أَوْرَدَ كِتَابَ الْوَلَاءِ عَقِيبَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ مِنْ آثَارِ التَّكَاتُبِ بِزَوَالِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ عِنْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ آثَارِ الْإِعْتَاقِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ مُوجِبَاتِ تَرْتِيبِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ سَاقَتْ التَّكَاتُبَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ كِتَابِ الْوَلَاءِ عَنْ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ لِئَلَّا يَتَقَدَّمَ الْأَثَرُ عَلَى الْمُؤَثِّرِ، ثُمَّ إنَّ الْوَلَاءَ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَحُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ
[ ٩ / ٢١٧ ]
كِتَابُ الْوَلَاءِ
الْوَلَاءُ نَوْعَانِ: وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَيُسَمَّى وَلَاءَ نِعْمَةٍ.
وَسَبَبُهُ الْعِتْقُ عَلَى مُلْكِهِ فِي الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ عَتَقَ قَرِيبُهُ عَلَيْهِ بِالْوِرَاثَةِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ. وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ، وَسَبَبُهُ الْعَقْدُ وَلِهَذَا يُقَالُ وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى
الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَيُسَمَّى وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءُ الْمُوَالَاةِ بِهِ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَهُوَ الْإِرْثُ يَقْرُبُ وَيَحْصُلُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَقِيلَ الْوَلَاءُ وَالْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ النُّصْرَةُ وَالْمَحَبَّةُ، إلَّا أَنَّهُ اخْتَصَّ فِي الشَّرْعِ بِوَلَاءِ الْعِتْقِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ.
فَالْوَلَاءُ شَرْعًا عِبَارَةٌ عَنْ التَّنَاصُرِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْإِعْتَاقِ أَوْ بِعَقْدِ الْمُوَالَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّنَاصُرُ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
أَقُولُ: فِيهِ فُتُورٌ.
أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلِيَّ صِفَةُ الثَّانِي مِنْ الْمُتَقَارِبَيْنِ كَمَا يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ وَحُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ فَهُوَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ صِفَةُ حُكْمِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ لَا صِفَةُ أَنْفُسِهِمَا فَكَيْفَ نُحْسِنُ تَسْمِيَتَهُمَا بِمَا لَا يَقُومُ مَعْنَى مَأْخَذِ اشْتِقَاقِهِ بِهِمَا بَلْ بِمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُمَا وَهُوَ حُكْمُهُمَا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّنَاصُرُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ التَّنَاصُرِ غَيْرَهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا، إذْ لَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ نَفْسَهُ بَلْ يَكُونُ أَمْرًا مُغَايِرًا لَهُ، إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ وَسِيلَةً إلَى نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَتِمُّ الِاسْتِشْهَادُ عَلَى كَوْنِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةً عَنْ التَّنَاصُرِ بِأَنْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّنَاصُرُ، وَقَالَ فِي الْعِنَايَةِ:
الْوَلَاءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، وَحُصُولُ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ تَنَاصُرٍ يُوجِبُ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ الْمُشْتَقَّ مِنْ الْوَلْيِ الَّذِي هُوَ الْقُرْبُ لَا يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ بَلْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ الْقَرَابَةِ، لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَلَا تَنَاسُبَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الْوَلْيِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْقُرْبُ وَبَيْنَ الْوَلَاءِ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَإِنَّمَا التَّنَاسُبُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بَيْنَ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ وَبَيْنَ الْوَلَاءِ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ: هُوَ مِنْ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ، وَيُقَالُ بَيْنَهُمَا وَلَاءٌ: أَيْ قَرَابَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» أَيْ وَصْلَةٌ كَوَصْلَةِ النَّسَبِ اهـ. فَالْوَلَاءُ الَّذِي يَكُونُ عِبَارَةٌ عَنْ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ إنَّمَا يُشْتَقُّ مِنْ الْوَلَايَةِ بِالْفَتْحِ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بَعْدَ بَيَانِ كَوْنِ الْوَلَاءِ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقًّا مِنْ الْوَلْيِ بِمَعْنَى الْقُرْبِ: وَقِيلَ الْوَلَاءُ وَالْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ النُّصْرَةُ وَالْمَحَبَّةُ إلَّا أَنَّهُ اخْتَصَّ فِي الشَّرْعِ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ اهـ. وَقَالَ فِي التَّبْيِينِ: هُوَ مِنْ الْوَلْيِ فَهُوَ قَرَابَةٌ حُكْمِيَّةٌ حَاصِلَةٌ مِنْ الْعِتْقِ أَوْ الْمُوَالَاةِ. ثُمَّ قَالَ: أَوْ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْوَلَايَةِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ النُّصْرَةُ وَالْمَحَبَّةُ إلَّا أَنَّهُ اخْتَصَّ فِي الشَّرْعِ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ الْوَلَاءُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ خَلْطٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ وَإِخْلَالٌ بِحَقِّ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ وَسَبَبُهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِهِ فِي الصَّحِيحِ، حَتَّى لَوْ عَتَقَ قَرِيبُهُ عَلَيْهِ بِالْوِرَاثَةِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ) إنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ سَبَبُهُ الْإِعْتَاقُ وَيَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ مَنْ وَرِثَ قَرِيبَهُ فَعَتَقَ عَلَيْهِ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ وَلَا
[ ٩ / ٢١٨ ]
سَبَبِهِ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَتَنَاصَرُ بِأَشْيَاءَ، وَقَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ تَنَاصُرَهُمْ بِالْوَلَاءِ بِنَوْعَيْهِ فَقَالَ: «إنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ وَحَلِيفُهُمْ مِنْهُمْ» وَالْمُرَادُ بِالْحَلِيفِ مَوْلَى الْمُوَالَاةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤَكِّدُونَ الْمُوَالَاةَ بِالْحِلْفِ.
