحْتَ الْإِذْنِ أَوْ تِجَارَةً غَيْرَ دَاخِلَةٍ تَحْتَهُ، كَمَا إذَا لَحِقَ بِالْعَبْدِ الْمَحْجُورِ دَيْنٌ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ ظُهُورِ وُجُوبِ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَلِخُصُوصِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْخَلٌ لَا مَحَالَةَ، فَبِالْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يُتِمَّ الْفَائِدَةَ وَالتَّقْرِيبَ. وَأَمَّا بِالْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي فَيُتِمُّ كُلَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ عَنْ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ كَانَ لُزُومُ إبْطَالِ حَقِّ الْمَوْلَى مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَإِذَا ظَهَرَ وُجُوبُ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِدُخُولِ سَبَبِهِ تَحْتَ إذْنِ الْمَوْلَى زَالَ ذَلِكَ الْمَانِعُ قَطْعًا فَتَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِرَقَبَتِهِ.
وَمِمَّا يُقَرِّرُ الْمَعْنَى الثَّانِي تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي دَلِيلَنَا هَاهُنَا حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا أَنَّ هَذَا دَيْنٌ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِسَبَبِ التِّجَارَةِ وَإِذْنُهُ قَدْ ظَهَرَ فِي حَقِّ التِّجَارَةِ فَتُبَاعُ رَقَبَةُ الْعَبْدِ فِيهِ كَدِينِ الِاسْتِهْلَاكِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ النَّاسِ، وَكَذَا تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْغَايَةِ إيَّاهُ حَيْثُ قَالَ: وَلَنَا أَنَّهُ دَيْنٌ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ قِيَاسًا عَلَى دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ. أَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْعَبْدِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا ظُهُورُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَلِأَنَّ سَبَبَ الدَّيْنِ هُوَ التِّجَارَةُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَكَانَ ظَاهِرًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا مَحَالَةَ، وَإِذَا ظَهَرَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ اسْتِيفَاءً كَمَا فِي دَيْنِ الِاسْتِهْلَاكِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّ الْمَحْجُورُ حَيْثُ يَثْبُتُ الدَّيْنُ عَلَيْهِ وَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لِعَدَمِ إذْنِهِ اهـ كَلَامَهُ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ: هَاهُنَا: وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ اهـ.
وَكَأَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ وَهَذَا: أَيْ كَوْنُ دَيْنِ تِجَارَتِهِ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ سَبَبَهُ التِّجَارَةُ، وَهِيَ أَيْ التِّجَارَةُ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ اهـ. أَقُولُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ هَاهُنَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ أَصْلُ الْمُدَّعَى الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَوْ كَفَى فِي إثْبَاتِ
[ ٩ / ٢٩٤ ]
قَالَ (وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِالرَّقَبَةِ فَصَارَ كَتَعَلُّقِهَا بِالتَّرِكَةِ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ) لِتَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الرَّقَبَةِ بِهِ (وَلَا يُبَاعُ ثَانِيًا) كَيْ لَا يَمْتَنِعَ الْبَيْعُ أَوْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي (وَيَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِكَسْبِهِ سَوَاءً حَصَلَ قَبْلَ لُحُوقِ الدَّيْنِ أَوْ بَعْدَهُ وَيَتَعَلَّقُ بِمَا يَقْبَلُ مِنْ الْهِبَةِ)؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِي الْمِلْكِ بَعْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَةِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَفْرُغْ (وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا انْتَزَعَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الدَّيْنِ) لِوُجُودِ شَرْطِ الْخُلُوصِ لَهُ (وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَلَّةَ مِثْلِهِ بَعْدَ الدَّيْنِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ يَحْجُرُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ الْكَسْبُ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى
ذَلِكَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ التِّجَارَةُ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْإِذْنِ لَكَانَ بَاقِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي دَلِيلِنَا الْمَزْبُورِ مُسْتَدْرِكَةً.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي إثْبَاتِ مَطْلُوبِنَا هَذَا إنَّمَا هِيَ قَوْلُهُ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَهُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ، وَتَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ نَتِيجَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ إيَّاهُ بِقَوْلِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ هَذَا فِي قَوْلِهِ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى ظُهُورِ وُجُوبِ ذَلِكَ الدَّيْنِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى لَا غَيْرَ، وَهَذَا كُلُّهُ يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ (قَوْلُهُ وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِالرَّقَبَةِ فَصَارَ كَتَعَلُّقِهَا بِالتَّرِكَةِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ لِتَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الرَّقَبَةِ بِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: إذَا بَاعَ الْقَاضِي الْعَبْدَ يُقَسِّمُ ثَمَنَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِالرَّقَبَةِ فَصَارَ كَتَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِالتَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالثَّمَنِ وَفَاءٌ يَضْرِبُ كُلُّ غَرِيمٍ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ حَقِّهِ، كَالتَّرِكَةِ إذَا ضَاقَتْ عَنْ إيفَاءِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ: أَيْ دُيُونِ الْعَبْدِ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ لِتَقَرُّرِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ وَفَاءِ الرَّقَبَةِ بِهِ اهـ كَلَامَهُ.
أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ خَلَلٌ، فَإِنَّ ذِكْرَ قَوْلِهِ فَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ بِطَرِيقِ الشَّرْطِيَّةِ سِيَّمَا مَعَ أَدَاةِ التَّفْرِيعِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالثَّمَنِ وَفَاءٌ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالثَّمَنِ وَفَاءٌ يَتَعَيَّنُ بَقَاءُ شَيْءٍ مِنْ دُيُونِهِ عَلَيْهِ فَمَا مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ، وَكَانَ حَقُّ التَّحْرِيرِ أَنْ يَقُولَ: فَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ دُيُونِهِ طُولِبَ بِهِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ فِي مَوْقِعِهِ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ فِيمَا قَبْلَهُ عَدَمَ وَفَاءِ الثَّمَنِ بِالدُّيُونِ، بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ مُجَرَّدَ تَقْسِيمِ ثَمَنِهِ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ بِالثَّمَنِ وَفَاءٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ فَحَسُنَتْ الشَّرْطِيَّةُ وَأَدَاةُ التَّفْرِيعِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يَخْلُفُهُ فِي الْمِلْكِ بَعْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَةِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَفْرُغْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَمْ يَفْرُغْ: فَكَانَ كَكَسْبٍ غَيْرِ مُنْتَزَعٍ اهـ. أَقُولُ: قَدْ أَخَلَّ بِحَقِّ الْمَقَامِ بِمَا زَادَهُ، فَإِنَّ
[ ٩ / ٢٩٥ ]
غَلَّةِ الْمِثْلِ يَرُدُّهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ فِيهَا وَتَقَدُّمِ حَقِّهِمْ. .
