الْمُضَارَبَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ؛ سُمِّيَ بِهَا
الْوِقَايَةِ وَكَذَا عِبَارَةُ مَتْنِ ذَلِكَ الْقَائِلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا. وَفِي صِحَّةِ الصُّلْحِ عَنْ تَرِكَةٍ جُهِلَتْ عَلَى مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ اخْتِلَافٌ، انْتَهَى.
فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّفْصِيلُ الْمَزْبُورُ، فَهَلَّا هِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الشِّقِّ الثَّالِثِ مِنْهُ وَهُوَ مَا لَمْ يَدْرِ حَالَ التَّرِكَةِ، فَالْجَوَابُ بِالِاخْتِلَافِ لَا غَيْرَ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ عَامَّةً.
(كِتَابُ الْمُضَارَبَةِ)
قَدْ مَرَّ وَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالْمُضَارَبَةِ فِي اللُّغَةِ: مُفَاعَلَةٌ، مِنْ ضَرْبِ الْأَرْضِ إِذَا سَارَ فِيهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ يُسَافِرُونَ فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ؛ وَسُمِّيَ هَذَا الْعَقْدُ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَسِيرُ فِي الْأَرْضِ غَالِبًا طَلَبًا لِلرِّبْحِ.
وَفِي الشَّرِيعَةِ: عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَعَمَلٍ مِنَ الْآخَرِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَمَنْ يَحْذُو: هِيَ حَذْوهُ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ دَفْعِ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا.
أَقُولُ: فِيهِ فُتُورٌ؛ إِذِ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ فِي الشَّرِيعَةِ لَيْسَتْ نَفْسَ الدَّفْعِ الْمَزْبُورِ، بَلْ هِيَ عُقَدٌ يَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ مَعَهُ. وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِأَلْفَاظٍ تَدُلُّ عَلَيْهَا: مِثْلَ أَنْ يَقُولَ رَبُّ الْمَالِ: دَفَعْتُ هَذَا إِلَيْكَ مُضَارَبَةً أَوْ مُقَارَضَةً أَوْ مُعَامَلَةً، أَوْ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ فَهُوَ بَيْنَنَا عَلَى كَذَا، وَيَقُولُ الْمُضَارِبُ: قَبِلْتُ أَوْ مَا يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى. وَشُرُوطُهَا كَثِيرَةٌ تُذْكَرُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَشُرُوطُهَا نَوْعَانِ: صَحِيحَةٌ وَهِيَ مَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِفَوَاتِهِ، وَفَاسِدَةٌ تَفْسَدُ فِي نَفْسِهَا وَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ، اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ أَيْضًا نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُفْسِدُ الْعَقْدَ أَيْضًا، وَنَوْعٌ يَفْسُدُ فِي نَفْسِهِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا نَصَّ عَلَيْهِ هَاهُنَا فِي النِّهَايَةِ، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ الْعِنَايَةِ تُشْعِرُ بِانْحِصَارِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْهَا فَكَانَتْ قَاصِرَةً. وَحُكْمَهَا: الْإِيدَاعُ وَالْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ بِحَسْبِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي الْمَبْسُوطِ وَالذَّخِيرَةِ وَالتُّحْفَةِ وَغَيْرهَا عَلَى مَا فُصِّلَ فِي النِّهَايَةِ.
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَحُكْمُهَا الْوَكَالَةُ عِنْدَ الدَّفْعِ وَالشَّرِكَةُ بَعْدَ الرِّبْحِ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ حُكْمَهَا عِنْدَ الدَّفْعِ هُوَ الْإِيدَاعُ، وَإِنَّمَا الْوَكَالَةُ حُكْمُهَا عِنْدَ التَّصَرُّفِ وَالْعَمَلِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَبَرَاتِ حَتَّى الْمُتُونِ؛ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَالَ فِي الْوِقَايَةِ: وَهِيَ إِيدَاعٌ أَوَّلًا وَتَوْكِيلٌ عِنْدَ عَمَلِهِ وَشَرِكَةٌ إِنْ رَبِحَ. وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْإِيدَاعَ عِنْدَ بَيَانِ حُكْمِهَا وَهُوَ حُكْمٌ لَهَا أَيْضًا يَثْبُتُ بِهَا أَوَّلًا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ. وَقَالَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ: وَحُكْمُهَا أَنْوَاعٌ: إِيدَاعٌ وَوَكَالَةٌ وَشَرِكَةٌ وَإِجَارَةٌ وَغَصْبٌ.
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا خَلَلٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِجَارَةِ إِنَّمَا يَظْهَرُ إِذَا فَسَدَتِ الْمُضَارَبَةُ، وَمَعْنَى الْغَصْبِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا خَالَفَ الْمُضَارِبُ فَكَانَ مُتَعَدِّيًا، كَمَا سَيَأْتِي، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ نَاقِضٌ لِعَقْدِ الْمُضَارَبَةِ مُنَافٍ لِصِحَّتِهَا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تَجْعَلَ الْإِجَارَةَ وَالْغَصْبَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهَا، وَحُكْمُ الشَّيْءِ مَا يَثْبُتُ بِهِ وَالَّذِي يَثْبُتُ ثَمَنًا فِيهِ لَا يَثْبُتُ.
[ ٨ / ٤٤٥ ]
لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيِهِ وَعَمَلِهِ، وَهِيَ مشروعة للحاجة إليها، فَإِنَّ النَّاسَ بَيْنَ غَنِيٍّ بِالْمَالِ غَبِيٍّ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَبَيْنِ مُهْتَدٍ فِي التَّصَرُّفِ صِفْرِ الْيَدِ عَنْهُ،
فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ
إِلَى شَرْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفِ لِيَنْتَظِمَ مَصْلَحَةُ الْغَبِيِّ وَالذَّكِيِّ وَالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ. وَبُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ يُبَاشِرُونَهُ فَقَرَّرَهُمْ عَلَيْهِ وَتَعَامَلَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ، ثُمَّ الْمَدْفُوعُ إِلَى الْمُضَارِبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِأَمْرِ مَالِكِهِ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَالْوَثِيقَةِ، وَهُوَ وَكِيلٌ فِيهِ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِأَمْرِ مَالِكِهِ، وَإِذَا رَبِحَ فَهُوَ شَرِيكٌ فِيهِ لِتَمَلُّكِهِ جُزْءًا مِنَ الْمَالِ بِعَمَلِهِ، فَإِذَا فَسَدَتْ ظَهَرَتِ الْإِجَارَةُ حَتَّى اسْتَوْجَبَ الْعَامِلُ أَجْرَ مِثْلِهِ، وَإِذَا خَالَفَ كَانَ غَاصِبًا لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُ عَلَى مَالِ غَيْرِهِ.
بِهِ قَطْعًا. لَا يُقَالُ: إِنَّ الْإِجَارَةَ وَالْغَصْبَ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحَا أَنْ يُجْعَلَا حُكْمًا لِلْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةَ إِلَّا أَنَّهُمَا يَصْلُحَانِ أَنْ يُجْعَلَا حُكْمًا لِلْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ: فَمَنْ أَدْرَجَهُمَا فِي أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ يُرِيدُ بِأَحْكَامِهَا أَحْكَامَ مُطْلَقِ الْمُضَارِبَةَ صَحِيحَةً كَانَتْ أَوْ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي قَرَائِنِهَا مِنْ رُكْنِهَا وَشَرْطِهَا وَغَيْرِهِمَا إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ لِلْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ لَا غَيْرَ، فَفِي أَحْكَامِهَا أَيْضًا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وَلَئِنْ سَلَّمَ صِحَّةَ التَّعْمِيمِ لِلْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ فَالْغَصْبُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ بَلْ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا فِيمَا سَيَجِيءُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِثْلَ أَجْرِ عَمَلِهِ، وَلَا شَكَّ أَنْ لَيْسَ لِلْغَاصِبِ أَجْرٌ قَطُّ لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا فَلَا مَجَالَ لِجَعْلِ الْغَصْبِ مِنْ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ فِي شَيْءٍ.
(قَوْلهُ: لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَسْتَحَقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيهِ وَعَمَلِهِ). قَالَ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ: فِيهِ مُنَاقَشَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ لَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ بِسَعْيهِ وَعَمَلِهِ حَتَّى لَوْ سَعَى وَعَمِلَ وَلَمْ يَظْهَرْ رِبْحٌ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا اهـ.
أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ: "بِسَعْيهِ وَعَمَلِهِ"، لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُضَارِبَ يَسْتَحَقُّ الرِّبْحَ بِسَبَبِ سَعْيِهِ، وَوَظِيفَةُ السَّبَبِ مُجَرَّدُ الْإِيصَالِ وَالْإِفْضَاءِ إِلَى الْمُسَبِّبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا التَّأْثِيرُ فِيهِ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ وَظِيفَةُ الْعِلَّةِ، وَقَدْ
[ ٨ / ٤٤٦ ]
قَالَ (الْمُضَارَبَةُ عَقْدٌ عَلَى الشَّرِكَةِ بِمَالٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ) وَمُرَادُهُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ وَهُوَ يُسْتَحَقُّ بِالْمَالِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ (وَالْعَمَلِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ) وَلَا مُضَارَبَةَ بِدُونِهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّبْحَ لَوْ شُرِطَ كُلُّهُ لِرَبِّ الْمَالِ كَانَ بِضَاعَةً، وَلَوْ شُرِطَ جَمِيعُهُ لِلْمُضَارِبِ كَانَ قَرْضًا. قَالَ (وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْمَالِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الشَّرِكَةُ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ عَرْضًا وَقَالَ بِعْهُ وَاعْمَلْ مُضَارَبَةً فِي ثَمَنِهِ جَازَ لَهُ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِجَارَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنَ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إِذَا قَالَ لَهُ اقْبِضْ مَا لِي عَلَى فُلَانٍ وَاعْمَلْ بِهِ مُضَارَبَةً جَازَ لِمَا قُلْنَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لَهُ اعْمَلْ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِكَ حَيْثُ لَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ،
عَرَّفَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْأُصُولِ فَتَخَلَّفَ اسْتِحْقَاقُ الرِّبْحِ عَنْ سَعْيِ الْمُضَارِبِ، وَعَمَلِهِ عِنْدَ عَدَمِ ظُهُورِ الرِّبْحِ لَا يُخِلُ بِصِحَّةِ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ دَفْعَ إِلَيْهِ عَرَضًا وَقَالَ: بِعْهُ وَاعْمَلْ مُضَارَبَةً فِي ثَمَنِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَوْكِيلٌ وَإِجَارَةٌ فَلَا مَانِعَ مِنَ الصِّحَّةِ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي بَيَانِ التَّعْلِيلِ: أَيْ: لِأَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ، كَمَا عُرِفَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا وَهُوَ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ قَابِلًا لِلْإِضَافَةِ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا لِئَلَّا يُخَالِفُ الْكُلُّ الْجُزْءَ، اهـ.
وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْبَيَانِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْإِجَارَةُ بِالرَّاءِ وَالْإِجَازَةُ بِالزَّاي.
أَقُولُ: فِيهِ بَحَثٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَلِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ، مَا لَمْ تَفْسَدْ لَمْ تَصِرْ إِجَارَةً بِالرَّاءِ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَمَرَّ فِي الْكِتَابِ آنِفًا، وَالْمُدَّعَى هَاهُنَا صِحَّةَ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالْمُضَارَبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا تَشْتَمِلُ عَلَى الْإِجَارَةِ بِالرَّاءِ أَصْلًا بَلْ تُنَافِيهَا قَطْعًا فَلَا مَعْنًى لِدَرْجِهَا فِي تَعْلِيلِ صِحَّةِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ.
وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ لُزُومَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ الْكُلِّ لِلْجُزْءِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا مُخَالَفَةَ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنَ الْاثْنَيْنِ وَالْأَوَّلَ فَرْدٌ لَا زَوْجٌ وَالثَّانِيَ زَوْجٌ لَا فَرْدٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الْمُضَارَبَةِ وَبَيْنَ الْوَكَالَةِ وَالْإِجَارَةِ أَيْضًا مُتَحَقِّقَةً قَطْعًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ. مِنْهَا أَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ وَلَا يَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ الْمُوَكَّلِ، وَالْمُضَارِبَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ وَيَشْتَرِكُ فِيهِ مَعَ رَبِّ الْمَالِ، وَأَنَّ الْأَجِيرَ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ وَلَا يَسْتَحِقُّ الرِّبْحَ، وَالْمَضَارِبَ عَلَى الْعَكْسِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَا ثَالِثًا: فَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ وَالْإِجَارَةَ لَا يَحْتَمِلَانِ الْجُزْئِيَّةَ مِنَ الْمُضَارَبَةِ. أَمَّا الْوِكَالَةُ فَلِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ خَارِجٌ.
[ ٨ / ٤٤٧ ]
لِأَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّوْكِيلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ. وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ لَكِنْ يَقَعُ الْمَلِكُ فِي الْمُشْتَرَى لِلْآمِرِ فَيَصِيرُ مُضَارَبَةً بِالْعَرَضِ. قَالَ (وَمِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا مُشَاعًا لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ مُسَمَّاةً) مِنَ الرِّبْحِ لِأَنَّ شَرْطَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا كَمَا فِي عَقْدِ الشَّرِكَةِ. قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ زِيَادَةَ عَشَرَةٍ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) لِفَسَادِهِ فَلَعَلَّهُ
عَنْهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ لَا رُكْنٌ دَاخِلٌ فِيهِ. وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَلِأَنَّهَا أَيْضًا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَعْضُ وَشَيْءٌ مُنَافٍ لِصِحَّتِهَا: مُضَادٌّ لَهَا عَلَى مُقْتَضَى التَّحْقِيقِ، كَمَا مَرَّ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ لَا تَصْلُحُ الْجُزْئِيَّةُ مِنْهَا. فَحَدِيثُ الْجُزْئِيَّةِ فِي تَمْشِيَةِ التَّعْلِيلِ الْمَزْبُورِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا حَامَ حَوْلَهُ سِوَى الشَّارِحِينَ الْمَذْكُورِينَ، فَالْوَجْهُ فِي تَمْشِيَةِ ذَلِكَ تَقْرِيرُ صَاحِبِ الْكَافِي؛ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفِ الْمُضَارَبَةَ إِلَى الْعَرْضِ وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى ثَمَنِهِ وَالثَّمَنُ مِمَّا يَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ بِهِ وَالْإِضَافَةُ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ وَكَالَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِضَافَةِ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ اهـ. نَعَمْ فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ مِمَّا مَرَّ وَهُوَ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ إِجَارَةٌ بَعْدَ فَسَادِهَا لَا فِي حَالِ صِحَّتِهَا، فَلَا مَعْنًى لِدَرْجِ الْإِجَارَةِ فِي تَعْلِيلِ صِحَّتِهَا فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ. اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَرْجُهَا فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ: كَأَنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ فِي عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ مَا يَمْنَعُ عَنِ الْإِضَافَةِ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَلَا بَعْدَ فَسَادِهِ فَتَأَمَّلَ. ثُمَّ أَقُولُ: بَقِيَ لِي بَحْثٌ قَوِيٌّ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَهُوَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُضَارَبَةَ إِيدَاعٌ ابْتِدَاءً وَتَوْكِيلٌ عِنْدَ الْعَمَلِ وَشَرِكَةٌ بَعْدَ الرِّبْحِ. وَقَدْ صَرَّحُوا فِي مَحَلِّهِ بِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ إِضَافَتُهُ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ تِسْعَةً وَعَدُّوا مِنْهَا الشَّرِكَةَ. فَإِذَا لَمْ تَصِحُّ إِضَافَةُ الشَّرِكَةِ إِلَى زَمَانٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ وُجِدَ فِي الْمُضَارَبَةِ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ الشَّرِكَةُ. فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْمَانِعِ؛ إِذْ لَا رَيْبَ أَنَّ ارْتِفَاعَ مَنْعِ أُمُورٍ لَا يُجْدِي عِنْدَ تَحَقُّقِ مَانِعٍ آخَرَ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ عِنْدَ، أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّوْكِيلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبُيُوعِ)، وَإِذَا لَمْ يَصِحُّ هَذَا التَّوْكِيلُ كَانَ الْمُشْتَرَى لِلْمُشْتَرِي وَالدِّينُ بِحَالِهِ، فَكَانَ رَأْسُ مَالِ الْمُضَارَبَةِ مِنْ مَالِ الْمُضَارِبِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا لَمْ يَصِحُّ التَّوْكِيلُ لَمْ تَصِحِّ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّ عَدَمَ صِحَّةِ الْجُزْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْكُلِّ، اهـ.