قَالَ (وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مَمْلُوكَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِقَوْلِ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»
إعْتَاقَ هُنَاكَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَهُ الْعِتْقُ عَلَى مِلْكِهِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ وَلَا يُقَالُ وَلَاءُ الْإِعْتَاقِ، وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَالْمُرَادُ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ بِسَبَبِ الْعِتْقِ لَا بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ، فَإِنَّ فِي الْإِعْتَاقِ عِتْقًا بِدُونِ الْعَكْسِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي جُمْلَةِ الشُّرُوحِ هَاهُنَا.
وَقَالَ فِي الْبَدَائِعِ: أَمَّا سَبَبُ ثُبُوتِهِ فَالْعِتْقُ سَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ حَاصِلًا بِصُنْعِهِ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ أَوْ مَا يَجْرِي مُجْرَى الْإِعْتَاقِ شَرْعًا كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَقَبُولِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ بِأَنْ وَرِثَ قَرِيبَهُ، وَسَوَاءٌ أَعْتَقَهُ تَطَوُّعًا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ عَلَيْهِ كَالْإِعْتَاقِ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْإِفْطَارِ وَالْيَمِينِ وَالنَّذْرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِعْتَاقُ بِغَيْرِ بَدَلٍ أَوْ بِبَدَلٍ وَهُوَ الْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُنَجَّزًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مُضَافًا إلَى وَقْتٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَرِيحًا أَوْ يَجْرِي مَجْرَى الصَّرِيحِ أَوْ كِنَايَةً أَوْ يَجْرِي مَجْرَى الْكِنَايَةِ، وَكَذَا الْعِتْقُ الْحَاصِلُ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ إلَى هُنَا لَفْظُ الْبَدَائِعِ. أَقُولُ: كَوْنُ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَصْلًا فِي حَقِّ الصُّوَرِ الْمَزْبُورَةِ كُلِّهَا مَحَلُّ نَظَرٍ، فَإِنَّ فِي صُورَةِ إنْ كَانَ الْعِتْقُ حَاصِلًا بِغَيْرِ صُنْعِهِ كَمَا إذَا وَرِثَ قَرِيبَهُ لَا يُوجَدُ الْإِعْتَاقُ فَلَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الدَّفْعِ (قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ بَيَانُ مَفْهُومِهِمَا الشَّرْعِيِّ اهـ. أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ، إذْ لَيْسَ مَفْهُومُهُمَا الشَّرْعِيُّ مُطْلَقَ التَّنَاصُرِ، بَلْ تَنَاصُرٌ يُوجِبُ الْإِرْثَ وَالْعَقْلَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ وَغَيْرُهُ، وَبِهَذَا الْخُصُوصِ يَمْتَازُ مَفْهُومُهُمَا الشَّرْعِيُّ عَنْ مَفْهُومِهِمَا اللُّغَوِيِّ كَمَا عَرَفْت، فَلَوْ كَانَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ بَيَانَ مَفْهُومِهِمَا الشَّرْعِيِّ لَمَا أَطْلَقَ التَّنَاصُرَ بَلْ خَصَّصَهُ بِمَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِهِمَا الشَّرْعِيِّ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُرَادُهُ بَيَانَ مَفْهُومِهِمَا لُغَوِيًّا كَانَ أَوْ شَرْعِيًّا لَقَالَ وَمَعْنَاهُمَا التَّنَاصُرُ دُونَ أَنْ يَقُولَ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ دُرْبَةٌ بِأَسَالِيبِ الْكَلَامِ. وَالْحَقُّ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ بَيَانُ الْمَقْصُودِ مِنْهُمَا لَا بَيَانُ مَفْهُومِهِمَا، وَعَنْ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي بَدَلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَعْنَى فِيهِمَا التَّنَاصُرُ، وَالْمَطْلُوبُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّنَاصُرُ كَمَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَيْضًا كَذَلِكَ كَمَا مَرَّ تَدَبَّرْ تَرْشُدْ
(قَوْلُهُ وَإِذَا أَعْتَقَ الْمَوْلَى مَمْلُوكَهُ فَوَلَاؤُهُ لَهُ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ») قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُشْتَقٍّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ اهـ.