قَالَ (فَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْحَجِرْ حَتَّى يَظْهَرَ حَجْرُهُ بَيْنَ أَهْلِ سُوقِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْحَجَرَ لَتَضَرَّرَ النَّاسُ بِهِ لِتَأَخُّرِ حَقِّهِمْ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ لِمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ وَكَسْبِهِ وَقَدْ بَايَعُوهُ عَلَى رَجَاءِ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ أَكْثَرِ أَهْلِ سُوقِهِ، حَتَّى لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي السُّوقِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ لَمْ يَنْحَجِرْ، وَلَوْ بَايَعُوهُ جَازَ، وَإِنْ بَايَعَهُ الَّذِي عَلِمَ بِحَجْرِهِ وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ بِمَحْضَرٍ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ سُوقِهِ يَنْحَجِرُ، وَالْمُعْتَبَرُ شُيُوعُ الْحَجْرِ وَاشْتِهَارُهُ فَيُقَامُ ذَلِكَ مَقَامَ الظُّهُورِ عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ مِنْ الرُّسُلِ ﵈، وَيَبْقَى الْعَبْدُ مَأْذُونًا إلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالْحَجْرِ كَالْوَكِيلِ إلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالْعَزْلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ حَيْثُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَمَا رَضِيَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ الشُّيُوعُ فِي الْحَجْرِ إذَا كَانَ الْإِذْنُ شَائِعًا. أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إلَّا الْعَبْدُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ بِعِلْمٍ مِنْهُ يَنْحَجِرُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ. .
قَالَ (وَلَوْ مَاتَ الْمَوْلَى أَوْ جُنَّ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ مُرْتَدًّا صَارَ الْمَأْذُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَمَا لَا يَكُونُ لَازِمًا مِنْ التَّصَرُّفِ يُعْطَى لِدَوَامِهِ حُكْمُ الِابْتِدَاءِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ أَهْلِيَّةِ الْإِذْنِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ وَهِيَ تَنْعَدِمُ بِالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ، وَكَذَا بِاللُّحُوقِ
التَّشْبِيهَ بِكَسْبٍ غَيْرِ مُنْتَزَعٍ يُشْعِرُ بِكَوْنِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ مُخْتَصًّا بِمَا يَقْبَلُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْهِبَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَعُمُّ تَعَلُّقَ دَيْنِهِ بِكَسْبِهِ وَتَعَلُّقَهُ بِمَا يَقْبَلُهُ مِنْ الْهِبَةِ لِجَرَيَانِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ مَعًا بِلَا تَفَاوُتٍ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ مَخْصُوصًا بِصُورَةِ قَبُولِ الْهِبَةِ لَبَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى
[ ٩ / ٢٩٦ ]
لِأَنَّهُ مَوْتٌ حُكْمًا حَتَّى يُقَسَّمَ مَالُهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ. .
قَالَ (وَإِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَبْقَى مَأْذُونًا؛ لِأَنَّ الْإِبَاقَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ، فَكَذَا لَا يُنَافِي الْبَقَاءَ وَصَارَ كَالْغَصْبِ. وَلَنَا أَنَّ الْإِبَاقَ حَجْرُ دَلَالَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْضَى بِكَوْنِهِ مَأْذُونًا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَقْضِيَةِ دَيْنِهِ بِكَسْبِهِ، بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا، وَبِخِلَافِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الِانْتِزَاعَ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ مُتَيَسِّرٌ. .
قَالَ (وَإِذَا) (وَلَدَتْ الْمَأْذُونُ لَهَا مِنْ مَوْلَاهَا) فَذَلِكَ حَجْرٌ عَلَيْهَا خِلَافًا لَزُفَرَ، وَهُوَ يَعْتَبِرُ حَالَةَ الْبَقَاءِ بِالِابْتِدَاءِ. وَلَنَا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُحْصِنُهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ فَيَكُونُ دَلَالَةَ الْحَجْرِ عَادَةً، بِخِلَافِ الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ قَاضٍ عَلَى الدَّلَالَةِ.
(وَيَضْمَنُ الْمَوْلَى قِيمَتَهَا إنْ) (رَكِبَتْهَا دُيُونٌ) لِإِتْلَافِهِ مَحِلًّا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ، إذْ بِهِ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ وَبِهِ يُقْضَى حَقُّهُمْ. .
قَالَ (وَإِذَا اسْتَدَانَتْ الْأَمَةُ الْمَأْذُونُ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا فَدَبَّرَهَا الْمَوْلَى فَهِيَ مَأْذُونٌ لَهَا عَلَى حَالِهَا) لِانْعِدَامِ دَلَالَةِ الْحَجْرِ، إذْ الْعَادَةُ مَا جَرَتْ بِتَحْصِينِ الْمُدَبَّرَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ حُكْمَيْهَا أَيْضًا، وَالْمَوْلَى ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ. .
قَالَ (وَإِذَا حُجِرَ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ فِيمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ)
وَهِيَ تَعَلُّقُ دَيْنِهِ بِكَسْبِهِ بِلَا ذِكْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهَا مَعَ كَوْنِهَا الْعُمْدَةُ فِي الْمَقَامِ، وَلَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مِنْ الْمُصَنِّفِ ﵀ قَطُّ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا مُعْتَبَرَ بِهَا عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلدَّلَالَةِ اعْتِبَارٌ عِنْدَ وُجُودِ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ الْآبِقُ مَحْجُورًا فِي الْبَقَاءِ أَيْضًا، إذْ قَدْ وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِالْإِذْنِ مِنْ الْمَوْلَى فِي الِابْتِدَاءِ فَكَانَتْ دَلَالَةُ الْإِبَاقِ عَلَى الْحَجْرِ فِي الْبَقَاءِ مُخَالِفَةً لِذَاكَ التَّصْرِيحِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُعْتَبَرَ. ثُمَّ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ وُجُودَ التَّصْرِيحِ بِالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَهُ إلَى حَالِ الْإِبَاءِ، فَالْمَعْلُومُ قَطْعًا إنَّمَا هُوَ وُجُودُهُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَأَمَّا وُجُودُهُ فِي الْبَقَاءِ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهُوَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، وَلِذَلِكَ تَكُونُ دَافِعَةً لَا مُثْبِتَةً، فَيَجُوزُ أَنْ تُرَجَّحُ الدَّلَالَةُ عَلَيْهَا، وَعَنْ هَذَا اُعْتُبِرَتْ
[ ٩ / ٢٩٧ ]
وَمَعْنَاهُ أَنْ يُقَرَّ بِمَا فِي يَدِهِ أَنَّهُ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ أَوْ غَصْبٌ مِنْهُ أَوْ يُقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَيُقْضَى مِمَّا فِي يَدِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ. لَهُمَا أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِإِقْرَارِهِ إنْ كَانَ الْإِذْنَ فَقَدْ زَالَ بِالْحَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الْيَدَ فَالْحَجْرُ أَبْطَلَهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَصَارَ كَمَا إذَا أَخَذَ الْمَوْلَى كَسْبَهُ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ إقْرَارِهِ أَوْ ثَبَتَ حَجْرُهُ بِالْبَيْعِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي حَقِّ الرَّقَبَةِ بَعْدَ الْحَجْرِ، وَلَهُ أَنَّ الْمُصَحِّحَ هُوَ الْيَدُ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إقْرَارُ الْمَأْذُونِ فِيمَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ وَالْيَدُ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً، وَشَرْطُ بُطْلَانِهَا بِالْحَجْرِ حُكْمًا فَرَاغُهَا عَنْ حَاجَتِهِ، وَإِقْرَارُهُ دَلِيلُ تَحَقُّقِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَزَعَهُ الْمَوْلَى مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَوْلَى ثَابِتَةٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَلَا تَبْطُلُ بِإِقْرَارِهِ، وَكَذَا مِلْكُهُ ثَابِتٌ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِإِقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ تَبَدَّلَ بِتَبَدُّلِ الْمِلْكِ
فِي الْبَقَاءِ دُونَ الِابْتِدَاءِ تَأَمَّلْ
(قَوْلَهُ لَهُمَا أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِإِقْرَارِهِ إنْ كَانَ الْإِذْنُ فَقَدْ زَالَ بِالْحَجْرِ، وَإِنْ كَانَ الْيَدُ فَالْحَجْرُ أَبْطَلَهَا؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْت: يَشْكُلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي وَدِيعَةِ الْمَبْسُوطِ بِقَوْلِهِ عَبْدٌ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً ثُمَّ غَابَ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَدِيعَةَ تَاجِرًا كَانَ الْعَبْدُ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِيَدِ الْمَحْجُورِ اعْتِبَارٌ لَمَا اشْتَرَطَ حَضْرَتَهُ بَلْ جَعَلَ مَا أَوْدَعَهُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ فَائِدَةُ عَدَمِ اعْتِبَارِ الْيَدِ هِيَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا بِمَنْزِلَةٍ وَلَمْ تُجْعَلْ كَذَلِكَ، فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ لِيَدِهِ اعْتِبَارًا وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَام الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي وَدِيعَةِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْعَبْدَ آدَمِيٌّ لَهُ يَدٌ حُكْمِيَّةٌ فَلَا يَكُونُ لِمَوْلَاهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمُودَعِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَبْدُ.
