(قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسَاقَاةُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرِ بَاطِلَةٌ، وَقَالَا: جَائِزَةٌ إذَا ذَكَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَسَمَّى جُزْءًا مِنْ الثَّمَرِ مُشَاعًا)
(كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ)
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: كَانَ مِنْ حَقِّ الْوَضْعِ أَنْ يُقَدِّمَ كِتَابَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ. لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَلِهَذَا قَدَّمَ الطَّحَاوِيُّ الْمُسَاقَاةَ عَلَى الْمُزَارَعَةُ فِي مُخْتَصَرِهِ. إلَّا أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَمَّا كَانَتْ كَثِيرَةَ الْوُقُوعِ فِي عَامَّةِ الْبِلَادِ وَكَانَ الْحَاجَةُ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُسَاقَاةِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْمُسَاقَاةِ. وَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَمَّا وَقَعَ فِيهَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى عِلْمِهَا أَمَسَّ فَقُدِّمَتْ. وَلِأَنَّ تَفْرِيعَاتِهَا أَكْثَرُ مِنْ تَفْرِيعَاتِ الْمُسَاقَاةِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَقْرِيرِهِ نَوْعُ خَلَلٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَائِلِ كَلَامِهِ: لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ الْخِلَافِ أَصْلًا فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يُجَوِّزْهَا كَمَا ذَكَرَ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ حَيْثُ قَالَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسَاقَاةُ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرِ بَاطِلَةٌ. وَكَذَا زُفَرُ لَمْ يُجَوِّزْهَا كَمَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ: كَانَ مِنْ حَقِّ الْمُسَاقَاةِ أَنْ تُقَدَّمَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهَا، وَلِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ فِي مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﵊ بِأَهْلِ خَيْبَرَ، إلَّا أَنَّ اعْتِرَاضَ مُوجِبَيْنِ صَوَّبَ إيرَادَ الْمُزَارَعَةِ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ: أَحَدُهُمَا شِدَّةُ الِاحْتِيَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْمُزَارَعَةِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَالثَّانِي كَثْرَةُ تَفْرِيعِ مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَاقَاةِ.
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُمْ وَلِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ فِي مُعَامَلَةِ النَّبِيِّ ﵊ بِأَهْلِ خَيْبَرَ مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ كَمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْمُسَاقَاةِ وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْمُزَارَعَةِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، سِيَّمَا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِطُرُقٍ شَتَّى فِي قِصَّةِ
[ ٩ / ٤٧٨ ]
وَالْمُسَاقَاةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الْمُزَارَعَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ إلَّا تَبَعًا لِلْمُعَامَلَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا الْمُضَارَبَةُ، وَالْمُعَامَلَةُ أَشْبَهُ بِهَا لِأَنَّ فِيهِ شَرِكَةً فِي الزِّيَادَةِ دُونَ الْأَصْلِ. وَفِي الْمُزَارَعَةِ لَوْ شَرَطَا الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ دُونَ الْبَذْرِ بِأَنْ شَرَطَا رَفْعَهُ مِنْ رَأْسِ الْخَارِجِ تَفْسُدُ، فَجَعَلْنَا الْمُعَامَلَةَ أَصْلًا، وَجَوَّزْنَا الْمُزَارَعَةَ تَبَعًا لَهَا كَالشُّرْبِ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ وَالْمَنْقُولِ فِي وَقْفِ الْعَقَارِ، وَشَرْطُ الْمُدَّةِ قِيَاسٌ فِيهَا لِأَنَّهَا إجَارَةٌ مَعْنًى كَمَا فِي الْمُزَارَعَةُ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ يَجُوزُ وَيَقَعُ عَلَى أَوَّلِ ثَمَرٍ يَخْرُجُ، لِأَنَّ الثَّمَرَ لِإِدْرَاكِهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ وَقَلَّمَا يَتَفَاوَتُ وَيَدْخُلُ فِيمَا مَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَإِدْرَاكُ الْبَذْرِ فِي أُصُولِ الرَّطْبَةِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ إدْرَاكِ الثِّمَارِ، لِأَنَّ لَهُ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا خَرِيفًا
