(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَاطِلَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لُغَةً: مُفَاعَلَةٌ مِنْ الزَّرْعِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: هِيَ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ. وَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ: هِيَ جَائِزَةٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ»
تَصْلُحُ لِإِفَادَةِ الْمُدَّعِي بِالِاسْتِقْلَالِ بَدَلًا عَنْ الْأُخْرَى، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ بَيَانُ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ مُوَصِّلَةٍ إلَى الْمَطْلُوبِ لِيَسْلُكَ الطَّالِبُ أَيَّ طَرِيقٍ شَاءَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ تَعْلِيلِ الْمُصَنِّفِ بِإِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ الْمُتَفَرِّقَيْنِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُفِيدَ شَيْءٌ مِنْهَا الْمُدَّعِيَ فِي مَقَامِهِ ضَرُورَةَ عَدَمِ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ بِجُزْءِ الْعِلَّةِ، عَلَى أَنَّ اسْتِقْلَالَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي الْإِفَادَةِ بَيِّنٌ، أَمَّا قِلَّةُ التَّفَاوُتِ فَلِأَنَّ الْقَلِيلَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي عَامَّةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ وَأَمَّا ضَرُورَةُ تَعَذُّرِ الْقِسْمَةِ فَلِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَاذَا يَصْنَعُ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ: وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ التَّسَامُحُ فِي الْخِدْمَةِ إلَى آخِرِهِ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ وَجْهٌ آخَرُ لِإِبْطَالِ الْقِيَاسِ، وَكَذَا فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، فَهَلْ يُجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءَ الْعِلَّةِ لَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(كِتَابُ الْمُزَارَعَةِ)
لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةُ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَقَعُ فِيهِ الْقِسْمَةُ ذَكَرَ الْمُزَارَعَةَ عَقِيبَ الْقِسْمَةِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ (قَوْلُهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَاطِلَةٌ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إنَّمَا قَيَّدَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ لِيُبَيِّنَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ أَصْلًا أَوْ عَيَّنَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً كَانَتْ فَاسِدَةً بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ بِالنِّصْفِ وَبِالْخُمُسِ وَبِغَيْرِهِمَا مِنْ الْكُسُورِ مَحَلُّ النِّزَاعِ أَيْضًا فَكَيْفَ يَتَبَيَّنُ بِالتَّقْيِيدِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ مَحَلُّ النِّزَاعِ؟ فَالْوَجْهُ مَا ذُكِرَ فِي سَائِرِ الشُّرُوحُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا قَيَّدَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ عِنْدَهُ تَبَرُّكًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ فَقِيلَ: وَمَا الْمُخَابَرَةُ؟ قَالَ: الْمُزَارَعَةُ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ» وَإِنَّمَا خَصَّ فِي الْحَدِيثِ بِذَلِكَ لِمَكَانِ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ انْتَهَى، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ فِي تَوْجِيهِ مَا فِي الْعِنَايَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ إنَّمَا قَيَّدَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ مُقَابَلَةَ التَّقْيِيدِ بِالْإِطْلَاقِ لَا مُقَابَلَةَ التَّقْيِيدِ بِالتَّقْيِيدِ: يَعْنِي أَنَّهُ قَيَّدَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَلَمْ يُطْلِقْ عَنْ الْقَيْدِ بِالْكُلِّيَّةِ لَا أَنَّهُ قَيَّدَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِقَيْدٍ آخَرَ
[ ٩ / ٤٦٢ ]
وَلِأَنَّهُ عَقْدُ شَرِكَةٍ بَيْنَ الْمَالِ وَالْعَمَلِ فَيَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ وَالْجَامِعُ دَفْعُ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ ذَا الْمَالِ قَدْ لَا يَهْتَدِي إلَى الْعَمَلِ وَالْقَوِيُّ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ الْمَالَ، فَمَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ دَفْعِ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ وَدُودَ الْقَزِّ مُعَامَلَةً بِنِصْفِ الزَّوَائِدِ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ هُنَاكَ لِلْعَمَلِ فِي تَحْصِيلِهَا فَلَمْ تَتَحَقَّقْ شَرِكَةٌ. وَلَهُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ» وَلِأَنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَلِأَنَّ الْأَجْرَ مَجْهُولٌ أَوْ مَعْدُومٌ وَكُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ، وَمُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﵊ أَهْلَ خَيْبَرَ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ بِطَرِيقِ الْمَنِّ وَالصُّلْحِ وَهُوَ جَائِزٌ (وَإِذَا فَسَدَتْ عِنْدَهُ فَإِنْ سَقَى الْأَرْضَ وَكَرَبَهَا وَلَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الْأَرْضِ.
وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَعَلَيْهِ
كَالنِّصْفِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ فِيهِ مَا فِيهِ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ عَقْدُ شَرِكَةٍ بَيْنَ الْمَالِ وَالْعَمَلِ فَيَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: قُلْت الرِّبْحُ فِي الْمُضَارَبَةِ يَحْصُلُ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَبِعَمَلٍ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَتَنْعَقِدُ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الرِّبْحِ وَهُنَا كَذَلِكَ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَمْ يَجُزْ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ وَالْعَمَلُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَلِهَذَا قَالُوا هُنَاكَ: وَشَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَهُنَا جَازَ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَذْرَ مَالٌ بَلْ الْبَقَرُ أَيْضًا مَالٌ وَقَدْ اجْتَمَعَا مَعَ الْعَمَلِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَكَيْفَ يَتِمُّ اعْتِبَارُ الْمُزَارَعَةِ مُطْلَقًا بِالْمُضَارَبَةِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ هُنَاكَ لِلْعَمَلِ فِي تَحْصِيلِهَا) قَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحَلِّ: لِأَنَّهُ أَيْ الزَّوَائِدَ عَلَى تَأْوِيلِ الزَّائِدِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا تَعَسُّفٌ قَبِيحٌ لَا يَقْبَلُهُ ذُو فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ عِنْدَ مُسَاغٍ أَنْ يَحْمِلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ عَلَى الشَّأْنِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ وَمُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﵊ أَهْلَ خَيْبَرَ كَانَ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ بِطَرِيقِ الْمَنِّ وَالصُّلْحِ وَهُوَ جَائِزٌ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا أَسْلَفَهُ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبِ كُلَّهَا أَرْضُ عُشْرٍ. فَإِنَّ خَيْبَرَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ اهـ.
