الْعِنَايَةِ وَالشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَفْسِيرِ ذَلِكَ أَصْلًا سَائِرُ الشُّرَّاحِ. أَقُولُ: لَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَقَدْ مَرَّ مِنْ قَبْلُ مَا فَسَّرَهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الشُّرَّاحُ الثَّلَاثَةُ كَانَتْ حَوَالَتُهُ هُنَا غَيْرَ رَائِجَةٍ قَطْعًا، إذْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْفَصْلِ تَحَمُّلَ الْعَاقِلَةِ مَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا تَحَمُّلَهَا دِيَةَ النَّفْسِ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَا عِنْدَنَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَتَبَّعَ مَسَائِلَ ذَلِكَ الْفَصْلِ بِرُمَّتِهَا.
(كِتَابُ الْوَصَايَا)
قَالَ الشُّرَّاحُ: إيرَادُ كِتَابِ الْوَصَايَا فِي آخِرِ الْكِتَابِ ظَاهِرُ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّ آخِرَ أَحْوَالِ الْآدَمِيِّ فِي الدُّنْيَا الْمَوْتُ، وَالْوَصِيَّةُ مُعَامَلَةٌ وَقْتَ الْمَوْتِ. أَقُولُ: يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كِتَابَ الْوَصَايَا لَيْسَ بِمُورَدٍ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا الْمُورَدُ فِي آخِرِهِ كِتَابُ الْخُنْثَى كَمَا تَرَى. نَعَمْ إنَّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِ التَّصَانِيفِ أَوْرَدُوهُ فِي آخِرِ كُتُبِهِمْ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا الْكِتَابِ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ مِنْ قِبَلِ الشُّرَّاحِ بِحَمْلِ الْآخِرِ فِي قَوْلِهِمْ فِي آخِرِ الْكِتَابِ عَلَى الْإِضَافِيِّ، فَإِنَّ آخِرَهُ الْحَقِيقِيَّ وَإِنْ كَانَ كِتَابَ الْخُنْثَى إلَّا أَنَّ كِتَابَ الْوَصَايَا أَيْضًا آخِرُهُ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا قَبْلَهُ حَيْثُ كَانَ فِي قُرْبِ آخِرِهِ الْحَقِيقِيِّ، وَعَنْ هَذَا تَرَى الْقَوْمَ يَقُولُونَ وَقَعَ هَذَا فِي أَوَائِلِ كَذَا وَأَوَاخِرِهِ، فَإِنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ لَا تَتَمَشَّى فِي الْأَوَّلِ الْحَقِيقِيِّ وَالْآخِرِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا الْمُخَلِّصُ مِنْ ذَلِكَ تَعْمِيمُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ لِلْحَقِيقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: لَمَّا كَانَ مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى نَادِرًا مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ وَمِنْ حَيْثُ الْمَسَائِلُ أَيْضًا جَعَلُوهُ
[ ١٠ / ٤١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِي حُكْمِ الْعَدَمِ وَاعْتَبَرُوا كِتَابَ الْوَصَايَا آخِرَ الْكِتَابِ.
ثُمَّ إنَّ الْوَصِيَّةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ هُوَ التَّوْصِيَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ ثُمَّ سَمَّى الْمُوصَى بِهِ وَصِيَّةً، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ وَفِي الشَّرِيعَةِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْأَعْيَانِ أَوْ فِي الْمَنَافِعِ، كَذَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: ثُمَّ الْوَصِيَّةُ وَالتَّوْصِيَةُ وَكَذَا الْإِيصَاءُ فِي اللُّغَةِ: طَلَبُ فِعْلٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ فِي غَيْبَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ عَيْنًا كَانَ أَوْ مَنْفَعَةً، هَذَا هُوَ التَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى هِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَأَنَّ الْقِيَاسَ يَأْبَى جَوَازَهَا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْمَسَائِلِ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ. وَالْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَصِيِّ مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا بِطَرِيقِ التَّطَفُّلِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كَمَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي الشَّرْعِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ مَوْضُوعَةٌ فِيهِ أَيْضًا لِطَلَبِ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ لِيَفْعَلَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ فَقَطْ، نُقِلَ هَذَا عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْإِيصَاءِ بِاللَّامِ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَبِإِلَى فِي الْمَعْنَى الثَّانِي، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذِكْرُ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُرُوعِ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا عَلَى سَبِيلِ التَّطَفُّلِ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ.
أَقُولُ: مَا عَدَّهُ تَحْقِيقًا لَيْسَ بِشَيْءٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الَّتِي تَكُونُ مِنْ فُرُوعِ الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا هِيَ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَصِيِّ دُونَ مَسَائِلِ الْوَصِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْإِيصَاءِ فِيهَا بِاللَّامِ لَا بِإِلَى، يُقَالُ أَوْصَى لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَلَا يُقَالُ أَوْصَى إلَيْهَا كَمَا لَا يَخْفَى، فَبَقِيَ أَمْرُ التَّطَفُّلِ فِي حَقِّ تِلْكَ الْمَسَائِلِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ قَبْلُ إذْ لَمْ يَشْمَلْهَا شَيْءٌ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ قَطُّ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَسَائِلَ التَّبَرُّعَاتِ الْوَاقِعَةَ مِنْ الْإِنْسَانِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِطَرِيقِ التَّنْجِيزِ مَذْكُورَةٌ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَمِنْهَا بَابُ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْكِتَابِ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ شُمُولِ شَيْءٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ، فَبَقِيَ أَمْرُ التَّطَفُّلِ فِي حَقِّ تِلْكَ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا بِالنَّظَرِ إلَى ذَيْنِك الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، فَمِنْ أَيْنَ كَانَ ارْتِكَابُ جَمْعِهِمَا فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ مَعَ عَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ عِنْدَنَا حَقِيقِيًّا بِأَنْ يُعَدَّ تَحْقِيقًا كَمَا زَعَمَهُ ذَلِكَ الْقَائِلُ. ثُمَّ أَقُولُ: الْوَجْهُ فِي التَّفَصِّي عَنْ أَمْرِ التَّطَفُّلِ فِي حَقِّ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا ذَلِكَ الْقَائِلُ حَمْلُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ شَرِيعَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا بَيَانُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ اسْمٌ لِمَا أَوْجَبَهُ الْمُوصِي فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: هِيَ إيجَابٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُمَا يَشْمَلَانِ تِلْكَ الْمَسَائِلَ جُمْلَةً كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، وَالْوَجْهُ فِي التَّفَصِّي عَنْ أَمْرِ التَّطَفُّلِ فِي حَقِّ مَسَائِلِ كِتَابِ الْوَصَايَا كُلِّهَا مِنْ الْمُعَلَّقَاتِ وَالْمُنَجَّزَاتِ حَمْلُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ شَرِيعَةً عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ عَنْ الْإِيضَاحِ حَيْثُ قَالَ: ذَكَرَ فِي الْإِيضَاحِ: الْوَصِيَّةُ مَا أَوْجَبَهَا الْمُوصِي فِي مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ انْتَهَى. فَإِنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ. ثُمَّ إنَّ سَبَبَ الْوَصِيَّةِ سَبَبُ سَائِرِ التَّبَرُّعَاتِ، وَهُوَ إرَادَةُ تَحْصِيلِ ذِكْرِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ فِي الْعُقْبَى.
وَشَرَائِطُهَا: كَوْنُ الْمُوصِي أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مَدْيُونًا، وَكَوْنُ الْمُوصَى لَهُ حَيًّا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا، حَتَّى إذَا أَوْصَى لِلْجَنِينِ إذَا كَانَ مَوْجُودًا حَيًّا عِنْدَ الْوَصِيَّةِ يَصِحُّ وَإِلَّا فَلَا، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ حَيَاتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَنْ وُلِدَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَيًّا، وَكَوْنُهُ أَجْنَبِيًّا حَتَّى إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا وَكَوْنُ الْمُوصَى بِهِ شَيْئًا قَابِلًا لِلتَّمْلِيكِ مِنْ الْغَيْرِ بِعَقْدٍ مِنْ الْعُقُودِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوصِي سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحَالِ أَوْ مَعْدُومًا، وَأَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ حَتَّى إنَّهَا لَا تَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي الْعِنَايَةِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ. أَقُولُ: فِيهِ قُصُورٌ، بَلْ خَلَلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمُوصِي مَدْيُونًا بِدُونِ التَّقْيِيدِ بِأَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِتَرِكَتِهِ، وَالشَّرْطُ عَدَمُ هَذَا الدَّيْنِ الْمُقَيَّدِ دُونَ عَدَمِ الدَّيْنِ الْمُطْلَقِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا كَوْنَ الْمُوصِي حَيًّا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، وَالشَّرْطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا كَوْنُهُ حَيًّا فِيهِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا الدَّلِيلَ عَلَيْهِ الْوِلَادَةَ قَبْلَ سِتَّةِ
[ ١٠ / ٤١١ ]
بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ
أَشْهُرٍ حَيًّا، وَتِلْكَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْجَنِينِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا عَلَى حَيَاتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْعَارِفِ بِأَحْوَالِ الْجَنِينِ فِي الرَّحِمِ وَبِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَعَنْ هَذَا كَانَ الْمَذْكُورُ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ عِنْدَ بَيَانِ هَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى لَهُ مَوْجُودًا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ بِدُونِ ذِكْرِ قَيْدِ الْحَيَاةِ أَصْلًا، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ مِنْ شَرَائِطِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُوصَى بِهِ مِقْدَارَ الثُّلُثِ لَا زَائِدًا عَلَيْهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَدِيدٍ عَلَى إطْلَاقِهِ فَإِنَّ الْمُوصِي إذَا تَرَكَ وَرَثَةً فَإِنَّمَا لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إنْ لَمْ تُجِزْهُ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ أَجَازُوهُ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ بِهِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا فَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حَتَّى بِجَمِيعِ مَالِهِ عِنْدَنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْيِيدِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِأَنْ يَكُونَ لَهُ وَارِثٌ، وَأُخْرَى بِأَنْ لَا يُجِيزَهُ الْوَارِثُ.
(بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَجَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ)
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي حَلِّ هَذَا التَّرْكِيبِ: أَيْ مَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا لَا يُسْتَحَبُّ. وَقَالَ: ثُمَّ ظَاهِرُ الْإِبْدَالِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِبَيَانِ صِفَةِ الْوَصِيَّةِ بَيَانُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَالْأَوْلَى إيرَادُهُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ فَاحِشٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّقْدِيرِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ حَيْثُ قَالَ: أَيْ مَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا لَا يُسْتَحَبُّ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ ذَاكَ التَّقْدِيرَ إنْ صَحَّ فِي قَوْلِهِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ، إذْ لَيْسَ فِي جِنْسِ الْوَصِيَّةِ مَا يَخْلُو عَنْ الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ لِكَوْنِهِمَا نَقِيضِينَ لَا يَرْتَفِعَانِ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ جِنْسِ الْوَصِيَّةِ شَيْءٌ يُغَايِرُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ حَتَّى يَصْلُحَ ذَلِكَ لَأَنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُمَا، فَإِنْ قُيِّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ يُخْرِجُ مِنْهُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ لَا يَبْقَى مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يُغَايِرُ مَا يَجُوزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ حَتَّى يَنْدَرِجَ فِيمَا لَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ فَيَصِحُّ تَقْدِيرُهُ.
لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ وَبِعَدَمِ الْجَوَازِ عَدَمُ صِحَّةِ طَرَفِ الْفِعْلِ أَصْلًا لَا مُجَرَّدُ رَفْعِ التَّسَاوِي حَتَّى يَكُونَا مِنْ قَبِيلِ النَّقِيضَيْنِ فَيَبْقَى الِاسْتِحْبَابُ
[ ١٠ / ٤١٢ ]
قَالَ (الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) وَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَهَا لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ، وَلَوْ أُضِيفَ إلَى حَالِ قِيَامِهَا بِأَنْ قِيلَ مَلَّكْتُك غَدًا كَانَ بَاطِلًا فَهَذَا أَوْلَى، إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ
لِحَاجَةِ النَّاسِ
إلَيْهَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَغْرُورٌ بِأَمَلِهِ مُقَصِّرٌ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا عَرَضَ لَهُ الْمَرَضُ وَخَافَ الْبَيَانَ يَحْتَاجُ إلَى تَلَافِي بَعْضِ مَا فَرَّطَ مِنْهُ مِنْ التَّفْرِيطِ بِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ لَوْ مَضَى فِيهِ يَتَحَقَّقُ مَقْصِدُهُ الْمَآلِيُّ، وَلَوْ أَنْهَضَهُ الْبُرْءُ يَصْرِفُهُ إلَى مَطْلَبِهِ الْحَالِيِّ،
وَالْوُجُوبُ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا لَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ مِنْهُ. لِأَنَّا نَقُولُ: نَفْيُ الِاسْتِحْبَابِ يَعُمُّ الْجَوَازَ وَالْوُجُوبَ وَعَدَمَ صِحَّةِ طَرَفِ الْفِعْلِ أَصْلًا، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ مَا لَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ عَلَى مَا هُوَ الْوَاجِبُ مِنْهُ فَقَطْ حَتَّى يَجُوزَ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذَلِكَ. وَلَئِنْ سَلِمَ جَوَازُ إرَادَةِ ذَلِكَ بِهِ يَفْسُدُ مَعْنَى الْمَقَامِ إذْ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يُدْرِجَ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ مَا هُوَ الْوَاجِبُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فَيُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يُوجَدْ لِمَا ارْتَكَبَهُ مَحْمَلٌ صَحِيحٌ قَطُّ، فَالصَّوَابُ أَنْ لَا تَقْدِيرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا، فَإِنَّ صِفَاتِ الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ الْجَوَازُ وَالِاسْتِحْبَابُ وَالرُّجُوعُ عَنْهَا: أَيْ كَوْنُهَا مَرْجُوعًا عَنْهَا، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا حَاصِلَةٌ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي عُنْوَانِ الْبَابِ صَرَاحَةً فَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ شَيْءٍ أَصْلًا حَتَّى عَدَمُ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لِلْوَصِيَّةِ الْغَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعُنْوَانُ الْبَابِ إنَّمَا كَانَ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. نَعَمْ قَدْ يَذْكُرُ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْبَابِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الْوَصَايَا، لَكِنْ لِأَجْلِ إزَالَةِ أَنْ يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مِنْ الْوَصَايَا الْجَائِزَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْبَيَانِ بِالذَّاتِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي مَسَائِلِ سَائِرِ الْكُتُبِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ لَكِنَّ الظَّاهِرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الظَّاهِرَ ذَلِكَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَحَدًا سِوَاهُ صَرَّحَ بِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْوَصِيَّةِ فِي الشَّرْعِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، لَا أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا مَا صَرَّحُوا بِهِ عِنْد بَيَانِ مُتَعَلِّقَاتِ الْوَصِيَّةِ مِنْ سَبَبِهَا وَشَرَائِطِهَا وَرُكْنِهَا وَحُكْمِهَا وَصِفَتِهَا لَا عِنْدَ شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ إلَخْ وَكَمْ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ؟ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ فَالْأَوْلَى إيرَادُهُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ إذْ لَوْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ عَلَى فَرْضِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصِّفَةِ فِي قَوْلِهِ " بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ " مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ كَمَا زَعَمَهُ الْقَائِلُ لَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ " بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ " أَيْ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا وَفِيمَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ، فَيَصِيرُ قَوْلُهُ " وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ " لَغْوًا مِنْ الْكَلَامِ لِكَوْنِهِ تَكْرَارًا مَحْضًا فَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ نَسِيَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ عِنْدَ كَتْبِ قَوْلِهِ فَالْأَوْلَى إيرَادُهُ بِالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ وَلَعَمْرِي أَنَّهُ عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ.