أَقُولُ: لَا يَذْهَبْ عَلَيْكَ أَنَّ حَلَّ هَذَا الْمَحَلِّ بِهَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيَانُ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ لَا بَيَانُ عِلَّةِ الْوَلَاءِ، وَالْوَجْهُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُفِيدُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ هَاهُنَا هُوَ أَنَّ لَامَ الْجِنْسِ فِي قَوْلِهِ ﵊ " الْوَلَاءُ " وَلَامَ الِاخْتِصَاصِ فِي قَوْلِهِ " لِمَنْ أَعْتَقَ " تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ جِنْسَ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ دُونَ غَيْرِهِ كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ دَلَّ بِلَامَيْ الْجِنْسِ وَالِاخْتِصَاصِ عَلَى اخْتِصَاصِ جِنْسِ الْمَحَامِدِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ:
[ ٩ / ٢١٩ ]
وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ فَيَعْقِلُهُ وَقَدْ أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ فَيَرِثُهُ وَيَصِيرُ الْوَلَاءُ كَالْوِلَادِ، وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ تَعْتِقُ لِمَا رَوَيْنَا
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُنَاقِضُ جَعْلَ الْعِتْقِ سَبَبًا لِأَنَّ أَعْتَقَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِعْتَاقِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاشْتِقَاقِ هُوَ مَصْدَرُ الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ الْعِتْقُ انْتَهَى كَلَامُهُ. أَقُولُ: فِي جَوَابِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ كَوْنَ مَصْدَرِ الثُّلَاثِيِّ أَصْلًا فِي الِاشْتِقَاقِ لَا يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ أَصْلًا فِي الْعِلِّيَّةِ لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ مِنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ كَمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ مَصَادِرِ الْمَزِيدَاتِ يَصْلُحُ عِلَّةً لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ مَصَادِرُ الثُّلَاثِيِّ؛ أَلَا يُرَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ مَثَلًا يَكُونُ عِلَّةً لِلْعِتْقِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِنَفْسِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ، وَمَدَارُ السُّؤَالِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَدْفَعُهُ الْجَوَابُ الْمَزْبُورُ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ فَيَعْقِلُهُ وَقَدْ أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ فَيَرِثُهُ وَيَصِيرُ الْوَلَاءُ كَالْوِلَادِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ: أَيْ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَثَرَيْنِ الثَّابِتَيْنِ بِهِ وَهُوَ الْعَقْلُ وَالْمِيرَاثُ، وَتَقْرِيرُهُ الْمَوْلَى يَنْتَصِرُ بِمَوْلَاهُ بِسَبَبِ الْعِتْقِ، وَمَنْ يَنْتَصِرُ بِشَخْصٍ يَعْقِلُهُ لِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ فَحَيْثُ يَغْنَمُ بِنَصْرِهِ يَغْنَمُ عَقْلَهُ، وَالْمَوْلَى أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ لِأَنَّ الرَّقِيقَ هَالِكٌ حُكْمًا؛ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِالْإِحْيَاءِ نَحْوِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ وَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْعِيدَيْنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَبِالْإِعْتَاقِ تَثْبُتُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي حَقِّهِ فَكَانَ إحْيَاءً مَعْنًى، وَمَنْ أَحْيَا غَيْرَهُ مَعْنًى وَرِثَهُ كَالْوَالِدِ فَيَصِيرُ الْوَلَاءُ كَالْوِلَادِ وَالْوِلَادُ يُوجِبُ الْإِرْثَ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ اهـ كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي أَوَائِلِ تَقْرِيرِهِ الدَّلِيلَ خَلَلٌ، لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ النَّصْرَ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى بِمَعْنَى الْمُعْتَقِ بِالْفَتْحِ، وَالِانْتِصَارَ فِي جَانِبِ الْمَوْلَى بِمَعْنَى الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ فِي بَسْطِ كَلَامِهِ سِيَّمَا فِي قَوْلِهِ فَحَيْثُ يَغْنَمُ بِنَصْرِهِ يَغْرَمُ عَقْلَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ، إذْ الْمُعْتَقُ بِالْفَتْحِ يَنْتَصِرُ بِنَصْرِ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ حَيْثُ يَنَالُ شَرَفَ الْحُرِّيَّةِ بِسَبَبِ إعْتَاقِ ذَلِكَ إيَّاهُ فَهُوَ الْغَانِمُ، وَأَيْضًا قَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَنْتَصِرُ بِشَخْصٍ يَعْقِلُهُ بِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ إنْ رَجَعَ ضَمِيرُ الْفَاعِلِ الْمُسْتَتِرِ فِي يَعْقِلُهُ إلَى مَنْ يَنْتَصِرُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سَوْقِ كَلَامِهِ لَمْ يَصِحَّ الْمُدَّعَى فِي نَفْسِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُطَابِقُهُ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ.
أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الْمُدَّعَى فِي نَفْسِهِ فَلِأَنَّ الْعَاقِلَ فِي الشَّرْعِ هُوَ النَّاصِرُ لَا الْمُنْتَصِرُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ مُطَابَقَةِ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ إيَّاهُ فَلِأَنَّ الْمُدَّعَى حِينَئِذٍ وُجُوبُ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ الْغُرْمُ بِالِانْتِصَارِ الَّذِي هُوَ الْغُنْمُ، وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا يُفِيدُ عَكْسَ ذَلِكَ، فَالدَّلِيلُ الْمُطَابِقُ لَهُ عَكْسُ مَا ذَكَرَ وَهُوَ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ كَمَا هُوَ نَظْمُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَمَرَّ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا فِي بَابِ النَّفَقَةِ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ رَجَعَ ذَلِكَ الضَّمِيرُ إلَى شَخْصٍ فِي قَوْلِهِ مَنْ يَنْتَصِرُ بِشَخْصٍ لَمْ يَصِحَّ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ أَصْلًا لِأَنَّ الْغَانِمَ هُوَ الْمُنْتَصِرُ بِشَخْصٍ وَالْغَارِمُ وَهُوَ ذَلِكَ الشَّخْصُ النَّاصِرُ. فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْغُنْمُ وَالْغُرْمُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ غُنْمَ شَخْصٍ لَا يَصِيرُ سَبَبًا لِغُرْمِ شَخْصٍ آخَرَ وَلَا الْعَكْسُ.
ثُمَّ أَقُولُ: الصَّوَابُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ فَيَعْقِلُهُ هُوَ أَنَّ الْمُعْتَقَ بِالْفَتْحِ يَنْتَصِرُ بِنَصْرِ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ بِسَبَبِ إعْتَاقِهِ إيَّاهُ فَيَعْقِلُهُ: أَيْ فَيَعْقِلُ الْمُعْتِقُ بِالْكَسْرِ الْمُعْتَقَ بِالْفَتْحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَدَارَ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ نَاصِرًا كَمَا تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْمَعَاقِلِ حَيْثُ صَرَّحُوا فِيهِ بِأَنَّ وَجْهَ ضَمِّ الْعَاقِلَةِ إلَى الْجَانِي فِي الدِّيَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ هُوَ أَنَّ الْجَانِيَ إنَّمَا قَصْرُ الْقُوَّةِ فِيهِ وَتِلْكَ بِأَنْصَارِهِ وَهُمْ الْعَاقِلَةُ فَكَانُوا هُمْ الْمُقَصِّرِينَ فِي تَرْكِهِمْ مُرَاقَبَتَهُ فَخُصُّوا بِالضَّمِّ إلَيْهِ (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ يَخْدُمُ الْوَجْهَيْنِ فَلِهَذَا أَخَّرَهُ اهـ.