أَقُولُ: قَدْ مَرَّ بِنَا أَنَّ حَدِيثَ كَوْنِ الْوَكَالَةِ جُزْءًا مِنَ الْمُضَارَبَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْوَكَالَةَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى صِحَّةِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ ثَابِتٌ عِنْدَ تَصَرُّفِ الْمُضَارِبِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَا قَبْلِهُ فَلَا مَجَالَ لِأَنْ تَكُونُ جُزْءًا مِنْهَا فَلَا بُدَّ فِي بَيَانِ بُطْلَانِ الْمُضَارَبَةِ فِي الصُّورَةِ الْمَزْبُورَةِ عَلَى تَقْدِيرِ بُطْلَانِ ذَاكَ التَّوْكِيلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ. نَعَمْ إِنَّهُمَا قَالَا أَيْضًا: بِجُزْئِيَّةِ الْوَكَالَةِ مِنَ الْمُضَارَبَةِ فِيمَا مَرَّ وَلَكِنَّهُمَا أَصَابَا فِي تَرْكِ ذَلِكَ هَاهُنَا. (قَوْلُهُ: فَإِنْ شَرَطَ زِيَادَةَ عَشَرَةً فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهُ).
[ ٨ / ٤٤٨ ]
لَا يَرْبَحُ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ فَتَنْقَطِعُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ ابْتَغَى عَنْ مَنَافِعِهِ عِوَضًا وَلَمْ يَنَلْ لِفَسَادِهِ، وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَكَمُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِحِّ الْمُضَارَبَةُ وَلَا تُجَاوِزُ بِالْأَجْرِ الْقَدْرَ الْمَشْرُوطَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا بَيَّنَّا فِي الشَّرِكَةِ، وَيَجِبُ الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي رِوَايَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّ أَجْرَ الْأَجِيرِ يَجِبُ بِتَسْلِيمِ الْمَنَافِعِ أَوِ الْعَمَلِ وَقَدْ وُجِدَ
. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ أَنَّهَا فَوْقَهَا، وَالْمَالُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْهَلَاكِ اعْتِبَارًا بِالصَّحِيحَةِ،
ذَهَبَ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ إِلَى أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ شَرَطَ، لِلتَّفْسِيرِ وَزِيَادَةُ عَشْرَةً، أَيْ: عَلَى مَا شَرَطَا كَالنِّصْفِ وَالثُّلْثِ فَلَهُ، أَيْ: فَلِلْعَامِلِ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ تَفْسِيرًا لِلْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هِيَ مَسْأَلَةُ مُخْتَصِرِ الْقُدُورِيِّ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَعَمُّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٌ لِأَحَدِهِمَا يَتَمَشَّى فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مُعْتَبَرَاتِ الْفَتَاوَى كَالْبَدَائِعِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهِمَا: مِنْهَا أَنَّ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنَ الرِّبْحِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ، وَمِنْهَا أَنَّ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَ الرِّبْحِ أَوْ ثُلْثِهِ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَمِنْهَا أَنَّ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا نِصْفُ الرِّبْحِ أَوْ ثُلْثُهُ وَيُزَادُ عَشَرَةً، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ بِنَاءً عَلَى أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْمَزْبُورَةِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْبَحُ إِلَّا الْقَدْرَ الْمُسَمَّى أَوْ أَقَلَّ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ زِيَادَةِ عَشْرَةً فَإِنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةٍ ثَالِثَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَخَصُّ مُفَسِّرًا لِلْأَعَمِّ.
وَثَانِيهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَسَادُ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِاشْتِرَاطِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ لِأَحَدِهِمَا، وَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَحَدَ الْمُتَخَالِفِينَ فِي الْحُكْمِ مُفَسِّرًا لِلْآخَرِ فَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ شَرَطَ زِيَادَةَ عَشَرَةً لِلتَّفْرِيعِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأَوْلَى بَيَانُ أَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ يُفْسِدُ بِاشْتِرَاطِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدِينَ، وَبِالثَّانِيَةِ بَيَانُ أَنَّ حُكْمَ الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةَ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَرِفْتَ فَسَادَ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ بِاشْتِرَاطِ دَرَاهِمَ مُسَمَّاةٍ لِأَحَدِهِمَا فَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ فَسَادِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ وُجُوبُ أَجْرِ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّفْرِيعِ صُورَةَ اشْتِرَاطِ زِيَادَةِ عَشْرَةً لِكَوْنِهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ فِيهَا وَمِنْ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ أَنْ لَا يُغَيِّرُ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَوْ مِنْ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِي، وَلَكِنْ دَفْعُ احْتِمَالِ تَوَهُّمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ الْحَكَمِ بِالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنْ قَالَ بَعْدَ تَعْلِيلِ الْمَسْأَلَةِ: وَهَذَا هُوَ الْحَكَمُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِحِّ الْمُضَارَبَةُ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ اعْتِبَارًا بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ أَنَّهَا فَوْقَهَا)، فَإِنْ قُلْتُ: مَا جَوَابُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ الْقَوِيِّ لِأَبِي يُوسُفَ ﵀، فَإِنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ يُؤْخَذُ حُكْمُهُ أَبَدًا مِنَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ مِنْ جِنْسِهِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ قُلْتُ: جَوَابُهُ هُوَ
[ ٨ / ٤٤٩ ]
وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي يَدِهِ،
أَنَّ الْفَاسِدَ إِنَّمَا يَعْتَبِرُ بِالْجَائِزِ إِذَا كَانَ انْعِقَادُ الْفَاسِدِ مِثْلَ انْعِقَادِ الْجَائِزِ كَالْبَيْعِ، وَهَاهُنَا الْمُضَارَبَةُ الصَّحِيحَةُ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً لَا إِجَارَةً، وَالْمُضَارَبَةُ الْفَاسِدَةُ تَنْعَقِدُ إِجَارَةً فَتُعْتَبَرُ بِالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَجْرِ عِنْدَ إِيفَاءِ الْعَمَلِ، وَإِنْ تَلَفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فَلَا أَجْرَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَعَزَاهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ إِلَى الْمَبْسُوطِ.
أَقُولُ: مُقْتَضَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارَ الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ مَعَ أَنَّهُمُ اعْتَبَرُوهَا بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ فِي حُكْمِ كَوِنِ الْمَالِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْهَلَاكِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُتَّصِلًا بِمَا نَحْنُ فِيهِ؛ حَيْثُ قَالَ: وَالْمَالُ فِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ غَيْرَ مَضْمُونٍ بِالْهَلَاكِ اعْتِبَارًا بِالصَّحِيحَةِ. نَعَمْ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ ذَاكَ الْحَكَمِ بِدَلِيلٍ آخَرَ مَآلُهُ إِلَى اعْتِبَارِهَا بِالْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي يَدِهِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي جَعْلِهِمِ اعْتِبَارَهَا بِالْمُضَارَبَةِ الصَّحِيحَةِ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي وَغَيْرِهِمَا فَتَأَمَّلْ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ رَدَّ عَلَى صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي قَوْلُهُ وَهَاهُنَا: الْمُضَارَبَةُ الصَّحِيحَةُ تَنْعَقِدُ شَرِكَةً لَا إِجَارَةً، بِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّوْكِيلِ وَالْإِجَارَةِ.
أَقُولُ: إِنَّمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِمَا أَسْلَفَهُ أَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَالِ صِحَّةِ التَّوْكِيلِ والْإِجَارَةِ مَعًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّوْكِيلِ حَالَ صِحَّتِهِ وَعَلَى الْإِجَارَةِ بَعْدَ فَسَادِهِ فَلَا مُخَالَفَةً بَيْنَ كَلَامَيْهِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الثَّانِي لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي يَدِهِ)، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: عَيْنُ مُسْتَأْجِرٍ: يَعْنِي أَنَّ رَأْسَ الْمَالِ عَيْنٌ اسْتُؤْجِرَ الْمَضَارِبُ لِيَعْمَلَ بِهِ هُوَ لَا غَيْرُهُ فَلَا يُضَمَّنُ كَأَجِيرِ الْوَحْدِ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فَيَكُونُ مُسْتَأْجَرَةٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنَّفِ: "عَيْنٌ مُسْتَأْجَرَةٌ"، صِفَةٌ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ، أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ: سَيْلٌ مُفْعَمٌ، وَلَعَلَّ هَذَا أَوْلَى، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُمْ: سَيْلٌ مُفْعَمٌ مِمَّا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ وَأُسْنِدَ لِلْفَاعِلِ؛ إِذِ الْمُفْعَمُ اسْمُ مَفْعُولٍ مَنْ أَفْعَمْتُ الْإِنَاءَ، مَلَأْتُهُ وَقَدْ أُسْنِدَ إِلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ هُوَ الْمَالِئُ لَا الْمَمْلُوءُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ رَأْسَ الْمَالِ لَيْسَ بِفَاعِلٍ لِلِاسْتِئْجَارِ قَطْعًا، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَفْعُولٍ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ ذَاكَ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ سَيْلٌ مُفْعَمٌ أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ مُطْلَقًا لَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ خُصُوصِ الْإِسْنَادِ الْوَاقِعِ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ
[ ٨ / ٤٥٠ ]
وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ يُفْسِدُهُ لِاخْتِلَالِ مَقْصُودِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لَا يُفْسِدُهَا، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ كَاشْتِرَاطِ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ.
تَاجُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ؛ حَيْثُ قَالَ: الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا هُوَ الْمُضَارِبُ لَكِنْ سُمِّيَ الْعَيْنُ مُسْتَأْجِرًا لِعَمَلِ الْمُضَارِبِ فِيهِ، اهـ.
ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الشُّرَّاحِ قَالُوا: وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمُضَارِبَ بِمَنْزِلَةِ أَجِيرَ الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَجِيرٌ لَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِآخَرَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَالنِّهَايَةِ مِنْهُمْ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ: لِأَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِمُسْتَأْجِرَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، كَمَا لَا يُمْكِنُ لِأَجِيرِ الْوَاحِدِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهَ لِمُسْتَأْجِرَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِمَا: لِأَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِمُسْتَأْجِرَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ نَفْسَ الْمَضَارِبِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ نَفْسَهَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِمُسْتَأْجِرَيْنِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إِذَا كَانَتْ عَقْدًا عَلَى الْعَمَلِ لَا عَلَى الْمَنْفَعَةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ وَاحِدٌ مُسْتَأْجِرًا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُسْتَأْجِرِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْقَصَّارِ وَرَاعِي الْغَنَمِ لِلْعَامَّةِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ وَقَعَ عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ عَلَى الْعَمَلِ مِنَ الْمُضَارِبِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ أَجِيرِ الْوَحْدِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ فِيهِ كَانَتْ عَلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَمَلِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهَ لِآخَرَ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَحَلِّهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالْعَيْنِ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِمَا: الْمَزْبُورُ رَأْسُ الْمَالِ، فَمُسْلَّمٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْجِرًا لِمُسْتَأْجِرَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، أَيْ: أَنَّ يَكُونَ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْمَلَانِ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ هَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِبُ بِمَنْزِلَةِ أَجِيرِ الْوَاحِدِ لِجَرَيَانِ هَذَا الْمَعْنَى فِي كُلِّ أَجِيرٍ مُشْتَرَكٍ، فَإِنَّ مَا يَعْمَلُ بِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ لِامْتِنَاعِ وُقُوعِ شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي مَحِلَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ يُفْسِدُهُ لِاخْتِلَالِ مَقْصُودِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لَا يُفْسِدُهَا، وَيُبْطِلُ الشَّرْطَ كَاشْتِرَاطِ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ).
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: فَإِنْ قُلْتَ هَذَا الْكُلُّ مَنْقُوضٌ بِمَا ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا بِخُطُوطٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَشَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ دَاخِلٌ تَحْتَ ذَلِكَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ وَمَعَ ذَلِكَ أَفْسَدَ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ، وَعَلَى قَضِيَّةِ ذَلِكَ الْكُلِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفْسُدُ الْمُضَارَبَةُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ. قُلْتُ: نَعَمْ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "وَغَيْرُ ذَلِكَ"، الشُّرُوطَ الْفَاسِدَةَ لَا يُفْسِدُهَا الشَّرْطَ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ شَرْطًا يَمْنَعُ مُوجَبَ الْعَقْدِ يُفْسِدُ الْعَقْدَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا شُرِعَ لِإِثْبَاتِ مُوجَبِهِ، انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا الْجَوَابُ لَا يَشْفِي الْعَلِيلَ وَلَا يُجْدِي طَائِلًا.
[ ٨ / ٤٥١ ]
قَالَ (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُسَلَّمًا إِلَى الْمُضَارِبِ وَلَا يَدٌ لِرَبِّ الْمَالِ فِيهِ) لِأَنَّ الْمَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَلَا بُدِّ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ لِأَنَّ الْمَالَ فِي الْمُضَارَبَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَالْعَمَلَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَخْلُصَ الْمَالُ لِلْعَامِلِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. أَمَّا الْعَمَلُ فِي الشَّرِكَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَلَوْ شَرَطَ خُلُوصَ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا لَمْ تَنْعَقِدِ الشَّرِكَةُ، وَشَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ خُلُوصَ يَدِ الْمُضَارِبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْمَقْصُودُ سَوَاءٌ كَانَ الْمَالِكُ عَاقِدًا أَوْ غَيْرَ عَاقِدٍ كَالصَّغِيرِ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ ثَابِتَةٌ لَهُ، وَبَقَاءُ يَدِهِ يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إِلَى الْمُضَارِبِ، وَكَذَا أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَأَحَدُ شَرِيكَيِ الْعَنَانِ إِذَا دَفَعَ الْمَالَ مُضَارَبَةً وَشَرَطَ عَمَلَ صَاحِبِهِ لِقِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاقِدًا، وَاشْتِرَاطُ الْعَمَلِ عَلَى الْعَاقِدِ مَعَ الْمُضَارِبِ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ يُفْسِدُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمُضَارَبَةِ فِيهِ كَالْمَأْذُونِ، بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ أَنْ يَأْخُذَا مَالَ الصَّغِيرِ مُضَارَبَةً بِأَنْفُسِهِمَا فَكَذَا اشْتِرَاطُهُ عَلَيْهِمَا بِجُزْءٍ مِنَ الْمَالِ.
لِأَنَّ كَوْنَ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: "وَغَيْرُ ذَلِكَ"، الشَّرْطَ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مُوجَبَ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّهُ مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ مَحْضٍ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الزَّبُورُ لِعُمُومِهِ مُفْسِدًا لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْمَقَامِ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا بَيَانُ أَصْلٍ يَنْضَبِطُ بِهِ أَحْوَالَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ فَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: "وَغَيْرُ ذَلِكَ"، الشَّرْطَ الَّذِي لَا يَمْنَعُ مُوجَبَ الْعَقْدِ يَكُونُ الشَّرْطُ الَّذِي يَمْنَعُ مُوجَبَ الْعَقْدِ وَلَا يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ خَارِجًا عَنْ قِسْمَيْ هَذَا الْأَصْلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الِانْضِبَاطُ فَلَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ.
وَأَجَابَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ حَيْثُ قَالَ: قِيلَ: شَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لَا يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ وَلَا يَبْطُلُ فِي نَفْسِهِ، بَلْ يُفْسِدُ الْمُضَارَبَةَ، كَمَا سَيَجِيءُ فَلَمْ تَكُنِ الْقَاعِدَةُ مُطَّرِدَةً.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَالَ: وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ لَا يُفْسِدُهَا، أَيْ: الْمُضَارَبَةُ، وَإِذَا شَرَطَ الْعَمَلَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُضَارَبَةٍ: وَسَلْبُ الشَّيْءِ عَنِ الْمَعْدُومِ صَحِيحٌ، يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: زَيْدٌ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِبَصِيرٍ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا بِخُطُوطٍ وَشَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، مَعْنَاهُ مَانِعٌ عَنْ تَحَقُّقِهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مَضْمُونُ هَذَا الْجَوَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا فِي نَفْسِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنَى الْمَقَامِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقِسْمَ الثَّانِي مِنَ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ هُوَ أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ لَا يُفْسِدُ الْمُضَارَبَةَ بَلْ تَبْقَى الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةٌ وَيُبْطِلُ الشَّرْطُ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: كَاشْتِرَاطِ الْوَضِيعَةِ عَلَى الْمُضَارِبِ، فَإِنَّ الشَّرْطَ هُنَاكَ بَاطِلٌ وَالْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ كَانَ اعْتَرَفَ بِهِ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا؛ حَيْثُ قَالَ أَوَّلًا: وَلَمَّا كَانَ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَمِنْهَا مَا يَبْطُلُ فِي نَفْسِهِ وَتَبْقَى الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةٌ أَرَادَ أَنْ يُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ بِأَمْرٍ جُمْلِيٍّ فَقَالَ: وَكُلُّ شَرْطٍ يُوجِبُ جَهَالَةً فِي الرِّبْحِ … إِلَخْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْمَعْدُومَةَ لَا تَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
[ ٨ / ٤٥٢ ]
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ مُطْلَقَةً جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ وَيُوَكِّلَ وَيُسَافِرَ وَيُبْضِعَ وَيُودِعَ) لِإِطْلَاقِ الْعَقْدِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الِاسْتِرْبَاحُ وَلَا يَتَحَصَّلُ إِلَّا بِالتِّجَارَةِ، فَيَنْتَظِمُ الْعَقْدُ صُنُوفَ التِّجَارَةِ وَمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الْإِبْضَاعُ وَالْإِيدَاعُ وَالْمُسَافَرَةُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُودِعَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَالْمُضَارِبُ أَوْلَى، كَيْفَ وَأَنَّ اللَّفْظَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ السَّيْرُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ. وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ إِنْ دَفَعَ فِي بَلَدِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْ دَفَعَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى بَلَدِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ فِي الْغَالِبِ، وَالظَّاهِرُ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ (وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُ الْمَالِ أَوْ يَقُولَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ) لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ أَوِ التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ إِلَيْهِ وَكَانَ كَالتَّوْكِيلِ، فَإِنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إِلَّا إِذَا قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ،
(قَوْلُهُ: وَإِذَا صَحَّتِ الْمُضَارَبَةُ مُطْلُقَةً جَازَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيُوكِلَ وَيُسَافِرَ وَيَبْضَعَ وَيُوَدِّعَ) فَسَّرَ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ الْمُضَارَبَةَ الْمُطْلَقَةَ هَاهُنَا بِأَنْ لَا تَكُونَ مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ.
أَقُولُ: هَذَا تَقْصِيرٌ مِنْهُمْ جِدًّا؛ لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَكِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْمُعَامَلَةِ بِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ لَمْ تَكُنْ مُطْلَقَةً بَلْ كَانَتْ مُقَيِّدَةً لَمْ يَجُزْ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا، كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ بَعْضٌ مِنَ الشُّرَّاحِ فِي تَفْسِيرِ الْمُضَارَبَةِ الْمُطْلَقَةِ هَاهُنَا، أَيْ: غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالسِّلْعَةِ.
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا نَوْعُ تَقْصِيرٍ لِدُخُولٍ مَا كَانَتْ مُقَيَّدَةً بِالْمُعَامَلَةِ بِفُلَانٍ بِعَيْنِهِ فِي هَذَا التَّفْسِيرِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُطْلَقَةٍ؛ حَيْثُ يَصِحُّ ذَلِكَ التَّقْيِيدُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ، فَالْأَوْلَى فِي تَفْسِيرِهَا أَنْ يُقَالَ: مَا لَمْ تُقَيَّدْ بِزَمَانٍ وَلَا بِمَكَانِ وَلَا بِنَوْعٍ مِنَ التِّجَارَةِ وَلَا بِشَخْصٍ مِنَ الْمُعَامَلِينَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطِ: إِذَا دَفَعَ مَالًا مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَهَذِهِ مُضَارَبَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا مَا بَدَا لَهُ مِنْ سَائِرِ التِّجَارَاتِ وَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا مَا هُوَ مِنْ عَادَاتِ التُّجَّارِ، انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَلَا يُضَارِبُ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ أَوْ يَقُولُ: لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مَثْلَهُ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَا يَرِدُ جَوَازُ إِذْنِ الْمَأْذُونِ لِعَبْدِهِ وَجَوَازِ الْكِتَابَةِ لِلْمُكَاتَبِ وَالْإِجَارَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ.
[ ٨ / ٤٥٣ ]
بِخِلَافِ الْإِيدَاعِ وَالْإِبْضَاعِ لِأَنَّهُ دُونَهُ فَيَتَضَمَّنُهُ، وَبِخِلَافِ الْإِقْرَاضِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ التَّعْمِيمُ فِيمَا هُوَ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَلَيْسَ الْإِقْرَارُ مِنْهُ وَهُوَ تَبَرُّعٌ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْغَرَضُ وَهُوَ الرِّبْحُ لِأَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، أَمَّا الدَّفْعُ مُضَارَبَةً فَمِنْ صَنِيعِهِمْ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ وَالْخَلْطُ بِمَالِ نَفْسِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْقَوْلِ. قَالَ (وَإِنْ خَصَّ لَهُ رَبٍّ الْمَالِ التَّصَرُّفَ فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ. وَفِي التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ فَيَتَخَصَّصُ، وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِضَاعَةً إِلَى مَنْ يُخْرِجُهَا مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِخْرَاجَ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
قَالَ (فَإِنْ خَرَجَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَاشْتَرَى ضَمِنَ) وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ رِبْحُهُ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِ حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهِيَ الَّتِي عَيَّنَهَا بَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ كَالْمُودَعِ إِذَا خَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ ثُمَّ تَرَكَ
وَرَجَعَ الْمَالُ مُضَارَبَةً عَلَى حَالِهِ لِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ بِالْعَقْدِ السَّابِقِ،
وَالْإِعَارَةُ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِينَ، فَإِنَّهَا أَمْثَالٌ لَمَّا يُجَانِسْهَا. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ أَمْثَالُهَا؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَضَمَّنَتِ الْأَمَانَةَ أَوَّلًا وَالْوَكَالَةَ ثَانِيًا، وَلَيْسَ لِلْمُودِعِ وَالْوَكِيلِ الْإِيدَاعُ وَالتَّوْكِيلُ، فَكَذَا الْمُضَارِبُ لَا يُضَارِبُ غَيْرَهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَضَمَّنَتِ الْأَمَانَةَ … إِلَخْ. تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا يَرُدُّ جَوَازَ إِذَنْ الْمَأْذُونِ
إِلَخْ. لَكِنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ إِقَامَةُ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَنْ يُضَارِبَ الْمُضَارِبُ غَيْرَهُ بِتَضَمُّنِ الْمُضَارَبَةَ الْأَمَانَةَ وَالْوَكَالَةَ اللَّتَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا الْإِيدَاعُ وَالتَّوْكِيلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمَ وُرُودِ النَّقْضِ بِالصُّوَرِ الْمَزْبُورَةِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ عَنِ النَّقْضِ بِتِلْكَ الصُّوَرِ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّصَرُّفِ نِيَابَةً وَهَؤُلَاءِ يَتَصَرَّفُونَ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ. أَمَّا الْمَأْذُونُ فَلِأَنَّ الْإِذْنَ فَكُّ الْحَجَرِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَصَرَّفُ الْعَبْدُ بِحُكْمِ الْمَالِكِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَلِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا يَدًا، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فَلِأَنَّهُمَا مَلَكَا الْمَنْفَعَةَ.
(قَوْلُهُ: وَرَجْعُ الْمَالِ مُضَارَبَةٌ عَلَى حَالِهِ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ
[ ٨ / ٤٥٤ ]
وَكَذَا إِذَا رَدَّ بَعْضَهُ وَاشْتَرَى بِبَعْضِهِ فِي الْمِصْرِ كَانَ الْمَرْدُودُ وَالْمُشْتَرَى فِي الْمِصْرِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِمَا قُلْنَا، ثُمَّ شَرَطَ الشِّرَاءَ بِهَا هَاهُنَا وَهُوَ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَفِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ ضَمِنَهُ بِنَفْسِ الْإِخْرَاجِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ بِالشِّرَاءِ يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ لِزَوَالِ احْتِمَالِ الرَّدِّ إِلَى الْمِصْرِ الَّذِي عَيَّنَهُ، أَمَّا الضَّمَانُ فَوُجُوبُهُ بِنَفْسِ الْإِخْرَاجِ، وَإِنَّمَا شَرَطَ الشِّرَاءَ لِلتَّقَرُّرِ لَا لِأَصْلِ الْوُجُوبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ فِي سُوقِ الْكُوفَةِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ التَّقْيِيدُ لِأَنَّ الْمِصْرَ مَعَ تَبَايُنِ أَطْرَافِهِ كَبُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُفِيدُ التَّقْيِيدُ، إِلَّا إِذَا صَرَّحَ بِالنَّهْيِ بِأَنْ قَالَ اعْمَلْ فِي السُّوقِ وَلَا تَعْمَلْ فِي غَيْرِ السُّوقِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْحَجْرِ وَالْوِلَايَةُ إِلَيْهِ
رَجْعُ الْمَالِ مُضَارَبَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا زَائِلَةٌ، وَإِذَا زَالَ الْعَقْدُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ أُجِيبُ بِأَنَّهُ عَلَيَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْجَامِعُ الصَّغِيرِ لَمْ يَزَلْ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالشِّرَاءِ وَالْفَرْضِ خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ رَجْعٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ صَارَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ فَإِنَّهَا زَالَتْ زَوَالًا مَوْقُوفًا؛ حَيْثُ ضَمَّنَهُ بِنَفْسِ الْإِخْرَاجِ، اهـ.
