قَالَ (وَإِذَا كَاتَبَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَلَى مَالٍ شَرَطَهُ عَلَيْهِ وَقَبِلَ الْعَبْدُ ذَلِكَ صَارَ مُكَاتَبًا) أَمَّا الْجَوَازُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى
(كِتَابُ الْمُكَاتَبِ)
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: أَوْرَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ الْعِوَضِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَبِهَذَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ اهـ أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَبِهَذَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مُسْتَدْرَكٌ بَلْ مُخْتَلٌّ، لِأَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إنْ وَقَعَ الِاحْتِرَازُ
[ ٩ / ١٥٢ ]
﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾
بِهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ غَيْرِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ أَيْضًا، فَمَا مَعْنَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ؟ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ غَيْرِهَا فَمَا فَائِدَةُ بَيَانِ وُقُوعِ الِاحْتِرَازِ بِهِ عَنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ، إذْ يُنْتَفَضُ حِينَئِذٍ مَا ذَكَرَهُ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْأَغْيَارِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ إنْ وَجَبَ الِاطِّرَادُ فِي وُجُوهِ الْمُنَاسَبَاتِ بَيْنَ كُتُبِ هَذَا الْفَنِّ لَزِمَ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ فِي غَيْرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ فَيَلْزَمُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ، فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ الِاحْتِرَازِ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الِاطِّرَادُ فِيهَا، بَلْ كَفَى تَحَقُّقُ كُلٍّ مِنْهَا فِيمَا ذُكِرَ فِيهِ سَوَاءٌ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ أَيْضًا أَمْ لَا لَمْ يَكُنْ فَائِدَةٌ فِي بَيَانِ وُقُوعِ الِاحْتِرَازِ بِمَا ذَكَرَهُ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، سِيَّمَا إذَا لَمْ يَنْحَصِرْ مَا يَقَعُ الِاحْتِرَازُ بِذَلِكَ عَنْهُ فِي تِلْكَ الثَّلَاثَةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُنَاسِبَ فِي وُجُوهِ الْمُنَاسَبَاتِ بَيْنَ هَذِهِ الْكُتُبِ هُوَ الِاطِّرَادُ، وَأَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هَاهُنَا لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ فِي غَيْرِ مَا نَحْنُ فِيهِ أَصْلًا كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ فَكَانَ مُطَّرِدًا، فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ مَا وَقَعَ عَنْهُ الِاحْتِرَازُ بِذَلِكَ الْوَجْهِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ نَقَلَ مَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَبَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَوْرَدَ عَقْدَ الْكِتَابَةِ بَعْدَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمُنَاسَبَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ يُسْتَفَادُ بِهِ الْمَالُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى ذِكْرِ الْعِوَضِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَبِهَذَا وَقَعَ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ: يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ خَرَجَ بِهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ. وَقَوْلُهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ خَرَجَ بِهِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَلَى مَالٍ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْعِوَضِ فِيهَا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ نَقْلِهِ وَبَيَانِهِ اخْتِلَالٌ. أَمَّا فِي نَقْلِهِ فَلِأَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ النِّهَايَةِ، وَقَدْ ضَمَّهَا فِي النَّقْلِ إلَى الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَأَمَّا فِي بَيَانِهِ فَلِأَنَّهُ قَيَّدَ الْهِبَةَ فِي الْبَيَانِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَأَطْلَقَهَا فِي أَثْنَاءِ النَّقْلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ يُخْرِجُهَا عَنْ الْإِطْلَاقِ، إذْ الْهِبَةُ بِلَا شَرْطٍ عِوَضٌ لَا مُقَابَلَةَ فِيهَا أَصْلًا فَتَخْرُجُ بِقَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَمَا تَخْرُجُ بِهِ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ فِي الْبَيَانِ. وَأَيْضًا لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ مَذْكُورًا فِي نُسَخِ النِّهَايَةِ وَلَا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهَا، وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْبَيَانِ لِخُرُوجِ النِّكَاحِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. وَأَيْضًا كَانَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مُطْلَقَيْنِ فِي الْمَنْقُولِ، وَقَدْ قُيِّدَ مَا فِي الْبَيَانِ بِكَوْنِهِمَا عَلَى مَالٍ وَجَعَلَهُمَا خَارِجَيْنِ بِقَوْلِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خُرُوجَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِغَيْرِ مَالٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْقَيْدَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ بِقَيْدِ الْمُقَابَلَةِ فِي قَوْلِهِ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْهِبَةِ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ فَتَأَمَّلْ. وَقَالَ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ: إنَّ ذِكْرَ الْمُكَاتَبِ عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ كَانَ أَنْسَبَ، وَلِهَذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي كِتَابَ الْمُكَاتَبِ وَكِتَابَ الْوَلَاءِ عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْعِتْقُ بِمَالٍ وَالْوَلَاءُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ أَيْضًا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فَزَيَّفَهُ حَيْثُ قَالَ: وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ ذِكْرَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ كَانَ أَنْسَبَ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي عَقِيبَ كِتَابِ الْعَتَاقِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْوَلَاءُ وَالْوَلَاءُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ فِيهَا مِلْكُ الرَّقَبَةِ
[ ٩ / ١٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِشَخْصٍ وَمَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنْسَبُ لِلْإِجَارَةِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِيَّاتِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْعَرَضِيَّاتِ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِي نَقْلِهِ خَطَأٌ، لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْغَايَةِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْعِتْقُ، وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي النَّقْلِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَآلُهَا الْوَلَاءُ. وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَآلَهَا الْعِتْقُ بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْعَتَاقِ وَالْكِتَابَةِ، وَبِقَوْلِهِ وَالْوَلَاءُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ أَيْضًا بَيَانُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْعَتَاقِ وَالْوَلَاءِ أَيْضًا، وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ حَسِبَ مَجْمُوعَ الْكَلَامَيْنِ بَيَانًا لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْعَتَاقِ وَالْكِتَابَةِ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ مِنْ تَغْيِيرِ الْعِبَارَةِ فِي النَّقْلِ تَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ بَعْدَمَا تَنَبَّهَ لِمَا فِي نَقْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ سُنَنِ السَّدَادِ قَصَدَ رَدَّ تَزْيِيفَةِ أَيْضًا فَقَالَ: وَقَوْلُهُ وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ إنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَا إخْرَاجَ فِيهِ فَهُوَ كَالْمُكَابَرَةِ. أَلَا يَرَى أَنَّهُ إخْرَاجُ الْيَدِ حَالًا وَالرَّقَبَةِ مَآلًا، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِلَا عِوَضٍ فَمُسَلَّمٌ وَلَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْمُنَاسَبَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهِ مَعَ أَنَّ اعْتِبَارَ انْتِفَاءِ الْعِوَضِ فِي مَفْهُومِ الْعِتْقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْضًا وَكَيْفَ وَالْعِتْقُ عَلَى مَالِ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِيَّاتِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْعَرَضِيَّاتِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ، أَقُولُ: يُمْكِنُ دَفْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَنَّ الْعِتْقَ إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ حَالٌّ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ: أَيْ لَيْسَ فِيهَا إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ حَالًّا وَلَيْسَتْ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ بَلْ هِيَ بِشَرْطِ عِوَضٍ فَيَسْقُطُ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ فِي كُلٍّ مَنْ شِقَّيْ تَرْدِيدِهِ. أَمَّا سُقُوطُ مَا ذَكَرَهُ فِي شِقِّهِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّ لَيْسَ فِي الْكِتَابَةِ إخْرَاجُ الرَّقَبَةِ عَنْ الْمِلْكِ حَالًّا وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا مُطْلَقُ الْإِخْرَاجِ. وَأَمَّا سُقُوطُ مَا ذَكَرَهُ فِي شِقِّهِ الثَّانِي فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَنْسَبِيَّةِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ فَلَا تَمْشِيَةَ لِقَوْلِهِ وَلَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى الْمُنَاسَبَةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهِ. ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا كَانَ مُرَادُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِقَوْلِهِ بِلَا عِوَضٍ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ لَا بِشَرْطِ لَا عِوَضَ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ لَمْ يُفِدْ قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ، مَعَ أَنَّ اعْتِبَارَ انْتِفَاءِ الْعِوَضِ فِي مَفْهُومِ الْعِتْقِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ انْتِفَاءِ الْعِوَضِ فِي مَفْهُومِ الْعِتْقِ مِمَّا لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِلَا عِوَضٍ بِشَرْطِ لَا عِوَضَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ بِلَا شَرْطِ عِوَضٍ فَيَعُمُّ مَا بِشَرْطِ الْعِوَضِ أَيْضًا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ أَنْ بِلَا شَرْطِ شَيْءٍ أَعَمُّ مِنْ بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَمِنْ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ فَيَصِيرُ الْمُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِ الْعِتْقِ انْتِفَاءَ اعْتِبَارِ الْعِوَضِ لَا اعْتِبَارَ انْتِفَاءِ الْعِوَضِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعِتْقُ عَلَى مَالٍ لِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ شَيْءٍ لَيْسَ اعْتِبَارَ عَدَمِهِ كَمَا عُرِفَ. ثُمَّ إنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِالذَّاتِيَّاتِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الذَّاتِيَّاتِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَةِ الْعَرَضِيَّاتِ مَا هُوَ الدَّاخِلُ فِي الْمَفْهُومِ، وَبِالْعَرْضِيَّاتِ مَا هُوَ الْخَارِجُ عَنْهُ. إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ الذَّاتِيَّاتِ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ مَا اعْتَبَرَهُ الْمُعْتَبِرُ دَاخِلًا فِيهَا، وَالْعَرَضِيَّاتِ مَا اعْتَبَرَهُ خَارِجًا عَنْهَا، بِخِلَافِ حَقَائِقِ النَّفْسِ الْأَمْرِيَّةِ، فَفِي الْكِتَابَةِ كَوْنُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لِشَخْصٍ وَهُوَ الْمَوْلَى وَكَوْنُ الْمَنْفَعَةِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُكَاتَبُ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِهَا الْمُعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَآلُهَا الْحَاصِلُ عِنْدَ أَدَاءِ كُلِّ الْبَدَلِ، وَكَذَا الْوَلَاءُ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْهُ فَإِنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ فَكَانَ مُنَاسَبَةُ الْكِتَابَةِ بِالْإِجَارَةِ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِيَّةُ وَبِالْعِتْقِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَضِيَّةُ فَكَانَتْ أَنْسَبَ لِلْإِجَارَةِ مِنْ الْعِتْقِ. ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْ الشُّرَّاحِ قَالُوا: وَقَدَّمَ الْإِجَارَةَ لِشَبَهِهَا بِالْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ التَّمْلِيكُ وَالشَّرَائِطُ فَكَانَ أَنْسَبَ بِالتَّقْدِيمِ. ثُمَّ أَقُولُ: هَذَا أَمْرٌ عَجِيبٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ شَبَهِهَا مِنْ بَعْضِ الْحَيْثِيَّاتِ بِالْبَيْعِ الَّذِي مِنْ بَيْنِهِ وَبَيْنِهَا كُتُبٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ شَبِيهَةٍ بِالْبَيْعِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّاتِ وَغَيْرِهَا، فَكَيْفَ يَجْعَلُ هَاهُنَا وَجْهًا لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْكِتَابَةِ، وَهَلْ تَقْبَلُهُ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ. وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ وَجْهَ تَقْدِيمِ الْإِجَارَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ الْكَائِنَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَ قَبْلَهَا الْمُبَيَّنَةُ فِي صَدْرِ كِتَابِ الْإِجَارَاتِ فَإِنَّ تِلْكَ الْمُنَاسَبَاتِ لَمَّا اقْتَضَتْ ذِكْرَ الْإِجَارَةِ عَقِيبَ مَا ذُكِرَ قُبَيْلَهَا وَهُوَ الْهِبَةُ اقْتَضَتْ أَيْضًا بِالضَّرُورَةِ تَقْدِيمَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا يَفُوتُ أَمْرُ التَّعْقِيبِ. ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ: الْكِتَابَةُ عَقْدٌ بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ. أَقُولُ: هَذَا تَعْرِيفٌ خَالٍ عَنْ التَّحْصِيلِ قَرِيبٌ مِنْ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَعْنَى الْكِتَابَةِ فِي الشَّرْعِ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعَقْدَ الْجَارِيَ بَيْنَ الْمَوْلَى وَعَبْدِهِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ بَلْ مَعْرِفَةُ الثَّانِي تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَلَعَلَّ الْبَاعِثَ