(قَوْلُهُ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ) أَقُولُ: الْحُكْمُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا لَا يُنَاسِبُ مَا مَرَّ آنِفًا فِي عُنْوَانِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ، وَلَا مَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ جَائِرَةٌ وَبِدُونِ الثُّلُثِ مُسْتَحَبَّةٌ إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ فَتَرْكُ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى، فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ جَائِزَةٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُوَجَّهَ قَوْلُهُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ غَايَةَ أَمْرِهَا الِاسْتِحْبَابُ دُونَ الْوُجُوبِ لَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّهَا لَا تَصِلُ إلَى مَرْتَبَةِ الْوُجُوبِ بَلْ قُصَارَى أَمْرِهَا الِاسْتِحْبَابُ، لَكِنْ يُرَدُّ
[ ١٠ / ٤١٣ ]
وَفِي شَرْعِ الْوَصِيَّةِ ذَلِكَ فَشَرَعْنَاهُ، وَمِثْلُهُ فِي الْإِجَارَةِ بَيَّنَّاهُ، وَقَدْ تَبْقَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي قَدْرِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ، وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَالسُّنَّةُ وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ
عَلَيْهِ النَّقْضُ بِالْوَصِيَّةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ الَّتِي فَرَّطَ فِيهَا، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي التَّبْيِينِ، قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ: قَوْلُهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَرِثُونَ فَرْضٌ، وَلِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ ثَرْوَةٌ وَيَسَارٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ وَالْمَكْتُوبُ عَلَيْنَا فَرْضٌ، وَلَمَّا لَمْ يُفْهَمْ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ نَفْيِ الْوُجُوبِ لِجَوَازِ الْإِبَاحَةِ قَالَ: وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِي قَوْلِهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا يَرِثُونَ فَرْضٌ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْفَرْضَ غَيْرُ الْوَاجِبِ عِنْدَنَا، إذْ الْفَرْضُ مَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَالْوَاجِبُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ غَيْرَ وَاجِبَةٍ كَوْنُهَا غَيْرَ فَرْضٍ فَكَيْفَ يَحْصُلُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضٌ فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّدَّ لِقَوْلِ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ. ثُمَّ إنَّ فِي أُسْلُوبِ تَحْرِيرِهِ سَمَاجَةً ظَاهِرَةً إذْ الظَّاهِرُ مِنْ تَأْخِيرِ قَوْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ إلَخْ عَنْ مَجْمُوعِ الْقَوْلَيْنِ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ دَلِيلًا عَلَيْهِمَا، بَلْ الْمُتَبَادَرُ أَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قُرْبَتِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَأَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي، وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ وَإِنْ شَارَكَهُ فِي تَأْخِيرِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَنْ مَجْمُوعِ الْقَوْلَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ بَعْدَهُ مِنْ السُّنَّةِ حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ ﵊ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ الْوَصِيَّةَ فِيهِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» انْتَهَى.
فَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ دَلِيلًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَالدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْغَايَةِ فَقَدْ قَصَرَ الذِّكْرَ عَلَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ فَقَصَرَ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْجَوَابَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ دَلِيلَيْ الْخَصْمَيْنِ مُسْتَقْصًى وَمُسْتَوْفًى فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا عَلَيْنَا أَنْ لَا نَذْكُرَهُ هَاهُنَا.
(قَوْلُهُ وَقَدْ تَبْقَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي قَدْرِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَقَدْ تَبْقَى الْمَالِكِيَّةُ بَعْدَ الْمَوْتِ جَوَابٌ عَنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ، وَاقْتَفَى أَثَرَهُ الشَّارِحُ الْعَيْنِيُّ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَا يَصْلُحُ الْجَوَابُ عَنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ بِمُجَرَّدِ بَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي وَجْهِ الْقِيَاسِ: وَلَوْ أُضِيفَ إلَى حَالِ قِيَامِهَا بِأَنْ قَالَ مَلَّكْتُك غَدًا كَانَ بَاطِلًا فَهَذَا أَوْلَى، فَاللَّازِمُ مِنْ بَقَاءِ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ انْتِفَاءُ أَوْلَوِيَّةِ الْبُطْلَانِ لَا انْتِفَاءُ نَفْسِ الْبُطْلَانِ فَلَا يُجْدِي نَفْعًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُتَمَحَّلَ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَى كَوْنِهِ جَوَابًا عَنْ وَجْهِ الْقِيَاسِ مُجَرَّدُ تَضَمُّنِهِ قَدْحَ مُقَدِّمَةٍ مَذْكُورَةٍ فِيهِ وَهِيَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى حَالِ زَوَالِ مَالِكِيَّتِهِ لَا كَوْنُهُ جَوَابًا قَاطِعًا لَهُ عَنْ عِرْقِهِ. وَالْأَوْجُهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مُجَرَّدَ تَتْمِيمٍ لِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي تَجْوِيزِ تَمْلِيكٍ مُضَافٍ إلَى حَالِ زَوَالِ الْمَالِكِيَّةِ نَوْعُ اسْتِبْعَادٍ لِكَوْنِ التَّمْلِيكِ فَرْعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ تَدَارَكَ دَفْعَهُ بِأَنْ قَالَ: إنَّ الْمَالِكِيَّةَ لَا تَزُولُ عَنْ الْإِنْسَانِ بِالْكُلِّيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، بَلْ تَبْقَى مَالِكِيَّتُهُ بَعْدَهُ فِي حَقِّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَمَا فِي قَدْرِ التَّجْهِيزِ وَالدَّيْنِ وَمِنْهُ الْوَصِيَّةُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ.
(قَوْلُهُ وَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَلَى نَسْخِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ
[ ١٠ / ٤١٤ ]
تَضَعُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ» أَوْ قَالَ «حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ. ثُمَّ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِمَا رَوَيْنَا، وَسَنُبَيِّنُ مَا هُوَ الْأَفْضَلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ (وَلَا تَجُوزُ) (بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَ مَا نَفَى وَصِيَّتَهُ
الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي أُصُولِهِ، وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي التَّقْرِيرِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الْمَوَارِيثَ عَلَى وَصِيَّةٍ نَكِرَةٍ، وَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى كَانَتْ مَعْهُودَةً فَإِنَّهَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ بَاقِيَةً مَعَ الْمِيرَاثِ لَرَتَّبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ عَلَيْهَا وَبَيَّنَ بِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ بَعْدَ الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ، لِأَنَّ الْمَحِلَّ مَحِلُّ بَيَانِ مَا فُرِضَ لِلْوَالِدَيْنِ، وَحَيْثُ رَتَّبَهَا عَلَى وَصِيَّةٍ مُنَكَّرَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ الْمَفْرُوضَةَ لَمْ تَبْقَ لَازِمَةً بَلْ بَعْدَ أَيِّ وَصِيَّةٍ كَانَتْ نَصِيبُهُمَا ذَلِكَ الْمِقْدَارُ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَإِذَا اُنْتُسِخَ الْوُجُوبُ اُنْتُسِخَ الْجَوَازُ عِنْدَنَا انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ الْأُولَى لَمْ تَبْقَ لَازِمَةً، فَإِنَّ الْمَوَارِيثَ وَإِنْ لَمْ تُرَتَّبْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى الْمَعْهُودَةُ لَكِنَّهَا رُتِّبَتْ عَلَى وَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ حَيْثُ قِيلَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ فَدَخَلَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى أَيْضًا تَحْتَ إطْلَاقِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ الْمُنَكَّرَةِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ انْتِفَاءُ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى حَتَّى يَلْزَمَ انْتِسَاخُ الْآيَةِ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَفَائِدَةُ تَرْتِيبِ الْمَوَارِيثِ عَلَى الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ دُونَ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى الْمَعْهُودَةِ فَقَطْ إفَادَةُ تَأَخُّرِ الْمَوَارِيثِ عَنْ الْوَصِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ، وَعَنْ هَذَا أَوْرَدَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى مَنْ قَالَ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ فَنُسِخَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ بِأَنْ قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَا تُعَارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا انْتَهَى.
ثُمَّ إنْ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ رَدَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ " لَرَتَّبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ عَلَيْهَا " فِي قَوْلِهِ فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ بَاقِيَةً مَعَ الْمِيرَاثِ لَرَتَّبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ عَلَيْهَا حَيْثُ قَالَ: وَلَعَلَّ هُنَا سَهْوًا، وَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ لِرُتْبَةٍ عَلَيْهَا انْتَهَى. أَقُولُ: إنَّمَا السَّاهِي نَفْسُهُ، لِأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ لَرَتَّبَ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ هُوَ الْمِيرَاثُ، وَمُرَادُهُ بِالْوَصِيَّةِ هُنَا وَصِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا وَصِيَّةُ الْعِبَادِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ الْمِيرَاثِ بِالْوَصِيَّةِ تَأَسِّيًا بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ يَأْمُرُكُمْ وَيَعْهَدُ إلَيْكُمْ فِي شَأْنِ مِيرَاثِهِمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ تِلْكَ الْآيَةِ ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ سَهْوٌ بَلْ كَانَ فِيهَا لَطَافَةٌ وَحُسْنٌ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَمَا نَفَى وَصِيَّتَهُ بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَرَاحَةً، وَقَوْلُهُ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» إلَخْ وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَبَقِيَ مَا فَوْقَهُ
[ ١٠ / ٤١٥ ]
بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ، وَلِأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الزَّوَالِ إلَيْهِمْ وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَالِ فَأَوْجَبَ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ، إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُظْهِرْهُ فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ بِقَدْرِ الثُّلُثِ لِيَتَدَارَكَ مَصِيرَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، وَأَظْهَرَهُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ تَحَرُّزًا عَمَّا يَتَّفِقُ مِنْ الْإِيثَارِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ
عَلَى الْأَصْلِ لَكِنْ لَا بِطَرِيقِ الصَّرَاحَةِ وَلِهَذَا اُسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِهَذَا دُونَ ذَاكَ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ هَذَا بِسَدِيدٍ، إذْ لَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» إلَخْ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَا صَرَاحَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا دَلَالَةً لِأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا كَمَا عُرِفَ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ. فَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَعَدَمُ جَوَازِهَا مَسْكُوتٌ عَنْهُمَا بِالنَّظَرِ إلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ» إلَخْ وَإِنَّ دَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَلَا وَجْهَ لِتَعْلِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَبَقِيَ مَا فَوْقَهُ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنَّ بَقَاءَ مَا فَوْقَهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ لَيْسَ بِمَدْلُولِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ فَلَا مَجَالَ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ: إلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نَفْيُ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ وَإِثْبَاتُ جَوَازِهَا بِالثُّلُثِ لَا يَدُلُّ صَرَاحَةً عَلَى نَفْيِ جَوَازِهَا بِمَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ، فَالرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ ضَرُورِيٌّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ أَيْضًا انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ نَفْيَ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ وَإِثْبَاتَ جَوَازِهَا بِالثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ جَوَازِهَا بِمَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «الثُّلُثُ كَثِيرٌ»: بَعْدَ إثْبَاتِ جَوَازِهَا بِالثُّلُثِ بِقَوْلِهِ الثُّلُثَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْطِ الثُّلُثَ أَوْ أَوْصِ الثُّلُثَ، أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ: أَيْ الثُّلُثُ كَافٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ مَحْذُوفُ الْفِعْلِ: أَيْ يَكْفِيك الثُّلُثُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ لَا يَجُوزُ التَّجَاوُزُ عَنْهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ بَعْدَ قَوْلِهِ الثُّلُثُ سِوَى نَفْيِ جَوَازِ التَّجَاوُزِ عَنْ الثُّلُثِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ حَيْثُ قَالَ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ ﵁ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» بَعْدَ نَفْيِ وَصِيَّتِهِ بِالْكُلِّ وَالنِّصْفِ، وَلَمْ يَقُلْ لِحَدِيثِ سَعْدٍ، فَقَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ فَالرُّجُوعُ إلَى الْأَصْلِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ ضَرُورِيٌّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ سَعْدٍ أَيْضًا مَمْنُوعٌ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ وَهَذَا لِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ الزَّوَالِ إلَيْهِمْ وَهُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَالِ فَأَوْجَبَ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ) وَأَوْضَحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي بِأَنْ قَالَ: وَلِأَنَّهُ انْعَقَدَ سَبَبُ زَوَالِ أَمْلَاكِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ الْمَوْتِ وَبِالْمَوْتِ يَزُولُ مِلْكُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ، وَلَوْ تَحَقَّقَ السَّبَبُ لَزَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ ثَبَتَ ضَرْبُ حَقِّ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي هَذَا التَّعْلِيلِ قُصُورٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا وَقَعَتْ وَصِيَّتُهُ حَالَ مَرَضِهِ لَا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ حَالَ صِحَّتِهِ، إذْ لَا يَنْعَقِدُ سَبَبُ الزَّوَالِ إلَيْهِمْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ لِعَدَمِ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ مَالِهِ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، فَلَا تُوجِبُ وَصِيَّتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِهِ، فَالْأَوْلَى فِي تَعْلِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَالِ إيجَابُ
[ ١٠ / ٤١٦ ]
«الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ وَبِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.
قَالَ (إلَّا أَنَّ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ كِبَارٌ) لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ وَهُمْ أَسْقَطُوهُ (وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِجَازَتِهِمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ) لِأَنَّهَا قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ إذْ الْحَقُّ يَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشٍ.
الْمِلْكِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْمَوْتِ حَقُّ الْوَرَثَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِهِ إلَّا فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، فَالْوَصِيَّةُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ تَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّهِمْ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ إجَازَتِهِمْ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إيجَابٌ مُضَافٌ إلَى زَمَانِ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ الْمَوْتِ لَا وَقْتُ وُجُودِ الْكَلَامِ، إلَى هُنَا لَفْظُهُ تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُمْ كِبَارٌ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ: أَرَادَ لَا تَجُوزُ فِي حَقِّ الْفَضْلِ عَلَى الثُّلُثِ بَلْ فِي حَقِّ الثُّلُثِ فَقَطْ، لَا أَنَّهُ لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَصْلًا. وَقَالَ هُنَا: فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَجُوزُ إعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَبِأَيِّ تَوْجِيهٍ أَمْكَنَ ذَلِكَ حَتَّى جَازَتْ فِي الثُّلُثِ وَبَطَلَتْ فِي الْفَضْلِ إنْ رَدُّوا؟ قُلْت: يَجْعَلُهُ فِي حُكْمِ وَصَايَا مُتَعَدِّدَةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ مَثَلًا قَوْلُهُ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثَيْ مَالِي فِي قُوَّةٍ أَوْصَيْت لَهُ بِثُلُثِهِ وَثُلُثُهُ الْآخَرُ، وَيُجْعَلَ قَوْلُهُ أَوْصَيْت لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَدْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ أَوْصَيْت لَهُ بِثَمَانِيَةِ آلَافٍ وَبِأَلْفَيْنِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ صِيَانَةً لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ إلْغَائِهِ مَا أَمْكَنَ، وَحَذَرًا عَنْ إبْطَالِ حَقٍّ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِعَقْدٍ صَدَرَ عَنْ عَاقِلٍ بِلَفْظٍ يَجُوزُ تَصْحِيحُهُ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ فَتَدَبَّرْ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يُهِمُّ فَهْمُهُ انْتَهَى.