أَهْلِ خَيْبَرَ. وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ: وَهِيَ يَعْنِي الْمُزَارَعَةَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: جَائِزَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ» انْتَهَى وَكَأَنَّ كُلًّا مِنْ فَرِيقَيْ الشُّرَّاحِ اطَّلَعَ عَلَى مَا فِي كَلَامِ الْآخَرِ مِنْ الْخَلَلِ حَيْثُ تَرَكَ مَا أَخَلَّ بِهِ الْآخَرُ كَمَا تَرَى (قَوْلُهُ وَالْمُسَاقَاةُ هِيَ الْمُعَامَلَةُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَالْمُسَاقَاةُ هِيَ الْمُعَامَلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ هُوَ الشَّرْعِيُّ، وَهِيَ مُعَاقَدَةُ دَفْعِ الْأَشْجَارِ وَالْكُرُومِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ مِنْ ثَمَرِهَا انْتَهَى، وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ وَالْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُعَامَلَةِ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِي الشَّرْعِ عَقْدٌ عَلَى دَفْعِ الشَّجَرِ إلَى مَنْ يُصْلِحُهُ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ، وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: فَمَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ أَعَمُّ مِنْ الشَّرْعِيِّ لَا عَيْنَهُ كَمَا تَوَهَّمَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِوَارِدٍ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَامَلَةِ فِي قَوْلِهِ الْمُسَاقَاةُ هِيَ الْمُعَامَلَةُ الْمَعْهُودَةُ بَيْنَ النَّاسِ الْمُسَمَّاةُ بِالْمُسَاقَاةِ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ مُعَاقَدَةُ دَفْعُ الْأَشْجَارُ وَالْكُرُومِ إلَى مَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ مِنْ ثَمَرِهَا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مُطْلَقَ الْمُعَامَلَةِ الشَّامِلَةِ لِمِثْلِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ حَتَّى يَكُونَ مَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ أَعَمَّ مِنْ مَفْهُومِهَا الشَّرْعِيِّ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُهُ الْمُسَاقَاةُ هِيَ الْمُعَامَلَةُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى كُلِّ مُعَامَلَةٍ، بَلْ إنَّمَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى مُعَامَلَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَعْهُودَةٍ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَدْ اعْتَرَفَ ذَلِكَ الرَّادُّ أَيْضًا بِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُعَامَلَةِ بِلُغَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُهَا اللُّغَوِيُّ أَعَمَّ مِنْ الشَّرْعِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الْمُزَارَعَةِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَعْنِي شَرَائِطَهَا هِيَ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذُكِرْت لِلْمُزَارَعَةِ انْتَهَى أَقُولُ: فِي هَذَا التَّفْسِيرِ خَلَلٌ، لِأَنَّ الشَّرَائِطَ الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْمُزَارَعَةِ لَيْسَ كُلُّهَا شَرْطًا لِلْمُسَاقَاةِ، فَإِنَّ شَرَائِطَ الْمُسَاقَاةِ أَرْبَعَةٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ
[ ٩ / ٤٧٩ ]
وَصَيْفًا وَرَبِيعًا، وَالِانْتِهَاءُ بِنَاءٌ عَلَيْهِ فَتَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ إلَيْهِ غَرْسًا قَدْ عُلِّقَ وَلَمْ يَبْلُغْ الثَّمَرُ مُعَامَلَةً حَيْثُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِبَيَانِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِقُوَّةِ الْأَرَاضِيِ وَضَعْفِهَا تَفَاوُتًا فَاحِشًا، وَبِخِلَافِ مَا إذَا دَفَعَ نَخِيلًا أَوْ أُصُولَ رُطَبَةٍ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا أَوْ أَطْلَقَ فِي الرُّطَبَةِ تَفْسُدُ الْمُعَامَلَةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ، لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ فَجُهِلَتْ الْمُدَّةُ (وَيُشْتَرَطُ تَسْمِيَةُ الْجُزْءِ مُشَاعًا) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْمُزَارَعَةِ إذْ شَرْطُ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ (فَإِنْ سَمَّيَا فِي الْمُعَامَلَةِ وَقْتًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الثَّمَرُ فِيهَا فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ) لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الشَّرِكَةُ فِي الْخَارِجِ (وَلَوْ سَمَّيَا مُدَّةً قَدْ يَبْلُغُ الثَّمَرُ فِيهَا وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهَا جَازَتْ) لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ لَوْ خَرَجَ فِي الْوَقْتِ الْمُسَمَّى فَهُوَ عَلَى الشَّرِكَةِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ فِي الْمُدَّةِ الْمُسَمَّاةِ فَصَارَ كَمَا إذَا عَلِمَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ أَصْلًا لِأَنَّ الذَّهَابَ بِآفَةٍ فَلَا يَتَبَيَّنُ فَسَادَ الْمُدَّةِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَلَا شَيْءَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ (وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالرِّطَابِ وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ، لِأَنَّ جَوَازَهَا بِالْأَثَرِ وَقَدْ خَصَّهُمَا وَهُوَ حَدِيثُ خَيْبَرَ. وَلَنَا أَنَّ الْجَوَازَ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ عَمَّتْ، وَأَثَرُ خَيْبَرَ لَا يَخُصُّهُمَا لِأَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْأَشْجَارِ
الْإِمَامُ قَاضِي خَانٍ فِي فَتَاوَاهُ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا أَيْضًا. وَشَرَائِطُ الْمُزَارَعَةِ ثَمَانِيَةٌ كَمَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ فِي أَوَائِلِ الْمُزَارَعَةِ، فَكَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ شَرَائِطَ الْمُسَاقَاةِ هِيَ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْمُزَارَعَةِ، وَقَدْ سَبَقَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ، وَلَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ فِي الْجُمْلَةِ حَيْثُ قَالَ: أَيْ وَشَرَائِطُهَا هِيَ الشَّرَائِطُ الَّتِي ذُكِرَتْ لِلْمُزَارَعَةِ مِمَّا يَصْلُحُ شَرْطًا لِلْمُسَاقَاةِ انْتَهَى.
ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الْمُزَارَعَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى جَوَازِهَا أَوْ عَدَمِ جَوَازِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ إلَّا تَبَعًا إلَخْ، فَإِنَّهُ بَيَانُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فَارِقٍ بَيْنَ كَوْنِ الْمُزَارَعَةِ أَصْلًا وَكَوْنِهَا تَبَعًا، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالْكَلَامُ فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي الْمُزَارَعَةِ بَيَانَ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ كَانَ ذِكْرُهُ بَيْنَ بَيَانِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ أَجْنَبِيًّا كَمَا لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فَطَانَةٍ (قَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ فَجُهِلَتْ الْمُدَّةُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَوْلُهُ لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضُ دَلِيلُ الرَّطْبَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَ النَّخِيلِ وَالرَّطْبَةِ إذَا شَرَطَ الْقِيَامَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهُمَا لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ فَكَانَ غَيْرَ مَعْلُومٍ. وَفِي نُسْخَةٍ فَكَانَ مَعْلُومًا انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ كَلَامٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا تَنْمُو مَا تُرِكَتْ فِي الْأَرْضِ دَلِيلُ الرَّطْبَةِ وَحْدَهَا مَمْنُوعٌ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ
[ ٩ / ٤٨٠ ]
وَالرِّطَابِ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ فَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُولَةً سِيَّمَا عَلَى أَصْلِهِ (وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَامِلَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ (وَكَذَا لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ (فَإِنْ دَفَعَ نَخْلًا فِيهِ تَمْرٌ مُسَاقَاةً وَالتَّمْرُ يَزِيدُ بِالْعَمَلِ جَازَ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَهَتْ لَمْ يَجُزْ) وَكَذَا عَلَى هَذَا إذَا دَفَعَ الزَّرْعَ وَهُوَ بَقْلٌ جَازَ، وَلَوْ اُسْتُحْصِدَ وَأُدْرِكَ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ، وَلَا أَثَرَ لِلْعَمَلِ بَعْدَ التَّنَاهِي وَالْإِدْرَاكِ، فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لَكَانَ اسْتِحْقَاقًا بِغَيْرِ عَمَلٍ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ.
قَالَ (وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ فَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَصَارَ كَالْمُزَارَعَةِ إذَا فَسَدَتْ.