[ ٩ / ١٥٤ ]
وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إيجَابٍ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ،
عَلَى وُقُوعِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الْمَضِيقِ أَنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ لَمَّا قَالَ: وَأَمَّا الْكِتَابَةُ شَرْعًا فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ أَوْ بِلَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى مَا يَجِيءُ عَلَى أَدَاءِ الْعَبْدِ مَالًا مَعْلُومًا لِمُقَابَلَةِ عِتْقٍ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ أَدَائِهِ اهـ. حَسِبَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْكِتَابَةِ شَرْعًا قَدْ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ بِلَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَقَطَعَ بِهِ الْكَلَامَ فِي كِتَابِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا حَسِبَهُ فَإِنَّ قَوْلَ صَاحِبِ النِّهَايَةِ عَلَى أَدَاءِ الْعَبْدِ مَالًا مَعْلُومًا إلَخْ مِنْ تَمَامِ التَّعْرِيفِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَقْدٌ بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْعَبْدِ بَيَانٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمَعْقُودِ بِهِ فَيَحْصُلُ بِالْمَجْمُوعِ مَعْرِفَةُ مَعْنَى الْكِتَابَةِ شَرْعًا كَمَا تَرَى، ثُمَّ إنَّ الْأَظْهَرَ فِي تَعْرِيفِهَا الشَّرْعِيِّ مَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ بِأَنْ يُقَالَ: الْكِتَابَةُ التَّحْرِيرُ يَدًا فِي الْحَالِ وَرَقَبَةً عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْوِقَايَةِ وَغَيْرِهَا بِأَنْ يُقَالَ: الْكِتَابَةُ إعْتَاقُ الْمَمْلُوكِ يَدًا حَالًّا وَرَقَبَةً مَآلًا فَلْيُتَبَصَّرْ (قَوْلُهُ وَهَذَا لَيْسَ أَمْرَ إيجَابٍ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْكِفَايَةِ: خُصَّ الْفُقَهَاءُ، لِأَنَّ عِنْدَ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ كَدَاوُد الْأَصْفَهَانِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ أَنَّ هَذَا أَمْرُ إيجَابٍ، حَتَّى إذَا طَلَبَ الْعَبْدُ مِنْ مَوْلَاهُ الْكِتَابَةَ وَقَدْ عَلِمَ الْمَوْلَى فِيهِ خَيْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ اهـ. أَقُولُ: بَقِيَ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَهَذَا الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَعَنْ الْحَسَنِ: لَيْسَ ذَاكَ بِعَزْمٍ إنْ شَاءَ كَاتَبَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُكَاتِبْ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁: هِيَ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ اللَّهِ. وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ مِثْلُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد اهـ. فَعَلَى هَذَا كَيْفَ يَتِمُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْإِيجَابِ بِإِجْمَاعٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَعُمَرُ ﵁ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْفِقْهِ وَالرِّوَايَةِ، وَابْنُ سِيرِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَعْيَانِ التَّابِعِينَ وَكِبَارِ الْفُقَهَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَعَنْ هَذَا قَالُوا: جَالِسْ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ، فَقَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ سِيرِينَ بِالْوُجُوبِ يُنَافِي ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنْ لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ لِلْإِيجَابِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا ذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ فِي هَذَا الْأَمْرِ رِوَايَةٌ مَحْضَةٌ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ سِيرِينَ لَا أَنَّهُ مَذْهَبُهُمَا الْمُقَرَّرُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ مَذْهَبًا مُقَرَّرًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فَتَأَمَّلْ، وَقَالَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: وَبِقَوْلِهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ يُحْتَرَزُ عَنْ قَوْلِ دَاوُد وَمَنْ تَابَعَهُ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَطَاءٍ، وَرِوَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: تَجِبُ الْكِتَابَةُ إذَا سَأَلَ الْعَبْدُ إذَا كَانَ ذَا أَمَانَةٍ وَذَا كَسْبٍ، إذْ الْأَمْرُ يُفِيدُ الْوُجُوبَ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِ الْخَيْرِيَّةِ اهـ كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ سِيَّمَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاحْتِرَازُ بِقَوْلِهِ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالْإِيجَابِ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَقَوْلُهُمْ بِذَلِكَ يُنَافِي ادِّعَاءَ إجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَأَنَّى يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْهُ، اللَّهُمَّ أَنْ يَكُونَ مَدَارُ الِاحْتِرَازِ عَلَى عَدَمِ تَسْلِيمِ فِقْهِ بَعْضِهِمْ وَعَلَى عَدَمِ تَسْلِيمِ ثُبُوتِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِرُوَاةِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ لَا لِلنَّدَبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ مَذْكُورٌ عَلَى وِفَاقِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهَا جَرَتْ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا يُكَاتِبُ عَبْدَهُ إذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، كَذَا فِي الشُّرُوحِ. أَقُولُ: بِهَذَا وَبِمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَكُونُ الْأَمْرُ فِيهِ لِلْوُجُوبِ يُظْهِرُ اخْتِلَالَ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الزَّاهِدِيُّ
[ ٩ / ١٥٥ ]
وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ إذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ، أَمَّا النَّدْبِيَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قِيلَ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ لَوْ فَعَلَهُ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ قَبُولِ الْعَبْدِ فَلِأَنَّهُ مَالٌ يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ وَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ كُلِّ الْبَدَلِ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» وَقَالَ ﵊ «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمَا اخْتَرْنَاهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁،
فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ فِي الْمَقَامِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّهُ لِلنَّدَبِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ انْتَهَى. إذْ قَدْ عُلِمَ مِنْهُمَا أَنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ لِلنَّدَبِ فِي ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ لَيْسَ مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ بَلْ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلنَّدَبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ إذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ) تَقْرِيرُهُ أَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ ثَابِتَةٌ بِدُونِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَا اعْتِبَارَ لَهُ عِنْدَنَا اهـ: أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ، لِأَنَّ مَعْنَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ عِنْدَنَا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، لَا أَنْ لَيْسَ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِكَلَامِ الْبَشَرِ فَضْلًا عَنْ كَلَامِ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقَدَرِ. نَعَمْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ مَنْعُ أَنَّ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ إخْرَاجُ الْكَلَامِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قِيلَ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِمْ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ لَوْ فَعَلَهُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ يَصِيرُ بِدُونِ الشَّرْطِ حِينَئِذٍ مَكْرُوهًا لَا مُبَاحًا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْمُبَاحَ مَا اسْتَوَى طَرَفَا فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا كَانَ طَرَفُ تَرْكِهِ أَوْلَى، إذَا كَانَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَزْبُورِ أَنْ لَا يُكَاتِبَهُ كَانَ جَانِبُ التَّرْكِ أَوْلَى فَيَصِيرُ عَقْدُ الْكِتَابَةِ إذْ ذَاكَ مَكْرُوهًا لَا مُبَاحًا فَيُنَافِي قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلُ، وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إلْغَاءُ الشَّرْطِ إذْ هُوَ مُبَاحٌ بِدُونِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ» إلَخْ) قَالَ تَاجُ الشَّرِيعَةِ: فَإِنْ قُلْت: اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَتَكَلُّمُهُمْ فِيهَا بِالرَّأْيِ يَدُلُّ عَلَى زِيَافَةِ الْحَدِيثِ كَمَا عُرِفَ، وَلِهَذَا زَيَّفْنَا مَا رَوَى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «ابْتَغُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى خَيْرًا كَيْ لَا يَأْكُلَهَا الزَّكَاةُ» فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ
[ ٩ / ١٥٦ ]
وَيُعْتَقُ بِأَدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمَوْلَى إذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَلِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ.
الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ. قُلْت: جَازَ أَنَّهُ مَا بَلَغَ إلَيْهِمْ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ بَحْثٌ، لِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، إذْ يَجْرِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ أَنْ يُقَالَ: جَازَ إنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَيْهِمْ الْحَدِيثُ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَتِمَّ الِاسْتِدْلَال بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ وَتَكَلُّمِهِمْ فِيهَا بِالرَّأْيِ عَلَى زِيَافَةِ حَدِيثٍ قَطُّ مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا عُرِفَ. وَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّأْيِ، وَيُقَالُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمْ فِيهَا بِاعْتِبَارِ وُرُودِ حَدِيثٍ آخَرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ مِيرَاثًا وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ، وَبِمَا بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ» كَمَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى زِيَافَةِ الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ بِالرَّأْيِ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرَّأْيِ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ (قَوْلُهُ وَيُعْتَقُ بِأَدَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْمَوْلَى إذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ التَّصْرِيحِ بِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: لَا يُعْتَقُ مَا لَمْ يَقُلْ كَاتَبْتُك عَلَى كَذَا عَلَى أَنَّك إنْ أَدَّيْته إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ. قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ: وَحَاصِلُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَاجِعٌ إلَى تَفْسِيرِ الْكِتَابَةِ، فَعِنْدَنَا تَفْسِيرُهَا شَرْعًا ضَمُّ حُرِّيَّةِ الْيَدِ إلَى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوْجَبْت حُرِّيَّةَ الْيَدِ فِي الْحَالِ وَحُرِّيَّةَ الرَّقَبَةِ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ، وَلَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا عَتَقَ عِنْدَ الْأَدَاءِ، كَذَا هَذَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: تَفْسِيرُهَا ضَمُّ نَجْمٍ إلَى نَجْمٍ، وَلَوْ نَصَّ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ: ضَرَبْت عَلَيْك أَلْفًا عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا إلَيَّ كُلَّ شَهْرٍ كَذَا لَمْ يُعْتَقْ، كَذَا هَذَا انْتَهَى كَلَامُهُمْ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ هَذَا عَنْ الْحَوَاشِي الْجَلَّالِيَّةِ مَنْقُولًا فِيهَا عَنْ الْمَبْسُوطِ: لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ الضَّمِّ لَيْسَ بِتَفْسِيرِ الْكِتَابَةِ بَلْ مُوجِبُ الْعَقْدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ انْتَهَى. أَقُولُ: تَنْصِيصُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِي عِبَارَتِهِ هَاهُنَا، بَلْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ تَنْصِيصَهُ عَلَى خِلَافِهِ بَعْدَ صَحِيفَةٍ حَيْثُ قَالَ: أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الضَّمُّ انْتَهَى. وَلَئِنْ سَلِمَ ذَلِكَ فَكَوْنُ الضَّمِّ الْمَذْكُورِ مُوجِبَ الْعَقْدِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَفْسِيرًا لِلْكِتَابَةِ، لِأَنَّ مُوجِبَ الشَّيْءِ مِنْ لَوَازِمِهِ وَتَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ كَمَا هُوَ حَالُ الرُّسُومِ عَامَّةً. وَلَئِنْ سَلِمَ ذَلِكَ أَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ رَاجِعٌ إلَى تَفْسِيرِ الْكِتَابَةِ رَاجِعٌ إلَى تَفْسِيرِ مُوجِبِ الْكِتَابَةِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ كَمَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الشَّائِعَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَجَازِ بِالْحَذْفِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أَيْ أَمْرُ رَبِّك وقَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أَيْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِرَدِّ كَلَامِ الثِّقَاتِ بِمَا هُوَ وَهْمٌ مَحْضٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ حَطُّ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَلِ اعْتِبَارًا بِالْبَيْعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ حَطُّ رُبْعِ الْبَدَلِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ ﵁ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فَإِنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّهُ قَالَ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَهُوَ
[ ٩ / ١٥٧ ]
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمَالَ حَالًّا وَيَجُوزُ مُؤَجَّلًا وَمُنَجَّمًا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا يَجُوزُ حَالًّا وَلَا بُدَّ مِنْ نَجْمَيْنِ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ فِي زَمَانٍ قَلِيلٍ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ قَبْلَهُ لِلرِّقِّ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ فَكَانَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ ثَابِتًا، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ. وَلَنَا ظَاهِرُ مَا تَلَوْنَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ التَّنْجِيمِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِنَا لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْكِتَابَةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ فَيُمْهِلُهُ الْمَوْلَى ظَاهِرًا، بِخِلَافِ السَّلَمِ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَفِي الْحَالِ كَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ يُرَدُّ إلَى الرِّقِّ.