قُلْت: تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ مُؤَوَّلَةٌ ذُكِرَ تَأْوِيلُهَا فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ وَدِيعَةِ الذَّخِيرَةِ فَقَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُودَعُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ كَسْبُ الْعَبْدِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَسْبُهُ فَلِلْمَوْلَى حَقُّ الْأَخْذِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا كَسْبُ الْعَبْدِ وَلَكِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مَالُ الْمَوْلَى كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ، إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ. وَقَدْ اقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي ذِكْرِ هَذَا السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ لَكِنْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَخْصَرَ مِنْ الْأُولَى.
أَقُولُ: ذَلِكَ الْجَوَابُ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَإِنَّ تَأْوِيلَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِمَا ذُكِرَ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّا يَأْبَاهُ قَطْعًا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْأُسْرُوشَنِيُّ فِي وَدِيعَةِ أَحْكَامِ الصِّغَارِ فِي تَعْلِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِمَا مَرَّ فِي آخَرِ السُّؤَالِ
[ ٩ / ٢٩٨ ]
عَلَى مَا عُرِفَ فَلَا يَبْقَى مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ خَصْمًا فِيمَا بَاشَرَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ. .
قَالَ (وَإِذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ تُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ.
لَا يُجْدِي نَفْعًا فِي دَفْعِ الْإِشْكَالِ النَّاشِئِ مِنْ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَةِ إنَّ يَدَ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ أَنَّ فِي صُورَةِ أَنْ لَا يَعْلَمَ الْمُودَعُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ الَّتِي أَوْدَعَهَا الْعَبْدُ الْمَحْجُورُ كَسْبُ ذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ مَالُ مَوْلَاهُ لَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَهَا، بَلْ إنَّمَا يَأْخُذُهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَقَدْ تَحَقَّقَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَحْجُورِ يَدٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ كُلِّيَّةً، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كُلِّيَّةً لَا يَثْبُتُ مُدَّعَى الْإِمَامَيْنِ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
لَا يُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمَا فِي التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَحْجُورِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَنَّ يَدَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْكُلِّيَّةِ يَكْفِي فِي إثْبَاتِ مُدَّعَاهُمَا هَاهُنَا. لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْكُلِّيَّةِ أَيْضًا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الصُّوَرِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ إقْرَارُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ لِغَيْرِهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ كَسْبُهُ أَوْ مَالُ مَوْلَاهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ إذْ ذَاكَ مُعْتَبَرَةٌ عَلَى مُقْتَضَى مَا مَرَّ فِي مَسْأَلَةِ الْمَبْسُوطِ وَتَقَرَّرَ بَعْدَ تَأْوِيلِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ أَيْضًا إقْرَارُهُ بَعْدَ الْحَجْرِ بِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ غَصْبٌ مِنْ غَيْرِهِ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ كَسْبُهُ أَوْ مَالُ مَوْلَاهُ تَكُونُ يَدُهُ مُعْتَبَرَةً عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنُ الْمَغْصُوبِ مُتَغَيِّرًا بِفِعْلِهِ بِأَنْ لَمْ يَزُلْ اسْمُهُ وَعِظَمُ مَنَافِعِهِ، إذْ لَا يَزُولُ عَنْهُ حِينَئِذٍ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ كَمَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَسْبِ ذِي الْيَدِ، تَدَبَّرْ تَفْهَمْ.
(قَوْلَهُ فَلَا يَبْقَى مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَعْنِي بِهِ الْإِذْنَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ بِحُكْمِ أَنَّهُ مِلْكُ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ اهـ. وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى اسْتِخْرَاجُ سَائِرُ الشُّرَّاحِ أَيْضًا هَذَا الْمَحَلَّ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَتُهُمْ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: أَيْ لَا يَبْقَى لِلْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بَعْدَ بَيْعِهِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ الْإِذْنِ قَبْلَ الْبَيْعِ بِحُكْمِ أَنَّهُ مِلْكُ الْمَوْلَى فَلَا جَرَمَ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ بِمَا فِي يَدِهِ بَعْدَ الْبَيْعِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ بَقَاءِ الْإِذْنِ مُقَرَّرٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَيْضًا، وَهُوَ مَا إذَا حَجَرَ الْمَوْلَى عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ بِدُونِ أَنْ يَبِيعَهُ، وَالْمُصَنِّفُ هَاهُنَا بِصَدَدِ الْفَرْقِ مِنْ قَبْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ مَا نَحْنُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا إذَا بَاعَهُ، فَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِمَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ فَلَا يَبْقَى مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ هُوَ الْإِذْنُ لِمَا كَانَ لِذِكْرِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ: أَعْنِي قَوْلَهُ فَلَا يَبْقَى مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَائِدَةٌ أَصْلًا هَاهُنَا لِعَدَمِ اخْتِصَاصِ عَدَمِ بَقَاءِ الْإِذْنِ بِمَا إذَا بَاعَهُ دُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ الْمَذْكُورُ لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِمِثْلِ الْمُصَنِّفِ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِمَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فِي قَوْلِهِ الْمَزْبُورِ يَدُهُ الْحُكْمِيَّةُ كَمَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ فِيمَا قَبْلُ وَالْيَدُ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً وَشَرْطُ بُطْلَانِهَا بِالْحَجْرِ حُكْمًا فَرَاغُهَا عَنْ حَاجَتِهِ. وَلَمَّا كَانَ تَبَدُّلُ الْمِلْكِ فِيمَا إذَا بَاعَهُ بِمَنْزِلَةِ تَبَدُّلِ الذَّاتِ لَمْ يَبْقَ مَا ثَبَتَ بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ مِنْ يَدِهِ الْحُكْمِيَّةِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ الْبَدَنِيَّةَ بَاقِيَةٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا مَا لَمْ يُفَرِّعْ عَنْ حَاجَتِهِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تَظْهَرُ فَائِدَةُ هَاتِيك الْمُقَدِّمَةِ جِدًّا، فَتَأَمَّلْ وَكُنْ الْحَاكِمَ الْفَيْصَلَ
. (قَوْلَهُ وَإِذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ تُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تُحِيطَ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ، أَوْ لَا تُحِيطَ بِشَيْءٍ مِنْ
[ ٩ / ٢٩٩ ]
وَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَيَعْتِقُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ)؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ الْمِلْكِ فِي كَسْبِهِ وَهُوَ مِلْكُ رَقَبَتِهِ وَلِهَذَا يَمْلِكُ إعْتَاقَهَا، وَوَطْءَ الْجَارِيَةِ الْمَأْذُونِ لَهَا، وَهَذَا آيَةُ كَمَالِهِ، بِخِلَافِ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لَهُ نَظَرًا لِلْمُوَرِّثِ وَالنَّظَرُ فِي ضِدِّهِ عِنْدَ إحَاطَةِ الدَّيْنِ بِتَرِكَتِهِ. أَمَّا مِلْكُ الْمَوْلَى فَمَا ثَبَتَ نَظَرًا لِلْعَبْدِ. وَلَهُ أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ خِلَافُهُ عَنْ الْعَبْدِ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ كَمِلْكِ الْوَارِثِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ وَالْمُحِيطُ بِهِ الدَّيْنُ مَشْغُولٌ بِهَا فَلَا يَخْلُفُهُ فِيهِ، وَإِذَا عُرِفَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَعَدَمُهُ فَالْعِتْقُ فُرَيْعَتُهُ، وَإِذَا نَفَذَ عِنْدَهُمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِهِ. قَالَ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَالِهِ جَازَ عِتْقُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) أَمَّا عِنْدَهُمَا فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى عَنْ قَلِيلِهِ، فَلَوْ جُعِلَ مَانِعًا
