(كِتَابُ الْوَدِيعَةِ)
وَجْهُ مُنَاسِبَةِ هَذَا الْكِتَابِ بِمَا تَقَدَّمَ قَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْعَارِيَةَ وَالْهِبَةَ وَالْإِجَارَةَ لِلتَّنَاسُبِ بِالتَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ أَمَانَةٌ بِلَا تَمْلِيكِ شَيْءٍ وَفِي الْعَارِيَةِ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ، وَفِي الْهِبَةِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِلَا عِوَضٍ، وَفِي الْإِجَارَةِ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بَعُوضٍ وَهِيَ عِقْدٌ لَازِمٌ، وَاللَّازِمُ أَقْوَى وَأَعْلَى مِمَّا لَيْسَ بِلَازِمٍ فَكَانَ فِي الْكُلِّ التَّرَقِّي مِنَ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى كَذَا فِي الشُّرُوحِ. ثُمَّ مَحَاسِنُ الْوَدِيعَةِ ظَاهِرَةٌ؛ إِذْ فِيهِ إِعَانَةُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحِفْظِ وَوَفَاءِ الْأَمَانَةِ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْخِصَالِ عَقْلًا وَشَرْعًا. قَالَ ﵊: «الْأَمَانَةُ تَجُرُّ الْغِنَى وَالْخِيَانَةُ تَجُرُّ الْفَقْرَ» وَفَى الْمَثَلِ: الْأَمَانَةُ أَقَامَتِ الْمَمْلُوكَ مَقَامَ الْمُلُوكِ، وَالْخِيَانَةُ أَقَامَتِ الْمُلُوكَ مَقَامَ الْمَمْلُوكِ. ثُمَّ إِنَّ الْوَدِيعَةَ لُغَةً فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفَعُولَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ وَهُوَ التَّرْكُ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»، أَيْ: عَنْ تَرْكِهِمْ إِيَّاهَا. قَالَ شِمْرٌ: زَعَمَتِ النَّحْوِيَّةُ أَنَّ الْعَرَبَ أَمَاتُوا مَصْدَرَ يَدَعُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَفْصَحُ الْعَرَبِ، وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَسُمِّيَتِ الْوَدِيعَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا شَيْءٌ يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَبَعْضِ الشُّرُوحِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَتَفْسِيرُهَا لُغَةً التَّرْكُ، وَسُمِّيَتِ الْوَدِيعَةُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ بِيَدِ أَمِينٍ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ سَمَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ؛ إِذْ لَيْسَتِ الْوَدِيعَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى التَّرْكِ، وَإِنَّمَا الَّذِي بِمَعْنَى التَّرْكِ هُوَ الْوَدْعُ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ: وَتَفْسِيرُهَا لُغَةً التَّرْكُ إِلَّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ لَا يُسَاعِدُهُ لَفْظُهُ، وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْوَدْعِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ: الْوَدِيعَةُ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّسْلِيطِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ.
أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْضًا هِيَ الْمَالُ الْمُودَعُ الَّذِي يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ لَا نَفْسَ التَّسْلِيطِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ، وَأَنَّ التَّسْلِيطَ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ هُوَ الْإِيدَاعُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ: الْإِيدَاعُ لُغَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ. يُقَالُ
[ ٨ / ٤٨٤ ]
قَالَ (الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ إِذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ وَلَا عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى الِاسْتِيدَاعِ، فَلَوْ ضَمِنَاهُ يَمْتَنِعُ النَّاسُ عَنْ قَبُولِ الْوَدَائِعِ فَتَتَعَطَّلُ مَصَالِحُهُمْ. (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يَحْفَظَهَا بِنَفْسِهِ وَبِمَنْ فِي عِيَالِهِ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ حِفْظَ مَالِ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ
أَوْدَعْتُ زَيْدًا مَالًا وَاسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ: إِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عِنْدَهُ فَأَنَا مُودِعٌ وَمُسْتَوْدِعٌ بِكَسْرِ الدَّالِّ فِيهِمَا، وَزَيْدٌ مُودَعٌ وَمُسْتَوْدَعٌ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَالْمَالُ مُودَعٌ وَوَدِيعَةٌ. وَشَرِيعَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ، انْتَهَى.
حَيْثُ فَسَّرَ الْإِيدَاعَ بِالتَّسْلِيطِ الْمَزْبُورِ دُونَ الْوَدِيعَةِ، وَقَالَا: وَالْمَالُ مُودَعٌ وَوَدِيعَةٌ. وَأَقُولُ: فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ أَيْضًا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَحْصُولَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْإِيدَاعِ لُغَةً أَعَمُّ مِنْ مَعْنَاهُ شَرِيعَةً لِاخْتِصَاصِ الثَّانِي بِالْمَالِ وَتَنَاوُلِ الْأَوَّلِ الْمَالَ وَغَيْرَهُ وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ مُعْتَبِرَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْمُغْرِبِ وَغَيْرِهَا اخْتِصَاصُ الْأَوَّلِ أَيْضًا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا عِنْدَ بَيَانِ مَعْنَاهُ، يُقَالُ: أَوْدَعْتُهُ مَالًا، أَيْ: دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْمَالِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا لَمَا أَطْبَقَ أَرْبَابُ اللُّغَةِ عَلَى ذِكْرِ الْمَالِ فِي بَيَانِ مَعْنَاهُ، بَلْ كَانَ اللَّائِقُ بِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: أَوْدَعْتُهُ شَيْئًا أَوْ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ بَعْدَ أَنْ قَالَا: الْإِيدَاعُ لُغَةً تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ قَالَا أَيْضًا: يُقَالُ: أَوْدَعْتُ زَيْدًا مَالًا وَاسْتَوْدَعْتُهُ إِيَّاهُ: إِذَا دَفَعْتَهُ إِلَيْهِ لِيَكُونَ عِنْدَهُ، وَلَيْسَ فِيمَا اسْتَشْهَدَا بِهِ شَيْءٌ يُوهِمُ الْعُمُومَ، بَلْ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِالْخُصُوصِ، كَمَا عَرَفْتَ آنِفًا فَكَانَ اللَّائِقُ بِهِمَا جَدًّا تَرْكَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ … إِلَخْ). قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: الْوَدِيعَةُ وَالْأَمَانَةُ كِلَاهُمَا عِبَارَتَانِ عَنْ مُعَبِّرٍ وَاحِدٍ فَكَيْفَ جَوَّزَ بَيْنَهُمَا الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ وَلَا يَجُوزُ إِيقَاعُ اللَّفْظَيْنِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُبْتَدَأً وَخَبَرًا إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّفْسِيرِ كَقَوْلِكَ: اللَّيْثُ أَسَدٌ وَالْحَبْسُ مَنْعٌ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا لَيْسَ تَفْسِيرَ الْوَدِيعَةِ بِالْأَمَانَةِ.
قُلْنَا: جَوَازُ ذَلِكَ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَإِنَّ الْوَدِيعَةَ خَاصَّةٌ وَالْأَمَانَةَ عَامَّةٌ، وَحَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ صَحِيحٌ دُونَ عَكْسِهِ، فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ. وَالْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ.