[ ٩ / ٢٢٠ ]
«وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ ﵄ عَنْهَا وَعَنْ بِنْتٍ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﵊ الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ». وَيُسْتَوَى فِيهِ الْإِعْتَاقُ بِمَالٍ وَبِغَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَالَ (فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ سَائِبَةٌ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَالْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) لِأَنَّ الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ (وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ بِمَا بَاشَرَ مِنْ السَّبَبِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِي الْمُكَاتَبِ (وَكَذَا الْعَبْدُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ أَوْ بِشِرَائِهِ وَعِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّ فِعْلَ الْوَصِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ كَفِعْلِهِ وَالتَّرِكَةُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِهِ
(وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ مُدَبَّرُوهُ وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْعَتَاقِ (وَوَلَاؤُهُمْ لَهُ) لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُمْ بِالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ
(وَمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ عَلَيْهِ) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْعَتَاقِ (وَوَلَاؤُهُ لَهُ) لِوُجُودِ السَّبَبِ وَهُوَ الْعِتْقُ عَلَيْهِ
(وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدُ رَجُلٍ أَمَةً لِآخَرَ فَأَعْتَقَ مَوْلَى الْأَمَةِ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الْعَبْدِ عَتَقَتْ وَعَتَقَ حَمْلُهَا، وَوَلَاءُ الْحَمْلِ لِمَوْلَى الْأُمِّ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا) لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ مَقْصُودًا إذْ هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا يَقْبَلُ الْإِعْتَاقَ مَقْصُودًا فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ عَنْهُ عَمَلًا بِمَا رَوَيْنَا (وَكَذَلِكَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِلتَّيَقُّنِ بِقِيَامِ الْحَمْلِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ (أَوْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ يَتَعَلَّقَانِ مَعًا. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا وَالَتْ رَجُلًا وَهِيَ حُبْلَى وَالزَّوْجُ وَالَى غَيْرَهُ حَيْثُ يَكُونُ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوْلَى الْأَبِ لِأَنَّ الْجَنِينَ غَيْرُ قَابِلٍ لِهَذَا الْوَلَاءِ مَقْصُودًا، لِأَنَّ تَمَامَهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ.
أَقُولُ: يُرِيدُ بِالْوَجْهَيْنِ الْعَقْلَ وَالْإِرْثَ لَكِنَّهُ مَنْظُورٌ فِيهِ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ أَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى أَنْ يَعْقِلَ الْمُعْتِقُ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ الْغُرْمِ بِالْغُنْمِ لَا كَوْنُ الْغُنْمِ بِالْغُرْمِ، وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا هُوَ الثَّانِي فَكَيْفَ يَخْدُمُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِيمَا قَبْلُ وَلِأَنَّ التَّنَاصُرَ بِهِ فَيَعْقِلُهُ مَبْنِيًّا عَلَى كَوْنِ الْغُنْمِ بِالْغُرْمِ كَمَا عَرَفْت فَكَيْفَ يَنْتَظِمُ حِينَئِذٍ وَاوُ الْعَطْفِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. عَلَى أَنَّا لَوْ جَعَلْنَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا آلَ الْمَعْنَى إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَعْقِلُهُ لِأَنَّهُ يَرِثُهُ، وَإِنَّمَا يَرِثُهُ لِأَنَّهُ يَعْقِلُهُ فَأَدَّى إلَى الدَّوْرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
فَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَطْ وَهُوَ الْإِرْثُ مَعْطُوفٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّهُ أَحْيَاهُ مَعْنًى بِإِزَالَةِ الرِّقِّ عَنْهُ فَيَرِثُهُ، وَلِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ فَحَيْثُ يَغْرَمُ عَقْلَهُ يَرِثُ مَالَهُ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا سَيَأْتِي وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ ﵄ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمَا رَوَيْنَا مَعْنًى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ وَغَيْرُهُ هُنَاكَ، وَنَظَائِرُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى
(قَوْلُهُ وَإِذَا تَزَوَّجَ عَبْدُ رَجُلٍ أَمَةً لِآخَرَ فَأَعْتَقَ مَوْلَى الْأَمَةِ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الْعَبْدِ عَتَقَتْ وَعَتَقَ حَمْلُهَا، وَوَلَاءُ الْحَمْلِ لِمَوْلَى الْأُمِّ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ أَبَدًا) هَذَا لَفْظُ الْقُدُورِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي تَعْلِيلِهِ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَى مُعْتِقِ الْأُمِّ مَقْصُودًا فَلَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ عَنْهُ عَمَلًا بِمَا رَوَيْنَا.