قَالَ (وَتَبْطُلُ الْمُسَاقَاةُ بِالْمَوْتِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيهَا، فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ وَالْخَارِجُ بُسْرٌ فَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَقُومُ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يُدْرِكَ الثَّمَرَ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَرَثَةُ رَبِّ الْأَرْضُ اسْتِحْسَانًا فَيَبْقَى الْعَقْدُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْآخَرِ (وَلَوْ الْتَزَمَ الْعَامِلُ الضَّرَرَ يُتَخَيَّرُ وَرَثَةُ الْآخَرِ بَيْنَ أَنْ يَقْسِمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ الْبُسْرِ وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَرْجِعُوا بِذَلِكَ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلْحَاقُ الضَّرَرِ بِهِمْ)، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الْمُزَارَعَةِ (وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ وَإِنْ كَرِهَ رَبُّ الْأَرْضِ) لِأَنَّ فِيهِ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَصْرِمُوهُ بُسْرًا كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بَيْنَ الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثَةِ) الَّتِي بَيَّنَّاهَا.
دَلِيلًا عَلَى الْمَجْمُوعِ لِجَرَيَانِهِ فِي الْمَجْمُوعِ، كَيْفَ لَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الدَّلِيلَ وَهُوَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ نِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ يَعُمُّ الْمَجْمُوعَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ ذَلِكَ الدَّلِيلُ أَيْضًا الْمَجْمُوعَ عِنْدَ إمْكَانُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعُذْرِ لِعَدَمِ ذِكْرِ الْمُصَنِّفِ دَلِيلَ النَّخِيلِ وَالرَّطْبَةِ إذَا شَرَطَا الْقِيَامَ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَذْهَبَ أُصُولُهُمَا لَيْسَ بِتَامٍّ. أَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى الَّتِي مَعْنَاهَا لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ: أَيْ لِزَمَانِ ذَهَابِ أُصُولِهِمَا، فَكَانَ أَيْ الْمُدَّةُ بِتَأْوِيلِ الْوَقْتِ غَيْرَ مَعْلُومٍ فَلِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ تَحَقُّقَ تِينِك الصُّورَتَيْنِ أَيْضًا، وَلَا يَتِمُّ عُذْرًا لِعَدَمِ ذِكْرِ دَلِيلِهِمَا كَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ. وَأَمَّا عَلَى النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي مَعْنَاهَا لِأَنَّهُ لَا نِهَايَةَ لِذَلِكَ فَكَانَ مَعْلُومًا: أَيْ كَانَ دَلِيلُ تِينك الصُّورَتَيْنِ مَعْلُومًا لِظُهُورِ إفْسَادِ جَهَالَةِ الْمُدَّةِ الْعَقْدَ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِهِ، فَلِأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَضِيَ أَنْ لَا يَذْكُرَ دَلِيلَ الرَّطْبَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ حَاصِلَ ذَلِكَ الدَّلِيلِ أَيْضًا جَهَالَةُ الْمُدَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَذْكُرَ ذَلِكَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُومًا فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَوْ الْتَزَمَ الْعَامِلُ الضَّرَرَ يَتَخَيَّرُ وَرَثَةُ الْآخَرِ بَيْنَ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْبُسْرَ عَلَى الشَّرْطِ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مِنْ الْبُسْرِ، وَبَيْنَ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَرْجِعُوا بِذَلِكَ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ) قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَفِي رُجُوعِهِمْ فِي حِصَّتِهِ فَقَطْ إشْكَالٌ.
[ ٩ / ٤٨١ ]
(وَإِنْ مَاتَا جَمِيعًا فَالْخِيَارُ لِوَرَثَةِ الْعَامِلِ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ، وَهَذَا خِلَافَةٌ فِي حَقٍّ مَالِيٍّ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ عَلَى الْأَشْجَارِ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ لَا أَنْ يَكُونَ وَارِثُهُ فِي الْخِيَارِ (فَإِنْ أَبَى وَرَثَةُ الْعَامِلِ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ كَانَ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضُ) عَلَى مَا وَصْفنَا. قَالَ (وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُعَامَلَةِ وَالْخَارِجُ بُسْرٌ أَخْضَرُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَلِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا إلَى أَنْ يُدْرِكَ لَكِنْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) لِأَنَّ الشَّجَرَ لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ، بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ فِي هَذَا لِأَنَّ الْأَرْضَ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَى الْعَامِلِ هَاهُنَا وَفِي الْمُزَارَعَةِ فِي هَذَا عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ عَلَى الْعَامِلِ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ وَهَاهُنَا لَا أَجْرَ فَجَازَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْعَمَلَ كَمَا يَسْتَحِقُّ قَبْلَ انْتِهَائِهَا.