[ ٨ / ٤٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ وَفِي الْأَمَانَةِ لَا يَبْرَأُ بَعْدَ الْخِلَافِ. هَكَذَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ بَدْرِ الدِّينِ الْكُرْدَرِيِّ إِلَى هُنَا لَفْظُ النِّهَايَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ: قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ ﵀: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، فَالْوَدِيعَةُ خَاصَّةٌ وَالْأَمَانَةُ عَامَّةٌ، وَحَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ صَحِيحٌ دُونَ عَكْسِهِ: فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هِيَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبِ إِنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ، وَالْحُكْمُ فِي الْوَدِيعَةِ أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ إِذَا عَادَ إِلَى الْوِفَاقِ فِي الْأَمَانَةِ، إِلَى هُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى الْجَوَابِ الْمَزْبُورِ وَالْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَنَّ التَّقْرِيرَ الْمَسْفُورَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ تَبَايُنٌ لَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، فَإِنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِي الْأُولَى الْقَصْدُ وَفِي الْأُخْرَى عَدَمُ الْقَصْدِ، وَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَادَّةٍ أَصْلًا، وَكَذَا جُعِلَ حُكْمُ الْأُولَى أَنْ يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ، وَحُكْمُ الْأُخْرَى أَنْ لَا يَبْرَأَ عَنِ الضَّمَانِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ، وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ لَا يَتَرَتَّبَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، بَلْ يَتَعَيَّنُ التَّبَايُنُ، وَحَمْلُ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنَ عَلَى الْآخَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ قَطْعًا فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ هَاهُنَا: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ هِيَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْعَقْدِ وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ، كَمَا إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فِي ثَوْبٍ فَأَلْقَتْهُ فِي بَيْتِ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ حَمْلُ الْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ، اهـ كَلَامُهُ.
وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ؛ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: إِنَّ الْأَمَانَةَ مُبَايِنٌ لِلْوَدِيعَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ، بَلِ الْمُرَادُ بِالْوَدِيعَةِ مَا يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ، اهـ.
أَقُولُ: قَدْ كَانَ لَاحَ لِي مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَدِيثِ كَوْنِ الْوَدِيعَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى مُبَايِنًا لِلْأَمَانَةِ مَعَ كَلَامٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُودَعِ؛ إِذِ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْمُودَعِ، وَلَكِنْ دَفَعْتُهُمَا مَعًا بِحَمْلِ كَلَامِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ هُوَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ هُوَ مَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ التَّسْلِيطِ عَلَى الْحِفْظِ فَيَكُونُ حَمْلُ نَفْسِ التَّسْلِيطِ عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، فَلَا يُنَافِي هَذَا أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ فِي الْحَقِيقَةِ مَا يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورَانِ الْمَزْبُورَانِ مَعًا.
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْمَصِيرِ إِلَيْهِ تَصْحِيحًا لِكَلِمَاتِ ثِقَاتِ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ ذَيْنِكَ الْمَحْذُورَيْنِ يَرُدَّانِ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ: فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي وَقَعَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَقَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ: لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ أَمَانَةً بِاسْتِحْفَاظِ صَاحِبِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ قَصْدًا، وَالْأَمَانَةُ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَشَايِخِ. بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ هَاهُنَا مِنْ أَنَّ الْأَمَانَةَ أَعَمُّ مِنَ الْوَدِيعَةِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ الْقَصْدِ فِي الْوَدِيعَةِ دُونَ الْأَمَانَةِ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِ صَاحِبِهَا كَاللُّقَطَةِ، فَإِنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا، وَكَذَا إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَأَلْقَتْ ثَوْبًا فِي دَارِ إِنْسَانٍ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ مِنْ أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ فَلَا يَقْتَضِي الْمُخَالَفَةَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: "مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ"، مِنْ غَيْرِ صُنْعِ الْمُقِرِّ لَا مِنْ غَيْرِ صُنْعِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: "هُنَاكَ"، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَوْدَعْتُهَا كَانَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ هُنَاكَ فَتُدَبَّرْ. ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ النِّهَايَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ وَنَسَبَهُ إِلَى الْإِمَامِ بَدْرِ الدِّينِ الْكُرْدَرِيِّ، كَمَا مَرَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى مِنَ الْجَوَابِ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: لَفْظُ الْأَمَانَةِ صَارَ عَلَمًا لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ فَكَانَ قَوْلُهُ: "هُوَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ"، أَيْ: غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، حَتَّى أَنَّ لَفْظَ الْأَمَانَةِ يَنْسَحِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي لَا ضَمَانَ فِيهَا، وَأَرَادَ بِالْوَدِيعَةِ مَا وُضِعَ لِلْأَمَانَةِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَكَانَا مُتَغَايِرَيْنِ فَصَحَّ إِيقَاعُهُمَا مُبْتَدَأً وَخَبَرًا، اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَمَانَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ مَعْنَى "غَيْرُ مَضْمُونٍ" لَمَا احْتِيجَ إِلَى ذِكْرِ قَوْلِهِ: "إِذَا هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ لِلْقَطْعِ بِقُبْحٍ"، أَنْ يُقَالَ: الْوَدِيعَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُودَعِ إِذَا هَلَكَتْ لَمْ تَضْمَنْ لِكَوْنِ الثَّانِي مُسْتَدْرَكًا. وَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ وَفِيهِ مَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَلَمَ مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَغَيْرُ مَضْمُونٍ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ: عَلَمٍ هَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْأَعْلَامِ، اهـ كَلَامُهُ.
[ ٨ / ٤٨٦ ]
وَلِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَى عِيَالِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُلَازَمَةُ بَيْتِهِ وَلَا اسْتِصْحَابُ الْوَدِيعَةِ فِي خُرُوجِهِ فَكَانَ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ (فَإِنْ حَفِظَهَا بِغَيْرِهِمْ أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُمْ ضَمِنَ) لِأَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِيَدِهِ لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، وَالْأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَضَمَّنُ مِثْلَهُ كَالْوَكِيلِ لَا يُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَالْوَضْعُ فِي حِرْزِ غَيْرِهِ إِيدَاعٌ، إِلَّا إِذَا اسْتَأْجَرَ الْحِرْزَ فَيَكُونُ حَافِظًا بِحِرْزِ نَفْسِهِ. قَالَ (إِلَّا أَنْ يَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ فَيُسَلِّمَهَا إِلَى جَارِهِ أَوْ يَكُونَ فِي سَفِينَةٍ فَخَافَ الْغَرَقَ فَيُلْقِيَهَا إِلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى) لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْحِفْظِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَيَرْتَضِيهِ الْمَالِكُ، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ يَدَّعِي ضَرُورَةً مُسْقِطَةً لِلضَّمَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ فَصَارَ كَمَا إِذَا ادَّعَى الْإِذْنَ فِي الْإِيدَاعِ.