ذَلِكَ، أَوْ أَحَاطَتْ بِمَالِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ. فَالْأَوَّلُ كَمَا إذَا أَذِنَ لِلْعَبْدِ فَاشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا وَالْمَأْذُونُ أَيْضًا يُسَاوِي أَلْفًا وَعَلَيْهِ أَلْفَا دِرْهَمٍ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ اهـ. أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْقِسْمَةُ لَيْسَتْ بِحَاصِرَةٍ، إذْ هُنَا احْتِمَالُ قِسْمٍ رَابِعٍ وَهُوَ أَنْ تُحِيطَ بِرَقَبَتِهِ دُونَ مَالِهِ عَلَى عَكْسِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِكَسْبِ الْمَأْذُونِ الْمَدْيُونِ فِي الِاسْتِيفَاءِ، وَعِنْدَ انْعِدَامِ كَسْبِهِ يُسْتَوْفَى مِنْ رَقَبَتِهِ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنْ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِكَسْبِهِ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى تَعَلُّقِهِ بِرَقَبَتِهِ فَلَمْ يُتَصَوَّرْ فِي الشَّرْعِ أَنْ تُحِيطَ دُيُونُهُ بِرَقَبَتِهِ دُونَ مَالِهِ الَّذِي هُوَ كَسْبُهُ، فَكَانَتْ الْأَقْسَامُ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَقُّقُهَا فِي الشَّرْعِ مُنْحَصِرَةً فِي الثَّلَاثَةِ فِيمَا إذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قِسْمٍ آخَرَ هُوَ احْتِمَالٌ عَقْلِيٌّ مَحْضٌ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الشَّرْعِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَالِهِ جَازَ عِتْقُهُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا) الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ جَازَ عِتْقُهُ
[ ٩ / ٣٠٠ ]
لَانْسَدَّ بَابُ الِانْتِفَاعِ بِكَسْبِهِ فَيَخْتَلُّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِذْنِ وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ وَالْمُسْتَغْرَقُ يَمْنَعُهُ. .
قَالَ (وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ)؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِكَسْبِهِ (وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا)؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ،
فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ، إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ قَوْلِهِ بِمَالِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَرَقَبَتَهُ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّ تَعَلُّقَ الدُّيُونِ بِكَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِرَقَبَتِهِ، وَإِذَا لَمْ تُحِطْ الدُّيُونُ بِمَالِهِ يَتَعَيَّنُ عَدَمُ إحَاطَتِهَا بِرَقَبَتِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الثَّانِي بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوَّلِ، وَمَا وَقَعَ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ فَمِنْ قَبِيلِ التَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاطِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا هُوَ حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَارِّ ذِكْرُهَا فِي التَّقْسِيمِ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ الْعِنَايَةِ فِيمَا قَبْلُ، وَحُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَبْلُ بِقَوْلِهِ وَإِذَا لَزِمَتْهُ دُيُونٌ تُحِيطُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ لَمْ يَمْلِكْ الْمَوْلَى مَا فِي يَدِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا لَمْ يَعْتِقْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَمْلِكُ مَا فِي يَدِهِ وَيَعْتِقُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْهَا فَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ قَطُّ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْكِتَابِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَنْ بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ جَائِزٌ اهـ. وَأَرَادَ بِبَعْضِ الشَّارِحِينَ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحَمَّدٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي رَجُلٍ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِي أَلْفًا وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا وَعَلَى الْأَوَّلِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَأَعْتَقَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى فَعِتْقُهُ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ مِثْلُ قِيمَتِهِمَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عِتْقُهُ جَائِزٌ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا اهـ. أَقُولُ: فِي جَوَازِ عِتْقِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْمَارِّ ذِكْرُهَا إشْكَالٌ عَلَى مُقْتَضَى دَلِيلِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ فِي الْقِسْمِ الْخِلَافِيِّ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَوَّلًا وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ثَانِيًا، فَإِنَّ حَاصِلَ ذَاكَ الدَّلِيلِ أَنَّ مِلْكَ الْمَوْلَى إنَّمَا يَثْبُتُ خِلَافُهُ عَنْ الْعَبْدِ عِنْدَ فَرَاغِهِ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْمَالُ الَّذِي أَحَاطَ بِهِ الدَّيْنُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ فَلَا يَخْلُفُهُ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ الْمِلْكُ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْمِلْكُ لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ جَمِيعَ مُقَدِّمَاتِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ جَارِيَةٌ بِعَيْنِهَا فِيمَا إذَا أَحَاطَتْ الدُّيُونُ بِكَسْبِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ إعْتَاقُهُ فِيهِ أَيْضًا
. (قَوْلُهُ وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ جَوَابَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ الْمَدْيُونَ إذَا بَاعَ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا اهـ. وَكَوْنُهُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، إذْ قَدْ مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّهُمَا قَالَا: الْمَوْلَى يَمْلِكُ مَا فِي يَدِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ وَلَوْ أَحَاطَتْ دُيُونُهُ بِمَالِهِ وَرَقَبَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ مِنْ كَسْبِهِ عَبْدًا يَعْتِقُ عِنْدَهُمَا فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى أَصْلِهِمَا حَتَّى يَتَمَشَّى التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ عَلَى قَوْلِهِمْ جَمِيعًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ.
(قَوْلَهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَهَذَا الْخِلَافُ مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَبِخِلَافِ اهـ. وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ.
[ ٩ / ٣٠١ ]
لِأَنَّ حَقَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمْ الِاسْتِخْلَاصُ بِأَدَاءِ قِيمَتِهِ. أَمَّا حَقُّ الْغُرَمَاءِ تَعَلَّقَ بِالْمَالِيَّةِ لَا غَيْرَ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَيُخَيَّرُ الْمَوْلَى إنْ شَاءَ أَزَالَ الْمُحَابَاةَ، وَإِنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ الْيَسِيرُ مِنْ الْمُحَابَاةِ وَالْفَاحِشُ سَوَاءٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْغُرَمَاءِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُمْ، وَهَذَا
وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِلَا مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ، بَلْ الْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ عَدَمُ الْوَاوِ اهـ.