أَقُولُ: قَوْلُهُ: إِنَّهُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَمْ يَزَلْ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالشِّرَاءِ مُخَالِفٌ لِمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنَّفُ وَغَيْرُهُ فِيمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ الشِّرَاءِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِتُقَرِّرَ الضَّمَانَ لَا لِأَصِلِ وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا وُجُوبُهُ بِنَفْسِ الْإِخْرَاجِ؛ إِذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا، فَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُكْتَفَى بِأَنْ يُقَالَ: إِنِ الْمُضَارَبَةَ زَائِلَةٌ بِالْإِخْرَاجِ زَوَالًا مَوْقُوفًا فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِ وَرَدَّ الْمَالَ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي عَيَّنَهُ رَبُّ الْمَالِ سَقَطَ الضَّمَانُ وَعَادَتِ الْمُضَارَبَةُ إِلَى أَصْلِهَا، وَالْعَقْدُ إِنَّمَا لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ فِيمَا إِذَا زَالَ زَوَالًا مَقْطُوعًا غَيْرَ مَوْقُوفٍ عَلَى شَيْءٍ.
(قَوْلُهُ: إِلَّا إِذَا صَرَّحَ بِالنَّهْي بِأَنْ قَالَ: اعْمَلْ فِي السُّوقِ وَلَا تَعْمَلْ فِي غَيْرِ السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْحَجَرِ وَالْوِلَايَةِ إِلَيْهِ). قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْ بِالنَّسِيئَةِ وَلَا تَبِعْ بِالنَّقْدِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ؛ حَيْثُ لَوْ بَاعَ بِالنَّقْدِ أَوْ بِالنَّسِيئَةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا مَعَ صَرِيحِ النَّهْيِ إِذَا كَانَ السِّعْرُ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ لَا يَتَفَاوَتُ قُلْنَا: هَذَا مُخَالَفَةٌ بِالْخَيْرِ.
[ ٨ / ٤٥٥ ]
وَمَعْنَى التَّخْصِيصِ أَنْ يَقُولَ لَهُ عَلَى أَنْ تَعْمَلَ كَذَا أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ تَعْمَلُ بِهِ فِي الْكُوفَةِ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، أَوْ قَالَ فَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلْوَصْلِ أَوْ قَالَ خُذْهُ بِالنِّصْفِ بِالْكُوفَةِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، أَمَّا إِذَا قَالَ خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ بِالْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشُورَةِ،
فَلَا يَكُونُ مُخَالَفَةً خِلَافًا لِزَفْرٍ، وَهَذَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ بِأَلْفٍ فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْنِ يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ مُخَالَفَةٌ بِالْخَيْرِ، اهـ.
أَقُولُ: فِي كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ خَبْطٌ. أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: "أَوْ عَلَى الْعَكْسِ"، غَيْرَ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ كَوْنُ الْجَوَابِ فِي عَكْسِ قَوْلِهُ: بِعْ بِالنَّسِيئَةِ وَلَا تَبِعْ بِالنَّقْدِ، كَالْجَوَابِ فِيهِ لَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: هَذَا مُخَالَفَةٌ بِالْخَيْرِ مِمَّا لَا يَكَادُ يَصِحُّ بَعْدَ دَرْجِ الْعَكْسِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالنَّقْدِ مُخَالَفَةً بِالْخَيْرِ فِيمَا إِذَا كَانَ السِّعْرُ بِالنَّقْدِ وَالنَّسِيئَةِ غَيْرَ مُتَفَاوِتٍ لَمْ يُتَصَوَّرْ كَوْنُ الْبَيْعِ بِالنَّسِيئَةِ فِي الْعَكْسِ مُخَالَفَةٌ بِالْخَيْرِ أَيْضًا، وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا، فَالصَّوَابُ أَنْ يَطْرَحَ حَدِيثُ الْعَكْسِ فِي السُّؤَالِ، كَمَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: وَمَعْنَى التَّخْصِيصُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عَلَى أَنْ تَعْمَلَ كَذَا أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا … إِلَخْ). يَعْنِي: أَنَّ مَعْنَى التَّخْصِيصِ يَحْصُلُ بِأَنْ يَقُولَ: كَذَا وَكَذَا بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَمَقْصُودُهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا يُفِيدُ التَّخْصِيصُ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَمَا لَا يُفِيدُ ذَلِكَ مِنْهَا. وَجُمْلَةُ ذَلِكَ عَلَى مَا عُيِّنُوا ثَمَانِيَةٌ: سِتَّةٌ مِنْهَا تُفِيدُ التَّخْصِيصَ فَتُعْتَبَرُ شَرْطًا، وَاثْنَانِ مِنْهَا لَا تُفِيدُهُ فَتُعْتَبَرُ مَشُورَةً. وَالضَّابِطُ فِي التَّمْيِيزِ مَا يُفِيدُ التَّخْصِيصَ عَمَّا لَا يُفِيدُهُ هُوَ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ مَتَى ذَكَرَ عَقِيبَ الْمُضَارَبَةِ مَا لَا يَصِحُّ التَّلَفُّظُ بِهِ ابْتِدَاءٌ وَيَصِحُّ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ يُجْعَلُ مُتَعَلِّقًا بِهِ لِئَلَّا يَلْغُو، وَمَتَى ذَكَرَ عَقِيبُهَا مَا يَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِهِ لَا يُجْعَلُ مُتَعَلِّقًا بِمَا قَبْلَهُ لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا ذُكِرَ هَاهُنَا فِي جُمْلَةِ الشُّرُوحِ وَالْكَافِي.
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ: خُذْ هَذَا الْمَالَ تَعْمَلُ بِهِ فِي الْكُوفَةِ بِرَفْعِ تَعْمَلُ وَبِجَزْمِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ الَّتِي تُفِيدُ التَّخْصِيصَ مَعَ أَنَّهُ يَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِتَعْمُلُ مَرْفُوعًا عَلَى أَنْ يُجْعَلَ كَلَامًا مُسْتَأْنَفًا، كَمَا يَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِاللَّفْظَيْنِ اللَّذَيْنِ حَصَرُوا فِيهِمَا مَا يَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِهِ فِي بَابِ الْمُضَارَبَةِ وَهُمَا قَوْلُهُ: وَاعْمَلْ بِهِ بِالْوَاوِ، وَقَوْلُهُ: اعْمَلْ بِهِ بِغَيْرِ الْوَاوِ فَعَلَى مُقْتَضَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: تَعْمَلُ بِهِ فِي الْكُوفَةِ بِالرَّفْعِ مِمَّا لَا يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ وَاعْمَلْ بِهِ فِي الْكُوفَةِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَشُورَةِ). فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَمْ تَجْعَلِ الْوَاوَ لِلْحَالِ، كَمَا فِي قَوْلُهُ: أَدِّ إِلَيَّ أَلْفًا وَأَنْتَ حُرُّ. قُلْنَا: لِأَنَّهُ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْحَالِ.
[ ٨ / ٤٥٦ ]
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ مِنْ فُلَانٍ وَتَبِيعَ مِنْهُ صَحَّ التَّقْيِيدُ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ عَلَى أَنْ تَشْتَرِيَ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَوْ دَفَعَ فِي الصَّرْفِ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ مِنَ الصَّيَارِفَةِ وَيَبِيعَ مِنْهُمْ فَبَاعَ بِالْكُوفَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ الصَّيَارِفَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْأَوَّلِ التَّقْيِيدُ بِالْمَكَانِ، وَفَائِدَةَ الثَّانِي التَّقْيِيدُ بِالنَّوْعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ عُرْفًا لَا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إِنْ وَقَّتَ لِلْمُضَارَبَةِ وَقْتًا بِعَيْنِهِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِمُضِيِّهِ) لِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ فَيَتَوَقَّتُ بِمَا وَقَّتَهُ وَالتَّوْقِيتُ مُفِيدٌ وَأَنَّهُ تَقْيِيدٌ بِالزَّمَانِ فَصَارَ كَالتَّقْيِيدِ بِالنَّوْعِ وَالْمَكَانِ.