قَالَ (فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَحَبَسَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْمَنْعِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا طَالَبَهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِمْسَاكِهِ
أَقُولُ: دَفَعَ هَذَا سَهْلٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْأَمَانَةِ إِنْ كَانَ عَلَمًا لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ كَانَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ، كَأُسَامَةَ فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِجِنْسِ الْأَسَدِ، وَسُبْحَانَ فَإِنَّهُ عَلَمٌ لِجِنْسِ التَّسْبِيحِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْلَامِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي ذَكَرُوهَا فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَبَيَّنُوا دُخُولَهَا فِي تَعْرِيفِ الْعَلَمِ بِمَا وُضِعَ لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ غَيْرَهُ بِوَضْعٍ وَاحِدٍ فَمَنْ أَتْقَنَ مَبَاحِثَ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهَا لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَى عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ مُلَازِمَةُ بَيْتِهِ، وَلَا اسْتِصْحَابُ الْوَدِيعَةِ فِي خُرُوجِهِ فَكَانَ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ).
أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَكَانَ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ يُشْعِرُ بِكَوْنِ مَدَارِ جَوَازِ دَفْعِ الْوَدِيعَةِ إِلَى عِيَالِهِ رِضَا الْمَالِكِ بِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمُ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ رِضَاهُ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَالِكَ إِذَا نُهِيَ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فَدَفَعَهَا إِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَدَارَ ذَلِكَ هُوَ الضَّرُورَةُ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِ: وَلِأَنَّهُ لَا يَجْدُ بُدًّا مِنَ الدَّفْعِ إِلَى عِيَالِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُتْرَكَ فَكَانَ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِهِ وَيُقَالَ بَدَلُهُ، فَإِنَّ امْتِنَاعَ الْحِفْظِ بِعِيَالِهِ يَقْتَضِي سَدَّ بَابِ الْوَدَائِعِ وَتَعَطُّلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، كَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ لِلْإِمَامِ الزَّاهِدِيِّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ حَفِظَهَا بِغَيْرِهِمْ أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُمْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِيَدِهِ لَا بِيَدِ غَيْرِهِ، وَالْأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ).
أَقُولُ: فِيهِ أَيْضًا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنْ يَضْمَنَ أَيْضًا إِذَا حَفِظَهَا بِيَدِ
[ ٨ / ٤٨٧ ]
بَعْدَهُ فَيَضْمَنُهُ بِحَبْسِهِ عَنْهُ.
قَالَ (وَإِنْ خَلَطَهَا الْمُودَعُ بِمَالِهِ حَتَّى لَا تَتَمَيَّزَ ضَمِنَهَا ثُمَّ لَا سَبِيلَ لِلْمُودَعِ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: إِذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا شَرِكَهُ إِنْ شَاءَ) مِثْلُ أَنْ يَخْلِطَ الدَّرَاهِمَ الْبِيضَ بِالْبِيضِ وَالسُّودَ بِالسُّودِ وَالْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ. لَهُمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ صُورَةً وَأَمْكَنَهُ مَعْنًى بِالْقِسْمَةِ فَكَانَ اسْتِهْلَاكًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيَمِيلُ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ. وَلَهُ أَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ كُلِ وَجْهٍ لِأَنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْوُصُولُ إِلَى عَيْنِ حَقِّهِ.
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقِسْمَةِ لِأَنَّهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرِكَةِ فَلَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لَهَا، وَلَوْ أَبْرَأَ الْخَالِطَ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الْمَخْلُوطِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ إِلَّا فِي الدَّيْنِ وَقَدْ سَقَطَ، وَعِنْدَهُمَا بِالْإِبْرَاءِ تَسْقُطُ خِيرَةُ الضَّمَانِ فَيَتَعَيَّنُ الشَّرِكَةُ فِي الْمَخْلُوطِ، وَخَلْطُ الْخَلِّ بِالزَّيْتِ وَكُلِّ مَائِعٍ بِغَيْرِ جِنْسِهِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ حَقِّ الْمَالِكِ إِلَى الضَّمَانِ، وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ صُورَةً وَكَذَا مَعْنًى لِتَعَذُّرِ الْقِسْمَةِ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ خَلْطُ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَخْلُو عَنْ حَبَّاتِ الْآخَرِ فَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ وَالْقِسْمَةُ. وَلَوْ خَلَطَ الْمَائِعَ بِجِنْسِهِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الْمَالِكِ إِلَى ضَمَانٍ لِمَا ذَكَرْنَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُجْعَلُ الْأَقَلُّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ أَجْزَاءً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ شَرِكَهُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الرَّضَاعِ،
مَنْ فِي عِيَالِهِ لَا بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمْ غَيْرُ يَدِ نَفْسِهِ، فَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِيَدِهِمْ لَا بِيَدِ غَيْرِهِمْ عَلَى نَهْجِ قَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ حَفِظَهَا بِغَيْرِهِمْ أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُمْ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ الشَّامِلَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، كَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ للإمام الزاهدي؛ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ الْأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ فَلَا يَكُونُ رِضَاهُ بِيَدِهِمْ رِضًا بِيَدِ غَيْرِهِمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرِكَةِ فَلَا تَصْلُحُ مُوجِبَةً لَهَا). قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ تَأَمُّلٌ، فَإِنَّ الْمَعْلُولَ هُنَا جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالْعِلَّةُ إِمْكَانُ الْقِسْمَةِ وَالْقِسْمَةُ نَفْسُهَا مِنْ
[ ٨ / ٤٨٨ ]
وَنَظِيرُهُ خَلْطُ الدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا إِذَابَةً لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَائِعًا بِالْإِذَابَةِ
قَالَ (وَإِنِ اخْتَلَطَتْ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا) كَمَا إِذَا انْشَقَّ الْكِيسَانِ فَاخْتَلَطَا لِأَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا لِعَدَمِ الصُّنْعِ مِنْهُ فَيَشْتَرِكَانِ وَهَذَا بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ (فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُودَعُ بَعْضَهَا ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهُ فَخَلَطَهَا بِالْبَاقِي ضَمِنَ الْجَمِيعَ) لِأَنَّهُ خَلَطَ مَالَ غَيْرِهِ بِمَالِهِ فَيَكُونُ اسْتِهْلَاكًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ.
قَالَ: (وَإِذَا تَعَدَّى الْمُودَعُ فِي الْوَدِيعَةِ بِأَنْ كَانَتْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا أَوْ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ أَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ ثُمَّ أَزَالَ التَّعَدِّيَ فَرَدَّهَا إِلَى يَدِهِ زَالَ الضَّمَانُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَدِيعَةِ ارْتَفَعَ حِينَ صَارَ ضَامِنًا لِلْمُنَافَاةِ فَلَا يَبْرَأُ إِلَّا بِالرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ وَلَنَا أَنَّ الْأَمْرَ بَاقٍ لِإِطْلَاقِهِ، وَارْتِفَاعُ حُكْمِ الْعَقْدِ ضَرُورَةُ ثُبُوتِ نَقِيضِهِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ عَادَ حُكْمُ الْعَقْدِ، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِلْحِفْظِ شَهْرًا فَتَرَكَ الْحِفْظَ فِي بَعْضِهِ ثُمَّ حَفِظَ فِي الْبَاقِي
مُوجِبَاتِ نَفْسِ الشَّرِكَةِ، اهـ.