أَقُولُ: كَوْنُ خَيْبَرَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا أَنَّ أَرْضَ الْعَرَبُ لَا يُقِرُّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا عَلَى الْكُفْرِ، فَإِنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، وَقَدْ «أَقَرَّ النَّبِيُّ ﵊ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ»، وَذَكَرُوا حَدَّ أَرْضِ الْعَرَبِ طُولًا وَعَرْضًا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ، فَمَنْ أَتْقَنَ ذَاكَ فِي مَوْضِعِهِ لَعَلَّهُ يَحْكُمُ بِأَنَّ خَيْبَرَ لَيْسَتْ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ
[ ٩ / ٤٦٣ ]
أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْخَارِجُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَلِلْآخَرِ الْأَجْرُ كَمَا فَصَّلْنَا، إلَّا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَلِظُهُورِ تَعَامُلِ الْأُمَّةِ بِهَا. وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ
(ثُمَّ الْمُزَارَعَةُ لِصِحَّتِهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجِيزُهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا كَوْنُ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِ (وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعُ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ عَقَدَ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَهْلِ (وَالثَّالِثُ بَيَانُ الْمُدَّةِ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ الْأَرْضِ أَوْ مَنَافِعِ الْعَامِلِ وَالْمُدَّةُ هِيَ الْمِعْيَارُ لَهَا لِيَعْلَمَ بِهَا (وَالرَّابِعُ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَذْرُ) قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ وَإِعْلَامًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنَافِعُ الْأَرْضِ أَوْ مَنَافِعُ الْعَامِلِ.
قَوْلُهُ وَالْخَارِجُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ) قِيلَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ مَنْقُوضٌ بِمَنْ غَصَبَ بَذْرًا فَزَرَعَهُ فَإِنَّ الزَّرْعَ لَهُ وَإِنْ كَانَ نَمَاءُ مِلْكِ صَاحِبِ الْبَذْرِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْغَاصِبَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَكَانَ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى عَمَلِهِ أَوْلَى، وَالْمُزَارِعُ عَامِلٌ بِأَمْرِ غَيْرِهِ فَجَعَلَ الْعَمَلَ مُضَافًا إلَى الْآمِرِ. كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: النَّقْضُ غَيْرُ وَارِدٍ أَصْلًا، وَالْجَوَابُ غَيْرُ دَافِعٍ لِمَا ذَكَرَ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الزَّرْعَ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِنَمَاءِ مِلْكِ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَإِنَّمَا هُوَ نَمَاءُ مِلْكِ الْغَاصِبِ، إذْ قَدْ مَرَّ فِي فَصْلِ مَا يَتَغَيَّرُ بِعَمَلِ الْغَاصِبِ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ أَنَّهُ إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعَظُمَ مَنَافِعُهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا عِنْدَنَا. وَمِثْلُ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ: مِنْهَا مَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَزَرَعَهَا، فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْهُ أَنَّ الْبَذْرَ بِالْغَصْبِ وَالزَّرْعِ يَصِيرُ مِلْكَ الْغَاصِبِ فَيَكُونُ الزَّرْعُ نَمَاءَ مِلْكِهِ قَطْعًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَحَلَّ النَّقْضِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَمَا ذَكَرَ فِي الْجَوَابِ لَا يُفِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُزَارِعِ مِنْ جِهَةِ مَوْرِدِ النَّقْضِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِ أَحَدِهِمَا عَامِلًا لِنَفْسِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَالْآخَرِ عَامِلًا بِأَمْرِ غَيْرِهِ، وَالْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا وَلِظُهُورِ تَعَامُلِ الْأُمَّةِ بِهَا، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ كَمَا فِي الِاسْتِصْنَاعِ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَعَمْ إنَّ الْقِيَاسَ يُتْرَكُ بِالتَّعَامُلِ، وَلَكِنَّ النَّصَّ لَا يُتْرَكُ بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّعَامُلَ إجْمَاعٌ عَمَلِيٌّ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ بِهِ الْكِتَابُ وَلَا السُّنَّةُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمُ الْأُصُولِ.
فَبَقِيَ تَمَسُّكُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَهِيَ الْمُزَارَعَةُ سَالِمًا عَمَّا يَدْفَعُهُ» فَمَا وَجْهُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا أَنْ يَدْفَعَا ذَلِكَ
[ ٩ / ٤٦٤ ]
(وَالْخَامِسُ بَيَانُ نَصِيبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا بِالشَّرْطِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَمَا لَا يُعْلَمُ لَا يَسْتَحِقُّ شَرْطًا بِالْعَقْدِ. (وَالسَّادِسُ أَنْ يُخَلِّيَ رَبُّ الْأَرْضِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَامِلِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْأَرْضِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ) لِفَوَاتِ التَّخْلِيَةِ (وَالسَّابِعُ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ بَعْدَ حُصُولِهِ) لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ شَرِكَةً فِي الِانْتِهَاءِ، فَمَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ كَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ (وَالثَّامِنُ بَيَانُ جِنْسِ الْبَذْرِ) لِيَصِيرَ الْأَجْرُ مَعْلُومًا.
قَالَ (وَهِيَ عِنْدَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ لِوَاحِدٍ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ) لِأَنَّ الْبَقَرَ آلَةُ الْعَمَلِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ بِإِبْرَةِ الْخَيَّاطِ،
بِحَمْلِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا إذَا شُرِطَ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ شَرْطٌ مُفْسِدٌ، إذْ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ فِيهِ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُفْسِدٌ عِنْدَهُمَا. وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: التَّعَامُلُ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ بَاطِلٌ. قُلْنَا: النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي الْمُجْتَهِدَاتِ صُوَرُ النُّصُوصِ، وَإِلَّا لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ الْخِلَافُ فِيهَا أَوْ تَحَمُّلُهَا عَلَى مَا إذَا شَرَطَ شَرْطًا مُفْسِدًا، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرِطُونَ فِيهَا شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الْخَارِجِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُفْسِدٌ عِنْدَهُمَا، إلَى هُنَا كَلَامُهُ
(قَوْلُهُ وَالْخَامِسُ بَيَانُ نَصِيبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِوَضًا بِالشَّرْطِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا) أَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ بَيَانَ نَصِيبِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ، فَعَدَّ بَيَانَ نَصِيبِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ مِنْ الشَّرَائِطِ دُونَ بَيَانِ نَصِيبِ الْآخَرِ مِمَّا لَا يُجْدِي كَبِيرَ طَائِلٍ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَالسَّابِعُ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ بَعْدَ حُصُولِهِ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ شَرِكَةً فِي الِانْتِهَاءِ فَمَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ كَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ) قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِيهَا مَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ تَبْقَى إجَارَةً مَحْضَةً، وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ الْمَحْضَةِ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْقِيَاسَ كَمَا يَأْبَى جَوَازَ قِيَاسِ الْإِجَارَةِ الْمَحْضَةِ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ يَأْبَى جَوَازَهَا بِأَجْرٍ مَوْجُودٍ أَيْضًا، إذَا قَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا لِكَوْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْمَنْفَعَةُ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي الْحَالِ، لَكِنَّا جَوَّزْنَاهَا اسْتِحْسَانًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ أَنْ يَأْبَى الْقِيَاسُ جَوَازَهَا عَلَى فَسَادِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى تَقْدِيرِ بَقَائِهَا إجَارَةً مَحْضَةً، فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ بَدَلَ قَوْلُهُمْ وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ الْمَحْضَةِ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ وَالْإِجَارَةُ الْمَحْضَةُ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ فَاسِدَةٌ قَطْعًا. ثُمَّ أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا غَيْرُ مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ، فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا كَوْنَ مَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِيهَا مَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الْخَارِجِ تَبْقَى إجَارَةً مَحْضَةً، وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْإِجَارَةِ الْمَحْضَةِ بِأَجْرٍ مَعْدُومٍ، وَالْمُصَنِّفُ فَرَّعَ كَوْنَ مَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ عَلَى مَا قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ فَمَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ كَانَ مُفْسِدًا لِلْعَقْدِ فَقَدْ جَعَلَ عِلَّةَ ذَلِكَ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ شَرِكَةً فِي الِانْتِهَاءِ فَمُرَادُهُ أَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ شَرِكَةٌ فِي الِانْتِهَاءِ وَإِنْ كَانَ إجَارَةً فِي الِابْتِدَاءِ فَكَانَ مَعْنَى الشَّرِكَةِ مُعْتَبَرًا فِي انْعِقَادِ الْمُزَارَعَةِ، فَمَا يَقْطَعُ هَذِهِ الشَّرِكَةَ يَنْفِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرَ فِي انْعِقَادِهَا فَيُفْسِدُ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ لَا مَحَالَةَ.