أَقُولُ: حَسِبَ أَنَّهُ أَتَى بِأَمْرٍ مُهِمٍّ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ مَعْنَى الْمَقَامِ، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ إنَّمَا ارْتَكَبَ شَطَطًا، فَإِنَّ صِحَّةَ بَعْضِ أَجْزَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَفَسَادَ بَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ لَيْسَ بِمُسْتَبْعَدٍ لَا بِحَسَبِ الْعَقْلِ وَلَا بِحَسَبِ الْفِقْهِ؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا جُمِعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ فِي بَيْعٍ بِصَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جُمِعَ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ فِيهِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَفَسَدَ فِيمَا ضُمَّ إلَيْهِ مِنْ الْمُدَبَّرِ أَوْ الْمُكَاتَبِ أَوْ أُمِّ الْوَلَدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ بِقَدْرِ الْمُفْسِدِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْآخَرِ، وَكَذَا الْحَالُ فِيمَا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَأُخْتِهَا فِي النِّكَاحِ، وَالْمَحْذُورُ بِحَسَبِ الْعَقْلِ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ مَحِلُّ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَاحِدًا، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا بِأَنْ كَانَ مَحِلُّ الصِّحَّةِ بَعْضًا مِنْ شَيْءٍ ذِي أَجْزَاءٍ وَمَحِلُّ الْفَسَادِ بَعْضًا آخَرَ مِنْهُ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ عَقْلًا أَصْلًا، فَلَا وَلِجَعْلِ وَصِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمِ وَصَايَا مُتَعَدِّدَةٍ بِلَا أَمْرٍ دَاعٍ إلَيْهِ، وَصِيَانَةُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالْحَذَرُ عَنْ إبْطَالِ حَقٍّ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِعَقْدٍ صَدَرَ عَنْ عَاقِلٍ مِمَّا لَا يَدْعُو إلَيْهِ أَصْلًا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ إلْغَاءَ الْوَصِيَّةِ فِيمَا فَضَلَ عَنْ الثُّلُثِ إذَا رَدَّهُ الْوَرَثَةُ، وَإِثْبَاتُهَا فِي مِقْدَارِ الثُّلُثِ ضَرُورِيٌّ عَلَى مُقْتَضَى الشَّرَهِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ وَصِيَّةً بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بِكَلَامٍ وَاحِدٍ فِي حُكْمِ وَصَايَا مُتَعَدِّدَةٍ أَوْ أُبْقِيَتْ عَلَى حَالِهَا الظَّاهِرَةِ مِنْ كَلَامِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْبَعْضُ هُنَا أَمْرٌ وَهْمِيٌّ لَا أَصْلَ لَهُ كَمَا تَرَى.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ السَّاقِطَ مُتَلَاشٍ) قَالَ الشُّرَّاحُ قَاطِبَةً: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَتَقْرِيرُهُ لِأَنَّ إجَازَتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ سَاقِطَةً لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا مَحِلَّهَا وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ فَإِجَازَتُهُمْ مُتَلَاشِيَةٌ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا بَعْدَ الْمَوْتِ مَا أَجَازُوهُ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَأَنْ يُقَالَ: إنَّ إجَازَتَهُمْ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ سَاقِطَةٌ، لِأَنَّ إجَازَتَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا قَبْلُ وَبَيَّنَهُ، وَالسُّقُوطُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا لَهُ ثُبُوتٌ وَاعْتِبَارٌ فِي الْأَصْلِ لَكِنْ زَالَ ذَلِكَ لِدَاعٍ؛ أَلَّا يُرَى أَنَّهُ لَا يُقَالُ سَقَطَ حَقُّ غَيْرِ الْوَارِثِ عَنْ مَالِ الْمُورِثِ بَلْ يُقَالُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّهُ أَصْلًا. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَدَلِيلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ تَعْلِيلًا لِمَا ذَكَرُوهُ بِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى مَعَ دَلِيلِهَا وَهِيَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى عَنْهُ رَكَاكَتُهُ وَبُعْدُهُ عَنْ شَأْنِ الْمُصَنِّفِ، وَالْحَقُّ عِنْدِي
[ ١٠ / ٤١٧ ]
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُسْتَنَد عِنْدَ الْإِجَازَةِ، لَكِنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى، وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْحَقِّ،
أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ هَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ قُبَيْلَهُ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ: يَعْنِي أَنَّ إجَازَتَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِمْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالسَّاقِطُ مُتَلَاشٍ لَا يَعُودُ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَسْتَنِدُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ) وَفِي بَعْضِ النَّسْخِ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ (لَكِنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى) هَذَا جَوَابٌ عَنْ شُبْهَةٍ تَرِدُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ، وَهِيَ أَنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْمَوْتِ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ، فَبِالْمَوْتِ يَظْهَرُ أَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْمَوْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِيرَ إجَازَتُهُمْ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ بِمَنْزِلَةِ إجَازَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَبَبِ الِاسْتِنَادِ. فَأَجَابَ بِأَنَّ الِاسْتِنَادَ. إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْمَوْقُوفَةِ إذَا لَحِقَتْهَا الْإِجَازَةُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَائِمًا، وَكَثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمَغْصُوبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، وَهَذَا أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْإِجَازَةِ فِي حَالِ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى لِكَوْنِهِ لَغْوًا وَقْتَئِذٍ فَلَمْ يَكُنْ قَائِمًا فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الِاسْتِنَادِ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ، وَإِلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ كَمَا فَصَّلَ فِي النِّهَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي تَقْرِيرِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ هُنَا: فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُصَادَفَةِ الْمَحِلِّ فَإِنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ ثَبَتَ فِي مَالِ الْمُوَرِّثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ حَتَّى مُنِعَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثَيْنِ، فَلَمَّا مَاتَ ظَهَرَ أَنَّهَا صَادَفَتْ مَحِلَّهَا فَصَارَتْ كَإِجَازَتِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بِسَبَبِ الِاسْتِنَادِ.
أَجَابَ بِقَوْلِهِ غَايَةُ الْأَمْرِ: يَعْنِي أَنَّ حَقَّهُمْ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ لَكِنَّ الِاسْتِنَادَ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ يَعْنِي كَمَا فِي الْعُقُودِ الْمَوْقُوفَةِ إذَا لَحِقَتْهَا الْإِجَازَةُ، وَكَثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْغَصْبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهِمَا مُسْتَنِدًا إلَى أَوَّلِ الْعَقْدِ وَالْغَصْبِ، وَهَذَا يَعْنِي مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْإِجَازَةِ قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى حِينَ وَقَعَ إذْ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلَّهُ فَلَا يَلْحَقُهَا الِاسْتِنَادُ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ تَقْرِيرِ السُّؤَالِ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُصَادَفَةِ الْمَحِلِّ وَاسْتَنَدَ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِنَّ حَقَّ الْوَرَثَةِ ثَبَتَ فِي مَالِ الْمُوَرِّثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ حَتَّى مُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثَيْنِ.
وَقَالَ فِي آخِرِ تَقْرِيرِ الْجَوَابِ تَعْلِيلًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَهَذَا قَدْ مَضَى وَتَلَاشَى إذْ لَمْ يُصَادِفْ مَحِلَّهُ، وَعَدَمُ مُصَادِفَتِهِ الْمَحِلَّ هُوَ الَّذِي قَدْ كَانَ مُنِعَ فِي أَوَّلِ السُّؤَالِ فَخَتْمُ الْجَوَابِ بِهِ مُصَادَرَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْحَقِيقَةَ تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْحَقِّ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ آنِفًا مِنْ قَوْلِهِ إذْ الْحَقُّ يَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ، إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى. أَقُولُ: مَنْشَأُ تَوَهُّمِ الْمُخَالَفَةِ الْغُفُولُ عَنْ قَيْدِ مُجَرَّدٍ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُجَامِعُ الْحَقِيقَةَ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُوَرِّثِ فِي الثُّلُثَيْنِ قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ قَبْلُ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ حَقُّ الْوَرَثَةِ إلَى آخِرِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ فِي قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ آنِفًا، إذْ الْحَقُّ يَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ هُوَ الْحَقُّ الْمَجَامِعُ لِلْحَقِيقَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ أَصْلًا. وَأَمَّا الْحَقُّ الثَّابِتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَ الْمَوْتِ لِكَوْنِ الِاسْتِنَادِ فَرْعَ تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ الَّتِي تَثْبُتُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى
[ ١٠ / ٤١٨ ]
فَلَوْ اسْتَنَدَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَنْقَلِبُ حَقِيقَةً قَبْلَهُ، وَالرِّضَا بِبُطْلَانِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ رِضًا بِبُطْلَانِ الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ وَأَجَازَهُ الْبَقِيَّةُ فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَبْلَهُ يَثْبُتُ مُجَرَّدُ الْحَقِّ، بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ بِالنَّظَرِ إلَى رَبْطِ مَا بَعْدَهُ بِهِ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ الصَّادِقِ.
(قَوْلُهُ فَلَوْ اسْتَنَدَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَانْقَلَبَ حَقِيقَةً قَبْلَهُ) يَعْنِي لَوْ اسْتَنَدَ مِلْكُ الْوَرَثَةِ إلَى أَوَّلِ الْمَرَضِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَانْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً قَبْلَ الْمَوْتِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِاسْتِلْزَامِهِ وُقُوعَ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ. قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ دَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَقُولُ: حَقُّ الْوَرَثَةِ يَتَعَلَّقُ بِمَالِ الْمُوَرِّثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ حَتَّى مَنَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ تَصَرُّفَ الْمُوَرِّثِ فِي الثُّلُثَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ إسْقَاطِهِمْ بِالْإِجَازَةِ أَيْضًا. وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا لَانْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ لَا يَجُوزُ لِمَا مَرَّ انْتَهَى.
أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ اسْتِلْزَامَ أَنْ يُظْهِرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ فِي حَقِّ إسْقَاطِهِمْ بِالْإِجَازَةِ أَيْضًا انْقِلَابَ الْحَقِّ حَقِيقَةً أَصْلًا فَضْلًا عَنْ اسْتِلْزَامِهِ انْقِلَابَهُ إيَّاهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِجَوَازِ أَنْ يُظْهِرَ أَثَرُ ذَلِكَ التَّعَلُّقِ مُجَرَّدَ تَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَالِ الْمُوَرِّثِ مِنْ أَوَّلِ الْمَرَضِ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَعًا بِدُونِ أَنْ يَنْقَلِبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً أَصْلًا، إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ لُزُومَ ذَلِكَ الِانْقِلَابِ لَيْسَ بِبَدِيهِيٍّ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ، وَلِهَذَا وَقَعَ عَلَى اعْتِبَارِ إجَازَتِهِمْ قَبْلَ الْمَوْتِ أَيْضًا اجْتِهَادُ مَالِكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمْ كَمَا ذَكَرُوا.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: الْوَارِثُ إذَا عَفَا عَنْ جَارِحِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ الِاسْتِنَادِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَلْبُ الْحَقِّ حَقِيقَةً، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْقَلْبُ مَانِعًا. أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الْقَلْبَ مَانِعٌ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّبَبُ وَالْجُرْحُ سَبَبُ الْمَوْتِ وَقَدْ تَحَقَّقَ بِخِلَافِ الْإِجَازَةِ، فَإِنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ ثَمَّةَ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ
[ ١٠ / ٤١٩ ]
وَكُلُّ مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ قِبَلِ الْوَارِثِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا لِأَنَّ السَّبَبَ صَدَرَ مِنْ الْمُوصِي، وَالْإِجَازَةُ رَفْعُ الْمَانِعِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبْضُ فَصَارَ كَالْمُرْتَهَنِ إذَا أَجَازَ بَيْعَ الرَّاهِنِ.
وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ، فَقَبْلَ الِاتِّصَالِ لَوْ انْقَلَبَ الْحَقُّ حَقِيقَةً وَقَعَ الْحُكْمُ قَبْلَ السَّبَبِ وَهُوَ بَاطِلٌ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ نُبْطِلَ الْعَفْوَ عَنْ الْجَارِحِ نَظَرًا إلَى عَدَمِ الْحَقِيقَةِ، وَإِمَّا أَنْ نُجِيزَ الْإِجَازَةَ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْحَقِّ، وَفِي ذَلِكَ إبْطَالٌ لِأَحَدِهِمَا، فَقُلْنَا: لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ نَظَرًا إلَى انْتِفَاءِ الْحَقِيقَةِ وَجَازَ الْعَفْوُ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْحَقِّ، وَلَمْ يُعْكَسْ لِكَوْنِ الْعَفْوِ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَخْ مُفَرَّعًا عَلَى مَا قَبْلَهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِمَّا أَنْ نُجِيزَ الْإِجَازَةَ نَظَرًا إلَى وُجُودِ الْحَقِّ مِمَّا لَا مَجَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ فِيمَا قَبْلُ أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ انْقِلَابَ الْحَقِّ حَقِيقَةً، وَأَنَّ انْقِلَابَ الْحَقِّ حَقِيقَةً مَانِعٌ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّبَبُ لِاسْتِلْزَامِهِ وُقُوعَ الْحُكْمِ قَبْلَ السَّبَبِ، وَإِنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي صُورَةِ الْإِجَازَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَمْ يُعْكَسْ لِكَوْنِ الْعَفْوِ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ غَيْرَ تَامٍّ لِاقْتِضَائِهِ جَوَازَ الْعَكْسِ لَوْلَا كَوْنُ الْعَفْوِ مَطْلُوبَ الْحُصُولِ، مَعَ أَنَّ مَا قَرَّرَهُ فِيمَا قَبْلُ وَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ يَمْنَعَانِ جَوَازَ ذَلِكَ أَصْلًا. وَبِالْجُمْلَةِ لَا مَجَالَ لِرَبْطِ قَوْلِهِ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَخْ بِمَا ذَكَرَهُ نَفْسُهُ فِيمَا قَبْلَهُ بَلْ بِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا، فَالْوَجْهُ تَرْكُ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءُ فِي الْجَوَابِ عَنْ النَّقْضِ بِصِحَّةِ عَفْوِ الْوَارِثِ عَنْ جَارِحِ أَبِيهِ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ بِمَا ذَكَرَهُ قَبْلَهُ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ. ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ وَمَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ بِأَنْ قَالَ: وَكَذَا السَّبَبُ الْجُرْحُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ فَلَا فَرْقَ. وَقَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَخْ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ كَلَامَيْهِ بِمُسْتَقِيمٍ. أَمَّا نَقْضُهُ بِالْجُرْحِ فَلِأَنَّ الْجُرْحَ فِعْلٌ وَاحِدٌ صَادِرٌ عَنْ الْجَارِحِ لَا تَكَرُّرَ فِيهِ إلَى أَنْ يَمُوتَ الْمَجْرُوحُ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُرْحُ الْمُتَّصِلُ بِالْمَوْتِ، بَلْ إنَّمَا السَّبَبُ هُوَ الْجُرْحُ الْوَاحِدُ الصَّادِرُ عَنْ الْجَارِحِ، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا وَغَيْرَ قَاتِلٍ، وَبِالْمَوْتِ يَظْهَرُ أَنَّهُ قَاتِلٌ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ حَالَةٌ انْفِعَالِيَّةٌ تَتَكَرَّرُ وَتَتَجَدَّدُ إلَى الْمَوْتِ، فَالْقَاتِلُ مِنْهَا هِيَ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالْمَوْتِ فَهِيَ السَّبَبُ لِلْمَوْتِ فَافْتَرَقَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلِذَلِكَ قَالَ فَنَحْنُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَخْ فَلِأَنَّ فَاءَ التَّفْرِيعِ تُنَافِي ذَلِكَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دِرَايَةٌ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ.
(قَوْلُهُ وَكُلُّ مَا جَازَ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُجَازُ لَهُ مِنْ قِبَلِ الْمُوصِي عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ قِبَلِ الْوَارِثِ)
[ ١٠ / ٤٢٠ ]
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاتِلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُبَاشِرًا) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ» وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَحْرُمُ الْوَصِيَّةُ كَمَا يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:
قَالَ صَاحِبَا النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ: وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ بِنَفْسِ الْمَوْتِ صَارَ قَدْرُ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الْمَالِ مَمْلُوكًا لِلْوَارِثِ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ مِنْ غَيْرِ قَبُولِهِ وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، فَإِجَازَتُهُ تَكُونُ إخْرَاجًا عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَذَلِكَ هِبَةٌ لَا تَتِمُّ بِالْقَبْضِ انْتَهَى. وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي أَيْضًا. أَقُولُ: قَدْ قَصَّرُوا فِي تَقْرِيرِ وَجْهِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ حَيْثُ قَيَّدُوا الْمَالَ الَّذِي صَارَ مَمْلُوكًا لِلْوَارِثِ بِنَفْسِ الْمَوْتِ بِقَدْرِ الثُّلُثَيْنِ فَلَزِمَ أَنْ لَا يَتَمَشَّى فِيمَا إذَا كَانَ مَا أَجَازَهُ الْوَارِثُ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الثُّلُثِ أَوْ كَانَ قَدْرَ الثُّلُثِ كَمَا فِي صُورَةِ إجَازَتِهِ الْوَصِيَّةَ لِوَارِثٍ أَوْ قَاتِلٍ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بِالثُّلُثِ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي كُلِّيَّةِ مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مَعَ عَدَمِ جَرَيَانِ مَا ذَكَرُوا مِنْ الدَّلِيلِ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا كَمَا تَرَى. فَالْأَوْلَى فِي بَيَانِ وَجْهِ الشَّافِعِيِّ هُنَا مَا ذَكَرَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ أَبْطَلَ الْوَصِيَّةَ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْوَارِثِ وَلِلْقَاتِلِ وَالْإِجَازَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْبَاطِلِ فَتَكُونُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ اهـ فَإِنَّهُ يَعُمُّ الْكُلَّ ثُمَّ إنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُنَا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ.