أَقُولُ: هَذَا سَاقِطٌ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ نَفْسَهَا لَيْسَتْ مِنْ مُوجِبَاتِ الشَّرِكَةِ قَطْعًا؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِكَيْنِ فِي شَيْءٍ قِسْمَةَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَصَرَّفَا فِيهِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ أَبَدًا، فَإِنَّمَا الَّذِي مِنْ مُوجِبَاتِ نَفْسِ الشَّرِكَةِ وَجَوَازِهَا هُوَ جَوَازُ الْقِسْمَةِ لَا الْقِسْمَةُ نَفْسُهَا، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَازُ الْقِسْمَةِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عِلَّةً مُوجِبًا لِلشَّرِكَةِ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْمَعْلُولُ عِلَّةً، فَإِنَّ الْمَعْلُولَ هُنَا عِنْدَهُمَا جَوَازُ الشَّرِكَةِ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّقَ مَشِيئَةُ الْمُودَعِ بِالشَّرِكَةِ، وَنَفْسُ الشَّرِكَةِ بَعْدَ أَنْ
[ ٨ / ٤٨٩ ]
فَحَصَلَ الرَّدُّ إِلَى نَائِبِ الْمَالِكِ. قَالَ (فَإِنْ طَلَبَهَا صَاحِبُهَا فَجَحَدَهَا ضَمِنَهَا) لِأَنَّهُ لَمَّا طَالَبَهُ بِالرَّدِّ فَقَدْ عَزَلَهُ عَنِ الْحِفْظِ فَبَعْدَ ذَلِكَ هُوَ بِالْإِمْسَاكِ غَاصِبٌ مَانِعٌ فَيَضْمَنُهَا، فَإِنْ عَادَ إِلَى الِاعْتِرَافِ لَمْ يَبْرَأْ عَنِ الضَّمَانِ لِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ، إِذِ الْمُطَالَبَةُ بِالرَّدِّ رَفْعٌ مِنْ جِهَتِهِ وَالْجُحُودُ فَسْخٌ مِنْ جِهَةِ الْمُودَعِ كَجُحُودِ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ وَجُحُودِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ الْبَيْعَ فَتَمَّ الرَّفْعُ، أَوْ لِأَنَّ الْمُودَعَ يَنْفَرِدُ بِعَزْلِ نَفْسِهِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْمُسْتَوْدِعِ كَالْوَكِيلِ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ لَا يَعُودُ إِلَّا بِالتَّجْدِيدِ فَلَمْ يُوجَدِ الرَّدُّ إِلَى نَائِبِ الْمَالِكِ، بِخِلَافِ الْخِلَافِ ثُمَّ الْعَوْدِ إِلَى الْوِفَاقِ، وَلَوْ جَحَدَهَا عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبِهَا لَا يَضْمَنُهَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّ الْجُحُودَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ طَمَعِ الطَّامِعِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ مَحْضَرٍ مِنْهُ أَوْ طَلَبِهِ فَبَقِيَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ بِحَضْرَتِهِ.
قَالَ: (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ الْوَدِيعَةَ وَإِنْ كَانَ لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ
تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ بِهَا وَكِلَاهُمَا كَانَا يُوجِبَانِ جَوَازَ الْقِسْمَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَلِلْمُودَعِ أَنْ يُسَافِرَ بِالْوَدِيعَةِ وَإِنْ كَانَ لَهَا حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ عِنْدَ أبي حنيفة … إِلَخْ). قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي حَلِّ هَذَا الْمَحَلِّ: قَالُوا: إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا ضَمِنَ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا كَانَ آمِنًا وَلَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَسَافِرَ بِأَهْلِهِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ سَافَرَ بِنَفْسِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَرْكُهَا فِي أَهْلِهِ، اهـ.
أَقُولُ: هَذَا تَحْرِيرٌ مُخْتَلٌّ وَحَلٌّ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَقُولُ الْقَوْلِ فِي قَالُوا مَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ بِأَنْ كَانَ قَوْلُهُ: إِذْ كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا شَرْطًا
[ ٨ / ٤٩٠ ]
فِي الْوَجْهَيْنِ، لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إِطْلَاقُ الْأَمْرِ، وَالْمَفَازَةُ مَحَلٌّ لِلْحِفْظِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلِهَذَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَلَهُمَا أَنَّهُ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الرَّدِّ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ فَيَتَقَيَّدُ، وَالشَّافِعِيُّ يُقَيِّدُهُ بِالْحِفْظِ الْمُتَعَارَفِ وَهُوَ الْحِفْظُ فِي الْأَمْصَارِ وَصَارَ كَالِاسْتِحْفَاظِ بِأَجْرٍ. قُلْنَا: مُؤْنَةُ الرَّدِّ تَلْزَمُهُ فِي مِلْكِهِ ضَرُورَةَ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فَلَا يُبَالِي بِهِ وَالْمُعْتَادُ كَوْنُهُمْ فِي الْمِصْرِ لَا حِفْظُهُمْ، وَمَنْ يَكُونُ فِي الْمَفَازَةِ يَحْفَظُ مَالَهُ فِيهَا، بِخِلَافِ الِاسْتِحْفَاظِ بِأَجْرٍ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَقْتَضِي التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ (وَإِذَا نَهَاهُ الْمُودِعُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَدِيعَةَ فَخَرَجَ بِهَا ضَمِنَ) لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُفِيدٌ إِذِ الْحِفْظُ فِي الْمِصْرِ أَبْلَغُ فَكَانَ صَحِيحًا.