(قَوْلُهُ وَهِيَ عِنْدَهُمَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ)
[ ٩ / ٤٦٥ ]
(وَإِنْ كَانَ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ جَازَتْ) لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ فَيَجُوزُ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ (وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ جَازَتْ) لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِلْعَمَلِ بِآلَةِ الْمُسْتَأْجِرِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ ثَوْبَهُ بِإِبْرَتِهِ أَوْ طَيَّانًا لِيُطَيِّنَ بِمَرِّهِ (وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ لِآخَرَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَائِلَ الْمُزَارَعَةِ فِي الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَنْعَقِدُ إجَارَةً وَتَتِمُّ شَرِكَةً، وَانْعِقَادُهَا إجَارَةً إنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَوْ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ دُونَ مَنْفَعَةِ غَيْرِهِمَا مِنْ مَنْفَعَةِ الْبَقَرِ وَالْبَذْرِ لِأَنَّهَا اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ. وَهُوَ لَا يَجُوزُ قِيَاسًا لَكِنَّا جَوَّزْنَاهُ فِي الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ فِيهِمَا. أَمَّا فِي الْأَرْضِ فَأَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ وَتَعَامُلُ النَّاسِ. وَأَمَّا فِي الْعَامِلِ فَعَمَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ. وَالتَّعَامُلُ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فِي الْبَذْرِ وَالْبَقَرُ فَأَخَذْنَا فِيهِمَا بِالْقِيَاسِ. فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ صُوَرِ الْجَوَازِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ أَوْ الْعَامِلِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ أَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَنْظُورَ فِيهِ هُوَ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ أَوْ الْعَامِلِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ لِكَوْنِهِ مَوْرِدَ الْأَثَرِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ صُوَرِ عَدَمِ الْجَوَازِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ اسْتِئْجَارِ الْآخَرِينَ، أَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئَيْنِ غَيْرَ مُتَجَانِسَيْنِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ وَلَكِنَّ الْمَنْظُورَ فِيهِ هُوَ اسْتِئْجَارُ غَيْرِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْمُزَارَعَةِ. كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَجَامِعِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْأَصْلَ الْمَزْبُورَ قَالَ: فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَلَا عَلَيْنَا فِي تَطْبِيقِ الْوُجُوهِ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ. فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مِمَّا كَانَ الْمَشْرُوطُ عَلَى أَحَدِهِمَا شَيْئَيْنِ مُتَجَانِسَيْنِ، فَإِنَّ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مِنْ جِنْسٍ وَالْعَمَلَ وَالْبَقَرَ مِنْ جِنْسٍ وَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ الِاسْتِئْجَارُ يُجْعَلُ كَأَنَّ الْعَامِلَ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ أَوْ رَبُّ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مِمَّا فِيهِ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ شَيْئَانِ غَيْرُ مُتَجَانِسَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ، بِخِلَافِ الْمُتَجَانِسَيْنِ فَإِنَّ الْأَشْرَفَ أَوْ الْأَصْلَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَتْبِعَ الْأَخَسَّ وَالْفَرْعَ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، لِأَنَّهُ جَوَّزَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَجْعَلَ الْعَامِلَ مُسْتَأْجِرًا الْأَرْضَ وَأَنْ يَجْعَلَ رَبَّ الْأَرْضِ مُسْتَأْجِرًا الْعَامِلَ وَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلْأَوَّلِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ فِيهِ هُوَ رَبُّ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْبَذْرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ فِي الشَّرْطِ الرَّابِعِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَنَافِعَ الْعَامِلِ فَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ رَبَّ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ مُسْتَأْجِرًا فِيمَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ، إذْ يَكُونُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَنَافِعَ الْأَرْضِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الْبَقَرَ آلَةُ الْعَمَلِ فَصَارَ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ بِإِبْرَةِ الْخَيَّاطِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ فِي هَذَا الْوَجْهِ هُوَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْعَامِلَ هُوَ الْأَجِيرُ كَالْخَيَّاطِ (قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرَةُ وَالْبَذْرُ لِوَاحِدٍ جَازَتْ لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْخَارِجِ فَيَجُوزُ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ) أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضٍ مَعْلُومٍ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، فَإِنَّ اسْتِئْجَارَ الْأَرْضِ بِبَعْضٍ مِنْ الْخَارِجِ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضٍ مَجْهُولٍ أَوْ مَعْدُومٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُفْسِدٌ كَمَا مَرَّ فِي دَلِيلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا بِبَعْضٍ
[ ٩ / ٤٦٦ ]
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْبَذْرَ وَالْبَقَرَ عَلَيْهِ يَجُوزُ فَكَذَا إذَا شُرِطَ وَحْدَهُ وَصَارَ كَجَانِبِ الْعَامِلِ. وَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْبَقَرِ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ. لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ قُوَّةٌ فِي طَبْعِهَا يَحْصُلُ بِهَا النَّمَاءُ،
مَعْلُومٍ لَكَانَتْ الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةً عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَيْضًا.
وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْمُزَارَعَةُ مُطْلَقًا لِكَوْنِهَا اسْتِئْجَارًا بِبَعْضِ الْخَارِجِ. وَهُوَ لَا يَجُوزُ لَكِنَّا جَوَّزْنَاهَا فِيمَا إذَا كَانَتْ اسْتِئْجَارَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَوْ الْعَامِلِ اسْتِحْسَانًا بِالنَّصِّ وَالتَّعَامُلِ وَلَمْ نُجَوِّزْهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ عَمَلًا بِالْقِيَاسِ لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهِ فِيهِ. فَالْحَقُّ فِي تَعْلِيلِ جَوَازِ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ وَهُوَ جَائِزٌ بِالنَّصِّ وَتَعَامُلِ الْأُمَّةِ (قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا. لِأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ عَلَيْهِ يَجُوزُ فَكَذَا إذَا شُرِطَ وَحْدَهُ وَصَارَ كَجَانِبِ الْعَامِلِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَوَجْهُ غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: لَوْ شُرِطَ الْبَذْرُ وَالْبَقَرُ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ جَازَ، فَكَذَا إذَا شُرِطَ الْبَقَرُ وَحْدَهُ وَصَارَ كَجَانِبِ الْعَامِلُ إذَا شُرِطَ الْبَقَرُ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْبَذْرَ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْأَرْضِ اسْتَتْبَعَتْهُ لِلتَّجَانُسِ وَضَعْفِ جِهَةِ الْبَقَرِ مَعَهُمَا فَكَانَ اسْتِئْجَارًا لِلْعَامِلِ، وَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ فَلَمْ تَسْتَتْبِعْهُ، وَكَذَا فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فَكَانَ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُعَارَضَةٌ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ وَغَيْرِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ وَغَيْرِهِ فَكَانَ بَاطِلًا اهـ أَقُولُ: فِي هَذَا الْجَوَابِ بَحْثٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْبَذْرَ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْأَرْضِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الْأَرْضِ مُسْتَأْجِرًا وَالْعَامِلُ أَجِيرًا فَلَا يَبْقَى لِحَدِيثِ اسْتِتْبَاعِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ مَحَلٌّ لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَيْهِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ لُزُومُ اسْتِئْجَارِ الْبَذْرِ أَصَالَةً، وَإِذَا تَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَبِيلِ اسْتِئْجَارِ الْعَامِلِ دُونَ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَمْ يَبْقَ احْتِمَالُ لُزُومِ اسْتِئْجَارِ الْبَذْرِ، سَوَاءٌ اسْتَتْبَعَتْهُ الْأَرْضُ أَمْ لَا فَلَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِتْبَاعِ تَأْثِيرٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَطُّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَكَانَ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُعَارَضَةٌ
[ ٩ / ٤٦٧ ]
وَمَنْفَعَةُ الْبَقَرِ صَلَاحِيَةٌ يُقَامُ بِهَا الْعَمَلُ كُلُّ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَتَجَانَسَا فَتَعَذَّرَ أَنْ تُجْعَلَ تَابِعَةً لَهَا، بِخِلَافِ جَانِبِ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ تَجَانَسَتْ الْمَنْفَعَتَانِ فَجُعِلَتْ تَابِعَةً لِمَنْفَعَةِ الْعَامِلِ. وَهَاهُنَا وَجْهَانِ آخَرَانِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْأَرْضُ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ لِآخَرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَتِمُّ شَرِكَةً بَيْنَ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ. وَالثَّانِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْبَذْرِ وَالْبَقَرِ.
وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَالْخَارِجُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي رِوَايَةٍ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمُزَارَعَاتِ الْفَاسِدَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَيَصِيرُ مُسْتَقْرِضًا لِلْبَذْرِ
بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ وَغَيْرِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ. وَغَيْرُهُ يُشْعِرُ بِجَوَازِ اعْتِبَارِ اسْتِئْجَارِ كُلٍّ مِنْ جَانِبَيْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَقَدْ مَرَّ مِرَارًا أَنَّ الْبَذْرَ يُعِينُ الْجَانِبَ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ لَأَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِلْآخَرِ. فَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: إذَا شَرَطَ الْبَذْرَ وَالْبَقَرَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ اسْتِئْجَارًا لِلْعَامِلِ لَا لِغَيْرِهِ أَصْلًا فَكَانَ صَحِيحًا قَطْعًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْرِطْ الْبَذْرَ عَلَيْهِ بَلْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْبَقَرَ وَحْدَهُ كَانَ اسْتِئْجَارًا لِلْأَرْضِ وَغَيْرِهَا الَّذِي هُوَ الْبَقَرُ. وَلَيْسَ الثَّانِي تَابِعًا لِلْأَوَّلِ لِعَدَمِ التَّجَانُسِ كَمَا بَيَّنَ فِي وَجْهِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَكَانَ بَاطِلًا لِعَدَمِ وُرُودِ الشَّرْعِ لِاسْتِئْجَارِ الْبَقَرِ أَصَالَةً بِبَعْضٍ مِنْ الْخَارِجِ فَتَدَبَّرْ (قَوْلُهُ وَهَاهُنَا وَجْهَانِ آخَرَانِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا إلَخْ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَثَمَّةَ وَجْهٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرَاهُ جَمِيعًا وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِكَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ
[ ٩ / ٤٦٨ ]
قَابِضًا لَهُ لِاتِّصَالِهِ بِأَرْضِهِ.
قَالَ (وَلَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ إلَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ) لِمَا بَيَّنَّا (وَأَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ شَائِعًا بَيْنَهُمَا) تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الشَّرِكَةِ (فَإِنْ شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانًا مُسَمَّاةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ بِهِ تَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ الْأَرْضَ عَسَاهَا لَا تُخْرِجُ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ، فَصَارَ كَاشْتِرَاطِ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ لِأَحَدِهِمَا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَكَذَا إذَا شَرَطَا أَنْ يَرْفَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ بَذْرَهُ وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِي بَعْضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فِي جَمِيعِهِ بِأَنْ لَمْ يُخْرِجْ إلَّا قَدْرَ الْبَذْرِ فَصَارَ كَمَا إذَا شَرَطَا رَفْعَ الْخَرَاجِ، وَالْأَرْضُ خَرَاجِيَّةٌ وَأَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عُشْرَ الْخَارِجُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْآخَرِ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ مُشَاعٌ فَلَا يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ، كَمَا إذَا شَرَطَا رَفْعَ الْعُشْرِ، وَقِسْمَةُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا وَالْأَرْضُ عُشْرِيَّةٌ.
قَالَ (وَكَذَا إذَا) (شَرَطَا مَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَالسَّوَّاقِي) مَعْنَاهُ لِأَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا زَرْعَ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ، لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا
وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ وَالْبَقَرُ مِنْ آخَرَ وَالْأَرْضُ مِنْ آخَرَ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعَقْدِ الْجَارِي بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، وَإِلَّا فَثَمَّةَ وُجُوهٌ أُخَرُ لَمْ يَذْكُرَاهَا وَلَا أَحَدَ غَيْرُهُمَا، وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ ثَلَاثَةٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ مِنْ آخَرَ وَالْبَاقِيَانِ مِنْ آخَرَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَقَرُ مِنْ آخَرَ وَالْبَاقِيَانِ مِنْ آخَرَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْأَرْضُ مِنْ آخَرَ وَالْبَاقِيَانِ مِنْ آخَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْمُمْكِنَةِ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، فَكَانَ التَّعَرُّضُ هَاهُنَا لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ خُرُوجًا عَنْ الصَّدَدِ، وَعَنْ هَذَا تَرَى عَامَّةَ الشُّرَّاحِ لَمْ يَتَعَرَّضُوهُ أَصْلًا. وَالْأَوْلَى هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ: وَثَمَّةُ وَجْهٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرَاهُ جَمِيعًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْبَقَرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَوَاقِي الثَّلَاثَةُ لِلْآخَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عِنْدَ بَيَانِ وَجْهِ ضَبْطِ الْأَوْجُهِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانِ انْحِصَارِهَا عَقْلًا فِي سَبْعَةٍ. وَقَالَ: إنَّ حُكْمَهُ كَحُكْمِ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ وَهُوَ الْفَسَادُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ السَّابِقِ: قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ وَاصِلِ بْنِ أَبِي جَمِيلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ «وَقَعَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَلْغَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ أَجْرًا مُسَمًّى وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ دِرْهَمًا لِكُلِّ يَوْمٍ وَأَلْحَقَ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ».