(قَوْلُهُ وَلَا تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ عَامِدًا كَانَ أَوْ خَاطِئًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُبَاشِرًا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا وَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ») أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا يُعَارِضُهُ إطْلَاقُ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وَعُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ تَضَعُونَهَا حَيْثُ شِئْتُمْ» أَوْ قَالَ «حَيْثُ أَحْبَبْتُمْ» كَمَا مَرَّ. ثُمَّ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قَبِيلِ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُقَيِّدًا لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ قَطُّ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَإِنْ صَلَحَ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَ ثُبُوتِ تَأَخُّرِ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ وُرُودِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَهُوَ لَيْسَ بِثَابِتٍ قَطُّ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَتَعَارَضَا وَيَتَسَاقَطَا فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَحِلِّهِ، فَمِنْ أَيْنَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: قَالَ مَالِكٌ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِلْقَاتِلِ، وَاحْتَجَّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا وَصِيَّةَ لِقَاتِلٍ» وَهَذَا نَصٌّ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» ذِكْرُ شَيْءٍ نَكِرَةً فِي مَحِلِّ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الْمِيرَاثَ وَالْوَصِيَّةَ جَمِيعًا، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَاتِلَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومَاتِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي مِنْ أَيْنَ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَاتِلَ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومَاتِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ، وَمِنْ شَرْطِ التَّخْصِيصِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعَامِّ فِي الْوُرُودِ وَهُوَ لَمْ يَثْبُتْ قَطُّ، وَلَوْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ، وَمِنْ الدَّلَائِلِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ لِجَوَازِ الْوَصِيَّةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَغَيْرِهِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا عَرَفْته فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَاتِلُ مَخْصُوصًا مِنْهُ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيُحَرِّمُ الْوَصِيَّةَ كَمَا يُحَرِّمُ الْمِيرَاثَ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: وَرُدَّ بِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ حِرْمَانَ الْقَاتِلِ عَنْ الْمِيرَاثِ بِسَبَبِ مُغَايَظَةِ الْوَرَثَةِ مُقَاسَمَةَ قَاتِلِ أَبِيهِمْ فِي تَرِكَتِهِ وَالْمُوصَى لَهُ
[ ١٠ / ٤٢١ ]
تَجُوزُ لِلْقَاتِلِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ ثُمَّ إنَّهُ قَتَلَ الْمُوصِيَ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَبْطُلُ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلَيْنِ مَا بَيَّنَّاهُ (وَلَوْ أَجَازَتْهَا الْوَرَثَةُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ،
يُشَارِكُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَجَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَالْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ غَيْرُ مُلْتَزَمٌ انْتَهَى. أَقُولُ: لَا الرَّدُّ شَيْءٌ وَلَا الْجَوَابُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ لَا يَدُلُّ عَلَى قِيَاسِ الْحِرْمَانِ مِنْ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا عَلَى الْحِرْمَانِ مِنْ الْمِيرَاثِ حَتَّى يُرَدَّ بِأَنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَزْبُورَتَيْنِ، بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى قِيَاسِ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنْ الْوَصِيَّةِ عَلَى حِرْمَانِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ لِعِلَّةِ الِاسْتِعْجَالِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ وَهُوَ الْقَتْلُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي صُورَتَيْ الرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ فَلَا يَجْرِي هَذَا الْقِيَاسُ فِيهِمَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ كَوْنَ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ عَنْ الْمِيرَاثِ بِسَبَبِ مُغَايَظَةِ الْوَرَثَةِ مُقَاسَمَةَ قَاتِلِ مُوَرِّثِهِمْ فِي تَرِكَتِهِ مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَرِثَ الْقَاتِلُ عِنْدَ إجَازَةِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ إيَّاهُ وَتَرْكِهِمْ الْمُغَايَظَةَ، كَمَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ لَا يُحْرَمَ الْقَاتِلُ عَنْ الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ وَارِثٌ غَيْرُ الْقَاتِلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا.
وَالْحَقُّ أَنَّ سَبَبَ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ عَنْ الْمِيرَاثِ صُدُورُ جِنَايَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْهُ وَهِيَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي الْعُقُوبَةَ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّرْعُ حِرْمَانَهُ عَنْ الْمِيرَاثِ، وَالْقَاتِلُ الْمُوصَى لَهُ يُشَارِكُهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَجَازَ قِيَاسُ حِرْمَانِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ عَلَى حِرْمَانِهِ عَنْ الْمِيرَاثِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَعْنِي اسْتَعْجَلَهُ بِارْتِكَابِ جِنَايَةٍ عَظِيمَةٍ فَيُحْرَمُ الْوَصِيَّةَ كَمَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَلِأَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ حَقٍّ جِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ فَيَسْتَدْعِي الزَّجْرَ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ. وَحِرْمَانُ الْوَصِيَّةِ يَصْلُحُ زَاجِرًا كَحِرْمَانِ الْمِيرَاثِ فَيَثْبُتُ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَلَعَلَّ التَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ كَوْنِهِ قِيَاسًا عَلَى طَرِيقَتِنَا عَسِرٌ جِدًّا وَسُلُوكُ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَسْهَلُ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ فِي الْمَنْطُوقِ مُتَحَقِّقًا فِي الْمُلْحَقِ بِالدَّلَالَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ أَوْ التَّسَاوِي، وَتَحَقُّقُ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْمَذْكُورِ مَمْنُوعٌ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى لِحِرْمَانِ الْقَاتِلِ عَنْ الْمِيرَاثِ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَكَسَّرُ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَصْلًا وَلِهَذَا لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ سَوَاءٌ أَجَازَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ لَمْ تُجِزْهُ بِخِلَافِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضَى لِحِرْمَانِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ فَإِنَّهُ يَتَغَيَّرُ وَيَتَكَسَّرُ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَلِهَذَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ عِنْدَهُمَا إذَا أَجَازَتْهَا الْوَرَثَةُ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ فَكَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ أَقْوَى مِنْهُ فِي حَقِّ الْوَصِيَّةِ عِنْدَهُمَا فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ طَرِيقِ الدَّلَالَةِ فِي شَأْنِ الْوَصِيَّةِ عَلَى أَصْلِهِمَا ثُمَّ أَقُولُ: هَاهُنَا احْتِمَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ " كَمَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ " الْقِيَاسَ الْفِقْهِيَّ وَلَا الْإِلْحَاقَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ بَلْ كَانَ مُرَادُهُ بِهِ مُجَرَّدَ التَّنْظِيرِ وَالتَّشْبِيهِ،
[ ١٠ / ٤٢٢ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَجُوزُ) لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بَاقِيَةٌ وَالِامْتِنَاعُ لِأَجْلِهَا.
وَلَهُمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُودُ إلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَهَا لِلْقَاتِلِ كَمَا لَا يَرْضَوْنَهَا لِأَحَدِهِمْ. قَالَ (وَلَا تَجُوزُ لِوَارِثِهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَلِأَنَّهُ يَتَأَذَّى الْبَعْضُ بِإِيثَارِ الْبَعْضِ فَفِي تَجْوِيزِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَحُكْمُهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ كَمَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ لَتَمَّ دَلِيلُهُ الْعَقْلِيُّ بِلَا احْتِيَاجٍ إلَيْهِ فَإِنَّ اسْتِعْجَالَ الْقَاتِلِ مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى جُرْمٌ عَظِيمٌ يَسْتَدْعِي حِرْمَانَهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اسْتِدْعَائِهِ حِرْمَانَهُ عَنْ الْمِيرَاثِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَوَهَّمُ الرَّدُّ الْمَذْكُورُ أَصْلًا وَتَسْقُطُ الْكَلِمَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ بِحَذَافِيرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُود إلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ الْمِيرَاثِ) أَقُولُ: أَرَى دَلِيلَهُمَا هَذَا ضَعِيفًا جِدًّا، فَإِنَّ قَوْلَهُ إنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا مَرَّ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْ تَعَلُّقَ حَقِّهِمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ وَلِهَذَا جَازَتْ الْوَصِيَّةُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِلْأَجَانِبِ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهَا الْوَرَثَةُ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَمْ تُجَزْ الْوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ لِلْقَاتِلِ بِدُونِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الِامْتِنَاعُ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ أَيْضًا لِحَقِّهِمْ. ثُمَّ إنَّ تَعْلِيلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ نَفْعَ بُطْلَانِهَا يَعُودُ إلَيْهِمْ كَنَفْعِ بُطْلَانِ الْمِيرَاثِ لَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ عَوْدِ نَفْعِ بُطْلَانِهَا إلَيْهِمْ لَوْ اقْتَضَى كَوْنَ الِامْتِنَاعِ فِي الْوَصِيَّةِ لِحَقِّهِمْ لَاقْتَضَى كَوْنَهُ فِي الْإِرْثِ أَيْضًا لِحَقِّهِمْ، فَلَزِمَ أَنْ يَجُوزَ إرْثُ الْقَاتِلِ أَيْضًا بِإِجَازَتِهِمْ عِنْدَهُمَا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِيرَاثِ إذَا أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ حَيْثُ صَحَّتْ فِي الْوَصِيَّةِ دُونَ الْمِيرَاثِ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَصَرُّفٌ مِنْ الْعَبْدِ فَتُعْمَلُ فِيمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ وَالْوَصِيَّةُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَتُعْمَلُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَلَا يُعْمَلُ فِيهِ تَصَرُّفُ الْعَبْدِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا لَيْسَ فِي نَفْسِ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ حَتَّى يَتِمَّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَحَدَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ وَالْآخَرَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، بَلْ إنَّمَا الْكَلَامُ هُنَا فِي أَنَّ حِرْمَانَ الْقَاتِلِ عَنْ الْوَصِيَّةِ كَحِرْمَانِهِ عَنْ الْمِيرَاثِ أَوْ لَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حِرْمَانِهِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَحِرْمَانِهِ عَنْ الْمِيرَاثِ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ نَظَرًا إلَى دَلِيلِهِمَا، وَفِي كَوْنِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ نَظَرًا إلَى صُدُورِ سَبَبِهِمَا وَهُوَ الْقَتْلُ عَنْ الْعَبْدِ، فَمَا مَعْنَى أَنْ تُعْمَلَ الْإِجَازَةُ الَّتِي هِيَ تَصَرُّفٌ مِنْ الْعَبْدِ فِي ارْتِفَاعِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إنَّ الْمِيرَاثَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِدُونِ صُنْعِ الْعَبْدِ إلَّا أَنَّ حِرْمَانَ الْقَاتِلِ عَنْهُ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ حَيْثُ بَاشَرَ الْقَتْلَ، فَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا مَانِعًا عَنْ مِيرَاثِهِ مِنْ الْمَقْتُولِ فَلِمَ لَا تَجُوزُ أَنْ تُعْمَلَ الْإِجَازَةُ فِي رَفْعِ هَذَا الْمَانِعِ الَّذِي كَانَ مِنْ جِهَتِهِ وَبِصُنْعِهِ.
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ حَيْفٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِيمَنْ خَصَّصَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ انْتَهَى. أَقُولُ: هَذَا خَبْطٌ ظَاهِرٌ مِنْ الشَّارِحِ الْمَزْبُورِ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ ذِكْرُ حَدِيثٍ فِي حَقِّ مَنْ خَصَّصَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ، بَلْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ ثَمَّةَ ذِكْرُ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ قَطُّ فَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِهَا هَاهُنَا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ هُنَا بِقَوْلِهِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِيمَا مَضَى عَنْ قَرِيبٍ بِقَوْلِهِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «الْحَيْفُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» وَفَسَّرُوهُ بِالزِّيَادَةِ
[ ١٠ / ٤٢٣ ]
وَالْهِبَةُ مِنْ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ فِي هَذَا نَظِيرُ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ حُكْمًا حَتَّى تَنْفُذَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْحَالِ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ.
عَلَى الثُّلُثِ وَبِالْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: أَيْ عَلَى عَكْسِ الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: أَيْ عَلَى عَكْسِ الْوَصِيَّةِ بِتَأْوِيلِ الْإِيصَاءِ أَوْ الْمَذْكُورِ. وَرَدَّ عَلَيْهِ التَّأْوِيلَ الثَّانِيَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنْ قَالَ: الْوَصِيَّةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ بِالْهَاءِ لَا الْمَذْكُورُ فَالْأَوْلَى أَوْ مَا ذَكَرَ انْتَهَى. أَقُولُ: رَدُّهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ هِيَ الْمَذْكُورَةَ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ لَا الْمَذْكُورَ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ حَرْفَ تَعْرِيفٍ. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَدَبِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَازِنِيِّ مِنْ عَامَّةِ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ اسْمٌ مَوْصُولٌ لَا حَرْفُ تَعْرِيفٍ وَصِلَتُهُ اسْمُ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ، فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ لَفْظُ الْمَذْكُورِ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرَ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ إلَى الْمَوْصُولِ الَّذِي هُوَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، وَلَا يَلْزَمُ إلْحَاقُ تَاءِ التَّأْنِيثِ بِصِلَتِهِ لِعَدَمِ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ فِي لَفْظِ ذَلِكَ الْمَوْصُولِ، فَإِنَّهُ فِي اللَّفْظِ مُفْرَدٌ مُذَكَّرٌ صَالِحٌ لِلْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ وَالْمُؤَنَّثِ أَيْضًا كَكَلِمَةِ " مَا " وَكَلِمَةِ " مَنْ " كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
نَعَمْ يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِذَلِكَ هُنَا وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، لَكِنَّ الْأَمْرَ فِي كَلِمَةِ مَا أَيْضًا كَذَلِكَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَذْكُورِ وَمَا ذُكِرَ فِي جَوَازِ تَذْكِيرِ الصِّلَةِ نَظَرًا إلَى لَفْظِ الْمَوْصُولِ وَجَوَازِ تَأْنِيثِهَا نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِالْمَوْصُولِ. وَعَنْ هَذَا تَرَى ثِقَاتِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُؤَوِّلُونَ الْمُؤَنَّثَ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ أَوْ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الْمُذَكَّرِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ كُتُبِ عِلْمِ الْبَلَاغَةِ بَلْ فِي التَّفَاسِيرِ أَيْضًا بِالْمَذْكُورِ كَمَا يُؤَوِّلُونَهَا بِمَا ذُكِرَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ
[ ١٠ / ٤٢٤ ]
قَالَ (إلَّا أَنْ تُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ) وَيُرْوَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِحَقِّهِمْ فَتَجُوزُ بِإِجَازَتِهِمْ؛
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ فِي أَمْثَالِ هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُقَالَ بِتَأَوُّلِ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ الْمَوْصُوفُ الْمُذَكَّرُ كَانَ الْأَمْرُ أَسْهَلَ وَيَرْتَفِعُ الِاشْتِبَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ. ثُمَّ إنَّ الشُّرَّاحَ قَاطِبَةً قَالُوا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ: أَيْ يُعْتَبَرُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ وَقْتُ الْإِقْرَارِ لَا وَقْتُ الْمَوْتِ.
وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ اعْتِبَارَ وَقْتِ الْإِقْرَارِ دُونَ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ ذَلِكَ إذَا كَانَ كَوْنُهُ وَارِثًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ كَوْنُهُ وَارِثًا بِسَبَبٍ كَانَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا وَقْتَ الْمَوْتِ أَيْضًا، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَرِيضٍ أَقَرَّ لِابْنِهِ الْعَبْدِ فَأُعْتِقَ فَمَاتَ الْأَبُ حَيْثُ صَحَّ الْإِقْرَارُ لِأَنَّ وِرَاثَتَهُ تَثْبُتُ بِسَبَبٍ حَادِثٍ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وَقَبْلَهُ كَانَ عَبْدًا وَكَسْبُ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ، فَهَذَا الْإِقْرَارُ فِي الْمَعْنَى حَصَلَ لِلْمَوْلَى وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ فَلَا يَبْطُلُ بِصَيْرُورَةِ الِابْنِ وَارِثًا بِسَبَبٍ حَادِثٍ.