قَالَ: (وَإِذَا أَوْدَعَ رَجُلَانِ عِنْدَ رَجُلٍ وَدِيعَةً فَحَضَرَ أَحَدُهُمَا وَطَلَبَ نَصِيبَهُ مِنْهَا لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يَدْفَعُ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ)
وَمَا بَعْدَهُ جَزَاءَهُ فَسَدَ الْمَعْنَى جِدًّا؛ إِذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا قِسْمًا مِمَّا كَانَ آمِنًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضِدَّ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ مَقُولُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا فَقَطْ بِأَنْ كَانَ مَعْنَاهُ، قَالُوا: هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، كَمَا هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي الْكَافِي وَسَائِرِ الشُّرُوحِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مَخُوفًا ضَمِنَ بِالِاتِّفَاقِ بَيَانًا لِحُكْمِ كَوْنِ الطَّرِيقِ مَخُوفًا فِي الْمُسَافَرَةِ بِالْوَدِيعَةِ، وَكَانَ قَوْلُهُ: وَإِذَا كَانَ آمِنًا وَلَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ … إِلَخْ. تَفْصِيلًا لِحُكْمِ كَوْنِ الطَّرِيقِ آمِنًا فِي الْمُسَافِرَةِ بِالْوَدِيعَةِ فَسَدَ مَعْنَى الْمَقَامِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا". فِي قَوْلِهِ: "قَالُوا: إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا"، مَا هُوَ عَامٌّ لِمَا كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ وَمَا لَمْ يَكُنْ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ كَانَ قَوْلُهُ فِي التَّفْصِيلِ، وَإِذَا كَانَ آمِنًا وَلَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ فَكَذَلِكَ مُنَافِيًا لِذَلِكَ قَطْعًا، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا هُوَ مُفِيدٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ فَمَعَ كَوْنِ اللَّفْظِ غَيْرَ مُسَاعِدٍ لَهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي التَّفْصِيلِ، وَإِنْ سَافَرَ بِنَفْسِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ، كَمَا تَرَى مَعَ أَنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ الضَّمَانُ مُخَالِفٌ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ فِيمَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَالِكُ الْمِصْرَ لِلْحِفْظِ فِيهِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا بَعْدُ: وَإِذَا نَهَاهُ الْمُودِعُ أَنْ يَخْرُجَ بِالْوَدِيعَةِ فَخَرَجَ بِهَا ضَمِنَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي وَاحِدٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ قَطُّ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ
[ ٨ / ٤٩١ ]
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ثَلَاثَةٌ اسْتَوْدَعُوا رَجُلًا أَلْفًا فَغَابَ اثْنَانِ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَهُ ذَلِكَ، وَالْخِلَافُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ فِي الْمُخْتَصَرِ. لَهُمَا أَنَّهُ طَالَبَهُ بِدَفْعِ نَصِيبِهِ فَيُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ كَمَا فِي الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ مَا سَلَّمَ إِلَيْهِ وَهُوَ النِّصْفُ، وَهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَكَذَا يُؤْمَرُ هُوَ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ طَالَبَهُ بِدَفْعِ نَصِيبِ الْغَائِبِ لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِالْمُفْرَزِ وَحَقِّهِ فِي الْمُشَاعِ، وَالْمُفْرَزُ الْمُعَيَّنُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْحَقَّيْنِ، وَلَا يَتَمَيَّزُ حَقُّهُ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ وِلَايَةُ الْقِسْمَةِ وَلِهَذَا لَا يَقَعُ دَفْعُهُ قِسْمَةً بِالْإِجْمَاعِ،
صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي صُورَةِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَالِكُ الْمِصْرَ لِلْحِفْظِ فِيهِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ التَّفْصِيلَ فِي صُورَةِ إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا أَوْ إِنْ عَيَّنَ الْمَالِكُ الْمِصْرَ لِلْحِفْظِ فِيهِ: فَالصَّوَابُ فِي هَذَا الْمَقَامِ تَحْرِيرُ صَاحِبِ النِّهَايَةِ؛ حَيْثُ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، أَمَّا إِذَا كَانَ مَخُوفًا وَلَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ ضَمِنَ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنَ السَّفَرِ إِنْ سَافَرَ بِأَهْلِهِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ سَافَرَ بِنَفْسِهِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتْرُكَهَا فِي أَهْلِهِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِيخَانَ، اهـ، وَتَحْرِيرِ صَاحِبَيِ الْكَافِي وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَا: هَذَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنِ الْمَالِكُ الْمِصْرَ لِلْحِفْظِ فِيهِ بَلْ أَطْلَقَ فَإِنْ عَيَّنَ الْحِفْظَ فِي الْمِصْرِ فَسَافَرَ إِنْ كَانَ سَفَرًا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ سَفَرًا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْحِفْظُ فِي الْمِصْرِ مَعَ السَّفَرِ بِأَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُتْرَكَ وَاحِدًا مِنْ عِيَالِهِ مَعَ الْوَدِيعَةِ فِي الْمِصْرِ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ، اهـ.
وَكَأَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ فَخَلَطَ الْكَلَامَ وَأَفْسَدَ مَعْنَى الْمَقَامِ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ثَلَاثَةٌ اسْتَوْدَعُوا رَجُلًا أَلْفًا فَغَابَ اثْنَانِ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَا: لَهُ ذَلِكَ). قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِيَدُلَّ بِوَضْعِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: "وَدِيعَةُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ"؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ الْأَلْفُ وَهُوَ مَوْزُونٌ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ إِذْ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا يُشْعِرُ بِحَصْرِ وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا يُقْسَمُ حَتَّى يَدُلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ هُوَ الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ. قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ الْأَلْفُ وَهُوَ مَوْزُونٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَلْفَ إِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا الْحَصْرِ، كَيْفَ وَلَوْ أَفَادَ بِذَلِكَ الْحَصْرَ لَكَانَ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ لِلْمَكِيلِ أَصْلًا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ: وَهُوَ مَوْزُونٌ، وَلَا لِلْمَوْزُونِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْأَلْفِ فَيَفُوتُ الْمَطْلُوبُ. وَقَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي الْكَشْفِ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْفَائِدَةِ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رِوَايَةَ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ: الْقَاضِي لَا يَأْمُرُ الْمُودَعَ بِالدَّفْعِ، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَأْمُرُ الْمُودَعَ بِالدَّفْعِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ دِيَانَةً، فَلَمَّا قَالَ فِي الْجَامِعِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ زَالَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ
وَفَائِدَةٌ أُخْرَى أَنَّ رِوَايَةَ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي اثْنَيْنِ وَرِوَايَةَ الْجَامِعِ فِي الثَّلَاثَةِ، فَلَوْلَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ لَكَانَ لِبَعْضٍ أَنْ يَقُولَ: نَصِيبُ الْوَاحِدِ الْحَاضِرِ مِنَ الثَّلَاثَةِ أَقَلُّ مِنْ نَصِيبِ الْغَائِبَيْنِ فَيَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا وَيُجْعَلُ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُودَعِ، فَأَمَّا نَصِيبُ الْحَاضِرِ مِنَ الرَّجُلَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُسْتَهْلَكًا وَلَا تَبَعًا فَلَهُ أَخْذُهُ، فَتَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ الْجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا سَوَاءٌ، انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي الْفَائِدَةِ الْأُخْرَى نَظَرٌ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنْ لَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ عِنْدَ أبي حنيفة، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ تَوَهُّمَ قَائِلٍ: إِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ الْأَخْذِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قِلَّةُ نَصِيبِ الْحَاضِرِ، بَلْ يُؤَيِّدُهُ لِمُسَاعَدَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ رِوَايَةُ كِتَابِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْحَاضِرِ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ نَصِيبِ الْغَائِبِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ، فَلَا مَجَالَ لِتَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ عَدَمِ دَفْعِ نَصِيبِ الْحَاضِرِ إِلَيْهِ قِلَّةَ نَصِيبِهِ فَتِلْكَ الْفَائِدَةُ الْأُخْرَى إِنَّمَا تَظْهَرُ لَوْ ذُكِرَتْ رِوَايَةُ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى عَكْسِ مَا فِي الْكِتَابِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ تِلْكَ الْفَائِدَةِ عَلَى قَوْلِ
[ ٨ / ٤٩٢ ]
بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا. قَوْلُهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دُونَ قَوْلِ أبي حنيفة فَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلَى تَرْتِيبِ الْكِتَابِ تَأَمَّلْ تَقَفَّ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الدَّيْنِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ، أَيْ: حَقَّ الْمَدْيُونِ؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا) فَلَا يَكُونُ هَذَا تَصَرُّفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، بَلْ يَكُونُ الْمَدْيُونُ مُتَصَرِّفًا فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَيَجُوزُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ هَذَا الْمَقَامَ أَوَّلًا هَكَذَا: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِالدَّفْعِ إِلَى مَنْ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا النَّظَرُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ الْمَدْيُونَ مَأْمُورٌ بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِالدَّفْعِ إِلَى مَنْ يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَا إِلَى مَنْ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ إِذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَدْيُونِ قَضَاءَ دَيْنِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ قَضَاءُ الدَّيْنَ بِعَيْنِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقْضَى بِمِثْلِهِ وَجَبَ عَلَى الْمَدْيُونِ لِلدَّائِنِ دَفْعُ مِثْلِ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ إِلَى دَائِنِهِ، فَكَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ كُلُّ مَا يَجِبُ عَلَى إِنْسَانٍ لِإِنْسَانٍ دَفْعَ عَيْنِ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ دَفْعُ مِثْلِهِ وَبَدَلِهِ، كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا مَحْذُورَ قَطْعًا. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي حَقِّهِ لِلشَّرِيكِ لَا لِلْمَدْيُونِ، كَمَا وَقَعَ فِي الشُّرُوحِ، وَمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ يُطَالِبُ الْمَدْيُونَ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ، أَيْ: بِقَضَاءِ حَقِّهِ، وَحَقُّهُ مِنْ حَيْثُ الْقَضَاءُ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا وَالْمِثْلُ مَالُ الْمَدْيُونِ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَالْقَضَاءُ إِنَّمَا يَقَعُ بِالْمُقَاصَّةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يُسَاعِدُهُ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي حَقِّهِ لَوْ كَانَ لِلشَّرِيكِ دُونَ الْمَدْيُونِ لَمْ يَتِمَّ اسْتِدْلَالُهُ عَلَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ حَقِّهِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا؛ إِذْ كَوْنُ قَضَاءِ الدُّيُونِ بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَ يُطَالِبُ الْمَدْيُونَ بِتَسْلِيمِ حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَالُ الْمَدْيُونِ فَلَمْ يَكُنْ حَقُّ الشَّرِيكِ بَلْ كَانَ حَقُّ الْمَدْيُونِ، فَقَضَاءُ الدَّيْنِ بِالْمِثْلِ لَا يَكُونُ تَسْلِيمَ حَقِّ الشَّرِيكِ بَلْ يَكُونُ تَسْلِيمَ حَقِّ الْمَدْيُونِ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا تَوَهَّمَهُ فِي نَظَرِهِ السَّابِقِ مِنْ لُزُومِ كَوْنِ الْإِنْسَانِ مَأْمُورًا بِالتَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ بِالدَّفْعِ إِلَى مَنْ لَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْلَى بِالْوُرُودِ عَلَى تَقْدِيرِ نَفْسِهِ بِدُونِ مُلَاحَظَةِ مَا ذَكَرْنَا فِي سُقُوطِهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَحَقُّهُ مِنْ حَيْثُ الْقَضَاءُ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا، وَالْمِثْلُ مَالُ الْمَدْيُونِ لَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا - وَالْقَضَاءُ إِنَّمَا يَقَعُ بِالْمُقَاصَّةِ، انْتَهَى.
وَهَذَا أَحَقُّ بِمَا تَوَهَّمَهُ، كَمَا تَرَى وَالْمَدْفَعُ مَا أَوْضَحْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. (قَوْلُهُ: قَوْلُهُ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ)، أَيْ: قَوْلَ الْخَصْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَهُوَ الْإِمَامَانِ عَلَى مَا مَرَّ. وَقَدْ تَعَسَّفَ فِيهِ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ؛ حَيْثُ قَالَ: وَالضَّمِيرُ فِي "قَوْلِهِ " يَرْجِعُ إِلَى الْقَائِلِ الْمَعْهُودِ فِي الذِّهْنِ، أَيْ قَوْلُ الْقَائِلِ نُصْرَةٌ لِقَوْلِهِمَا كَذَا، انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَأَمَّا سَائِرُ الشُّرَّاحِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِتَوْجِيهِ إِفْرَادِ
[ ٨ / ٤٩٣ ]
قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُجْبَرَ الْمُودَعُ عَلَى الدَّفْعِ كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً عِنْدَ إِنْسَانٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ لِغَيْرِهِ فَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِذَا ظَفِرَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ
قَالَ (وَإِنْ أَوْدَعَ رَجُلٌ عِنْدَ رَجُلَيْنِ شَيْئًا مِمَّا يُقْسَمُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْفَعَهُ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ وَلَكِنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ فَيَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ جَازَ أَنْ يَحْفَظَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَهُ فِي الْمُرْتَهِنَيْنِ وَالْوَكِيلَيْنِ بِالشِّرَاءِ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ. وَقَالَا: لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَحْفَظَ بِإِذْنِ الْآخَرِ فِي الْوَجْهَيْنِ. لَهُمَا أَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَى الْآخَرِ وَلَا يَضْمَنُهُ كَمَا فِيمَا لَا يُقْسَمُ. وَلَهُ أَنَّهُ رَضِيَ بِحِفْظِهِمَا وَلَمْ يَرْضَ بِحِفْظِ أَحَدِهِمَا كُلِّهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَتَى أُضِيفَ إِلَى مَا يَقْبَلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي تَنَاوَلَ الْبَعْضَ دُونَ الْكُلِّ فَوَقَعَ التَّسْلِيمُ إِلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمَالِكِ فَيَضْمَنُ الدَّافِعُ وَلَا يَضْمَنُ الْقَابِضُ لِأَنَّ مُودِعَ الْمُودَعِ عِنْدَهُ لَا يَضْمَنُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَا يُقْسَمُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْدَعَهُمَا وَلَا يُمْكِنُهُمَا الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَمْكَنَهُمَا الْمُهَايَأَةُ كَانَ الْمَالِكُ رَاضِيًا بِدَفْعِ الْكُلِّ إِلَى أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
قَالَ: (وَإِذَا قَالَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ لَا تُسَلِّمُهُ إِلَى زَوْجَتِكَ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهَا لَا يَضْمَنُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إِذَا نَهَاهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فَدَفَعَهَا إِلَى مَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ لَا يَضْمَنُ) كَمَا إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ دَابَّةً فَنَهَاهُ عَنِ الدَّفْعِ إِلَى غُلَامِهِ، وَكَمَا إِذَا كَانَتْ شَيْئًا يُحْفَظُ فِي يَدِ النِّسَاءِ فَنَهَاهُ عَنِ الدَّفْعِ إِلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مَحْمَلُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِقَامَةُ الْعَمَلِ مَعَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا فَيَلْغُو (وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ ضَمِنَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُفِيدٌ لِأَنَّ مِنَ الْعِيَالِ مَنْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَى الْمَالِ وَقَدْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ مَعَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ فَاعْتُبِرَ (وَإِنْ قَالَ احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ فَحَفِظَهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ مِنَ الدَّارِ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ مُفِيدٍ، فَإِنَّ الْبَيْتَيْنِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ لَا يَتَفَاوَتَانِ فِي الْحِرْزِ (وَإِنْ حَفِظَهَا فِي دَارٍ أُخْرَى ضَمِنَ) لِأَنَّ الدَّارَيْنِ يَتَفَاوَتَانِ فِي الْحِرْزِ فَكَانَ مُفِيدًا فَيَصِحُّ التَّقْيِيدُ، وَلَوْ كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ ظَاهِرًا بِأَنْ كَانَتِ الدَّارُ الَّتِي فِيهَا الْبَيْتَانِ عَظِيمَةً وَالْبَيْتُ الَّذِي نَهَاهُ عَنِ الْحِفْظِ فِيهِ عَوْرَةً ظَاهِرَةً صَحَّ الشَّرْطُ
ضَمِيرِ قَوْلِهِ: هَاهُنَا. (قَوْلُهُ: قُلْنَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يُجْبَرَ الْمُودَعُ عَلَى الدَّفْعِ … إِلَخْ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ: لَوْ أَنْ يَأْخُذَهُ تَقْرِيرُهُ أَنَّ جَوَازَ الْأَخْذِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُجْبَرَ الْمُودَعُ عَلَى الدَّفْعِ؛ إِذِ الْجَبْرُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْجَوَازِ، أَيْ: مِنْ لَوَازِمِهِ لِانْفِكَاكِهِ عَنْهُ، كَمَا إِذَا كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً عِنْدَ إِنْسَانٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ لِغَيْرِهِ فَلِغَرِيمِهِ، أَيْ: لِغَرِيمِ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِذَا ظَفِرَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا.