ثُمَّ قَالَ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَلْغَى صَاحِبَ الْأَرْضِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ لَا أَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَأَعْطَى لِصَاحِبِ الْعَمَلِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَجْرَ الْفَدَّانِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: تَوْجِيهُهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ بِمَا ذَكَرَهُ مَحَلُّ كَلَامٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ مَعْنَى قَوْلِهِ أَلْغَى صَاحِبَ الْأَرْضِ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ مِمَّا يَأْبَاهُ مُقَابَلَةُ قَوْلِهِ وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ أَجْرًا مُسَمًّى وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ دِرْهَمًا لِكُلِّ يَوْمٍ، إذْ لَمْ يَجْعَلْ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ وَلِصَاحِبِ الْعَمَلِ أَيْضًا شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ بَلْ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَجْرًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّاوِي، فَكَيْفَ يَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُمَا بِإِلْغَاءِ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِالْمَعْنَى الَّذِي
[ ٩ / ٤٦٩ ]
مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، عَلَى هَذَا إذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا مَا يَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِآخَرَ مَا يَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى (وَكَذَا إذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا التِّبْنَ وَلِلْآخَرِ الْحَبَّ) لِأَنَّهُ عَسَى أَنْ يُصِيبَهُ آفَةٌ فَلَا يَنْعَقِدُ الْحَبُّ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا التِّبْنُ (وَكَذَا إذَا شَرَطَا التِّبْنَ نِصْفَيْنِ وَالْحَبُّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْحَبُّ (وَلَوْ شَرَطَ الْحَبَّ نِصْفَيْنِ وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلتِّبْنِ صَحَّتْ) لِاشْتِرَاطِهِمَا الشَّرِكَةَ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، (ثُمَّ التِّبْنُ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ بَذْرِهِ وَفِي حَقِّهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الشَّرْطِ.
وَالْمُفْسِدُ هُوَ الشَّرْطُ، وَهَذَا سُكُوتٌ عَنْهُ. وَقَالَ مَشَايِخُ بَلْخٍ ﵏: التِّبْنُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْعُرْفِ فِيمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ، وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْحَبِّ وَالتَّبَعُ يَقُومُ بِشَرْطِ الْأَصْلِ. (وَلَوْ شَرَطَا الْحَبَّ نِصْفَيْنِ وَالتِّبْنَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ صَحَّتْ) لِأَنَّهُ حُكْمُ الْعَقْدِ (وَإِنْ شَرَطَا التِّبْنَ لِلْآخَرِ فَسَدَتْ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا التِّبْنُ وَاسْتِحْقَاقُ غَيْرِ صَاحِبِ الْبَذْرِ بِالشَّرْطِ. قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ) لِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ (وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ شَرِكَةً، وَلَا
ذَكَرَهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسَاعِدُهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَيْهِ وَصَارَتْ قَرِينَةً عَلَيْهِ، إذْ لَا مَحَالَةَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَاكَ مَا يَقْتَضِي كَوْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ مُتَبَرِّعًا، فَلَا جَرَمَ أَنَّهُ اسْتَوْجَبَ أَجْرَ مِثْلَ أَرْضِهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجْرَ الْفَدَّانِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ مَنْظُورٌ فِيهِ، إذَا لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّوَافُقُ بَيْنَ أَجْرِ الْفَدَّانِ وَأَجْرِ الْعَامِلِ، بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجْرُ أَحَدِهِمَا نِصْفَ أَجْرِ الْآخَرِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْلَمُ أَجْرَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ سِيَّمَا إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ مُؤَخَّرًا عَنْ الْمُبْهَمِ فِي الذِّكْرِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْعُرْفُ جَارِيًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى اعْتِبَارِ تَسَاوِيهِمَا فِي الْأَجْرِ فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَعْلَمَ أَجْرَ أَحَدِهِمَا مِنْ أَجْرِ الْآخَرِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ عَدَمُ ذِكْرِ أَجْرِ الْفَدَّانِ عَلَى التَّعْيِينِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ جَزْمِ الرَّاوِي بِعَيْنِ الْأَجْرِ الَّذِي جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ فَقَالَ: وَجَعَلَ لِصَاحِبِ الْفَدَّانِ أَجْرًا مُسَمًّى: يَعْنِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْرًا سَمَّاهُ، وَلَكِنْ لَا أَجْزِمُ بِخُصُوصِهِ كَمَا أَجْزِمُ بِخُصُوصِ مَا جَعَلَهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا التِّبْنَ وَلِلْآخَرِ الْحَبَّ لِأَنَّهُ عَسَى تُصِيبُهُ آفَةٌ فَلَا يَنْعَقِدُ الْحَبُّ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا التِّبْنُ) أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ قُصُورٌ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ انْعِقَادِ الْحَبِّ أَيْضًا يُفْسِدُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ لِكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْحَبُّ، وَالشَّرِكَةُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُقَرَّرُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ كَمَا تَرَى، فَالْأَوْلَى فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْحَبُّ كَمَا قَالَهُ فِي تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهَا.
وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي تَنَبَّهَ لِمَا قُلْنَا حَيْثُ تَرَكَ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ هُنَا، وَجَمَعَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي تَعْلِيلٍ وَاحِدٍ فَقَالَ: وَكَذَا لَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا التِّبْنَ وَلِلْآخَرِ الْحَبَّ، أَوْ شَرَطَ التِّبْنَ نِصْفَيْنِ وَالْحَبَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الْحَبِّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ انْتَهَى (قَوْلُهُ وَإِذَا صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ لِصِحَّةِ الِالْتِزَامِ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ) أَقُولُ: عِبَارَةُ الْكِتَابِ هَاهُنَا قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْمُرَادِ، لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ الصَّحِيحَةَ كَمَا
[ ٩ / ٤٧٠ ]
شَرِكَةَ فِي غَيْرِ الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةً فَالْأَجْرُ مُسَمًّى فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ لِأَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ فِي الذِّمَّةِ وَلَا تَفُوتُ الذِّمَّةُ بِعَدَمِ الْخَارِجِ قَالَ (وَإِذَا فَسَدَتْ فَالْخَارِجُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَقَدْ فَسَدَتْ فَبَقِيَ النَّمَاءُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
قَالَ (وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا يُزَادُ عَلَى مِقْدَارِ مَا شَرَطَ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ) لِأَنَّهُ رَضِيَ بِسُقُوطِ الزِّيَادَةِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبَى يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا إذْ لَا مِثْلَ لَهَا) وَقَدْ مَرَّ فِي الْإِجَارَاتِ (وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ) لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنَافِعَ الْأَرْضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَجِبُ رَدُّهَا وَقَدْ تَعَذَّرَ. وَلَا مِثْلَ لَهَا فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهَا. وَهَلْ يُزَادُ عَلَى مَا شَرَطَ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ؟ فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ (وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ حَتَّى فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ فَعَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ
تَكُونُ اسْتِئْجَارًا لِلْعَامِلِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جَانِبِ رَبِّ الْأَرْضِ كَذَلِكَ تَكُونُ اسْتِئْجَارًا لِلْأَرْضِ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ. وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ يُفِيدُ حُكْمَ الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْحُكْمِ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ فِي الْأُولَى بِمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ إنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. لَا يُقَالُ: عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ شَرِكَةً وَلَا شَرِكَةَ فِي غَيْرِ الْخَارِجِ، وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةً فَالْأَجْرُ مُسَمًّى فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ.