وَلَوْ أَقَرَّ لِأَخِيهِ وَلَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ قَبْلَهُ حَتَّى صَارَ الْأَخُ وَارِثًا بَطَلَ إقْرَارُهُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَارِثًا بِسَبَبٍ قَائِمٍ وَقْتَ الْإِقْرَارِ تَبَيَّنَ أَنَّ إقْرَارَهُ حَصَلَ لِوَارِثِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ، هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَزْبُورِ: وَأَرَى أَنَّ إطْلَاقَ الْمُصَنِّفِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ التَّطْوِيلِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ: يُعْتَبَرُ فِي إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِوَارِثِهِ كَوْنُهُ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ، وَالْعَبْدُ لَيْسَ بِوَارِثٍ عِنْدَ الْإِقْرَارِ لِكَوْنِهِ مَحْرُومًا فَلَا يَكُونُ إقْرَارٌ لِلْوَارِثِ وَكَلَامُنَا فِيهِ وَالْأَخُ لَيْسَ بِمَحْرُومٍ فَيَكُونُ وَارِثًا عِنْدَ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا وَالْإِقْرَارُ لِلْوَارِثِ بَاطِلٌ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَدَارَ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَارِثِ مَا يَعُمُّ الْمَحْجُوبَ وَيُقَابِلُ الْمَحْرُومَ، وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ بِالْوَارِثِ هُنَا ذَلِكَ لَكَانَ مُرَادُهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْمَوْتِ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ قَوْلُهُ وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ، فَإِنَّ أَمْرَ الِانْعِكَاسِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْمُرَادِ بِالْوَارِثِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْوَارِثِ هُنَاكَ أَيْضًا ذَلِكَ لَفَسَدَ الْمَعْنَى، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إذَا كَانَ مَحْجُوبًا عَنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَطْعًا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ، وَنَقَلَهُ الشُّرَّاحُ بِأَسْرِهِمْ عَنْهُ مِنْ قَبْلُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ وَلَهُ ابْنٌ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ أَثْلَاثًا لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الِابْنِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ مَكَانَ الِابْنِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَالْأَخِ لِأُمٍّ، وَبَطَلَتْ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ لِأَنَّهُ يَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنٌ وَلَا بِنْتٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْأَخِ لِأَبٍ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ، وَبَطَلَتْ لِلْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَلِلْأَخِ لِأُمٍّ لِأَنَّهُمَا يَرِثَانِهِ انْتَهَى.
فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَارِثِ هُنَا مَا ثَبَتَ لَهُ الْإِرْثُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَحْرُومًا وَلَا مَحْجُوبًا فَاحْتِيجَ إلَى التَّقْيِيدِ فِي صُورَةِ الْإِقْرَارِ بِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْغَايَةِ رَدَّ عَلَى صَاحِبِ النِّهَايَةِ هُنَا بِوَجْهٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: وَذُكِرَ فِي وَصَايَا الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: لَوْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَقَرَّ لِابْنِهِ بِدَيْنٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَبْدٌ ثُمَّ أَسْلَمَ الِابْنُ أَوْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ فَالْإِقْرَارُ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ كَانَ سَبَبُ التُّهْمَةِ بَيْنَهُمَا قَائِمًا وَهُوَ الْقَرَابَةُ الَّتِي صَارَ بِهَا وَارِثًا فِي ثَانِي الْحَالِ. ثُمَّ قَالَ: فَعَنْ هَذَا عَرَفْت أَنَّ مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي شَرْحِهِ سَهْوٌ مِنْهُ لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: أَقَرَّ لِابْنِهِ بِدَيْنِ عَبْدٍ ثُمَّ أُعْتِقَ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَهُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ فَإِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ جَائِزٌ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ، فَهَذَا الْإِقْرَارُ حَصَلَ مِنْ الْمَرِيضِ فِي الْمَعْنَى لِلْمَوْلَى وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْهُ اهـ.
أَقُولُ: السَّاهِي هُنَا صَاحِبُ الْغَايَةِ نَفْسُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي نَسَبَ السَّهْوَ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي فَصْلِ اعْتِبَارِ حَالَةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ بَابِ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ فِيمَا سَيَأْتِي، وَاعْتَرَفَ صَاحِبُ الْغَايَةِ أَيْضًا ثَمَّةَ بِأَنَّ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، فَمَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ لَا يَصِحُّ لَعَلَّهُ غُفُولٌ عَنْ ذَلِكَ وَسَهْوٌ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا لَا يَخْفَى.
نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ هُنَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ وَصَايَا الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ السَّهْوُ، فَإِنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ هُنَا عَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ، وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ بِعَزِيزٍ فِي كَلِمَاتِ الثِّقَاتِ. ثُمَّ إنَّ تَاجَ الشَّرِيعَةِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ
[ ١٠ / ٤٢٥ ]
وَلَوْ أَجَازَ بَعْضٌ وَرَدَّ بَعْضٌ تَجُوزُ عَلَى الْمُجِيزِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ وَبَطَلَ فِي حَقِّ الرَّادِّ.
قَالَ (وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ وَالْكَافِرُ لِلْمُسْلِمِ) فَالْأُولَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةَ. وَالثَّانِي لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِهَذَا جَازَ التَّبَرُّعُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ (وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بَاطِلَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الْآيَةَ.
وَإِقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ عَلَى عَكْسِهِ " بِقَوْلِهِ: أَيْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا وَغَيْرَ وَارِثٍ وَقْتَ الْإِقْرَارِ لَا زَمَانَ الْمَوْتِ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ وَارِثًا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا زَمَانَ الْمَوْتِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ الْإِقْرَارِ وَارِثًا صَحَّ الْإِقْرَارُ وَإِنْ صَارَ وَارِثًا زَمَانَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إيجَابٌ فِي الْحَالِ وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْحَالِ وَيَصِحُّ رَدُّهُ فِي الْحَالِ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْإِقْرَارِ وَارِثًا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثًا زَمَانَ الْمَوْتِ مِمَّا يُنَافِيهِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ فِي فَصْلِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ مِنْ كِتَابِ الْإِقْرَارِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا بِأَنْ أَقَرَّ الْأَخُ لَهُ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ صَحَّ إقْرَارُهُ انْتَهَى. ثُمَّ إنَّ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا كَلِمَاتٌ مُفَصَّلَةٌ غَيْرُ خَالِيَةٍ عَنْ الِاخْتِلَالِ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِهَا تَرَكْنَا ذِكْرَهَا وَبَيَانَ اخْتِلَالِهَا مَخَافَةً مِنْ الْإِطْنَابِ الْمُمِلِّ.
(قَوْلُهُ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: أَرَادَ بِهِ الذِّمِّيَّ بِدَلِيلِ التَّعْلِيلِ، وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بَاطِلَةٌ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ لَفْظُ الْقُدُورِيِّ وَالتَّعْلِيلُ وَرِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إنَّمَا هُمَا مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ الْقُدُورِيِّ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ دُونَ مُطْلَقِ الْكَافِرِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِهِ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْحَرْبِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ هُوَ الْحَرْبِيُّ الْغَيْرُ الْمُسْتَأْمَنِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْجَامِعِ هَكَذَا الْوَصِيَّةُ لِحَرْبِيٍّ هُوَ فِي دَارِهِمْ بَاطِلَةٌ كَمَا ذَكَرَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ فَبَقِيَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ خَارِجًا عَنْ مَسْأَلَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، فَكَيْفَ تَكُونُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْمُرَادِ بِالْكَافِرِ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ هُوَ الذِّمِّيُّ دُونَ مَا يَعُمُّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمَنَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِلذِّمِّيِّ. نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اخْتِصَاصُ التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِالذِّمِّيِّ دَلِيلًا عَلَى حَمْلِ الْمُصَنِّفِ مُرَادَ الْقُدُورِيِّ بِالْكَافِرِ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْقُدُورِيِّ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ هُوَ الذِّمِّيُّ. وَأَمَّا ذِكْرُ الْمُصَنِّفِ رِوَايَةَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْحَرْبِيِّ الْغَيْرِ الْمُسْتَأْمَنِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حَمْلِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا إيَّاهُ عَلَى الذِّمِّيِّ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الْوَصِيَّةُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بَاطِلَةٌ) قَالَ شُرَّاحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ، فَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ، وَإِنْ فُعِلَ جَازَ وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ انْتَهَى.
[ ١٠ / ٤٢٦ ]
قَالَ (وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ قَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ رَدَّهَا فَذَلِكَ بَاطِلٌ) لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ قَبْلَهُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ قَبْلَ الْعَقْدِ.
قَالَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الثُّلُثِ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ، لِأَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، بِخِلَافِ اسْتِكْمَالِ الثُّلُثِ،
وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ صَاحِبُ الْكَافِي وَشُرَّاحُ هَذَا الْكِتَابِ. أَقُولُ: وَالْإِنْصَافُ أَنَّ لَفْظَةَ بَاطِلَةٍ فِي عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِمَّا يَأْبَى التَّوْفِيقُ الْمَذْكُورُ جِدًّا، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْبَاطِلَ مِنْ الْعُقُودِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، بِخِلَافِ الْفَاسِدِ مِنْهَا فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْقَبْضِ، فَلَوْ كَانَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَامِعِ لَفْظَةَ فَاسِدَةٍ بَدَلَ لَفْظَةِ بَاطِلَةٍ لَكَانَ لِذَلِكَ التَّوْفِيقِ وَجْهٌ وَلَيْسَ فَلَيْسَ. ثُمَّ أَقُولُ: لَعَلَّ الْحَقَّ هُنَا رَأْيُ صَاحِبِ الْمُحِيطِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ قَوْلَهُمْ ذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ، بَلْ نَقَلَ مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَاسْتُنْبِطَ مِنْهُ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ قَالُوا: وَذَكَرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ لِلْحَرْبِيِّ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ: مِنْهُمْ مَنْ وَفَّقَ بَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ فَقَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ لِلْحَرْبِيِّ كَمَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ لَوْ فَعَلَ جَازَتْ وَثَبَتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ كَمَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، هَكَذَا قَالُوا. وَالْمَذْكُورُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْحَرْبِيِّ بَاطِلَةٌ، وَالصُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ ثَمَّةَ لَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ لِحَرْبِيٍّ وَالْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا تَجُوزُ فَإِنْ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ الْمُوصَى لَهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ وَأَرَادَ أَخْذَ وَصِيَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَإِنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ وَقَعَتْ بِصِفَةِ الْبُطْلَانِ فَلَا تُعْمَلُ إجَازَةُ الْوَرَثَةِ فِيهَا، فَقَدْ نَصَّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَنَصَّ عَلَى الْبُطْلَانِ فِي الْفَرْعِ وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِهَا، إلَى هُنَا لَفْظُ الْمُحِيطِ فَتَأَمَّلْ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ وَالْغُرَرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ التَّوْفِيقَ الْمَارَّ الذِّكْرِ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ وَعَزَاهُ إلَى الْكَافِي وَالنِّهَايَةِ قَالَ: أَقُولُ لَا يَخْفَى بَعْدَهُ، بَلْ وَجْهُ التَّوْفِيقِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ فِي دَارِهِمْ فَإِنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ حَرْبِيٍّ لَيْسَ فِي دَارِهِمْ وَهُوَ الْمُسْتَأْمَنُ، فَإِنَّ الْحَرْبِيَّ مَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مِمَّنْ يُقَاتِلُنَا بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمَنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِمَّا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: هَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ، فَإِنَّ لَفْظَ السِّيَرِ الْكَبِيرِ عَلَى مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ: لَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ لِحَرْبِيٍّ وَالْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَجُوزُ انْتَهَى، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْمَنُ هُوَ الْمُرَادَ مِمَّا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
(قَوْلُهُ وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنْ قَبِلَهَا الْمُوصَى لَهُ حَالَ الْحَيَاةِ أَوْ رَدَّهَا فَذَلِكَ بَاطِلٌ) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَخْفَى أَنَّ بَيَانَ وَقْتِ الْقَبُولِ حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى بَيَانِ وُجُوبِ الْقَبُولِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ قَوْلُهُ فَالْوَصِيُّ بِهِ يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ عَلَى قَوْلِهِ وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا مَسْأَلَةُ اسْتِحْبَابِ الْوَصِيَّةِ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ اهـ. أَقُولُ: خَبَطَ ذَلِكَ الْقَائِلُ فِي تَحْرِيرِهِ هَذَا خَبْطَ عَشْوَاءَ، لِأَنَّ بَيَانَ وَقْتِ الْقَبُولِ إنْ كَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى بَيَانِ وُجُوبِ الْقَبُولِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ فَالْمُوصَى بِهِ يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ عَلَى قَوْلِهِ وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ مَا حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ وَهُوَ بَيَانُ وَقْتِ الْقَبُولِ عَلَى مُقْتَضَى صَرِيحِ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَنْبَغِي عَكْسَ مَا ذَكَرَهُ وَذَلِكَ عَيْنُ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: لَا يَخْفَى أَنَّ بَيَانَ وُجُوبِ الْقَبُولِ حَقُّهُ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى بَيَانِ وَقْتِ الْقَبُولِ فَخَبَطَ فِي تَحْرِيرِهِ حَيْثُ عَكَسَ الْأَمْرَ.
(قَوْلُهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الثُّلُثِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ، لِأَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِ مَالِهِ عَلَيْهِمْ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ الْقَرِيبِ كَذَلِكَ فِي التَّكْمِيلِ
[ ١٠ / ٤٢٧ ]
لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ تَمَامِ حَقِّهِ فَلَا صِلَةَ وَلَا مِنَّةَ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْلَى أَمْ تَرْكُهَا؟ قَالُوا: إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ.
وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» وَلِأَنَّ فِيهِ رِعَايَةَ حَقِّ الْفُقَرَاءِ وَالْقَرَابَةِ جَمِيعًا،
صَدَقَةٌ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَفِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ كَانَتْ الصِّلَةُ لَهُمْ هِبَةً مِنْهُمْ، فَالصَّدَقَةُ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ كَمَا سَيَجِيءُ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي تَعْلِيلِ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ بِدُونِ الثُّلُثِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّكْمِيلُ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ التَّنْقِيصِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ فَمَا وَجْهُ التَّعْمِيمِ هُنَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ فِي التَّنْقِيصِ أَصْلَ صِلَةِ الْقَرِيبِ لَا زِيَادَتَهَا، وَفِي التَّكْمِيلِ زِيَادَةُ الصَّدَقَةِ لَا أَصْلُهَا لِتَحَقُّقِ أَصْلِهَا بِمَا دُونَ الثُّلُثِ بِدُونِ التَّكْمِيلِ، فَفِي اخْتِيَارِ التَّكْمِيلِ تَفْوِيتُ صِلَةِ الْقَرِيبِ عَنْ أَصْلِهَا: أَيْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي التَّنْقِيصِ تَفْوِيتُ الصَّدَقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ فِيهِ تَفْوِيتُ بَعْضِهَا، فَكَانَ فِي اخْتِيَارِ التَّنْقِيصِ الْعَمَلُ بِالْفَضِيلَتَيْنِ مَعًا فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ وَفَضِيلَةِ صِلَةِ الْقَرِيبِ، وَفِي اخْتِيَارِ التَّكْمِيلِ الْعَمَلُ بِفَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ وَهِيَ فَضِيلَةُ الصَّدَقَةِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مَعًا أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا فَقَطْ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْلَى أَمْ تَرْكُهَا) أَقُولُ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ حُكِمَ فِيمَا مَرَّ آنِفًا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِدُونِ الثُّلُثِ مُسْتَحَبَّةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ فُقَرَاءَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ الَّذِي كَانَ فِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ فَمَا مَعْنَى التَّرْدِيدِ هُنَا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ أَوْلَى أَمْ تَرْكُهَا وَالتَّفْصِيلُ بِقَوْلِهِ قَالُوا إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ إلَخْ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ بِدُونِ الثُّلُثِ لَيْسَ بِنَاظِرٍ إلَى قَوْلِهِ أَنْ يُوصِيَ الْإِنْسَانُ بَلْ إلَى قَوْلِهِ بِدُونِ الثُّلُثِ: أَيْ مَصَبُّ الْإِفَادَةِ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ قَيْدُهُ لَا نَفْسُهُ، فَمَآلُ مَعْنَاهُ إلَى أَنَّ التَّنْقِيصَ عَنْ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا، وَهَذَا إنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّنْقِيصُ مِنْ الثُّلُثِ فِي الْوَصِيَّةِ أَوْلَى مِنْ التَّكْمِيلِ مُطْلَقًا وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ: لِأَنَّ فِي التَّنْقِيصِ صِلَةَ الْقَرِيبِ بِتَرْكِ مَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْوَصِيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْلَى مِنْ التَّنْقِيصِ عَنْ الثُّلُثِ أَيْضًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ بِمَا قَالُوا: إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ وَلَا يَسْتَغْنُونَ بِمَا يَرِثُونَ فَتَرْكُهَا بِالْكُلِّيَّةِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى، فَلَمْ يَكُنْ تَرْدِيدُهُ وَتَفْصِيلُهُ هَاهُنَا مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ آنِفًا، بَلْ كَانَ بِمُلَاحَظَةِ ذَلِكَ وَرِعَايَتِهِ عَلَى حَالِهِ، هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ هَذَا الْمَقَامُ.
(قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ، وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ») وَالْكَاشِحُ: الْعَدُوُّ الَّذِي أَبْدَى كَشْحَهُ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَةِ إلَى الضِّلْعِ. وَقِيلَ الْكَاشِحُ: هُوَ الَّذِي أَضْمَرَ الْعَدَاوَةَ فِي كَشْحِهِ. وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذَا التَّصَدُّقَ أَفْضَلَ لِأَنَّ فِي التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ مُخَالَفَةَ النَّفْسِ وَقَهْرَهَا، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا. أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ حِينَئِذٍ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ لَا عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وَقَدْ تَنَبَّهَ لَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَفِي بِتَمَامِ الْمُدَّعَى وَلِذَلِكَ لَمْ يُصَدِّرْهُ بِأَدَاةِ التَّعْلِيلِ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يُصَدِّرْهُ بِأَدَاةِ التَّعْلِيلِ لَا يُجْدِي نَفْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ هُنَا سَوَاءٌ صَدَّرَهُ بِأَدَاةِ التَّعْلِيلِ أَوْ لَمْ يُصَدِّرهُ بِهَا، وَلِهَذَا صَدَّرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي بِاللَّامِ حَيْثُ قَالَ: لِقَوْلِهِ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَأَنَّهُ قَصَدَ دَفْعَ ذَلِكَ الْقُصُورِ وَإِصْلَاحَ الْمَقَامِ فَقَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى الْقَرِيبِ: هَذَا قِيَاسٌ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كُبْرَاهُ مَطْوِيَّةٌ وَهِيَ وَكُلُّ صَدَقَةٍ عَلَى الْقَرِيبِ أَوْلَى مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِ أُقِيمَ دَلِيلُهَا مَقَامَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَدْ قَالَ ﵊ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ»
[ ١٠ / ٤٢٨ ]
وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ صَدَقَةً عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَالتَّرْكُ هِبَةٌ مِنْ الْقَرِيبِ وَالْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ فِي هَذَا الْوَجْهِ يُخَيَّرُ لِاشْتِمَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى فَضِيلَةٍ وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالصِّلَةُ فَيُخَيِّرُ بَيْنَ الْخَيْرَيْنِ. قَالَ (وَالْمُوصَى بِهِ يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ) خِلَافًا لِزُفَرَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. هُوَ يَقُولُ: الْوَصِيَّةُ أُخْتُ الْمِيرَاثِ، إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا خِلَافَةٌ لِمَا أَنَّهُ انْتِقَالٌ، ثُمَّ الْإِرْثُ يَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ.
وَلَنَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ إثْبَاتُ مِلْكٍ جَدِيدٍ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْبِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ إلَّا بِقَبُولِهِ، أَمَّا الْوِرَاثَةُ فَخِلَافَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ فِيهَا هَذِهِ الْأَحْكَامُ فَيَثْبُتُ جَبْرًا مِنْ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ.
قَالَ (إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي ثُمَّ يَمُوتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ فَيَدْخُلُ الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ وَرَثَتِهِ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْقَبُولِ فَصَارَ كَمَوْتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ قَبُولِهِ بَعْدَ إيجَابِ الْبَائِعِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مِنْ جَانِبِ الْمُوصِي قَدْ تَمَّتْ بِمَوْتِهِ تَمَامًا لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَتْ لِحَقِّ الْمُوصَى لَهُ، فَإِذَا مَاتَ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ الْخِيَارُ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ.
فَإِنَّهُ بِصَرِيحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي رَحِمٍ كَاشِحٍ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي رَحِمٍ غَيْرِ كَاشِحٍ. وَتَخْصِيصُ الْكَاشِحِ بِذِي الرَّحِمِ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ أَيْضًا بِتَامٍّ فَإِنَّا إنْ أَغْمَضْنَا عَنْ مَنْعِ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ بِصَرِيحِهِ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ كَاشِحٍ مِنْ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي رَحِمٍ غَيْرِ كَاشِحٍ نَمْنَعُ جِدًّا قَوْلَهُ وَتَخْصِيصُ الْكَاشِحِ بِذِي الرَّحِمِ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ عَلَى غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْكَاشِحِ بِذِي الرَّحِمِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلتَّصَدُّقِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ تَأْثِيرٌ فِي أَفْضَلِيَّةِ الصَّدَقَةِ، كَمَا أَنَّ لِكَوْنِهِ كَاشِحًا تَأْثِيرًا فِيهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ التَّصَدُّقُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْغَيْرِ الْكَاشِحِ أَفْضَلَ مِنْ التَّصَدُّقِ عَلَى غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ، لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا انْتِفَاءَ أَحَدِ سَبَبَيْ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُسْتَفَادَيْنِ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَفْضَلِيَّةُ أَحَدِهِمَا تَأَمَّلْ تَقِفْ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ صَدَقَةً عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَالتَّرْكُ هِبَةٌ مِنْ الْقَرِيبِ وَالْأُولَى أَوْلَى) أَقُولُ: لِمَانِعٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْوَصِيَّةِ صَدَقَةً عَلَى الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا، إذْ الْأَجْنَبِيُّ الْمُوصَى لَهُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا أَيْضًا فَلَمْ يَثْبُت أَوْلَوِيَّةُ الْوَصِيَّةِ مِنْ تَرْكِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ أَوْ يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْبِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: صُورَةُ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَرِيضُ شَيْئًا وَيُوصِيَ بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ الْمُوصَى لَهُ يَجِدُهُ مَعِيبًا فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ. وَصُورَةُ الثَّانِي أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ وَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا لَا يَرُدُّهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ انْتَهَى. أَقُولُ: فِي تَصْوِيرِ الثَّانِي بِمَا ذَكَرَ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُوصِيَ إذَا بَاعَ شَيْئًا مِنْ الْمُوصَى بِهِ يَصِيرُ رَاجِعًا عَنْ وَصِيَّتِهِ كَمَا سَيَجِيءُ تَفْصِيلُهُ عَنْ قَرِيبٍ،
[ ١٠ / ٤٢٩ ]
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ) لِأَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ الْحَاجَتَيْنِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ، وَأَبَدًا يُبْدَأْ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ. (إلَّا أَنْ يُبَرِّئَهُ الْغُرَمَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ الدَّيْنُ فَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْحَدِّ الْمَشْرُوعِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا.
قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَصِحُّ إذَا كَانَ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ وَصِيَّةَ يَفَاعٍ أَوْ يَافَاعٍ وَهُوَ الَّذِي رَاهَقَ الْحُلُمَ، وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى، وَلَوْ لَمْ تَنْفُذْ يَبْقَى عَلَى غَيْرِهِ.
وَلَنَا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَلْزُومٍ وَفِي تَصْحِيحِ وَصِيَّتِهِ قَوْلٌ بِإِلْزَامِ قَوْلِهِ وَالْأَثَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْحُلُمِ مَجَازًا أَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا،
فَفِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ يَكُونُ عَدَمُ ثُبُوتِ وِلَايَةِ رَدِّ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُوصِي عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْعَيْبِ لِرُجُوعِ الْمُوصِي عَنْ وَصِيَّةِ مَا بَاعَهُ مِنْ التَّرِكَةِ بِبَيْعِهِ وَعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ بِذَلِكَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ لَا لِكَوْنِ الْوَصِيَّةِ إثْبَاتَ مِلْكٍ جَدِيدٍ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَوْصَى وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ الْحَاجَتَيْنِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ وَالْوَصِيَّةُ تَبَرُّعٌ) أَقُولُ: هَذَا التَّعْلِيلُ مَنْقُوضٌ بِالْوَصِيَّةِ بِنَحْوِ الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ. فَالْأَوْلَى فِي التَّعْلِيلِ الْبَسْطُ بِأَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ وَأَدَاؤُهُ فَرْضٌ، وَالْوَصِيَّةُ تَكُونُ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ فِي الْغَالِبِ وَقَدْ تَكُونُ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِأَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ ﷾ الْفَائِتَةِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَيًّا مَا كَانَ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَيْهَا. أَمَّا فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ لِأَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ فَرْضٌ وَالْفَرْضُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّبَرُّعِ لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا فِي الشِّقِّ الثَّانِي فَلِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّ الْعَبْدِ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اجْتَمَعَا لِاحْتِيَاجِ الْعَبْدِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا عُرِفَ فِي مَحِلِّهِ.
(قَوْلُهُ وَالْأَثَرُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْحُلُمِ مَجَازًا) يَعْنِي كَانَ بَالِغًا لَمْ يَمْضِ عَلَى بُلُوغِهِ زَمَانٌ كَثِيرٌ، وَمِثْلُهُ يُسَمَّى يَافِعًا مَجَازًا تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا (أَوْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَنَا) قَالَ صَاحِبُ الْغَايَةِ: وَفِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي، لِأَنَّهُ صَرَّحَ الرَّاوِي بِأَنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ فَكَيْفَ يُسَمَّى ذَلِكَ وَصِيَّةً بِتَجْهِيزِ نَفْسِهِ، وَكَيْفَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ كَانَ أَدْرَكَ لَكِنْ سُمِّيَ غُلَامًا مَجَازًا لِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ انْتَهَى. وَرَدَّ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ حَاصِلَ نَظَرِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ صَحَّ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ وَأَنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّأْوِيلُ بِكَوْنِهِ يَافِعًا مَجَازًا أَوْ يَكُونُ الْوَصِيَّةُ فِي التَّجْهِيزِ وَأَمْرِ الدَّفْنِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ غُلَامًا لَمْ يَحْتَلِمْ مَعْنَى الْيَافِعِ حَقِيقَةً فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَقَلَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ الْجَوَابُ
[ ١٠ / ٤٣٠ ]
وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ بِالتَّرْكِ عَلَى وَرَثَتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي النَّفْعِ وَالضَّرَرِ النَّظَرُ إلَى أَوْضَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لَا إلَى مَا يَتَّفِقُ بِحُكْمِ الْحَالِ اعْتَبَرَهُ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَلَا وَصِيَّهُ وَإِنْ كَانَ يَتَّفِقُ نَافِعًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَكَذَا إذَا أَوْصَى ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ الْإِدْرَاكِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ وَقْتَ الْمُبَاشَرَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا أَدْرَكْت فَثُلُثُ مَالِي لِفُلَانٍ وَصِيَّةً لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ فَلَا يَمْلِكُهُ تَنْجِيزًا وَتَعْلِيقًا كَمَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ،
بِسَدِيدٍ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَفْظُ الْيَافِعِ فِي الْأَثَرِ الْمَزْبُورِ مَجَازًا عَمَّنْ كَانَ بَالِغًا لَمْ يَمْضِ عَلَى بُلُوغِهِ زَمَانٌ كَثِيرٌ كَانَ مَعْنَى الْيَافِعِ حَقِيقَةً غَيْرَ مُرَادٍ فِي ذَلِكَ الْأَثَرِ بَلْ غَيْرَ وَاقِعٍ فِي أَصْلِ الْقِصَّةِ، فَلَوْ كَانَ الرَّاوِي نَقَلَهُ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لَزِمَ أَنْ يَكْذِبَ فِي نَقْلِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ وَقَوْلُهُ " إنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ " مَمْنُوعٌ جِدًّا، فَإِنَّ مَعْنَى أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ مَلَّكَهُ إيَّاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ لَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَرْوِيُّ فِي الْأَثَرِ أَنَّهُ أَوْصَى إلَى ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِكَلِمَةِ " إلَى " بَدَلَ كَلِمَةِ " اللَّامِ " لَمْ يَلْزَمْ التَّنَافِي، لِأَنَّ مَعْنَى أَوْصَى إلَيْهِ جَعَلَهُ وَصِيًّا فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ابْنَةُ عَمِّهِ وَصِيَّتَهُ فِي تَجْهِيزِهِ وَأَمْرِ دَفْنِهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَى لِابْنَةِ عَمٍّ لَهُ بِمَالٍ لَمْ يَبْقَ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ مَجَالٌ.
(قَوْلُهُ وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ بِالتَّرْكِ عَلَى وَرَثَتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ يُحْرِزُ الثَّوَابَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى، وَقَوْلُهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ عَنْ الْقَرِيبِ إلَخْ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ إمَّا أَفْضَلِيَّةَ التَّرْكِ فِي الثَّوَابِ أَوْ تُسَاوِيهِمَا فِيهِ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَهُ لِمَا بَيَّنَّاهُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّدَقَةِ إلَى آخِرِهِ: أَيْ إلَى آخِرِ تَعْلِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ مَا يَنْتَهِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتِمَّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى فِي صُورَةِ إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ فَلَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى فِي صُورَةٍ إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ فَإِنَّهُ يُفِيدُ إمَّا أَفْضَلِيَّةَ التَّرْكِ فِي الثَّوَابِ أَوْ تُسَاوِيَهُمَا فِيهِ إذْ الْأَفْضَلِيَّةُ مُتَعَيِّنَةٌ حِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِلتَّرْدِيدِ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ إلَخْ، قَوْلُهُ وَالْمُوصَى بِهِ يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ لِتَنَاوُلِهِ صُورَةَ إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ أَيْضًا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجْرِيَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَكَلَامُ الشَّارِحِ أَيْضًا فِي صُورَةِ إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْمَذْكُورِ
[ ١٠ / ٤٣١ ]
بِخِلَافِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ لِأَنَّ أَهْلِيَّتَهُمَا مُسْتَتِمَّةٌ وَالْمَانِعُ حَقُّ الْمَوْلَى فَتَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى حَالِ سُقُوطِهِ.
قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً) لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ، وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ رَدًّا لَهَا إلَى مُكَاتَبٍ يَقُولُ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ عَتَقَ فَمَلَكَ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَعْرُوفٌ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ (وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ إذَا وُضِعَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ اسْتِخْلَافٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُ خَلِيفَةً فِي بَعْضِ مَالِهِ وَالْجَنِينُ صَلَحَ خَلِيفَةً فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي الْوَصِيَّةِ إذْ هِيَ أُخْتُهُ،
هُنَاكَ بِقِيلَ وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ أَوَّلًا وَهُوَ كَوْنُ الْوَصِيَّةِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا. وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَخْلُو الْمَقَامُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الِاخْتِلَالِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي الْعِنَايَةِ: وَفِيهِ أَنَّ التَّسَاوِيَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ كَمَا سَبَقَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْمَقْصُودِ انْتَهَى. أَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْمَقْصُودِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا أَفْضَلِيَّةَ لِلتَّرْكِ فِي صُورَةِ إنْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَغْنِيَاءَ، بَلْ الْأَفْضَلِيَّةُ فِيهَا لِلْوَصِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ أَوْ الْوَصِيَّةُ وَتَرْكُهَا سِيَّانِ فِيهَا عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ كَمَا تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُ بِصَرْفِهِ إلَى نَفْسِهِ فِي نَيْلِ الزُّلْفَى، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَهُوَ يُحْرِزُ الثَّوَابَ بِالتَّرْكِ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي صُورَةِ إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ بِالتَّشَبُّثِ إلَّا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ تُسَاوِي الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِهَا إذْ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِيهَا تَكُونُ الْوَصِيَّةُ أَفْضَلَ فَلَا يَتَيَسَّرُ إحْرَازُ الثَّوَابِ بِتَرْكِهَا فَتَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِ التَّسَاوِي لِيَتِمَّ الْجَوَابُ بِالنَّظَرِ إلَى تِلْكَ الصُّورَةِ أَيْضًا. وَعَنْ هَذَا أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى مَا فِي الْعِنَايَةِ مَا أَوْرَدَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقَدِّمَةَ الْقَائِلَةَ، لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْمَقْصُودِ حَيْثُ قَالَ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ التَّسَاوِيَ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَلِذَلِكَ الْبَعْضِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ إذَا وُضِعَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ) أَيْ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِمَا فِي بَطْنِ فُلَانَةَ وَبِالْحَمْلِ كَمَا إذَا أَوْصَى بِمَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْبَطْنِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَهُ أَوْ بِهِ بِأَنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ
[ ١٠ / ٤٣٢ ]
إلَّا أَنْ يَرْتَدَّ بِالرَّدِّ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، بِخِلَافِ الْهِبَةِ، لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مَحْضٌ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ لِيُمَلِّكَهُ شَيْئًا.