أَقُولُ: هُنَا إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَإِنَّ جَوَابَ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا: فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ عِنْدَهُ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُودَعِ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ عِنْدَ أبي حنيفة ﵀. وَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مُشْعِرٌ بِجَوَازِ أَخْذِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُودَعِ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ عِنْدَ أبي حنيفة أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُجْبِرِ الْمُودَعَ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ عِنْدَهُ، كَجَوَازِ أَخْذِ غَرِيمِ الْمُودِعِ بِالْكَسْرِ مَا أَوْدَعَهُ عِنْدَ إِنْسَانٍ إِذَا ظَفِرَ بِهِ مِنَ الْمُودَعِ بِالْفَتْحِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُودَعِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِالْجَوَابِ الْمَزْبُورِ
[ ٨ / ٤٩٤ ]
قَالَ (وَمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَأَوْدَعَهَا آخَرَ فَهَلَكَتْ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْأَوَّلَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الثَّانِيَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْآخَرَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ) لَهُمَا أَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ مِنْ يَدِ ضَمِينٍ فَيُضَمِّنُهُ كَمُودَعِ الْغَاصِبِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ مُتَعَدِّيًا بِالتَّسْلِيمِ وَالثَّانِي بِالْقَبْضِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ رَجَعَ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنَ الْعُهْدَةِ، وَلَهُ أَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ مِنْ يَدِ أَمِينٍ لِأَنَّهُ بِالدَّفْعِ لَا يَضْمَنُ مَا لَمْ يُفَارِقْهُ لِحُضُورِ رَأْيِهِ فَلَا تَعَدِّيَ مِنْهُمَا فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ تَرَكَ الْحِفْظَ الْمُلْتَزَمَ فَيَضْمَنُهُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمُسْتَمِرٌّ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ فَلَا يَضْمَنُهُ كَالرِّيحِ إِذَا أَلْقَتْ فِي حِجْرِهِ ثَوْبَ غَيْرِهِ
قَالَ: (وَمَنْ كَانَ فِي يَدِهِ أَلْفٌ فَادَّعَاهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا لَهُ أَوْدَعَهَا إِيَّاهُ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُمَا فَالْأَلْفُ بَيْنَهُمَا
تَجْوِيزَ أَخْذِ الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُودَعِ بِدُونِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُودَعَ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ إِلَيْهِ عِنْدَ أبي حنيفة لَمَا احْتِيجَ فِي الْجَوَابِ مِنْ قِبَلِهِ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَى التَّشَبُّثِ بِحَدِيثِ أَنْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَاتِ جَوَازِ الْأَخْذِ أَنْ يُجْبِرَ الْمُودَعَ عَلَى الدَّفْعِ، بَلْ لِمَا أَفَادَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَقْصُودُ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي الْجَوَابِ مِنْ قِبَلِهِ عَنْ قَوْلِهِمَا الْمَذْكُورِ مَنْعَ جَوَازِ الْأَخْذِ أَيْضًا فَالْجَوَابُ الْمَزْبُورُ أَيْضًا إِنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى مَا ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْقُدُورِيِّ وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِرِوَايَةِ كِتَابِ الدَّعْوَى، كَمَا سَمِعْتُ فِيمَا مَرَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِمَا: وَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ فَكَذَا هُوَ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي أَيْدِي الشَّرِيكَيْنِ كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ بِغَيْرِ رِضَا الْآخَرِ، فَكَذَا هُنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمُودَعِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْجَوَابِ
[ ٨ / ٤٩٥ ]
وَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى بَيْنَهُمَا) وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ صَحِيحَةٌ لِاحْتِمَالِهَا الصِّدْقَ فَيَسْتَحِقُّ الْحَلِفَ عَلَى الْمُنْكِرِ بِالْحَدِيثِ وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ لِتَغَايُرِ الْحَقَّيْنِ، وَبِأَيِّهِمَا بَدَأَ الْقَاضِي جَازَ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ.
وَلَوْ تَشَاحَّا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِمَا وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ، ثُمَّ إِنْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا يَحْلِفُ لِلثَّانِي، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا شَيْءَ لَهُمَا لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَإِنْ نَكَلَ أَعْنِي لِلثَّانِي يَقْضِي لَهُ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ، وَإِنْ نَكَلَ لِلْأَوَّلِ يَحْلِفُ لِلثَّانِي وَلَا يَقْضِي بِالنُّكُولِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ بِنَفْسِهِ فَيَقْضِي بِهِ، أَمَّا النُّكُولُ إِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً عِنْدَ الْقَضَاءِ فَجَازَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَحْلِفَ لِلثَّانِي
عَنْهُ: وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا لَوْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمَا كَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ نَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُودَعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَرِيمَ إذَا أَخَذَ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ جِنْسَ حَقِّهِ جَازَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرَّدِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ مُودَعِ الْغَرِيمِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ كَمَا إذَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَدِيعَةً عِنْدَ إنْسَانٍ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ لِغَيْرِهِ فَلِغَرِيمِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا ظَفِرَ بِهِ وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الشَّارِحِ.