وَلَمَّا جَرَى هَذَا التَّعْلِيلُ فِي صُورَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ أَيْضًا فُهِمَ مِنْهُ حُكْمُ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْضًا فَاكْتَفَى بِذِكْرِهِ.
[ ٩ / ٤٧١ ]
مِثْلِ الْأَرْضِ وَالْبَقَرِ) هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ لَهُ مَدْخَلًا فِي الْإِجَارَةِ وَهِيَ إجَارَةٌ مَعْنًى (وَإِذَا اسْتَحَقَّ رَبُّ الْأَرْضِ الْخَارِجَ لِبَذْرِهِ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ طَابَ لَهُ جَمِيعُهُ) لِأَنَّ النَّمَاءَ حَصَلَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ (وَإِنْ اسْتَحَقَّهُ الْعَامِلُ أَخَذَ قَدْرَ بَذْرِهِ وَقَدْرَ أَجْرِ الْأَرْضِ وَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ) لِأَنَّ النَّمَاءَ يَحْصُلُ مِنْ الْبَذْرِ وَيَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ، وَفَسَادُ الْمِلْكِ فِي مَنَافِعِ الْأَرْضِ أَوْجَبَ خُبْثًا فِيهِ.
فَمَا سُلِّمَ لَهُ بِعِوَضٍ طَابَ لَهُ وَمَا لَا عِوَضَ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ
قَالَ (وَإِذَا عُقِدَتْ الْمُزَارَعَةُ فَامْتَنَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ مِنْ الْعَمَلُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِي الْعَقْدِ إلَّا بِضَرَرٍ يَلْزَمُهُ. فَصَارَ كَمَا
لِأَنَّا نَقُولُ: عِبَارَةُ الْمَسْأَلَةِ عِبَارَةُ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ، وَالْمُؤَاخَذَةُ بِقُصُورِهَا فِي إفَادَةِ تَمَامِ الْمُرَادِ إنَّمَا تُرَدُّ عَلَى الْقُدُورِيِّ، فَالتَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَيْفَ يَدْفَعُ عَنْهُ التَّقْصِيرَ السَّابِقَ. وَلَئِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَلَا نُسَلِّمُ جَرَيَانَ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ وَتَمَامُهُ فِي صُورَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ أَيْضًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ عَامَّةَ الشُّرَّاحِ ذَكَرُوا أَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةً فَالْأَجْرُ مُسَمًّى فَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ يُشْكِلُ بِمَنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا بِعَيْنٍ فَعَمِلَ الْأَجِيرُ وَهَلَكَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَجْرُ الْمِثْلِ فَلْيَكُنْ هَذَا مِثْلَهُ، لِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ صَحَّتْ وَالْأَجْرُ مُسَمًّى وَهَلَكَ الْأَجْرُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ. وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْأَجْرَ هَاهُنَا هَلَكَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ قَبَضَ الْبَذْرَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنْهُ الْخَارِجُ وَقَبْضُ الْأَصْلِ قَبْضٌ لِفَرْعِهِ، وَالْأُجْرَةُ الْعَيْنُ إذَا هَلَكَتْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَى الْأَجِيرِ لَا يَجِبُ لِلْأَجِيرِ شَيْءٌ آخَرُ فَكَذَا هَاهُنَا انْتَهَى.
وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةِ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا يَقْبِضُ الْبَذْرَ الَّذِي يَتَفَرَّعُ
[ ٩ / ٤٧٢ ]
إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَهْدِمَ دَارِهِ (وَإِنْ امْتَنَعَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ قِبَلِهِ الْبَذْرُ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْعَمَلِ) لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ بِالْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ ضَرَرٌ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ، إلَّا إذَا كَانَ عُذْرٌ يَفْسَخُ بِهِ الْإِجَارَةَ فَيَفْسَخُ بِهِ الْمُزَارَعَةَ. قَالَ (وَلَوْ امْتَنَعَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ وَقَدْ كَرَبَ الْمُزَارِعُ الْأَرْضَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عَمَلُ الْكِرَابِ) قِيلَ هَذَا فِي الْحُكْمِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى يَلْزَمُهُ اسْتِرْضَاءُ الْعَامِلِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي ذَلِكَ.
قَالَ (وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ) اعْتِبَارًا بِالْإِجَارَةِ، وَقَدْ مَرَّ الْوَجْهُ فِي الْإِجَارَاتِ، فَلَوْ كَانَ دَفَعَهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَلَمَّا نَبَتَ الزَّرْعُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَسْتَحْصِدْ الزَّرْعَ حَتَّى مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ تَرَكَ الْأَرْضَ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ وَيَقْسِمَ عَلَى الشَّرْطِ، وَتَنْتَقِضُ الْمُزَارَعَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ السَّنَتَيْنِ لِأَنَّ فِي إبْقَاءِ الْعَقْدِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مُرَاعَاةً لِلْحَقَّيْنِ،
مِنْهُ الْخَارِجُ حَتَّى يَكُونَ قَبْضُهُ قَبْضًا لِفَرْعِهِ فَلَمْ يَتِمَّ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ فِي حَقِّ هَاتِيك الصُّورَةِ فَتَعَيَّنَ الْقُصُورُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ امْتَنَعَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ وَقَدْ كَرَبَ الْمُزَارِعُ الْأَرْضَ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي عَمَلِ الْكِرَابِ) لِأَنَّ الْمَأْتِيَّ بِهِ مُجَرَّدُ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ لَا يَتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ قَوَّمَهُ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ وَقَدْ فَاتَ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ، وَلِأَنَّ الْمُزَارِعَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ لِيُقِيمَ الْعَمَلَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَالْعَامِلُ لِنَفْسِهِ لَا يَسْتَوْجِبُ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذَا قَدْ مَرَّ مِرَارًا وَتَقَرَّرَ أَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ رَبَّ الْأَرْضِ، وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمُزَارِعَ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ لِيُقِيمَ الْعَمَلَ فِيهَا لِنَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ اعْتِبَارًا بِالْإِجَارَةِ) هَذَا جَوَابُ الْقِيَاسِ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِحْسَانِ فَيَبْقَى عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ، وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْعِنَايَةِ:
[ ٩ / ٤٧٣ ]
بِخِلَافِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ بِالْعَامِلِ فَيُحَافِظُ فِيهِمَا عَلَى الْقِيَاسِ (وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ بَعْدَ مَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ انْتَقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ مَالٍ عَلَى الْمُزَارِعِ (وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ بِمُقَابَلَةِ مَا عَمِلَ) لِمَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَإِذَا فُسِخَتْ الْمُزَارَعَةُ بِدَيْنٍ فَادِحٍ لَحِقَ صَاحِبَ الْأَرْضِ فَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا جَازَ) كَمَا فِي الْإِجَارَةِ (وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ بِشَيْءٍ)
وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَعْدَ الزَّرْعِ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ قَبْلَهُ مَذْكُورٌ فِيمَا يَلِيه، وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ مَا إذَا نَبَتَ الزَّرْعُ أَوْ لَمْ يَنْبُتْ. وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ جَوَابَ النَّابِتِ فِي قَوْلِهِ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) فَلَمَّا نَبَتَ الزَّرْعُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ مَا لَمْ يَنْبُتْ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى دُخُولِهِ فِي إطْلَاقِ أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا هُوَ جَوَابُ الْقِيَاسِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا نَبَتَ الزَّرْعُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَمَا لَمْ يَنْبُتْ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْجَوَابِ فِي قَوْلِهِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ جَوَابَ النَّابِتِ فِي قَوْلِهِ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ: فَلَمَّا نَبَتَ الزَّرْعُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْ جَوَابَ مَا لَمْ يَنْبُتْ عِنْدَ مَوْتِهِ إنَّمَا هُوَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، فَكَيْفَ يَتِمُّ قَوْلُهُ وَلَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى دُخُولِهِ فِي أَوَّلِ إطْلَاقِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ دُخُولَهُ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ لَا يَقْتَضِي دُخُولَهُ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْضًا، وَعَنْ هَذَا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ قَبْلَ النَّبَاتِ هَلْ تَبْقَى الْمُزَارَعَةُ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَإِذَا فُسِخَتْ الْمُزَارَعَةُ بِدَيْنٍ فَادِحٍ لِحَقِّ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا جَازَ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ثُمَّ هَلْ يُحْتَاجُ فِي فَسْخِ الْمُزَارَعَةِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ إلَى الرِّضَا؟ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ فِيهِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فَقَالَ: لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْفَسْخِ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْقَضَاءِ وَلَا إلَى الرِّضَا، بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَخَذُوا بِرِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ، وَبَعْضُهُمْ أَخَذَ بِرِوَايَةِ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالتَّشْبِيهُ بِالْإِجَارَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ اخْتَارَ رِوَايَةَ الزِّيَادَاتِ فَإِنَّهُ عَلَيْهَا لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْفَسْخِ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذَلِكَ انْتَهَى أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْإِجَارَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ اخْتَارَ رِوَايَةَ الزِّيَادَاتِ أَنْ لَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْإِجَارَةِ مَقْصُورَةً عَلَى افْتِقَارِ الْفَسْخِ فِيهَا إلَى الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا، أَوْ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ اخْتَارَ هُنَاكَ صَرِيحًا رِوَايَةَ افْتِقَارِ الْفَسْخِ إلَى أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُمَا، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ هُنَاكَ: ثُمَّ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ فَسْخُ الْقَاضِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فِي النَّقْضِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ فِي عُذْرِ الدَّيْنِ.
وَقَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ عُذْرٌ فَالْإِجَارَةُ فِيهِ تَنْتَقِضُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَضَاءِ الْقَاضِي انْتَهَى فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ بِشَيْءٍ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْفَسْخُ بَعْدَ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ وَعَمَلِ الْعَامِلِ يُتَصَوَّرُ فِي صُوَرٍ ثَلَاثٍ، ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ صُورَتَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا مَا إذَا فُسِخَ بَعْدَ مَا كَرَبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ، وَمَا إذَا فُسِخَ بَعْدَ نَبَاتِ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا فُسِخَ بَعْدَ مَا زَرَعَ الْعَامِلُ الْأَرْضَ إلَّا
[ ٩ / ٤٧٤ ]
لِأَنَّ الْمَنَافِعَ إنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ إنَّمَا قُوِّمَ بِالْخَارِجِ فَإِذَا انْعَدَمَ الْخَارِجُ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ (وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ وَلَمْ يُسْتَحْصَدْ لَمْ تُبَعْ الْأَرْضُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ) لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُزَارِعِ، وَالتَّأْخِيرُ أَهْوَنُ مِنْ الْإِبْطَالِ (وَيُخْرِجُهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَبْسِ إنْ كَانَ حَبَسَهُ بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا امْتَنَعَ بَيْعَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ هُوَ ظَالِمًا وَالْحَبْسُ جَزَاءُ الظُّلْمِ).
أَنَّهُ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ حَتَّى لَحِقَ رَبَّ الْأَرْضِ دَيْنٌ فَادِحٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ؟ ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ، وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْعَتَّابِيُّ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ، لِأَنَّ التَّبْذِيرَ اسْتِهْلَاكٌ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فَسْخَ الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِهْلَاكِ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَحْصُلُ لَهُ فِي الْحَالِ، وَحُصُولُهُ فِي الثَّانِي غَيْرُ مَعْلُومٍ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا قَبْلَ التَّبْذِيرِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَافِظُ يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّبْذِيرَ اسْتِنْمَاءُ مَالٍ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الْأَبَ وَالْوَصِيَّ يَمْلِكَانِ زِرَاعَةَ أَرْضِ الصَّبِيِّ وَلَا يَمْلِكَانِ اسْتِهْلَاكَ مَالِ الصَّبِيِّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لِلْمُزَارِعِ فِي الْأَرْضِ عَيْنُ مَالٍ قَائِمٍ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ، وَهِيَ مَا إذَا فُسِخَ بَعْدَ مَا زَرَعَ الْعَامِلُ الْأَرْضَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْبُتْ حَتَّى لَحِقَ رَبَّ الْأَرْضِ دَيْنٌ فَادِحٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ عَيْنٌ قَائِمٌ، لِأَنَّ التَّبْذِيرَ اسْتِهْلَاكٌ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا قَبْلَ التَّبْذِيرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّبْذِيرَ اسْتِنْمَاءٌ وَلَيْسَ بِاسْتِهْلَاكٍ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ زِرَاعَةَ أَرْضِ الصَّبِيِّ وَلَا يَمْلِكَانِ اسْتِهْلَاكَ مَالِهِ فَكَانَ لِلْمُزَارِعِ فِي الْأَرْضِ عَيْنٌ قَائِمٌ، وَلَعَلَّ هَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ الْبَذْرَ إنْ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَالُ الْغَيْرِ حَتَّى يَكُونَ مَانِعًا عَنْ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ فَقَدْ دَخَلَتْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ كَلَامٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِدُخُولِهَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ دُخُولَهَا فِي نَفْسِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ جِدًّا، إذْ قَدْ اعْتَبَرَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ نَبَاتَ الزَّرْعِ وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ عَدَمَ نَبَاتِهِ، فَأَنَّى يُتَصَوَّرُ دُخُولُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى.
وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ دُخُولَهَا فِي حُكْمِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، لَكِنْ لَا يَصْلُحُ لَأَنْ يَكُونَ وَجْهًا لِعَدَمِ ذِكْرِ تِلْكَ
[ ٩ / ٤٧٥ ]
قَالَ (وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُزَارَعَةِ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرَكْ كَانَ عَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرُ مِثْلِ نَصِيبِهِ مِنْ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الزَّرْعِ عَلَيْهِمَا عَلَى مِقْدَارِ حُقُوقِهِمَا) مَعْنَاهُ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ، لِأَنَّ فِي تَبْقِيَةِ الزَّرْعِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ تَعْدِيلَ النَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَيُصَارُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْعَمَلُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْتَهَى بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَهَذَا عَمَلٌ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ فِيهِ عَلَى الْعَامِلِ، لِأَنَّ هُنَاكَ أَبْقَيْنَا الْعَقْدَ فِي مُدَّتِهِ وَالْعَقْدُ يَسْتَدْعِي الْعَمَلَ عَلَى الْعَامِلِ، أَمَّا هَاهُنَا الْعَقْدُ قَدْ انْتَهَى فَلَمْ يَكُنْ هَذَا إبْقَاءَ ذَلِكَ الْعَقْدِ فَلَمْ يَخْتَصَّ الْعَامِلُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَنْفَقَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ وَأَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ (وَلَوْ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الزَّرْعَ بَقْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ) لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْمُزَارِعِ، (وَلَوْ) (أَرَادَ الْمُزَارِعُ) أَنْ يَأْخُذَهُ بَقْلًا قِيلَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ اقْلَعْ الزَّرْعَ فَيَكُونُ بَيْنَكُمَا أَوْ أَعْطِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ أَوْ أَنْفِقْ أَنْتَ عَلَى الزَّرْعُ وَارْجِعْ بِمَا تُنْفِقُهُ فِي حِصَّتِهِ، لِأَنَّ الْمُزَارِعَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَنْهِيِّ نَظَرٌ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ.
وَرَبُّ الْأَرْضِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الْخِيَارَاتِ
الصُّورَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّ دُخُولَهَا فِي حُكْمِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ إنَّمَا يُعْرَفُ بِبَيَانِ حُكْمِهَا مِنْ قَبْلُ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الصُّورَةَ قَطُّ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ حُكْمَهَا كَحُكْمِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، أَوْ كَحُكْمِ الصُّورَةِ الْأُولَى كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُهُمْ الْآخَرُ وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الصُّورَةَ تَأَسِّيًا بِالْإِمَامِ مُحَمَّدٍ ﵀، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي كِتَابِهِ كَمَا بَيَّنَهُ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ قَدْ زَرَعَ الْأَرْضَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ حَتَّى لَحِقَ رَبَّ الْأَرْضِ دَيْنٌ فَادِحٌ هَلْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ؟ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهَا انْتَهَى
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُزَارِعَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إبْقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَنْهِيِّ نَظَرٌ لَهُ وَقَدْ تَرَكَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ) فَإِنْ قِيلَ: تَرْكُ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ
[ ٩ / ٤٧٦ ]
لِأَنَّ بِكُلِّ ذَلِكَ يُسْتَدْفَعُ الضَّرَرُ (وَلَوْ مَاتَ الْمُزَارِعُ بَعْدَ نَبَاتِ الزَّرْعِ فَقَالَتْ وَرَثَتُهُ نَحْنُ نَعْمَلُ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ فَلَهُمْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ (وَلَا أَجْرَ لَهُمْ بِمَا عَمِلُوا) لِأَنَّا أَبْقَيْنَا الْعَقْدَ نَظَرًا لَهُمْ، فَإِنْ أَرَادُوا قَلْعَ الزَّرْعِ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَى الْعَمَلِ لِمَا بَيَّنَّا، وَالْمَالِكُ عَلَى الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثِ لِمَا بَيَّنَّا. قَالَ (وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْحَصَادِ وَالرِّفَاعِ وَالدِّيَاسِ وَالتَّذْرِيَةِ عَلَيْهِمَا بِالْحِصَصِ. فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْعَامِلِ فَسَدَتْ) وَهَذَا الْحُكْمُ لَيْسَ بِمُخْتَصٍّ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الصُّورَةِ وَهُوَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ وَالزَّرْعُ لَمْ يُدْرَكْ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمُزَارَعَاتِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ يَتَنَاهَى بِتَنَاهِي الزَّرْعِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فَيَبْقَى مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَلَا عَقْدَ فَيَجِبُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمَا. وَإِذَا شَرَطَ فِي الْعَقْدِ ذَلِكَ وَلَا يَقْتَضِيهِ وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدِهِمَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ كَشَرْطِ الْحَمْلِ أَوْ الضِّمْنِ عَلَى الْعَامِلِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ إذَا شَرَطَ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ لِلتَّعَامُلِ اعْتِبَارًا بِالِاسْتِصْنَاعِ وَهُوَ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ بَلْخٍ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي دِيَارِنَا. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ كَالسَّقْيِ وَالْحِفْظِ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَالْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَأَشْبَاهِهِمَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَمَا كَانَ
إنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ غَيْرُهُ وَهَاهُنَا يَتَضَرَّرُ رَبُّ الْأَرْضِ وَاسْتِدْفَاعُ الضَّرَرِ لَيْسَ بِمُنْحَصِرٍ فِيمَا ذَكَرَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَنْعِ عَنْ الْقَلْعِ كَرْبُ الْأَرْضِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ مُتَعَنِّتٌ فِي طَلَبِ الْقَلْعِ لِانْتِفَاعِهِ بِنَصِيبِهِ وَبِأَجْرِ الْمِثْلِ فَرُدَّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُزَارِعِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَلْعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فَرُبَّمَا يَخَافُ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ الزَّرْعِ مَا لَا يَفِي بِذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ أَيْضًا لَيْسَ بِمُتَعَنِّتٍ فِي طَلَبِ الْقَلْعِ، بَلْ هُوَ يَرُدُّ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَلْعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِبْقَاءِ، فَرُبَّمَا يَخَافُ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ الزَّرْعِ مَا لَا يَفِي بِنَفَقَةِ حِصَّتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ
[ ٩ / ٤٧٧ ]
بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا. وَالْمُعَامَلَةُ عَلَى قِيَاسُ هَذَا مَا كَانَ قَبْلَ إدْرَاكِ الثَّمَرِ مِنْ السَّقْيِ وَالتَّلْقِيحِ وَالْحِفْظِ فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ كَالْجَدَادِ وَالْحِفْظِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا؛ وَلَوْ شَرَطَ الْجَدَادَ عَلَى الْعَامِلِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِيهِ.
وَمَا كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَهُوَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مَالٌ مُشْتَرَكٌ وَلَا عَقْدَ، وَلَوْ شَرَطَ الْحَصَادَ فِي الزَّرْعِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِيهِ، وَلَوْ أَرَادَا فَصْلَ الْقَصِيلِ أَوْ جَدَّ التَّمْرِ بُسْرًا أَوْ الْتِقَاطَ الرُّطَبِ فَذَلِكَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا أَنْهَيَا الْعَقْدَ لَمَّا عَزَمَا عَلَى الْفَصْلِ وَالْجَدَادِ بُسْرًا فَصَارَ كَمَا بَعْدَ الْإِدْرَاكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.