وَقْتِ الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَصَحَّحَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، أَوْ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي بِأَنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي بَابِ الْوَصَايَا وَالْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَايَةُ الْبَيَانِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الْمَقَامَ بِهَذَا الْمِنْوَالِ: أَقُولُ: لَيْسَ مَبْنَى هَذَا الِاخْتِلَافِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي فِي صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ وُجُودُ الْمُوصَى لَهُ وَبِهِ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ وُجُودِهِمَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لِاتِّفَاقِ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ لِصِحَّتِهَا وُجُودُهُمَا وَقْتَ الْمَوْتِ فَقَطْ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِمَا إذْ ذَاكَ دُونَ وَقْتِ الْإِيجَابِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ، وَسَيَجِيءُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَا تَرَكَ، وَبِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِبَنِي فُلَانٍ وَلَيْسَ لِفُلَانٍ ابْنٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ بَنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ الْمُوصِي كَانَ الثُّلُثُ لِلَّذِينَ حَدَثُوا مِنْ بَنِيهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ لَيْسَ بِذَاكَ بَلْ خُصُوصِيَّةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ اعْتَبَرَهَا الطَّحَاوِيُّ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا غَيْرُهُ، وَهِيَ أَنَّ الْمَفْهُومَ عُرْفًا وَلُغَةً إذَا قِيلَ أَوْصَيْت لِمَا فِي بَطْنِهَا بِكَذَا كَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا وَقْتَئِذٍ لِأَنَّ الْمَعْنَى لِمَا ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ فِي بَطْنِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، إلَى هُنَا كَلَامُ ذَلِكَ الْبَعْضِ.
أَقُولُ: فِيهِ اخْتِلَافٌ فَاحِشٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لِاتِّفَاقِ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ لِصِحَّتِهَا وُجُودُهُمَا وَقْتَ الْمَوْتِ فَقَطْ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا مَمْنُوعٌ، كَيْفَ وَقَدْ وُضِعَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ فَصْلٌ عَلَى حِدَةٍ لِبَيَانِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ فِي الْوَصَايَا وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ وُجُودُهُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ، وَذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُوصَى بِهِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ وُجُودُهُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ، حَتَّى إنَّ مَنْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِعَيْنٍ لَا يَمْلِكُهُ ثُمَّ مَلَكَهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، وَإِذَا كَانَ الْعَيْنُ الْمُوصَى بِهِ فِي مِلْكِ الْمُوصِي يَوْمَ الْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ ذَلِكَ الْعَيْنُ تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ، وَمَتَى كَانَ الْمُوصَى بِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ شَائِعٌ فِي بَعْضِ التَّرِكَةِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ وَتَتَعَلَّقُ الْوَصِيَّةُ بِهِ، فَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت لَك بِثُلُثِ غَنَمِي أَوْ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِي وَلَيْسَ فِي مِلْكِهِ غَنَمٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ لِلْمُوصِي أَغْنَامٌ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ لَا يَكُونُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ الْأَغْنَامِ الْحَادِثَةِ شَيْءٌ، وَمَتَى كَانَ الْمُوصَى بِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ يُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي، فَإِذَا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلَهُ مَالٌ فَهَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ وَاكْتَسَبَ مَالًا غَيْرَهُ فَإِنَّ ثُلُثَ مَالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ لِلْمُوصَى لَهُ وَلَمْ تَتَعَلَّقْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ الْمَوْجُودِ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ حَتَّى لَا تَبْطُلَ بِهَلَاكِهِ اهـ.
فَقَدْ ظَهَرَ لَك بِذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ لِصِحَّةِ الْإِيجَابِ فِي أَكْثَرِ أَقْسَامِ الْوَصَايَا وُجُودُ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا وَقْتَ الْمَوْتِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ بِاتِّفَاقِ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ لِصِحَّتِهَا وُجُودُهُمَا: أَيْ وُجُودُ الْمُوصَى لَهُ وَبِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ فَقَطْ لَا وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِمَا إذْ ذَاكَ دُونَ وَقْتِ الْإِيجَابِ لَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْوَصِيَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ وُجُودُهُمَا وَقْتَ وُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ وُجُودُهُمَا وَقْتَ تَحَقُّقِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَمِنْ هَذَا مَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ قَبْلُ، وَقَوْلُهُ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ، وَسَيَجِيءُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِثُلُثِ مَالِي وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ثُمَّ اسْتَفَادَ مَالًا كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ مَا تَرَكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ وَقْتَ الْمَوْتِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي قَوْلِهِ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي لِفُلَانٍ لَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ مُعَيَّنًا كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَغَيْرُهُ فِي شَرْحِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سَتَجِيءُ
[ ١٠ / ٤٣٣ ]
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ بِعَرْضِ الْوُجُودِ، إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُلِمَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ،
فِي الْكِتَابِ: هَذَا إذَا كَانَ الْمُوصَى بِهِ غَيْرَ مُعَيِّنٍ وَهُوَ شَائِعٌ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ كَمَا فِي اسْمِ الْمَالِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَوْعٍ مِنْ الْمَالِ فَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ، وَنَقَلُوا عَنْ الذَّخِيرَةِ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا.
وَقَوْلُهُ وَبِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِبَنِي فُلَانٍ وَلَيْسَ لِفُلَانٍ ابْنٌ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ ثُمَّ حَدَثَ لَهُ بَنُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ الْمُوصِي كَانَ الثُّلُثُ لِلَّذِينَ حَدَثُوا مِنْ بَنِيهِ لَيْسَ بِتَامٍّ، لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ هُنَاكَ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ سِيَّمَا عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، فَمِنْ أَيْنَ يَثْبُتُ الِاتِّفَاقُ بِذَلِكَ وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ: ثُمَّ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الْوَصِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْشَأَ الِاخْتِلَافِ لَيْسَ بِذَاكَ بَلْ خُصُوصِيَّةٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الطَّحَاوِيُّ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهَا غَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُومَ عُرْفًا وَلُغَةً إذَا قِيلَ أَوْصَيْت لِمَا فِي بَطْنهَا بِكَذَا كَوْنُهُ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا وَقْتَئِذٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ، إذْ لَا نُسَلِّمُ جِدًّا أَنَّ الْمَفْهُومَ عُرْفًا وَلُغَةً إذَا قِيلَ أَوْصَيْت لِمَا فِي بَطْنِهَا بِكَذَا كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقْتَئِذٍ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَقْتَ مَوْتِ الْمُوصِي لِثُبُوتِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ أَسَاطِينِ الْفُقَهَاءِ سِيَّمَا أَصْحَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ لَا يَنْتَبِهُوا لِمَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ عُرْفًا وَلُغَةً، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ الْغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ فَضْلًا عَنْ الْغَفْلَةِ عَنْهُمَا مَعًا. وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى لِمَا ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ فِي بَطْنِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، بَلْ الْمَعْنَى لِمَا ثَبَتَ وَتَحَقَّقَ فِي بَطْنِهَا.
وَأَمَّا كَوْنُ ثُبُوتِهِ فِي وَقْتِ الْوَصِيَّةِ أَوْ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ فَأَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ نَفْسِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا الْمُعَيَّنُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ هُوَ مَحِلُّ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ بِأَنْ قَالَ: وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْوَصِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ وَقْتُ وُجُودِهِ. وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ وَقْتَ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ وَاعْتِبَارِهَا فِي الْحُكْمِ وَقْتُ الْمَوْتِ فَيُعْتَبَرُ وُجُودُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ انْتَهَى. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْكَافِي هُنَا اضْطِرَابًا لِأَنَّهُ دَلَّ أَوَّلُهُ عَلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْمُدَّةِ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ فِيهِمَا: أَيْ فِي الْمُوصَى لَهُ وَبِهِ، وَآخِرُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهُ انْتَهَى. أَقُولُ: إنَّ صَاحِبَ الْكَافِي. قَالَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ: وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ تَجْرِي فِيهِ الْوِرَاثَةُ فَتَجْرِي فِيهِ الْوِصَايَةُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَقَدْ تَيَقَّنَّا بِوُجُودِهِ يَوْمَ الْمَوْتِ مَتَى جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ انْتَهَى.
فَيَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ مُقَدَّرًا فِي قَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ فَيَكُونَ الْمَعْنَى مِنْ وَقْتِ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ هُوَ وَقْتُ مَوْتِ الْمُوصِي فَيُوَافِقُ أَوَّلُ كَلَامِهِ آخِرَهُ، وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى تَأْوِيلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْوَجْهِ لِيُوَافِقَ كَلَامُهُ مَا ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ. وَثَانِيهُمَا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِإِيرَادِ آخِرِ كَلَامِهِ مُخَالِفًا لِأَوَّلِهِ هُوَ الْإِشَارَةُ إلَى وُقُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ الْمُدَّةِ الَّتِي يُعْلَمُ فِيهَا وُجُودُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ كُلٌّ مِنْ ذَيْنِك الْوَجْهَيْنِ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُهُ.
ثُمَّ إنَّهُ أَخْطَأَ فِي قَوْلِهِ وَآخِرُهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي آخِرِهِ إنَّمَا هُوَ الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ لَا الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَأَمَّا الثَّانِي وَلَا رَيْبَ أَنَّ الثَّانِيَ فِي قَوْلِهِ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ هُوَ الْوَصِيَّةُ بِالْحَمْلِ. ثُمَّ إنَّ الزَّيْلَعِيَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: وَذَكَرَ فِي الْكَافِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَوْصَى لَهُ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ أَوْصَى بِهِ يُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ انْتَهَى. أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ أَيْضًا بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ عِبَارَةَ الْكَافِي فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ هَكَذَا: وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ إنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِهِ بِالْحَمْلِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْهُ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ لِلْحَمْلِ وَبِالْحَمْلِ، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِصَاصِ الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ بِمَا إذَا أَوْصَى لَهُ.
نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي فِي آخِرِ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الِاعْتِبَارِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِالْحَمْلِ، وَبِهَذَا تُرَدُّ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ أَوَّلِ كَلَامِهِ وَآخِرِهِ وَالْمَخْلَصُ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَتَبَصَّرْ.
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ بِعَرْضِ الْوُجُودِ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُلِمَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فِي شَرْحِ هَذَا الْمَحِلِّ: وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَلِأَنَّهُ
[ ١٠ / ٤٣٤ ]
وَبَابُهَا أَوْسَعُ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ وَعَجْزِهِ، وَلِهَذَا تَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَوْجُودِ كَالثَّمَرَةِ فَلَأَنْ تَصِحَّ فِي الْمَوْجُودِ أَوْلَى.
قَالَ (وَمَنْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ) لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لَفْظًا وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ
أَيْ الْحَمْلَ بِعَرْضِيَّةِ الْوُجُودِ، إذْ الْكَلَامُ فِيمَا إذَا عُلِمَ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، فَإِنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْمَوْتِ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا مَحَالَةَ انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ زِيَادَةَ قَوْلِهِ أَوْ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ أَوْ الْمَوْتِ مَعَ كَوْنِهَا غَيْرَ مُطَابِقَةٍ لِلْمَشْرُوحِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ قَوْلُهُ وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ لَا مَحَالَةَ، إذْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ مَوْتِ الْمُوصِي لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَقْتَ الْوَصِيَّةِ أَصْلًا فِيمَا إذَا مَضَتْ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوْتِ مُدَّةٌ يَصِيرُ بِهَا زَمَانُ وَضْعِ الْحَمْلِ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا مِمَّا لَا سُتْرَةَ بِهِ.
(قَوْلُهُ وَمَنْ أَوْصَى بِجَارِيَةٍ إلَّا حَمْلَهَا صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لَفْظًا وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِالْإِطْلَاقِ تَبَعًا، فَإِذَا أَفْرَدَ الْأُمَّ بِالْوَصِيَّةِ صَحَّ إفْرَادُهَا) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّعْلِيلُ يُنْتَقَضُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ إذَا بَاعَ جَارِيَةً إلَّا حَمْلَهَا فَسَدَ الْبَيْعُ مَعَ إمْكَانِ جَرَيَانِ هَذَا التَّعْلِيلِ هُنَاكَ أَيْضًا. لَا يُقَالُ: إنَّمَا فَسَدَ الْبَيْعُ لِأَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِعَقْدٍ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَالْحَمْلُ مِمَّا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ فِي الْوَصِيَّةِ: فَإِنَّ إفْرَادَ الْحَمْلِ بِالْوَصِيَّةِ يَصِحُّ فَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي. لِأَنَّا نَقُولُ: ذَلِكَ الْفَرْقُ مُوجِبُ التَّعْلِيلِ الْآتِي وَكَلَامُنَا فِي هَذَا التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ فَلَا مَعْنَى لِلْخَلْطِ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ أَوَّلِ هَذَا التَّعْلِيلِ: لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ
[ ١٠ / ٤٣٥ ]
بِالْإِطْلَاقِ تَبَعًا، فَإِذَا أَفْرَدَ الْأُمَّ بِالْوَصِيَّةِ صَحَّ إفْرَادُهَا، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْوَصِيَّةِ فَجَازَ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّ مَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْهُ، وَقَدْ مَرَّ فِي الْبُيُوعِ.
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُوصِي الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَمْ يَتِمَّ فَجَازَ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَالْهِبَةِ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ، وَلِأَنَّ الْقَبُولَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَوْتِ وَالْإِيجَابُ يَصِحُّ إبْطَالُهُ قَبْلَ الْقَبُولِ كَمَا فِي الْبَيْعِ.
قَالَ (وَإِذَا صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ كَانَ رُجُوعًا) أَمَّا الصَّرِيحُ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا الدَّلَالَةُ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الصَّرِيحِ فَقَامَ مَقَامَ قَوْلِهِ قَدْ أُبْطِلَتْ، وَصَارَ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الْخِيَارُ فِيهِ بِالدَّلَالَةِ، ثُمَّ كُلُّ فِعْلٍ لَوْ فَعَلَهُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْمَالِكِ، فَإِذَا فَعَلَهُ الْمُوصِي كَانَ رُجُوعًا، وَقَدْ عَدَدْنَا هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ.
وَكُلُّ فِعْلٍ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْمُوصَى بِهِ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ إلَّا بِهَا فَهُوَ رُجُوعٌ إذَا فَعَلَهُ، مِثْلُ السَّوِيقِ يَلُتُّهُ بِالسَّمْنِ وَالدَّارِ يَبْنِي فِيهِ الْمُوصِي وَالْقُطْنِ يَحْشُو بِهِ وَالْبِطَانَةِ يُبَطِّنُ بِهَا وَالظِّهَارَةِ يُظَهِّرُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهَا لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ الْمُوصِي مِنْ جِهَتِهِ، بِخِلَافِ تَخْصِيصِ الدَّارِ الْمُوصَى بِهَا وَهَدْمِ بِنَائِهَا لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي التَّابِعِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ أَوْجَبَ زَوَالَ مِلْكِ الْمُوصِي فَهُوَ رُجُوعٌ، كَمَا إذَا بَاعَ الْعَيْنَ الْمُوصَى بِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ أَوْ وَهَبَهُ تَمَّ رَجَعَ فِيهِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَنْفُذُ إلَّا فِي مِلْكِهِ، فَإِذَا أَزَالَهُ كَانَ رُجُوعًا.