يُطْلَقُ عَلَى أَمْوَالِ الْقُرَبِ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نُعْطِيَ الْمُكَاتَبِينَ مِنْ صَدَقَاتِنَا لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى أَدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْإِيتَاءُ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ، وَالْحَطُّ لَا يُسَمَّى إعْطَاءً، وَالْمَالُ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ هُوَ مَا فِي أَيْدِينَا لَا الْوَصْفُ الثَّابِتُ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِينَ، فَحَمْلُهُ عَلَى حَطِّ رُبْعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَمَلٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْمُرَادُ بِهِ النَّدْبُ كَاَلَّذِي فِي قَوْلِهِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ لَا يُقَالُ: الْقُرْآنُ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقُرْآنَ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ الْقُرْآنَ مُوجِبًا نَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى قَرِينَةٍ غَيْرِ الْوُجُوبِ لِلْوُجُوبِ، وَقَوْلُهُ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ قَرِينَةٌ لِذَلِكَ. كَذَا فِي الْعِنَايَةِ. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَرِينَةً لِكَوْنِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ ﴿وَآتُوهُمْ﴾ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ بِدُونِ مُلَاحَظَةِ إيجَابِ الْقُرْآنِ فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ فِي الْحُكْمِ، إذْ لَا دَلَالَةَ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِ أَمْرٍ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ عَلَى كَوْنِ أَمْرٍ آخَرَ أَيْضًا لِذَلِكَ حَتَّى يُجْعَلَ كَوْنُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ لِلنَّدَبِ قَرِينَةً لِكَوْنِ الْأَمْرِ فِي ﴿وَآتُوهُمْ﴾ أَيْضًا لِذَلِكَ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْمِلْكِ فَكَانَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ ثَابِتًا، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَيَثْبُتُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ أَثْبَتُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَأْمُورُونَ بِإِعَانَتِهِ، وَالطُّرُقُ مُتَّسَعَةٌ اسْتِدَانَةٌ وَاسْتِقْرَاضٌ وَاسْتِيهَابٌ وَاسْتِعَانَةٌ بِالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعُشُورِ وَالصَّدَقَاتِ، وَقَدْ دَلَّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهَا فَتَثْبُتُ انْتَهَى، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ بِوَارِدٍ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ احْتِمَالَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَثْبَتُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ فَلَيْسَ بِذَاكَ قَطْعًا، إذْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلْمِلْكِ قَبْلَ الْعَقْدِ قَطُّ، فَأَنَّى يَثْبُتُ لَهُ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ قَبْلَهُ، فَإِنْ
[ ٩ / ١٥٨ ]
قَالَ (وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ يَعْقِلُ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ) لِتَحَقُّقِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، إذْ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَالتَّصَرُّفُ نَافِعٌ فِي حَقِّهِ. وَالشَّافِعِيُّ يُخَالِفُنَا فِيهِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ إذْنِ الصَّبِيِّ فِي التِّجَارَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لِأَنَّ الْقَبُولَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ فَلَا يَنْعَقِدُ الْعَقْدُ، حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ غَيْرُهُ لَا يَعْتِقُ وَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَ.
قَالَ (وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: جَعَلْت عَلَيْك أَلْفًا تُؤَدِّيهَا إلَيَّ نُجُومًا أَوَّلُ النَّجْمِ كَذَا وَآخِرُهُ كَذَا فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ فَإِنَّ هَذِهِ مُكَاتَبَةٌ) لِأَنَّهُ أَتَى بِتَفْسِيرِ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ أَلْفًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةً فَأَنْتِ حُرٌّ فَهَذِهِ مُكَاتَبَةٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ. لِأَنَّ التَّنْجِيمَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ.
وَفِي نُسَخِ أَبِي حَفْصٍ لَا تَكُونُ مُكَاتَبَةً اعْتِبَارًا بِالتَّعْلِيقِ بِالْأَدَاءِ مَرَّةً.