أَقُولُ: فَعَلَى هَذَا الِاسْتِخْرَاجِ يَتَمَشَّى هَذَا الْجَوَابُ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ أَنَّ تَقْرِيرَ الْمُصَنِّفِ لَا يُسَاعِدُ ذَلِكَ جِدًّا. تَبَصَّرْ
(قَوْلُهُ وَشَرْحُ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَى كُلِّ وَاحِدٍ صَحِيحَةٌ) أَيْ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ دُونَ الِاجْتِمَاعِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْأَلْفُ الْوَاحِدُ مُودَعًا عِنْدَ اثْنَيْنِ بِكَمَالِهِ، كَذَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدِي فِي مَعْنَى الْمَقَامِ، فَيَتِمُّ التَّعْلِيلُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ لِاحْتِمَالِهَا الصِّدْقَ بِلَا كُلْفَةٍ أَصْلًا. وَأَمَّا بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَقَدْ قَصَدَ تَوْجِيهَ الْمَقَامِ بِالْحَمْلِ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُمَا عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ حَيْثُ قَالَ فِي بَيَانِهِ: بِأَنْ يُودِعَهُ أَحَدُهُمَا فَيَشْتَرِيَ الْمُودَعُ بِهِ سِلْعَةً مِنْ الْآخَرِ وَيُسَلِّمَهُ إلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهِ فَيَقْبِضَهُ ثُمَّ يُودِعَهُ أَيْضًا انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ قَوْلِهِ فَادَّعَاهَا رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا لَهُ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ادَّعَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُ فِي الْحَالِ أَوْدَعَهَا إيَّاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِاثْنَيْنِ بِكَمَالِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مُودَعًا مِنْ اثْنَيْنِ بِكَمَالِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ذَلِكَ الْقَائِلُ قَدْ زَالَ إيدَاعُ أَحَدِهِمَا الْأَلْفِ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا أَيْضًا بِاشْتِرَائِهِ بِهَا سِلْعَةً مِنْ الْآخَرِ وَتَسْلِيمِهَا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَصْدُقَا مَعًا فِي دَعْوَاهُمَا الْمَزْبُورَةِ.
(قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ لِتَغَايُرِ الْحَقَّيْنِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ فِي تَعْلِيلِ تَغَايُرِ الْحَقَّيْنِ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَلْفًا. أَقُولُ: يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يَدَّعِي أَلْفًا مُعَيَّنًا وَهُوَ مَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ، وَالنُّقُودُ تَتَعَيَّنُ فِي الْوَدَائِعِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي التَّبْيِينِ، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ هَذَا عَلَى تَغَايُرِ الْحَقَّيْنِ.
ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ بَيَّنَ مُغَايَرَةَ الْحَقَّيْنِ بِنَهْجٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَغَايُرَ الْحَقِّ لِتَغَايُرِ الْمُسْتَحِقِّ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي يَمِينِهِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الدَّعْوَى مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «لَك يَمِينُهُ» انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِمُفِيدٍ هَاهُنَا، لِأَنَّ مَا يَقْتَضِيهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي يَمِينِهِ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ لِتَحْلِيفِهِ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَحْلِيفَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ هَاهُنَا، بَلْ يَحْصُلُ بِتَحْلِيفِهِ لَهُمَا مَعًا، وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِي تَحْلِيفَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ أَمْرٌ وَرَاءَ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي يَمِينِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ ادَّعَيَا مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا وَاحِدًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي يَمِينِهِ قَطْعًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ هُنَاكَ تَحْلِيفُهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ.
وَالْأَظْهَرُ فِي تَعْلِيلِهِ أَنْ يَحْلِفَ هَاهُنَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّمَا يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ادَّعَاهُ بِانْفِرَادِهِ انْتَهَى، تَدَبَّرْ. (أَمَّا النُّكُولُ إنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً عِنْدَ الْقَضَاءِ فَجَازَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ لِيَحْلِفَ لِلثَّانِي
[ ٨ / ٤٩٦ ]
فَيَنْكَشِفَ وَجْهُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ نَكَلَ لِلثَّانِي أَيْضًا يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُجَّةِ كَمَا إِذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَيَغْرَمُ أَلْفًا أُخْرَى بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْحَقَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِبَذْلِهِ أَوْ بِإِقْرَارِهِ وَذَلِكَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ، وَبِالصَّرْفِ إِلَيْهِمَا صَارَ قَاضِيًا نِصْفَ حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِ حَقِّ الْآخَرِ فَيَغْرَمُهُ، فَلَوْ قَضَى الْقَاضِي لِلْأَوَّلِ حِينَ نَكَلَ ذَكَرَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَحْلِفُ لِلثَّانِي وَإِذَا نَكَلَ يَقْضِي بِهَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقَضَاءَ لِلْأَوَّلِ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الثَّانِي لِأَنَّهُ يُقَدِّمُهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْقُرْعَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الثَّانِي.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ لِلْأَوَّلِ، وَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْعَبْدِ وَإِنَّمَا نَفَذَ لِمُصَادَفَتِهِ مَحَلَّ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ يَقْضِي لِلْأَوَّلِ وَلَا يَنْتَظِرُ لِكَوْنِهِ إِقْرَارَ دَلَالَةٍ ثُمَّ لَا يَحْلِفُ لِلثَّانِي مَا هَذَا الْعَبْدُ لِي لِأَنَّ نُكُولَهُ لَا يُفِيدُ بَعْدَمَا صَارَ لِلْأَوَّلِ، وَهَلْ يُحَلِّفُهُ بِاللَّهِ مَا لِهَذَا عَلَيْكَ هَذَا الْعَبْدُ وَلَا قِيمَتُهُ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ.
قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُحَلِّفَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُودَعَ إِذَا أَقَرَّ الْوَدِيعَةِ وَدَفَعَ بِالْقَضَاءِ إِلَى غَيْرِهِ يَضْمَنُهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لَهُ وَهَذِهِ فُرَيْعَةُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ بَعْضُ الْإِطْنَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَيَنْكَشِفَ وَجْهُ الْقَضَاءِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ يَقْضِيَ بِالْأَلْفِ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لِلثَّانِي فَلَا شَيْءَ لَهُ وَالْأَلْفُ كُلُّهُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ نَكَلَ لِلثَّانِي أَيْضًا كَانَ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. أَقُولُ: لَا صِحَّةَ لِقَوْلِهِ أَوْ لِلثَّانِي إذْ لَا احْتِمَالَ لِلْقَضَاءِ بِالْأَلْفِ بَعْدَ نُكُولِ ذِي الْيَدِ الْأَوَّلِ وَالْكَلَامُ فِيهِ، فَالْمُحْتَمَلُ هُنَا وَجْهَانِ لَا غَيْرُ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَالْأَلْفُ كُلُّهُ لِلْأَوَّلِ.
وَلَوْ نَكَلَ لِلثَّانِي أَيْضًا كَانَ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا قَطْعِيٌّ فِي أَنَّ الْمُحْتَمَلَ هُنَا وَجْهَانِ لَا غَيْرُ، وَكَانَ مَنْشَأُ زَلَّتِهِ هُوَ أَنَّ سَائِرَ الشُّرَّاحِ قَالُوا فِي بَيَانِ وَجْهِ الْقَضَاءِ بِأَنْ يَقْضِيَ بِالْأَلْفِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، فَتَوَهَّمَ الشَّارِحُ الْمَزْبُورَ أَنَّ قَوْلَهُمْ أَوْ لِأَحَدِهِمَا يَعُمُّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ فَوَقَعَ فِيمَا وَقَعَ مَعَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهِ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ.
[ ٨ / ٤٩٧ ]