أَقُولُ: بَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِلَا مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ لَيْسَ بِصَحِيحِ، فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ حِينَئِذٍ عَلَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ: أَعْنِي قَوْلَ الْقُدُورِيِّ وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ مُلَابَسَتَانِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، لَكِنْ عَلَى التَّوْزِيعِ بِطَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْغَيْرِ الْمُتَرَتِّبِ: أَيْ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مُلَابِسَةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مُلَابِسَةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ
[ ٩ / ٣٠٢ ]
بِخِلَافِ الْبَيْعِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْمُحَابَاةِ الْيَسِيرَةِ حَيْثُ يَجُوزُ وَلَا يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ، وَالْمَوْلَى يُؤْمَرُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْيَسِيرِ مِنْهُمَا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ التَّبَرُّعِ وَالْبَيْعِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَاعْتَبَرْنَاهُ تَبَرُّعًا فِي الْبَيْعِ مَعَ الْمَوْلَى لِلتُّهْمَةِ غَيْرَ تَبَرُّعٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ لِانْعِدَامِهَا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْكَثِيرِ مِنْ الْمُحَابَاةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَصْلًا عِنْدَهُمَا، وَمِنْ الْمَوْلَى يَجُوزُ وَيُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لَا تَجُوزُ مِنْ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ عَلَى أَصْلِهِمَا إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى، وَلَا إذْنَ فِي الْبَيْعِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ إذْنٌ بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ، غَيْرَ أَنَّ إزَالَةَ الْمُحَابَاةِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَهَذَانِ الْفَرْقَانِ عَلَى أَصْلِهِمَا.
قَالَ (وَإِنْ بَاعَهُ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ جَازَ الْبَيْعُ)؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذَا الْبَيْعِ؛ وَلِأَنَّهُ مُفِيدٌ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَيَتَمَكَّنُ الْمَوْلَى مِنْ أَخْذِ الثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا التَّمَكُّنُ وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ تَتْبَعُ الْفَائِدَةَ (فَإِنْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ إلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ بَطَلَ الثَّمَنُ)؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى فِي الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْحَبْسُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ سُقُوطِهِ يَبْقَى فِي الدَّيْنِ وَلَا يَسْتَوْجِبُهُ الْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ وَجَازَ أَنْ يَبْقَى حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِالْعَيْنِ. قَالَ (وَإِنْ أَمْسَكَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ جَازَ)؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَهُ حَقُّ الْحَبْسِ فِي الْمَبِيعِ وَلِهَذَا كَانَ أَخَصَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَوْلَى حَقٌّ فِي الدَّيْنِ إذَا
الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، لَا أَنَّ كِلْتَا الْمَسْأَلَتَانِ مُلَابَسَتَانِ بِكِلَا الْخِلَافَيْنِ، فَإِذَنْ يَتَحَقَّقُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ وَيَصِحُّ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ إنَّ فِي تَصْحِيحِ الْعَطْفِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاوِ تَوْجِيهًا آخَرَ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ وَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَإِنْ بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى بِمِثْلِ قِيمَتِهِ
[ ٩ / ٣٠٣ ]
كَانَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ (وَلَوْ بَاعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمُحَابَاةِ أَوْ بِنَقْضِ الْبَيْعِ) كَمَا بَيَّنَّا فِي جَانِبِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ. .
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى الْمَأْذُونَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ فَعِتْقُهُ جَائِزٌ)؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ بَاقٍ وَالْمَوْلَى ضَامِنٌ لَقِيمَتِهِ لِلْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ بَيْعًا وَاسْتِيفَاءً مِنْ ثَمَنِهِ (وَمَا بَقِيَ مِنْ الدُّيُونِ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ)؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ وَمَا لَزِمَ الْمَوْلَى إلَّا بِقَدْرِ مَا أَتْلَفَ ضَمَانًا فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ كَمَا كَانَ (فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ ضَمِنَ الدَّيْنَ لَا غَيْرَ)؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ بِقَدْرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْمُدَبَّرَ وَأُمَّ الْوَلَدِ الْمَأْذُونِ لَهُمَا وَقَدْ رَكِبَتْهُمَا دُيُونٌ
جَازَ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ بِالنُّقْصَانِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ، هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَبِخِلَافِ اهـ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ التَّوْجِيهِ الْوَجِيهِ، إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَدْ رَأَى تَوْجِيهَ صَاحِبِ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَزَمَ بِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِلَا مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ بِدُونِ أَنْ يُبَيِّنَ الْفَسَادَ فِي تَوْجِيهِ صَاحِبِ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. نَعَمْ فِي تَوْجِيهِهِ تَمَحُّلٌ لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَبْعَدَ وَأَقْبَحَ مِمَّا اخْتَارَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوَاوِ بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي كَلَامِهِ تَعْقِيدٌ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ وَبَيَانُ حَالِهِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدُونِ الْوَاوِ فَيَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ الْمُتَّصِل بِهِ. وَهُوَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ: أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ حَالٍ: أَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمُحَابَاةُ يَسِيرَةً أَوْ فَاحِشَةً أَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، وَبَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَلَكِنَّ النُّسْخَةَ بِالْوَاوِ تَأْبَاهُ، اهـ كَلَامَهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ كَلَامَهُ هَذَا أَيْضًا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ أَيْضًا عَنْهُ: قُلْت ذَلِكَ أَوْجَهُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ بِالْقُرْبِ دُونَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ جَوَازُ الْمُحَابَاةِ مَعَهُ مُطْلَقًا، وَلَا يُرَدُّ بَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ إشْكَالًا عَلَيْهِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا أَيْضًا بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ جَوَازُ الْمُحَابَاةِ مَعَهُ مُطْلَقًا، كَذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ بَيْعِهِ مِنْهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ مَفْهُومٌ بِالْعِبَارَةِ وَالثَّانِي مَفْهُومٌ بِالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَتْ الْمُحَابَاةُ مَعَهُ فَلَأَنْ جَازَ الْبَيْعُ مِنْهُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى. وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ: أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ حَالٍ: أَعْنِي إذَا كَانَتْ الْمُحَابَاةُ يَسِيرَةً أَوْ فَاحِشَةً أَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ فَإِذْن اتَّجَهْت الْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ بَيْعِ الْعَبْدِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَبَيْنَ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ الْوَارِثِ حَيْثُ جَازَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، مَعَ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِالْمَبِيعِ فَاحْتَاجَ إلَى الْجَوَابِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ:
[ ٩ / ٣٠٤ ]
لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِمَا اسْتِيفَاءً بِالْبَيْعِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى مُتْلِفًا حَقَّهُمْ فَلَمْ يَتَضَمَّنْ شَيْئًا.
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْمَرِيضِ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَةِ الْمَبِيعِ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْهُ بِالْمُحَابَاةِ، وَقَدْ سَلَكَ هَاهُنَا أَيْضًا مَسْلَكَ الدَّلَالَةِ فَلَا مَحْذُورَ فِي تَرْكِ الْوَاوِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمِ قَوْلِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ.
وَقَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَسْأَلَةِ بِلَا وَاوٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مُورِدَةٍ نَقْضًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ دُونَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ؛ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَازَ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْوَاوَ فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ نَقْضٌ عَلَى بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْمُحَابَاةِ فَأَدْخَلَ الْوَاوَ لِدَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ اهـ. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مُورِدَةٍ نَقْضًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ دُونَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ؛ لِأَنَّهُ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ الْمَوْلَى بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ جَازَ كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ هَاهُنَا اثْنَتَانِ: أُولَاهُمَا قَوْلُهُ وَإِذَا بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ جَازَ، وَأُخْرَاهُمَا قَوْلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ انْتِقَاضِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِمَسْأَلَةِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ الْقِيمَةِ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ انْتِقَاضِ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى بِمَسْأَلَةِ الْمُحَابَاةِ الْمَأْذُونِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَ الْمَأْذُونُ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا بِنُقْصَانٍ وَبَيْنَ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِنُقْصَانٍ كَذَلِكَ قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَ الْمَأْذُونُ مِنْ مَوْلَاهُ شَيْئًا بِمِثْلِ قِيمَتِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا بَاعَهُ الْمَرِيضُ مِنْ وَارِثِهِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْأُولَى مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَزْبُورَتَيْنِ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ: أَيْ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ دُونَ الْأُخْرَى مِنْهُمَا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ كِلْتَاهُمَا مَسْأَلَتَانِ مَذْكُورَتَانِ مَعًا فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَتَا مَعًا مَسْأَلَتَيْ الْكِتَابِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ إلَخْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِانْتِقَاضِ دُونَ قَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ فَإِنَّهُ لِبَيَانِ الْفَرْقِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دَفْعَ تَوَهُّمِ الِانْتِقَاضِ إنَّمَا يَكُونُ بِبَيَانِ الْفَرْقِ، فَقَصْدُ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِهَذَا الْمَعْنَى فِي إثْبَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِلَا وَاوٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ فَلَا يَثْبُتُ مُدَّعَاهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مُتَعَلِّقٌ بِأُولَى مَسْأَلَتَيْ الْكِتَابِ، وَقَوْلُهُ وَبِخِلَافِ مَا إذَا حَابَى الْأَجْنَبِيَّ مُتَعَلِّقٌ بِأُخْرَاهُمَا فَلَا مَعْنَى لِلْوَاوِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُولَى؟ قُلْنَا: قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ أَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا تَرْتِيبَ فِيهَا، فَمَدْخُولُهَا لَا يَقْتَضِي التَّأَخُّرَ لَا فِي الْوُقُوعِ وَلَا فِي التَّعَلُّقِ، فَلَا مَحْذُورَ فِي إتْيَانِ الْوَاوِ هَاهُنَا أَصْلًا.
وَأَمَّا ثَانِيًا؛ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْوَاوَ فِيهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ نَقْضٌ عَلَى بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ بِالْمُحَابَاةِ فَأَدْخَلَ الْوَاوَ لِدَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاوُ فِيهِ لِلْعَطْفِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ صَالِحًا لِلْعَطْفِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَسْأَلَةِ بِلَا وَاوٍ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مُورِدَةٍ نَقْضًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لَهُ فَكَيْفَ يَصِحُّ إدْخَالُ وَاوِ الْعَطْفِ فِيمَا لَا يَصْلُحُ لِلْعَطْفِ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ تَوَهُّمِ شَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ فَمِنْ أَيْنَ يَنْدَفِعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوَاوِ بِجَعْلِهِ مُتَعَلِّقًا بِأَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي كَلَامِهِ تَعْقِيدٌ، وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ هَكَذَا: وَإِنْ بَاعَ مِنْ الْمَوْلَى شَيْئًا بِمِثْلِ الْقِيمَةِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالْأَجْنَبِيِّ عَنْ كَسْبِهِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ مِنْ الْوَارِثِ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ: أَيْ عَيْنِ مَالِ الْمَيِّتِ حَتَّى كَانَ لِأَحَدِهِمْ الِاسْتِخْلَاصُ بِأَدَاءِ قِيمَتِهِ.
أَمَّا حَقُّ الْغُرَمَاءِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَالِيَّةِ لَا غَيْرَ فَافْتَرَقَا: أَيْ الْمَوْلَى وَالْمَرِيضُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الْقِيمَةِ دُونَ الْوَارِثِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ قَوْلَهُ وَإِنْ بَاعَ بِنُقْصَانٍ لَمْ يَجُزْ. . . إلَخْ. اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ جَعْلَ الظَّاهِرِ هَاهُنَا عَدَمَ الْوَاوِ وَبِنَاءَهُ عَلَى حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّعْقِيدِ الْقَبِيحِ عُدُولٌ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ وَخُرُوجٌ عَنْ دَائِرَةِ الْإِنْصَافِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْبَحُ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ. ثُمَّ إنَّ فِي تَقْرِيرِهِ خَلَلًا آخَرَ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَافْتَرَقَا:
[ ٩ / ٣٠٥ ]
قَالَ (وَإِنْ بَاعَهُ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَغَيَّبَهُ، فَإِنْ شَاءَ الْغُرَمَاءُ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْمُشْتَرِيَ)؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّهُمْ حَتَّى كَانَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ، إلَّا أَنْ يَقْضِيَ الْمَوْلَى دَيْنَهُمْ وَالْبَائِعُ مُتْلِفٌ حَقَّهُمْ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ وَالتَّغْيِيبِ فَيُخَيَّرُونَ فِي التَّضْمِينِ (وَإِنْ شَاءُوا أَجَازُوا الْبَيْعَ وَأَخَذُوا الثَّمَنَ)؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَالْإِجَازَةُ اللَّاحِقَةُ كَالْإِذْنِ السَّابِقِ كَمَا فِي الْمَرْهُونِ (فَإِنْ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ قِيمَتَهُ ثُمَّ رُدَّ عَلَى الْمَوْلَى بِعَيْبٍ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ بِالْقِيمَةِ وَيَكُونَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ فِي الْعَبْدِ)؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ، وَصَارَ كَالْغَاصِبِ إذَا بَاعَ وَسَلَّمَ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمَالِكِ وَيَسْتَرِدَّ الْقِيمَةَ كَذَا هَذَا.
أَيْ الْمَوْلَى وَالْمَرِيضُ، وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: أَيْ الْعَبْدُ وَالْمَرِيضُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ.
وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ الْمَوْلَى بِمِثْلِ الْقِيمَةِ دُونَ الْوَارِثِ فَيَئُولُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا، إلَى أَنْ يُقَالَ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَوْلَى مِنْ الْمَوْلَى دُونَ جَوَازِ بَيْعِ الْمَرِيضِ مِنْ الْوَارِثِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ بَاعَهُ الْمَوْلَى وَعَلَيْهِ دُيُونٌ تُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَغَيَّبَهُ، فَإِنْ شَاءَ الْغُرَمَاءُ ضَمَّنُوا الْبَائِعَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْمُشْتَرِيَ) قَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّمَا قَيَّدَ سَبَبَ ضَمَانِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِمَا ذَكَرَ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّغْيِيبِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَضْمَنَانِ بِمُجَرَّدِهِمَا بَلْ بِتَغْيِيبِ مَا فِيهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَسْعَوْنَهُ أَوْ يَبِيعُونَهُ كَمَا يُرِيدُونَ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَفُوتُ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّغْيِيبِ لَا بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ اهـ.
أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَإِذَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَطْ فَإِنَّ تَغْيِيبَ الْعَبْدِ الَّذِي فِيهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ إنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ دُونَ الْبَائِعِ وَلَوْلَا التَّغْيِيبُ لَأَمْكَنَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ فَيَسْتَسْعَوْنَ الْعَبْدِ أَوْ يَبِيعُونَهُ فَلَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ عَلَى أَحَدٍ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ. فَإِنْ قُلْت: تَغْيِيبُ ذَاكَ الْعَبْدِ وَإِنْ وَقَعَ مِنْ الْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ إلَّا أَنَّ فِي الْبَائِعِ أَيْضًا سَبَبِيَّةٌ لَهُ إذْ لَوْلَا بَيْعُهُ وَتَسْلِيمُهُ لَمَا غَيَّبَهُ الْمُشْتَرِي. قُلْت: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ سَبَبِيَّةَ ذَلِكَ بَعِيدَةٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ وَمَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى أَقْرَبِ الْأَسْبَابِ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ
[ ٩ / ٣٠٦ ]
قَالَ (وَلَوْ كَانَ الْمَوْلَى بَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَأَعْلَمَهُ بِالدَّيْنِ فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ) لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ وَهُوَ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ مِنْ رَقَبَتِهِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَائِدَةٌ، فَالْأَوَّلُ تَامٌّ مُؤَخَّرٌ وَالثَّانِي نَاقِصٌ مُعَجَّلٌ، وَبِالْبَيْعِ تَفُوتُ هَذِهِ الْخِيرَةُ فَلِهَذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ. قَالُوا: تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ، فَإِنْ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ.
قَالَ: وَلَكِنْ بَقِيَ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى قَدْ رَفَعَ عَنْهُمْ الْمُؤْنَةَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، كَالْوَصِيِّ إذَا بَاعَ التَّرِكَةَ بِغَيْرِ إذْنِ الْغُرَمَاءِ. وَأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ حَقَّهُمْ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْبَيْعِ بَلْ لَهُمْ الِاسْتِسْعَاءُ وَقَدْ فَاتَ بِالْبَيْعِ، وَحَقُّ الْغُرَمَاءِ مُنْحَصِرٌ فِي بَيْعِ التَّرِكَةِ فَافْتَرَقَا اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: لَا يَتَّجِهُ السُّؤَالُ الْمَذْكُورُ عَلَى مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا فِيمَا إذَا كَانَ ثَمَنُ الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ثَمَنُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا فَلَا يَثْبُتُ لِلْغُرَمَاءِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. بَلْ يَتَعَيَّنُ لَهُمْ إذْ ذَاكَ إجَازَةُ الْبَيْعِ وَأَخْذُ الثَّمَنِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي التَّضْمِينِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الثِّقَاتِ مِنْهُمْ تَاجُ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا الْخِيَارُ إذَا كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ.
أَمَّا إذَا كَانَ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا فَلَا خِيَارَ لَهُمْ اهـ. وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْغَايَةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ تَمَامِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانِ أَنَّهُ لَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: هَذَا إذَا بَاعَهُ بِأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، فَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَقَبَضَ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّضْمِينِ وَلَكِنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَيْهِمْ اهـ.
فَإِذَا كَانَتْ مَسْأَلَتُنَا هَذِهِ فِيمَا إذَا كَانَ ثَمَنُ الْعَبْدِ الَّذِي بَاعَهُ الْمَوْلَى بِهِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَتَّجِهْ أَنْ يُقَالَ إنَّ حَقَّهُمْ كَانَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى قَدْ رَفَعَ عَنْهُمْ الْمُؤْنَةَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ بِقِيمَتِهِ وَالْمَوْلَى قَدْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا فَقَدْ قَصَّرَ وَتَعَدَّى فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ قَطْعًا.
ثُمَّ أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمَوْلَى تَفْوِيتُهُ حَقَّ الِاسْتِسْعَاءِ الْغُرَمَاءَ بِبَيْعِهِ الْعَبْدَ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَجِبَ عَلَى الْمَوْلَى ضَمَانُ الدُّيُونِ بِالتَّمَامِ دُونَ ضَمَانِ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَسْعُوا الْعَبْدَ فِي جَمِيعِ دُيُونِهِ لَهُمْ لَا فِي مِقْدَارِ قِيمَتِهِ فَقَطْ، وَقَدْ فَاتَ بِالْبَيْعِ وَالتَّغْيِيبِ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي جَمِيعَ مَا فَوَّتَاهُ وَهُوَ جَمِيعُ مَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالِاسْتِسْعَاءِ مِنْ الدُّيُونِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَالُوا بِهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مِقْدَارِ قِيمَةِ الْعَبْدِ لَا غَيْرَ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلَهُ قَالُوا تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ، فَإِنْ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ) قَالَ صَاحِبُ
[ ٩ / ٣٠٧ ]
قَالَ (فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا فَلَا خُصُومَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي) مَعْنَاهُ إذَا أَنْكَرَ الدَّيْنَ وَهَذَا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْمُشْتَرِي خَصْمُهُمْ وَيَقْضِي لَهُمْ بِدَيْنِهِمْ) وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا اشْتَرَى دَارًا وَوَهَبَهَا وَسَلَّمَهَا وَغَابَ ثُمَّ حَضَرَ الشَّفِيعُ فَالْمَوْهُوبُ لَهُ لَيْسَ بِخَصْمٍ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ. وَعَنْهُمَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ. لِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ خَصْمًا لِكُلِّ مَنْ يُنَازِعُهُ. وَلَهُمَا أَنَّ الدَّعْوَى تَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْعَقْدِ وَقَدْ قَامَ بِهِمَا فَيَكُونُ الْفَسْخُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ. .
النِّهَايَةِ فِي هَذَا اللَّفْظِ نَوْعُ نَظَرٍ، إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُقَالَ: وَتَأْوِيلُهُ إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ لَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي بَابِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمَأْذُونَيْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ وَالذَّخِيرَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ وَلَكِنَّ الثَّمَنَ كَانَ لَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ لِفَوَاتِ حَقِّهِمْ فِي الِاسْتِسْعَاءِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ دُيُونِهِمْ عَلَى الْعَبْدِ، وَبِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ انْسِدَادُ بَابِ الرَّدِّ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَفِي الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ فَتَبْقَى لَهُمْ وِلَايَةُ الرَّدِّ لِاسْتِسْعَاءِ بَاقِي الدُّيُونِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ رِضَا الْغُرَمَاءِ بِأَخْذِهِمْ الثَّمَنَ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَخَذُوا الثَّمَنَ كَانُوا رَاضِينَ بِالْبَيْعِ فَيَنْسَدُّ حِينَئِذٍ بَابُ الرَّدِّ، وَلَكِنَّ احْتِمَالَ إرَادَةِ إحْضَارِ الثَّمَنِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الثَّمَنِ بِلَفْظِ الْوُصُولِ بَاقٍ فَلَا يَنْتَهِضُ ذَلِكَ اللَّفْظُ حِينَئِذٍ بَيَانًا لِانْسِدَادِ بَابِ الرَّدِّ لَهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَكَانَ الْمَعْقُولُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ بِقَوْلِهِ: وَتَأْوِيلُهُ إذَا بَاعَ بِثَمَنٍ لَا يَفِي بِدُيُونِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ دُيُونُهُمْ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ لَا يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِسْعَاءُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْبَيْعَ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّمَنِ وَفَاءٌ بِدُيُونِهِمْ لَا يَكُونُ لَهُمْ وِلَايَةُ نَقْضِ الْبَيْعِ. إلَى هُنَا كَلَامُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ.
وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِعَيْنِ عِبَارَتِهِ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَنَقَلَهُ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَأَوْرَدَ النَّظَرَ عَلَى الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ فِي عِبَارَتِهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ وُصُولَ الثَّمَنِ إلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ الْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرَّدِّ لِجَوَازِ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ لَكِنَّ لَا يَفِي الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ فَيَبْقَى لَهُمْ وِلَايَةُ الرَّدِّ وَالِاسْتِسْعَاءِ فِي الدُّيُونِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُمْ قَدْ رَضُوا بِسُقُوطِ حَقِّهِمْ حَيْثُ قَبَضُوا الثَّمَنَ فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ وِلَايَةُ الرَّدِّ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِفَائِدَةِ قَوْلِهِ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَبَضُوا الثَّمَنَ وَرَضُوا بِهِ سَقَطَ حَقُّهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُحَابَاةٌ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: أَوَّلًا فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ نَظَرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ مَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْجَوَابِ لِمَا تَمَّ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ لِوُصُولِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الثَّمَنِ وَفَاءٌ بِدُيُونِهِمْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ حَقُّهُمْ بِالتَّمَامِ، وَوُصُولُ بَعْضِ حَقِّهِمْ إلَيْهِمْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا فِي نَفْيِ رَدِّهِمْ الْبَيْعَ كَمَا بَيَّنَ فِي السُّؤَالِ، بَلْ كَانَ حَقُّ التَّعْلِيلِ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ لِرِضَاهُمْ بِسُقُوطِ حَقِّهِمْ.
وَأَقُولُ ثَانِيًا: يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ النَّظَرِ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بِأَنَّ فَائِدَةَ قَوْلِهِ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ حِينَئِذٍ هِيَ أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فِي صُورَةِ الْمُحَابَاةِ إنَّمَا قَبَضْنَا الثَّمَنَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنْ
[ ٩ / ٣٠٨ ]
قَالَ (وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا وَقَالَ أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَاشْتَرَى وَبَاعَ لَزِمَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ التِّجَارَةِ)؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخْبَرَ بِالْإِذْنِ فَالْإِخْبَارُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فَتَصَرُّفُهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَحْجُورَ يَجْرِي عَلَى مُوجِبِ حَجْرِهِ وَالْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَيْ لَا يَضِيقَ الْأَمْرُ عَلَى النَّاسِ،
لَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا عَلِمْنَا الْمُحَابَاةَ فِيهِ لَا نَرْضَى بِهَا، بَلْ نَرُدُّ الْبَيْعَ فَنَتْبَعُ الْعَبْدَ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا يَكُنْ فِي الْبَيْعِ مُحَابَاةٌ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَشَّى فِيهِ ذَلِكَ الْعُذْرُ فَافْتَرَقَا.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ مَعْنَاهُ أَنَّ الثَّمَنَ يَفِي بِدُيُونِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَالثَّانِي نَاقِصٌ مُعَجَّلٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ نَاقِصًا إذَا لَمْ يَفِ بِالدُّيُونِ اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الثَّمَنَ يَفِي بِدُيُونِهِمْ لَذَهَبَتْ فَائِدَةُ قَوْلِهِ فَإِنْ وَصَلَ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ وَصَلَ وَلَا مُحَابَاةَ، وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ فِي قَوْلِهِ وَتَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ يَفِي بِدُيُونِهِمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْبَيْعَ سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهِمْ الثَّمَنُ أَوْ لَمْ يَصِلَ، إذْ لَا يَبْقَى لَهُمْ حِينَئِذٍ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ بَلْ يَتَعَيَّنُ حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ رَقَبَتِهِ فَلَا تُتَصَوَّرُ فَائِدَةٌ فِي الرَّدِّ فَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْخِيَرَةُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَعْنَى انْتِفَاءِ الْمُحَابَاةِ فِي الْبَيْعِ لَيْسَ عَيْنَ مَعْنَى وَفَاءِ الثَّمَنِ بِدُيُونِهِمْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ أَصْلًا لِجَوَازِ أَنْ تَنْتَفِي الْمُحَابَاةُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَفِي الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ، وَجَوَازُ أَنَّهُ يَفِي الثَّمَنُ بِدُيُونِهِمْ وَلَا تَنْتَفِي الْمُحَابَاةُ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا مُحَابَاةَ فِي الْبَيْعِ أَنَّ الثَّمَنَ يَفِي بِدُيُونِهِمْ لَا بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا بِحَسَبِ التَّجَوُّزِ أَوْ الْكِنَايَةِ لِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ الْمُصَحِّحَةِ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ وَمَنْ قَدِمَ مِصْرًا وَقَالَ أَنَا عَبْدٌ لِفُلَانٍ فَاشْتَرَى وَبَاعَ لَزِمَهُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ، إنْ أَخْبَرَ بِالْإِذْنِ فَالْإِخْبَارُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ فَتَصَرُّفُهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ فَتَصَرُّفُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ وَقَالَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ. وَأَمَّا جَوَابُ الْقِيَاسِ فَأَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ مَمْلُوكٌ وَهَذَا إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي أَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ وَهَذَا إقْرَارٌ عَلَى الْمَوْلَى، وَإِقْرَارُهُ عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً. وَأَمَّا وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ فَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ إثْرَ ذَلِكَ. أَقُولُ: تَحْرِيرُ هَذَا الْمَحِلِّ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ لَا يَخْلُو عَنْ الِاخْتِلَالِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمَا فِي تَقْرِيرِ وَجْهِ الْقِيَاسِ وَالثَّانِي أَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ وَهَذَا إقْرَارٌ عَلَى الْمَوْلَى غَيْرُ مُتَمَشٍّ فِي أَحَدِ شِقَّيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُخْبِرْ بِالْإِذْنِ، إذْ لَا إخْبَارَ مِنْ الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَلَا إقْرَارَ عَلَى الْمَوْلَى فِيهَا.
وَأَمَّا جَعْلُ الْإِخْبَارِ فِي قَوْلِهِمَا وَالثَّانِي أَخْبَرَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي التِّجَارَةِ أَعَمُّ مِنْ الْإِخْبَارِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ، وَادِّعَاءُ أَنَّ فِي ذَلِكَ الشِّقِّ إخْبَارًا حُكْمِيًّا عَنْ كَوْنِهِ مَأْذُونًا وَهُوَ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الْمَأْذُونِ فَتَمَحُّلٌ جِدًّا كَمَا لَا يَخْفَى. فَالْأَوْلَى هَاهُنَا تَحْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي، فَإِنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَذَكَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهَ قِيَاسٍ.
وَوَجْهَ اسْتِحْسَانٍ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْبِرَ أَنَّ مَوْلَاهُ أَذِنَ لَهُ فَيُصَدَّقُ اسْتِحْسَانًا عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ. وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى مِنْهُ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ النَّاسَ تَعَامَلُوا ذَلِكَ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ يُخَصُّ بِهَا الْأَثَرُ وَيُتْرَكُ بِهَا الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَبَلْوَى فَإِنَّ الْإِذْنَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ تَصَرُّفِهِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عِنْدَ كُلِّ عَقْدٍ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ أَمْرُهُ اتَّسَعَ حُكْمُهُ، وَمَا عَمَّتْ بَلِيَّتُهُ سَقَطَتْ قَضِيَّتُهُ. وَثَانِيهِمَا أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَلَا يُخْبِرَ بِشَيْءٍ، وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ لَا يَثْبُتُ الْإِذْنُ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مُحْتَمَلٌ.
[ ٩ / ٣٠٩ ]