وَقَالَ الشُّرَّاحُ: إنَّمَا صَارَ الْحَمْلُ مُعْتَقًا مَقْصُودًا لِأَنَّ الْمَوْلَى قَصَدَ إعْتَاقَ الْأُمِّ وَالْقَصْدُ إلَيْهَا بِالْإِعْتَاقِ قَصْدٌ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَالْحَمْلُ جُزْءٌ مِنْهَا فَصَارَ مُعْتَقًا مَقْصُودًا اهـ. أَقُولُ: يَرَى الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا ذَكَرُوا هَاهُنَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ فَإِنَّهُ قَالَ هُنَاكَ: وَإِنْ أَعْتَقَ حَامِلًا عَتَقَ حَمْلُهَا تَبَعًا لَهَا إذْ هُوَ مُتَّصِلٌ
[ ٩ / ٢٢١ ]
قَالَ (فَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَدًا فَوَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ) لِأَنَّهُ عَتَقَ تَبَعًا لِلْأُمِّ لِاتِّصَالِهِ بِهَا بَعْدَ عِتْقِهَا فَيَتْبَعُهَا فِي الْوَلَاءِ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بِقِيَامِهِ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ حَتَّى يَعْتِقَ مَقْصُودًا (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ وَانْتَقَلَ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ) لِأَنَّ الْعِتْقَ هَاهُنَا فِي الْوَلَدِ يَثْبُتُ تَبَعًا لِلْأُمِّ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَلَاءَ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ قَالَ ﵊ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ» ثُمَّ النَّسَبُ إلَى الْآبَاءِ فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ وَالنِّسْبَةُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ كَانَتْ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْأَبِ ضَرُورَةً، فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ؛ كَوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ يُنْسَبُ إلَى قَوْمِ الْأُمِّ ضَرُورَةً، فَإِذَا أَكَذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ حَيْثُ يَكُونُ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ وَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ الْعُلُوقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ وَبَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجَعًا بِالشَّكِّ فَأُسْنِدَ إلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَعَتَقَ مَقْصُودًا
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
بِهَا اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنْهُ أَنْ يَصِيرَ الْحَمْلُ مُعْتَقًا تَبَعًا أَلْبَتَّةَ لَا مَقْصُودًا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ ابْنِهِ وَانْتَقَلَ عَنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي الْأَبِ) قَالَ فِي الْكَافِي: فَإِنْ قِيلَ: الْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ وَالنَّسَبُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَكَذَا الْوَلَاءُ يَجِبُ أَنْ لَا يَنْفَسِخَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، وَلَكِنْ حَدَثَ وَلَاءٌ أَوْلَى مِنْهُ فَقُدِّمَ عَلَيْهِ كَمَا نَقُولُ فِي الْأَخِ إنَّهُ عَصَبَةٌ فَإِذَا حَدَثَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْإِرْثِ لَا يُبْطِلُ تَعْصِيبَهُ وَلَكِنْ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ اهـ. وَذَكَرَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَيْضًا هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ نَقْلًا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي نَصْرٍ. أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْفَسِخْ الْوَلَاءُ بَلْ قُدِّمَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ أَوْلَى مِنْهُ فِي الْإِرْثِ لَزِمَ أَنْ تَرِثَ مَوَالِي الْأُمِّ عِنْدَ انْقِطَاعِ مَوَالِي الْأَبِ بَعْدَ انْتِقَالِ الْوَلَاءِ عَنْ مَوَالِيهَا إلَى مَوَالِيهِ كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي الْعَصَبَةِ الْأَدْنَى عِنْدَ انْقِطَاعِ الْعَصَبَةِ الْأَوْلَى مِنْهُ كَالْأَخِ عِنْدَ عَدَمِ الِابْنِ وَالْأَبِ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ أَنْ يَرِثَ مَوَالِي الْأُمِّ بِالْوَلَاءِ فِي حَالٍ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَ عَنْهُمْ الْوَلَاءُ بِالْجَرِّ (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ إلَخْ).
قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا إلَخْ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ: يَعْنِي إذَا وَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ أُعْتِقَ الْأَبُ يَجُرُّ وَلَاءَ ابْنِهِ مِنْ مَوَالِي الْأُمِّ إلَى مَوَالِي نَفْسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ حَيْثُ لَا يَجُرُّ وَلَاءَ ابْنِهِ إلَى مَوَالِي نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْوِلَادَةُ بَعْدَ عِتْقِهَا لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَلْ يَكُونُ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي أُمِّهِ
[ ٩ / ٢٢٢ ]
وَإِذَا تَزَوَّجَتْ مُعْتَقَةً بِعَبْدٍ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَجَنَى الْأَوْلَادُ فَعَقْلُهُمْ عَلَى مَوَالِي الْأُمِّ) لِأَنَّهُمْ عَتَقُوا تَبَعًا لِأُمِّهِمْ وَلَا عَاقِلَةَ لِأَبِيهِمْ وَلَا مَوْلَى، فَأُلْحِقُوا بِمَوَالِي الْأُمِّ ضَرُورَةً كَمَا فِي وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (فَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ جَرَّ وَلَاءَ الْأَوْلَادِ إلَى نَفْسِهِ) لِمَا بَيَّنَّا (وَلَا يَرْجِعُونَ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَبِ بِمَا عَقَلُوا) لِأَنَّهُمْ حِينَ عَقَلُوهُ كَانَ الْوَلَاءُ ثَابِتًا لَهُمْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْأَبِ مَقْصُودًا لِأَنَّ سَبَبَهُ مَقْصُودٌ وَهُوَ الْعِتْقُ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ إذَا عَقَلَ عَنْهُ قَوْمُ الْأُمِّ ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ حَيْثُ يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَكَانُوا مَجْبُورِينَ عَلَى
وَإِنْ أَعْتَقَ الْأَبَ لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ الْعُلُوقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِاسْتِحَالَتِهِ مِنْ الْمَيِّتِ وَإِلَى مَا بَعْدَ الطَّلَاقِ.