قَالَ (وَتُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْإِجَارَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَ الْعُذْرِ فِيهَا.
وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا يَخَافُ عَلَيْهِ سَرِقَةَ السَّعَفِ وَالثَّمَرِ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لِأَنَّهُ يُلْزِمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ ضَرَرًا لَمْ يَلْتَزِمْهُ فَتُفْسَخُ بِهِ. وَمِنْهَا مَرَضُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ يُضْعِفُهُ عَنْ الْعَمَلِ، لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ اسْتِئْجَارَ الْأُجَرَاءِ زِيَادَةَ ضَرَرٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ عُذْرًا، وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعُوا عَلَيْهِ بِجَمِيعِهِ لِأَنَّ الْعَامِلَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ وَكَانَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا إذَا اخْتَارَ الْمُضِيَّ أَوْ لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ كَانَ الْعَمَلُ كُلُّهُ عَلَيْهِ. فَلَوْ رَجَعُوا عَلَيْهِ بِحِصَّتِهِ فَقَطْ يُؤَدِّي إلَى اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ بِلَا عَمَلٍ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، وَكَذَا هَذَا الْإِشْكَالُ وَارِدٌ فِي الْمُزَارَعَةِ أَيْضًا انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ: قُلْت: لَا إشْكَالَ، إذْ مَعْنَى الْكَلَامِ يَرْجِعُونَ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقُوا لَا بِحِصَّتِهِ كَمَا فَهِمَهُ هَذَا الْعَلَّامَةُ انْتَهَى. أَقُولُ: مَا قَالَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِنْ الْمَعْنَى خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَإِنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي لِلْعَلَّامَةِ النَّسَفِيِّ وَعِبَارَةَ شَرْحِ الْكَافِي لِلْحَاكِمِ الشَّهِيدِ وَعِبَارَةَ غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرَهَا هَكَذَا، وَإِنْ شَاءُوا أَنْفَقُوا عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَرْجِعُوا بِنِصْفِ نَفَقَتِهِمْ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ كَمَا مَرَّ فِي الْمُزَارَعَةِ انْتَهَى. وَلَا شَكَّ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَا يَرْجِعُونَ بِهِ نِصْفُ نَفَقَتِهِمْ لَا جَمِيعَهَا فَأَنَّى يَتَيَسَّرُ الْحَمْلُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: يَعْنِي فِي كَوْنِ تَرْكِ الْعَمَلِ عُذْرًا رِوَايَتَانِ: فِي إحْدَاهُمَا لَا يَكُونُ عُذْرًا، وَيُجْبَرُ عَلَى
[ ٩ / ٤٨٢ ]
وَتَأْوِيلُ إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَمَلَ بِيَدِهِ فَيَكُونَ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ (وَمَنْ دَفَعَ أَرْضًا بَيْضَاءَ إلَى رَجُلٍ سِنِينَ مَعْلُومَةً يَغْرِسُ فِيهَا شَجَرًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسِ نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ) لِاشْتِرَاطِ الشَّرِكَةِ فِيمَا كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الشَّرِكَةِ لَا بِعَمَلِهِ (وَجَمِيعُ الثَّمَرِ وَالْغَرْسِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْغَارِسِ قِيمَةُ غَرْسِهِ وَأَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ: إذْ هُوَ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ وَهُوَ نِصْفُ الْبُسْتَانُ فَيَفْسُدُ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْغِرَاسِ لِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْضِ فَيَجِبُ قِيمَتُهَا وَأَجْرُ مِثْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي قِيمَةِ الْغِرَاسِ لِتَقَوُّمِهَا بِنَفْسِهَا
ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَازِمٌ لَا يُفْسَخُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ وَهُوَ مَا يَلْحَقُهُ بِهِ ضَرَرٌ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي الْأُخْرَى عُذْرٌ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ خَلَلٌ، إذْ يَصِيرُ حَاصِلُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ فِي كَوْنِ تَرْكِ الْعَمَلِ عُذْرًا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا كَوْنُهُ عُذْرًا وَالْأُخْرَى عَدَمُ كَوْنِهِ عُذْرًا فَيُؤَدِّي إلَى كَوْنِ الشَّيْءِ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ وَلِنَقِيضِهِ وَلَا يَخْفَى بُطْلَانُ ذَلِكَ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ هَلْ يَكُونُ عُذْرًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا بِالْإِيجَابِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا، وَالْأُخْرَى بِالسَّلْبِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ عُذْرًا فَحِينَئِذٍ لَا غُبَارَ فِيهِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ (قَوْلُهُ وَتَأْوِيلُ إحْدَاهُمَا أَنْ يَشْرِطَ الْعَمَلَ بِيَدِهِ فَيَكُونَ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ) أَقُولُ: فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ أَنْ لَوْ تَرَكَ ذَلِكَ الْعَمَلَ اضْطِرَارًا بِسَبَبِ حُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا تَرَكَهُ بِالِاخْتِيَارِ فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ كَوْنِهِ عُذْرًا مِنْ جِهَتِهِ، وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي التَّرْكِ الِاخْتِيَارِيِّ، لِأَنَّ التَّرْكَ الِاضْطِرَارِيَّ إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ عُذْرٍ مُقَرَّرٍ.
وَقَدْ مَرَّ مَسْأَلَةُ جَوَازِ الْفَسْخِ بِالْأَعْذَارِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَذِكْرُ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ بَعْدَهَا وَبَيَانُ وُقُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْعَمَلِ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ ذَلِكَ الْعَمَلِ هُوَ التَّرْكُ الِاخْتِيَارِيُّ لَا غَيْرُ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْغِرَاسِ لِاتِّصَالِهَا بِالْأَرْضِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: يَعْنِي لَوْ وَقَعَ الْغِرَاسُ وَسَلَّمَهَا لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لِشَجَرِ الْغِرَاسِ، بَلْ يَكُونُ تَسْلِيمًا لِقِطْعَةِ خَشَبَةٍ، وَهُوَ مَا شَرَطَ ذَلِكَ، بَلْ شَرَطَ تَسْلِيمَ الشَّجَرِ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْغَارِسِ نِصْفَيْنِ، فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهَا وَهِيَ نَابِتَةٌ وَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهَا انْتَهَى وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فِي شَرْحُ هَذَا الْمَحَلِّ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدَّارِيَةِ وَصَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِمْ لَوْ قَلَعَ الْغِرَاسَ وَسَلَّمَهَا لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لِلشَّجَرِ بَلْ يَكُونُ تَسْلِيمًا لِقِطْعَةِ خَشَبَةٍ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لِلشَّجَرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: مَنْعُ ذَلِكَ مُكَابَرَةٌ، لِأَنَّ الشَّجَرَ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ كُتُبِ اللُّغَةِ مَا كَانَ عَلَى سَاقٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قَلَعَ الْغِرَاسَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدُّ فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الشَّجَرِ فَلَا يَكُونُ تَسْلِيمُ الْمَقْلُوعِ تَسْلِيمًا لِلشَّجَرِ لَا مَحَالَةَ بَلْ يَكُونُ تَسْلِيمًا لِقِطْعَةِ خَشَبَةٍ كَمَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ، نَعَمْ إنَّ قَوْلَهُمْ كَانَ الْمَشْرُوطُ تَسْلِيمَ الشَّجَرِ لَا تَسْلِيمَ قِطْعَةِ خَشَبَةٍ مُسْتَدْرَكٌ لَا يُجْدِي طَائِلًا هَاهُنَا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْغَارِسِ لِلشَّجَرِ لَيْسَ بِمُقْتَضَى الشَّرْطِ بَلْ يَكُونُ
[ ٩ / ٤٨٣ ]
وَفِي تَخْرِيجِهَا طَرِيقٌ آخَرُ بَيَّنَّاهُ فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى، وَهَذَا أَصَحُّهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.