قَالَ (وَإِذَا صَحَّتْ الْكِتَابَةُ خَرَجَ الْمُكَاتَبُ عَنْ يَدِ الْمَوْلَى وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ)
أُرِيدَ بِهِ أَنَّ احْتِمَالَ الْقُدْرَةِ عَقِيبَ الْعَقْدِ أَثْبَتُ فِي حَقِّهِ فَهُوَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِأَنَّ مَدَارَ فَرْقِ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَبَيْنَ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِهِ إنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ احْتِمَالِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَبِيعِ لِلْعَاقِدِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي السَّلَمِ لِكَوْنِ الْعَاقِدِ فِيهِ أَهْلًا لِلْمِلْكِ قَبْلَ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الْعَاقِدَ فِيهَا لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْمِلْكِ قَطُّ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ احْتِمَالِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ لَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا مَجَالَ لِإِنْكَارِهِ، فَلَا وَجْهَ لِلْمُنَاقَشَةِ فِيهِ كَمَا فَعَلَهُ الشَّارِحَانِ الْمَزْبُورَانِ. وَالْحَقُّ فِي الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ هَاهُنَا أَنْ يَسْلُكَ طَرِيقَةَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فَيُقَالُ: سَلَّمْنَا أَنَّ الْعَقْدَ قَبْلَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْمِلْكِ قَبْلَهُ، وَلَكِنْ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَعْقُودِ بِهِ، أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُفْلِسَ لَوْ اشْتَرَى أَمْوَالًا عَظِيمَةً يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مَالِكًا لِشَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ مَعْقُودٌ بِهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَالِكًا لَهُ حَالَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَإِنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَالْبَدَلُ مَعْقُودٌ بِهِ فَأَشْبَهَ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّلَمِ عَلَى أَصْلِنَا لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ فِيهِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ
[ ٩ / ١٥٩ ]
أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ أَوْ لِتَحْقِيقِ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ أَدَاءُ الْبَدَلِ فَيَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَالْخُرُوجَ إلَى السَّفَرِ وَإِنْ نَهَاهُ الْمَوْلَى، وَأَمَّا عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ مِلْكِهِ فَلِمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَاوَاةِ، وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِتَنَجُّزِ الْعِتْقِ وَيَتَحَقَّقُ بِتَأَخُّرِهِ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ نَوْعُ مَالِكِيَّةٍ وَيَثْبُتُ لَهُ فِي الذِّمَّةِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ (فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَتَقَ بِعِتْقِهِ) لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِرَقَبَتِهِ (وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَهُ إلَّا مُقَابَلًا بِحُصُولِ الْعِتْقِ بِهِ وَقَدْ حَصَلَ دُونَهُ.
قَالَ (وَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى مُكَاتَبَتَهُ لَزِمَهُ الْعُقْرُ) لِأَنَّهَا صَارَتْ أَخَصَّ بِأَجْزَائِهَا تَوَسُّلًا إلَى الْمَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى الْبَدَلِ مِنْ جَانِبِهِ وَإِلَى الْحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا بِنَاءً عَلَيْهِ، وَمَنَافِعُ الْبُضْعِ مُلْحَقَةٌ بِالْأَجْزَاءِ وَالْأَعْيَانِ (وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ عَلَى وَلَدِهَا لَزِمَتْهُ الْجِنَايَةُ) لِمَا بَيَّنَّا (وَإِنْ أَتْلَفَ مَالًا لَهَا غَرِمَ) لِأَنَّ الْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ فِي حَقِّ أَكْسَابِهَا وَنَفْسِهَا، إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ لَأَتْلَفَهُ الْمَوْلَى فَيَمْتَنِعُ حُصُولُ الْغَرَضِ الْمُبْتَغَى بِالْعَقْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
عَلَيْهِ اهـ تَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ أَمَّا الْخُرُوجُ مِنْ يَدِهِ فَلِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ الضَّمُّ فَيَضُمُّ مَالِكِيَّةَ يَدِهِ إلَى مَالِكِيَّةِ نَفْسِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ
[ ٩ / ١٦٠ ]