أَمَّا إذَا كَانَ بَائِنًا فَلِحُرْمَةِ الْوَطْءِ بَعْدَهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ رَجْعِيًّا فَلِئَلَّا يَصِيرَ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ فَأُسْنِدَ إلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الْحَمْلُ مَوْجُودًا عِنْدَ إعْتَاقِ الْأُمِّ فَعَتَقَ مَقْصُودًا فَلَا يَنْتَقِلُ انْتَهَى. وَأَدَّى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَيْضًا هَذَا الْمَعْنَى وَلَكِنْ بِطَرِيقِ النَّقْضِ، وَالْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ: وَنُوقِضَ قَوْلُهُ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ بِمَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ بِأَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ امْرَأَةَ مُكَاتَبٍ فَمَاتَ عَنْ وَفَاءٍ أَوْ أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ أَوْ الطَّلَاقِ حَيْثُ يَكُونُ الْوَلَدُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْهُمْ وَإِنْ أُعْتِقَ الْأَبُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَوْدَ إلَيْهِ بِعَوْدِ الْأَهْلِيَّةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا الْعِتْقِ لِلْأَبِ أَهْلِيَّةٌ لِتَعَذُّرِ إضَافَةِ الْعُلُوقِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِلَى مَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ لِمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجِعًا بِالشَّكِّ، لِأَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الطَّلَاقِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الرَّجْعَةِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ فَيَحْتَاجَ إلَى إثْبَاتِهَا لِيَثْبُتَ النَّسَبُ، وَإِذَا تَعَذَّرَ إضَافَتُهُ إلَى مَا بَعْدَ ذَلِكَ أُسْنِدَ إلَى حَالَةِ النِّكَاحِ فَكَانَ الْوَلَدُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْإِعْتَاقِ فَعَتَقَ مَقْصُودًا، وَمَنْ عَتَقَ مَقْصُودًا لَا يَنْتَقِلُ وَلَاؤُهُ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: مَدَارُ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ إلَخْ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ مَحَلُّ بَحْث، فَإِنَّ الْعَوْدَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا ثَبَتَ الْوَلَاءُ أَوَّلًا لِمَوَالِي الْأُمِّ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَوَالِي الْأَبِ بِصَيْرُورَتِهِ أَهْلًا، وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ عِتْقُ الْأُمِّ عَلَى عِتْقِ الْأَبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِتْقَ الْأَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى عِتْقِ الْأُمِّ فِي صُورَةِ إنْ عَتَقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ، إذْ لَا مَجَالَ لِإِحْدَاثِ الْعِتْقِ فِي الْمَيِّتِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي هَاتِيكَ الصُّورَةِ الْعَوْدُ أَصْلًا فَلَا يُتَوَهَّمُ بِهَا النَّقْضُ رَأْسًا عَلَى قَوْلِهِ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا عَادَ الْوَلَاءُ إلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ مَوْتٍ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا مِسَاسَ لِتِلْكَ الصُّورَةِ أَصْلًا بِمَسْأَلَةِ انْتِقَالِ الْوَلَاءِ بِالْجَرِّ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا أُعْتِقَتْ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ هُنَاكَ أَنْ يَقَعَ عِتْقُ الْأَبِ بَعْدَ عِتْقِ الْأُمِّ فَتَصِيرَ مَظِنَّةَ النَّقْضِ بِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ جَرِّ الْوَلَاءِ فَيَحْسُنُ تَدَارُكُ دَفْعِهِ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَدَارَكَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ رَبْطَ الصُّورَةِ الْأُولَى أَيْضًا بِمَا نَحْنُ فِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي تَصْوِيرِهَا: بِأَنْ كَانَتْ الْأَمَةُ امْرَأَةَ مُكَاتَبٍ فَمَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَأَدَّى إلَى تَأَخُّرِ عِتْقِ الْأَبِ عَنْ عِتْقِ الْأُمِّ. قُلْت: لَا يَتَيَسَّرُ التَّأَخُّرُ فِيمَا قَالَهُ أَيْضًا، إذْ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ الَّذِي مَاتَ عَنْ وَفَاءِ قَوْلَيْنِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَقُ فِي آخِرِ
[ ٩ / ٢٢٣ ]
ذَلِكَ فَيَرْجِعُونَ.