قَالَ (وَلَيْسَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِقَرَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) لِأَنَّ الْعَقْدَ وُضِعَ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحَ وَذَلِكَ بِالتَّصَرُّفِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَلَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ لِعِتْقِهِ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ فِي الْمُضَارَبَةِ شِرَاءٌ مَا لَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ كَشِرَاءِ الْخَمْرِ وَالشِّرَاءِ بِالْمَيْتَةِ. بِخِلَافِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ بَيْعُهُ بَعْدَ قَبْضِهِ فَيَتَحَقَّقُ الْمَقْصُودُ.
قَالَ (وَلَوْ فَعَلَ صَارَ مُشْتَرِيًا لِنَفْسِهِ دُونَ الْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّ الشِّرَاءَ مَتَى وَجَدَ نَفَاذًا عَلَى الْمُشْتَرِي نَفَّذَ عَلَيْهِ كَالْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ إِذَا خَالَفَ. قَالَ (فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ يُعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ وَيُفْسِدُ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ أَوْ يُعْتِقُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ فَيَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَإِنِ اشْتَرَاهُمْ ضَمِنَ مَالَ الْمُضَارَبَةِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرِيًا الْعَبْدَ لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُ بِالنَّقْدِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ
هَاهُنَا؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَمَلِ لَا يَكُونُ وَقْتَ الْأَخْذِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْعَمَلُ بَعْدَ الْأَخْذِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَعَامَّةُ الشُّرُوحِ أَقُولُ: يَنْتَقِضُ هَذَا الْجَوَابُ بِمَا إِذَا قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ تَعْمَلُ بِهِ بِالْكُوفَةِ بِالرَّفْعِ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا قَوْلُهُ: تَعْمَلُ بِهِ بِالْكُوفَةِ مِمَّا يُفِيدُ التَّخْصِيصَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: تَعْمَلُ عَلَى إِعْرَابَيْنِ: بِالرَّفْعِ عَلَى الْحَالِ وَبِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا
[ ٨ / ٤٥٧ ]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَهُمْ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ، إِذْ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِيهِ لِيُعْتَقَ عَلَيْهِ (فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُمْ بَعْدَ الشِّرَاءِ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُمْ) لِمِلْكِهِ بَعْضَ قَرِيبِهِ (وَلَمْ يَضْمَنْ لِرَبِ الْمَالِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ مِنْ جِهَتِهِ فِي زِيَادَةِ الْقِيمَةِ وَلَا فِي مِلْكِهِ الزِّيَادَةَ، لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ يَثْبُتُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ فَصَارَ كَمَا إِذَا وَرِثَهُ مَعَ غَيْرِهِ (وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ) لِأَنَّهُ احْتُسِبَتْ مَالِيَّتُهُ عِنْدَهُ فَيَسْعَى فِيهِ كَمَا فِي الْوَرَثَةِ.
قَالَ (فَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ أَلْفٌ بِالنِّصْفِ فَاشْتَرَى بِهَا جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفٌ فَوَطِئَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ يُسَاوِي أَلْفًا فَادَّعَاهُ ثُمَّ بَلَغَتْ قِيمَةُ الْغُلَامِ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ
فِي الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَةِ قَوْلُهُ: وَاعْمَلْ بِهِ بِالْكُوفَةِ لِلْحَالِ وَهِيَ كَوْنُ الْعَمَلِ بَعْدَ الْأَخْذِ لَا وَقْتَ الْأَخْذِ جَارِيَةٌ بِعَيْنِهَا فِي قَوْلِهُ: تَعْمَلُ بِهِ بِالْكُوفَةِ بِالرَّفْعِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْحَالِ أَيْضًا. وَإِنْ قَالُوا: هَذَا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ يَرُدُّ أَنْ يُقَالَ: لِمَ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهُ: وَاعْمَلْ بِهِ بِالْكُوفَةِ فَلَا تَنْحَسِمُ مَادَّةُ الْإِشْكَالِ بِذَلِكَ الْجَوَابِ.
ثُمَّ أَقُولُ: الْجَوَابُ التَّامُّ عَنْ أَصْلِ السُّؤَالِ الْحَاسِمِ مَادَّةُ الْإِشْكَالِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ: وَاعْمَلْ بِهِ بِالْكُوفَةِ جُمْلَةٌ إِنْشَائِيَّةٌ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْجُمَلَ الْإِنْشَائِيَّةَ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَقَعَ حَالًا سَوَاء كَانَتْ مَعَ الْوَاوِ أَوْ بِدُونِهَا.
وَهَذَا مَعَ وُضُوحِهِ جَدًّا كَيْفَ خُفَّيَ عَلَى الشُّرَّاحِ حَتَّى تَرَكُوهُ وَتَشَبَّثُوا بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ، وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ قَدْ اعْتَرَضَ عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَامَّةُ الشُّرَّاحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَاعْمَلْ بِهِ بِالْكُوفَةِ حَالًا مُنْتَظَرَةً، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا فَهُوَ أَيْضًا غَفَلَ عَنْ عَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْجُمَلِ الْإِنْشَائِيَّةِ؛ لِأَنْ تَقَعَ حَالًا. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ تَدَارَكَ مَا أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ وَقَصَدَ تَوْجِيهَ الْجَوَابِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَامَّةُ فَقَالَ: وَجَعَلَهُ حَالًا مُقَدَّرَةً خِلَافَ الظَّاهِرِ فَكَأَنَّهُ أَيْضًا غَافِلٌ عَنْ عَدَمِ صَلَاحِيَةِ
[ ٨ / ٤٥٨ ]
وَالْمُدَّعِي مُوسِرٌ، فَإِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَالِ اسْتَسْعَى الْغُلَامَ فِي أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ) وَوَجْهٌ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَةَ صَحِيحَةٌ فِي الظَّاهِرِ حَمْلًا عَلَى فِرَاشِ النِّكَاحِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْمَلِكُ لِعَدَمِ ظُهُورِ الرِّبْحِ لِأَنَّ كُلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَعْنِي الْأُمَّ وَالْوَلَدَ مُسْتَحَقٌّ بِرَأْسِ الْمَالِ، كَمَالِ الْمُضَارَبَةِ إِذَا صَارَ أَعْيَانًا كُلُّ عَيْنٍ مِنْهَا يُسَاوِي رَأْسَ الْمَالِ لَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ كَذَا هَذَا، فَإِذَا زَادَتْ قِيمَةُ الْغُلَامِ الْآنَ ظَهَرَ الرِّبْحُ فَنَفَذَتِ الدَّعْوَةُ السَّابِقَةُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ ثُمَّ ازْدَادَتِ الْقِيمَةُ.
لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْشَاءُ الْعِتْقِ، فَإِذَا بَطَلَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ لَا يَنْفُذُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحُدُوثِ الْمِلْكِ، أَمَّا هَذَا فَإِخْبَارٌ فَجَازَ أَنْ يَنْفُذَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمِلْكِ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَةُ وَثَبَتَ النَّسَبُ عَتَقَ الْوَلَدُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي بَعْضِهِ، وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّ الْمَالِ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّ عِتْقَهُ ثَبَتَ بِالنَّسَبِ وَالْمِلْكِ وَالْمِلْكُ آخِرُهُمَا فَيُضَافُ إِلَيْهِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا ضَمَانُ إِعْتَاقٍ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعَدِّي وَلَمْ يُوجَدْ (وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْغُلَامَ) لِأَنَّهُ احْتُبِسَتْ مَالِيَّتُهُ عِنْدَهُ، وَلَهُ أَنْ يَعْتِقَ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
ذَلِكَ؛ لِأَنْ يَقَعَ حَالًا. (قَوْلُهُ: وَالْمُدَّعِي مُوسِرٌ). قَالَ الشُّرَّاحُ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: "وَالْمُدَّعِي مُوسِرٌ"، لِنَفْيٍ وَشُبْهَةٍ هِيَ أَنَّ الضَّمَانَ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ دَعْوَةِ الْمُضَارِبِ وَهُوَ ضَمَانُ إِعْتَاقٌ فِي حَقِّ الْوَلَدِ: وَضَمَانُ الْإِعْتَاقُ يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَضْمَنَ الْمُضَارِبُ إِذَا كَانَ مُوسِرًا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ، اهـ كَلَامُهُمْ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ أَنَّ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ لَا يَنْفِي الشُّبْهَةَ عَلَى التَّقْرِيرِ الْمَزْبُورِ بَلْ يُؤَيِّدُهَا. سِيَّمَا إِذَا جُعِلَ قَوْلُهَا. وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَضْمَنُ مِنْ تَمَّامِ الشُّبْهَةِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَقْرِيرِهِمْ وَإِنَّمَا الَّذِي يَنْفِي الشُّبْهَةَ عَلَى التَّقْرِيرِ الْمَزْبُورِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَيَأْتِي بِقَوْلِهُ: وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّ الْمَالِ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ ثَبَتَ بِالنَّسَبِ وَالْمُلْكِ. وَالْمُلْكُ آخِرُهُمَا فَيُضَافُ إِلَيْهِ وَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَهَذَا ضَمَانُ إِعْتَاقٍ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعَدِّي وَلَمْ يُوجَدْ، اهـ.
فَالظَّاهِرُ فِي تَقْرِيرِ فَائِدَةِ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ عَدَمِ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُضَارِبِ بِحَالَةِ إِعْسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ يَسَارِهِ فَلِأَنَّ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ إِعْسَارِهِ أَوْلَى، بِخِلَافِ مَا لَوْ ذُكِرَ الْكَلَامَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ.
[ ٨ / ٤٥٩ ]
وَيَسْتَسْعِيهِ فِي أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، لِأَنَّ الْأَلْفَ مُسْتَحَقٌّ بِرَأْسِ الْمَالِ وَالْخَمْسَمِائَةِ رِبْحٌ وَالرِّبْحَ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا يَسْعَى لَهُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ.
ثُمَّ إِذَا قَبَضَ رَبُ الْمَالِ الْأَلْفَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَّعِيَ نِصْفَ قِيمَةِ الْأُمِّ لِأَنَّ الْأَلْفَ الْمَأْخُوذَ لَمَّا اسْتُحِقَّ بِرَأْسِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا فِي الِاسْتِيفَاءِ ظَهَرَ أَنَّ الْجَارِيَةَ كُلَّهَا رِبْحٌ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَعْوَةٌ صَحِيحَةٌ لِاحْتِمَالِ الْفِرَاشِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ وَتَوَقَّفَ نَفَاذُهَا لِفَقْدِ الْمِلْكِ، فَإِذَا ظَهَرَ الْمِلْكُ نَفَذَتْ تِلْكَ الدَّعْوَةُ وَصَارَتِ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ نَصِيبَ رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ تَمَلُّكٍ وَضَمَانُ التَّمَلُّكِ لَا يَسْتَدْعِيَ صُنْعًا كَمَا إِذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً بِالنِّكَاحِ ثُمَّ مَلَكَهَا هُوَ وَغَيْرُهُ وِرَاثَةً يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ كَذَا هَذَا؛ بِخِلَافِ ضَمَانِ الْوَلَدِ عَلَى مَا مَرَّ.
أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى حَالَةِ إِعْسَارِهِ فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَيَسْتَسْعِيهِ فِي أَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ مُسْتَحَقٌّ بِرَأْسِ الْمَالِ وَالْخَمْسمِائَةُ رِبْحٌ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، فَلِهَذَا يَسْعَى لَهُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ). قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ قِيلَ: لِمَاذَا لَا تُجْعَلُ الْأُمَّةُ رَأْسَ الْمَالِ وَجَمِيعَ الْوَلَدِ رِبْحًا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ مَا يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ مِنَ السِّعَايَةِ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَالْأُمَّةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، فَكَانَ تَعْيِينُ الْأَلْفِ مِنَ السِّعَايَةِ لِرَأْسِ الْمَالِ أُولَى اهـ. وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فِي هَذَا السُّؤَالِ وَهَذَا الْجَوَابِ عَامَّةُ شُرَّاحِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ الْمَزْبُورَيْنِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا إِذَا جَعَلْنَا الْجَارِيَةَ رَأْسَ الْمَالِ وَقَدْ عُتِقَتْ بِالِاسْتِيلَادِ وَجَبْتْ قِيمَتُهَا عَلَى الْمُضَارِبِ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، اهـ.
أَقُولُ: نَظَرُهُ سَاقِطٌ جِدًّا؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الْجَارِيَةَ رَأْسَ الْمَالِ لَمْ تُعْتَقْ بِالِاسْتِيلَادِ؛ لَأَنَّ مِنْ شَرْطِ كَوْنِهَا أَمُّ وَلَدٍ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَكُونَ الْمُضَارِبُ مَالِكًا لَهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تُجْعَلَ هِيَ رَأْسُ الْمَالِ تَكُونُ مَمْلُوكَةً لِرَبِّ الْمَالِ دُونَ الْمُضَارِبِ فَلَا تَصِيرُ أَمَّ وَلَدٍ لِلْمَضَارِبِ وَلَا تُعْتَقُ فَلَا تَجِبُ قِيَمَتُهَا عَلَى الْمُضَارِبِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُجَانَسَةُ وَهَذَا مَعَ ظُهُورِهِ جِدًّا كَيْفَ خُفِيَ عَلَى صَاحِبِ الْعِنَايَةِ. فَأَوْرَدَ النَّظَرَ الْمَزْبُورَ عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي ارْتَضَاهُ جُمْهُورُ الثِّقَاتِ كَصَاحِبِ الْكَافِي وَشُرَّاحِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ قَالَ فِي دَفْعِ النَّظَرِ الْمَزْبُورِ وَجَوَابِهِ: إِنَّ الِاسْتِسْعَاءَ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَصْلٌ فِي الدَّعْوَةِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْأُمَّ تَتْبَعُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادَ الْمُجِيبِ هَذَا، اهـ.
أَقُولُ: الْجَوَابُ الَّذِي ذَكَّرَهُ هَذَا الْقَائِلُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَلَى أَصْلِ السُّؤَالِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنَّفُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْأَلْفَ الْمَأْخُوذَ لِمَا اسْتَحَقَّ بِرَأْسِ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مُقَدَّمًا فِي الِاسْتِيفَاءِ ظَهَرَ أَنَّ الْجَارِيَةَ كُلَّهَا رِبْحٌ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا، اهـ. إِلَّا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا لِلْجَيْبِ بِالْجَوَابِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّظَرِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ هَذَا لَمَا تَرَكَ ذِكْرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَشَبَّثَ بِمُنَاسَبَةِ الْمُجَانَسَةِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي تَمْشِيَةِ هَذَا الْجَوَابِ؛ إِذِ التَّقَدُّمُ فِي الِاسْتِسْعَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ فِي اقْتِضَاءِ كَوْنِ الْأَلْفِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْوَلَدِ رَأْسَ الْمَالِ دُونَ الْجَارِيَةِ. وَنَظَرُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُجَانَسَةِ فَلَا يَدْفَعُهُ هَذَا الْجَوَابُ. وَإِنَّمَا الدَّافِعُ الْقَاطِعُ لَهُ مَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. ثُمَّ إِنَّ الشَّارِحَ الْعَيْنِيَّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَصْلَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ الْمَزْبُورَيْنِ نَقْلًا عَنِ الْكَافِي، وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَظَرَ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ نَقْلًا عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: الْوَلَدُ زَاحَمَهَا فَتُرَجِّحُ بِسَبَبِ ظُهُورِ الرِّبْحِ مِنْ جِهَتِهِ، اهـ.
أَقُولُ: لَا يُرَى لِهَذَا مَعْنًى مُفِيدٌ. فَإِنَّ ظُهُورَ الرِّبْحِ مِنْ جِهَتِهِ لَا يَقْتَضِي رُجْحَانَ كَوْنُ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْأَلْفُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ دُونَ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ. بَلِ الْأَلْفِ الْمُنَاسِبِ لِظُهُورِ الرِّبْحِ مِنْ جِهَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَيْضًا مِنَ الرِّبْحِ تَأَمَّلْ تَقِفْ.
[ ٨ / ٤٦٠ ]