وَذَبْحُ الشَّاةِ الْمُوصَى بِهَا رُجُوعٌ لِأَنَّهُ لِلصَّرْفِ إلَى حَاجَتِهِ عَادَةً، فَصَارَ هَذَا الْمَعْنَى أَصْلًا أَيْضًا، وَغَسْلُ الثَّوْبِ الْمُوصَى بِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ ثَوْبَهُ غَيْرَهُ يَغْسِلُهُ عَادَةً فَكَانَ تَقْرِيرًا.
قَالَ (وَإِنْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا) كَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ.
لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لَهُ وَلَا هُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَوْضُوعِ، وَمَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْجَارِيَةِ يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجَارِيَةِ كَقَمِيصِهَا وَسَرَاوِيلِهَا مِمَّا يَلْتَبِسُ بِهَا انْتَهَى.
أَقُولُ: مُقْتَضَى تَقْرِيرِهِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَمْلَ لَفْظًا صُغْرَى لِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ كُبْرَاهُ مَطْوِيَّةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ وَمَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْجَارِيَةِ صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقِيَاسُ وَحْدَهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَمْلِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، لَكِنْ فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ تَنَاوُلِ اسْمِ الْجَارِيَةِ لِلْحَمْلِ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَائِهِ مِنْهَا، وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ هُوَ الْإِخْرَاجُ عَمَّا يَتَنَاوَلُهُ صَدْرُ الْكَلَامِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ أَوْ الْمَنْعُ مِنْ دُخُولِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ كَمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ
[ ١٠ / ٤٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كِتَابِ الْإِقْرَارِ: الِاسْتِثْنَاءُ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ تَحْتَ اللَّفْظِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّعْبِيرَاتِ فَتَنَاوُلُ صَدْرِ الْكَلَامِ لِلْمُسْتَثْنَى مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ الْمُتَّصِلُ. وَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَصِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَجَازٌ فِيهِ كَمَا عُرِفَ فِي مَحِلِّهِ سِيَّمَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ صِيغَةَ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مَجَازًا فِي الْمُنْقَطِعِ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ فِي الْقِسْمَيْنِ مَعًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ التَّلْوِيحِ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَ صَدْرِ الْكَلَامِ لِلْمُسْتَثْنَى بَلْ يُنَافِي ذَلِكَ فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا يُقَالُ الْحَمْلُ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ قَبْلَ الِانْفِصَالِ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَلَوْ اسْتَثْنَى الْيَدَ أَوْ الرِّجْلَ لَمْ يَجُزْ فَكَذَلِكَ الْحَمْلُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا اهـ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا حَيْثُ قَالَ: إنْ أَرَادَ مَقْصُودًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ تَبَعًا فَالْحَمْلُ كَذَلِكَ انْتَهَى.
أَقُولُ: هَذَا فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اسْمَهَا يَتَنَاوَلُهُمَا مَقْصُودًا، وَقَوْلُهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَا رَيْبَ أَنَّ اسْمَ الْجَارِيَةِ فِيمَا إذَا أَوْصَيْت بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ يَتَنَاوَلُهَا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الْحَقِيقِيَّةِ مَقْصُودًا، إذْ لَا مَعْنَى لِإِيصَاءِ الْجَارِيَةِ بِدُونِ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِامْتِنَاعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِدُونِ أَجْزَائِهَا الْحَقِيقِيَّةِ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهَا عَنْهَا بِخِلَافِ الْحَمْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهَا حَقِيقَةً قَبْلَ الِانْفِصَالِ أَيْضًا، بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْهَا عِنْدَ اتِّصَالِهِ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْبُيُوعِ وَيُمْكِنُ انْفِكَاكُهَا عَنْهُ بِوَضْعِهَا إيَّاهُ فَجَازَ أَنْ لَا يَكُونَ مَقْصُودًا عِنْدَ إيصَائِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ لَا يَرِدُ عَلَى مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ صِحَّتَهُ بِاعْتِبَارِ تَقْرِيرِ مِلْكِ الْمُوصَى فِيهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ كَمَا لَوْ قَالَ أَوْصَيْت لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إلَّا فَرَسًا، فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ فِي الْأَلْفِ صَحِيحَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ أَيْضًا صَحِيحٌ فِي تَقْرِيرِ مِلْكِهِ فِي الْفَرَسِ لَا بِاعْتِبَارِ خُرُوجِهِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: فِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّ مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مَقْصُودًا بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ تَبَعًا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ، وَلَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارِ تَقْرِيرِ الْمِلْكِ لَصَحَّ فِي الْإِقْرَارِ أَيْضًا اسْتِثْنَاءُ الْبِنَاءِ مِنْ الدَّارِ وَالْفَصِّ مِنْ الْخَاتَمِ وَالنَّخْلَةِ مِنْ الْبُسْتَانِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْفَرْقِ انْتَهَى. وَقَصَدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجَوَابَ عَنْهُ فَقَالَ: فَإِنْ قُلْت: يُشْكِلُ حِينَئِذٍ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا بِنَاءَهَا فَإِنَّهُ لِي وَلِلْمُقَرِّ لَهُ الدَّارُ وَالْبِنَاءُ لِأَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْخَطُّ وَالْبِنَاءُ يَدْخُلُ تَبَعًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يَصِحُّ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْكَلَامُ نَصًّا لَا تَبَعًا فَلِمَ حَكَمُوا بِبُطْلَانِ الِاسْتِثْنَاءِ هُنَاكَ وَلَمْ يُصَحِّحُوهُ بِاعْتِبَارِ تَقْرِيرِ الْمِلْكِ كَمَا صَحَّحُوا بِهِ هُنَا؟ قُلْت: إنَّمَا لَمْ يُصَحِّحُوا ذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِهِ إبْطَالَ حَقٍّ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ
وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ غَايَتُهُ أَنْ يُحْمَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهَا فِي حَقِّ التَّابِعِ انْتَهَى. أَقُولُ: جَوَابُهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ. فَإِنَّ إبْطَالَ حَقٍّ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا وَلَا يُجْعَلُ الْبِنَاءُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهَا فَلَا يَلْزَمُ إبْطَالُ ذَلِكَ أَصْلًا، إذْ يَصِيرُ الْإِقْرَارُ حِينَئِذٍ مَخْصُوصًا بِمَا عَدَا الْبِنَاءَ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي مَبَاحِثِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى تَمَامِ الْكَلَامِ بِذِكْرِ الْمُسْتَثْنَى فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى فَيَصِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَثَلًا هَذِهِ الدَّارُ لِفُلَانٍ إلَّا بِنَاءَهَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرَ بِنَاءِ هَذِهِ الدَّارِ لِفُلَانٍ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ الْمُتَوَهَّمُ بَيْنَ أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ فِي أَمْثِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ إبْطَالَ حَقٍّ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّ الْمَصِيرَ إلَى حَمْلِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى
[ ١٠ / ٤٣٧ ]
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رُجُوعًا، لِأَنَّ الرُّجُوعَ نَفْيٌ فِي الْحَالِ وَالْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا، وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا،
الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ فِي حَقِّ التَّابِعِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ أَيْضًا، إذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى شَيْءٍ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْكِتَابِ لِمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ، وَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْتِزَامِ مَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ سَتَجِيءُ بِتَفَاصِيلِهَا وَتَفَارِيعِهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ رُجُوعًا، لِأَنَّ الرُّجُوعَ نَفْيٌ فِي الْحَالِ، وَالْجُحُودُ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ رُجُوعًا) قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: قُلْت هَذَا كَلَامٌ ظَاهِرِيٌّ، وَإِلَّا فَالنَّفْي فِي الرُّجُوعِ عَنْهَا بِمَعْنَى فَسْخِهَا وَرَفْعِهَا وَفِي الْجُحُودِ بِمَعْنَى سَلْبِهَا وَنَفْيِ وُقُوعِهَا وَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ انْتَهَى.
أَقُولُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ " إنَّ جُحُودَ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهَا " أَنَّ الْجُحُودَ وَالرُّجُوعَ مُتَّحِدَانِ مَعْنًى، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ حُكْمًا وَهُوَ إبْطَالُ الْوَصِيَّةِ بِأَنْ لَا يَثْبُتَ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ فِي تَرِكَةِ الْمُوصِي فَكَوْنُ النَّفْيِ فِي الرُّجُوعِ بِمَعْنَى الْفَسْخِ وَفِي الْجُحُودِ بِمَعْنَى سَلْبِ الْوُقُوعِ إنَّمَا يُنَافِي الِاتِّحَادَ فِي الْمَعْنَى لَا الِاتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ، وَمَبْنَى اسْتِدْلَالِهِ الْمَذْكُورِ عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا مَحْذُورَ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ عَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ إنَّمَا يَئُولُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّعْلِيلِ الثَّانِي لِمُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ فَلَا وَجْهَ لِنِسْبَتِهِ إلَى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ قُلْت (قَوْلُهُ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالِانْتِفَاءَ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا التَّعْلِيلِ: وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُحُودَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَمْ أُوصِ لِفُلَانٍ أَوْ مَا أَوْصَيْت لَهُ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ، وَالِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ لِاسْتِمْرَارِ ذَلِكَ إنْ ثَبَتَ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَإِذَا كَانَ الْكَذِبُ ثَابِتًا فِي الْحَالِ لِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي جُحُودِهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَوْصَى ثُمَّ جَحَدَ كَانَ النَّفْيُ فِي الْمَاضِي بَاطِلًا فَيَبْطُلُ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وَهُوَ الِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ فَكَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا انْتَهَى.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ اسْمَ كَانَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ الْكَذِبَ، وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ الْكَذِبَ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى وَلَا حُكْمًا، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ اسْمُ كَانَ فِي قَوْلِهِ الْمَذْكُورِ ضَمِيرًا رَاجِعًا إلَى الْكَذِبِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَالِ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ مُسْتَدْرَكًا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْكَذِبِ فِي الْجُحُودِ يَقْتَضِي كَوْنَ الْجُحُودِ لَغْوًا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْحَالِ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمَانِ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَعْنَى ذَلِكَ لَمَا تَحَقَّقَ الْفَائِدَةُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْكَذِبُ فِي جُحُودِهِ ثَابِتًا بِنَاءً عَلَى كَوْنِ الْفَرْضِ أَنَّهُ أَوْصَى ثُمَّ جَحَدَ كَانَ جُحُودُهُ لَغْوًا بَاطِلًا لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ الِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ مِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَتِهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَفِي بَعْضِ
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
أَوْ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إثْبَاتٌ فِي الْمَاضِي وَنَفْيٌ فِي الْحَالِ وَالْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَكُونُ جُحُودُ النِّكَاحِ فُرْقَةً
الشُّرُوحِ جَعَلَ اسْمَ كَانَ فِي قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ الْوَصِيَّةَ وَفِي بَعْضِهَا الْحَقَّ وَكِلَاهُمَا مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَتَأَمَّلْ انْتَهَى. أَقُولُ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْمُصَادَرَةَ عَلَى الْمَطْلُوبِ إنَّمَا تَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا كَانَ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْحَقُّ ثَابِتًا فِي الْحَالِ لِعَدَمِ كَوْنِ الْجُحُودِ رُجُوعًا كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ ذَاكَ بَلْ مَعْنَاهُ: وَإِذَا كَانَ الْإِيصَاءُ أَوْ الْحَقُّ ثَابِتًا فِي الْحَالِ لِكَوْنِهِ كَاذِبًا فِي جُحُودِهِ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَوْصَى فِيمَا مَضَى ثُمَّ جَحَدَ كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا حَيْثُ كَانَ النَّفْيُ فِي الْمَاضِي بَاطِلًا لِظُهُورِ الْكَذِبِ فَبَطَلَ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ وَهُوَ الِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ، وَلَا مُصَادَرَةَ فِي هَذَا كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ.
(قَوْلُهُ أَوْ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إثْبَاتٌ فِي الْمَاضِي وَنَفْيٌ فِي الْحَالِ وَالْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا حَقِيقَةً وَلِهَذَا لَا يَكُونُ جُحُودُ النِّكَاحِ فُرْقَةً.) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، وَهُنَا قَالَ: وَالْجُحُودُ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ كَوْنِ الْجُحُودِ رُجُوعًا حَقِيقَةً عَدَمُ جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ مَجَازًا صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْلَهُ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ مَعْنَاهُ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَضْعًا وَحَقِيقَةً وَفِي الْحَالِ ضَرُورَةً لَا وَضْعًا وَهُوَ الْأَوَّلُ فَلَا تَنَافِي. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الرُّجُوعَ وَالْجُحُودَ بِالنَّظَرِ إلَى الْمَاضِي مُتَضَادَّانِ وَالتَّضَادُّ لَيْسَ مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأَنْوَارِ وَالتَّقْرِيرِ انْتَهَى.
أَقُولُ: يُرَدُّ عَلَى جَوَابِهِ عَنْ النَّظَرِ الثَّانِي أَنَّ جَوَازَ اسْتِعْمَالِ الْجُحُودِ فِي الرُّجُوعِ مَجَازًا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اعْتِبَارِ عَلَاقَةِ الْمَجَازِ التَّضَادَّ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ عَدَمِ كَوْنِ التَّضَادِّ مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْمَجَازِ فِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ لَا يَجُوزَ اسْتِعْمَالُ الْجُحُودِ فِي الرُّجُوعِ مَجَازًا أَصْلًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا اشْتِرَاكَهُمَا فِي مَعْنًى خَاصٍّ وَهُوَ كَوْنُهُمَا نَافِيَيْنِ فِي الْحَالِ وَإِنْ كَانَ الْجُحُودُ نَافِيًا فِي الْمَاضِي أَيْضًا كَمَا أَفْصَحَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمَبْسُوطِ: وَالْأَصَحُّ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُحُودَ كَذِبٌ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ مَجَازًا فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ وَهُوَ الْفَسْخُ صِيَانَةً لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْفَسْخِ لِأَنَّ الْمُوصِيَ يَنْفَرِدُ بِفَسْخِ الْوَصِيَّةِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْإِجَازَةِ إذَا جَحَدَ أَحَدُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ هُنَاكَ تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْفَسْخِ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ هُنَاكَ لَا يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ حَتَّى لَوْ تَجَاحَدَا نَقُولُ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ وَبِخِلَافِ مَا لَوْ جَحَدَ الزَّوْجُ مِنْ الْأَصْلِ بِأَنْ قَالَ لَمْ أَتَزَوَّجْك لِأَنَّ هُنَاكَ أَيْضًا
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَصِيَّةٍ أَوْصَيْت بِهَا لِفُلَانٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَرِبَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا) لِأَنَّ الْوَصْفَ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ الْأَصْلِ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ الذَّاهِبُ الْمُتَلَاشِي (وَلَوْ قَالَ أَخَّرْتهَا لَا يَكُونُ رُجُوعًا) لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَيْسَ لِلسُّقُوطِ كَتَأْخِيرِ الدَّيْنِ (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ تَرَكْت) لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ (وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ كَانَ رُجُوعًا) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ (بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لِآخَرَ) لِأَنَّ الْمَحِلَّ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ وَاللَّفْظَ صَالِحٌ لَهَا (وَكَذَا إذَا قَالَ فَهُوَ لِفُلَانٍ وَارِثِي يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ الْأَوَّلِ) لِمَا بَيَّنَّا وَيَكُونُ وَصِيَّةً لِلْوَارِثِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ (وَلَوْ كَانَ فُلَانٌ الْآخَرُ مَيِّتًا حِينَ أَوْصَى فَالْوَصِيَّةُ الْأُولَى عَلَى حَالِهَا) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ الْأُولَى إنَّمَا تَبْطُلُ ضَرُورَةَ كَوْنِهَا لِلثَّانِي وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فَبَقِيَ لِلْأَوَّلِ (وَلَوْ كَانَ فُلَانٌ حِينَ قَالَ ذَلِكَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَهِيَ لِلْوَرَثَةِ) لِبُطْلَانِ الْوَصِيَّتَيْنِ الْأُولَى بِالرُّجُوعِ وَالثَّانِيَةِ بِالْمَوْتِ.