قَالَ (مَنْ تَزَوَّجَ مِنْ الْعَجَمِ بِمُعْتَقَةٍ مِنْ الْعَرَبِ فَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا) فَوَلَاءُ أَوْلَادِهَا لِمَوَالِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ ﵀. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حُكْمُهُ حُكْمُ أَبِيهِ، لِأَنَّ النَّسَبَ إلَى الْأَبِ كَمَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا لِأَنَّهُ هَالِكٌ مَعْنًى
جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ، فَعَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ تَقَدُّمُ عِتْقِ الْأَبِ عَلَى عِتْقِ الْأُمِّ فِيمَا صَوَّرَهُ أَيْضًا. وَثَانِيهِمَا مَذْهَبُ الْبَعْضِ وَهُوَ أَنَّهُ يَعْتِقُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَنْزِلَ حَيًّا تَقْدِيرًا فِي حَقِّ الْأَدَاءِ كَمَا يَنْزِلُ الْمَيِّتُ حَيًّا فِي حَقِّ التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ، فَعَلَى هَذَا أَنَّ اللَّازِمَ فِيمَا صَوَّرَهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ عِتْقِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا اعْتِبَارُ عِتْقِهِ بَعْدَ عِتْقِ امْرَأَتِهِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ مَوْتِهِ حَتَّى يَتَأَخَّرَ عِتْقُهَا عَنْ عِتْقِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ تَحَقُّقُ الْأَدَاءِ عَمَّا تَرَكَهُ الْمُكَاتَبُ وَفَاءً بَعْدَمَا أُعْتِقَتْ امْرَأَتُهُ وَيُعْتَبَرُ عِتْقُهُ حِينَ تَحَقُّقِ الْأَدَاءِ بَعْدَ الْمَوْتِ عَلَى مَذْهَبِ الْبَعْضِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا لِأَنَّهُ هَالِكٌ مَعْنًى) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَلِأَنَّ الرِّقَّ أَثَرُ الْكُفْرِ وَالْكُفْرُ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ أَيْ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ، فَصَارَ هَذَا الْوَلَدُ كَأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ فَيُنْسَبُ إلَى مَوَالِي الْأُمِّ ضَرُورَةً، كَذَا فِي الشُّرُوحِ.
أَقُولُ: هَاهُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْعَبْدِ هَالِكًا مَعْنَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِأَنَّ الرِّقَّ مِنْ أَثَرِ الْكُفْرِ، وَالْكُفْرُ مَوْتٌ حُكْمِيٌّ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ مُجَرَّدَ مَوْتِ الْأَبِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْوَلَاءِ لِمَوَالِيهِ، بَلْ إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الْوَلَاءِ لَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، إذْ عِنْدَ حَيَاتِهِ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ مَجْهُولِ الْأُبُوَّةِ وَأَنَّ وَلَدَهُ فِي حُكْمِ مَجْهُولِ النَّسَبِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ فَصَارَ هَذَا الْوَلَدُ كَأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ يُتَّجَهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَرِثَ مِنْ هَذَا الْوَلَدِ مَنْ يَنْتَمِي إلَيْهِ بِأَبِيهِ الْعَبْدِ مِنْ الْأَقَارِبِ الْأَحْرَارِ كَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَبْقَى أَبُوهُ ذَلِكَ عَبْدًا لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ مَجْهُولِ النَّسَبِ عَلَى الْفَرْضِ الْمَزْبُورِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ أَنَّ الْمَحْرُومَ عَنْ الْمِيرَاثِ كَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ وَالرَّقِيقُ لَا يَحْجُبُ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا جَمِيعًا، بَلْ يَرِثُ الْأَبْعَدُ عِنْدَ حِرْمَانِ الْأَقْرَبِ، فَالْأَوْلَى هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا
[ ٩ / ٢٢٤ ]
وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ فِيهِ، وَالنَّسَبُ فِي حَقِّ الْعَجَمِ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ وَلِهَذَا لَمْ تُعْتَبَرْ الْكَفَاءَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالنَّسَبِ، وَالْقَوِيُّ لَا يُعَارِضُهُ الضَّعِيفُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ عَرِيبًا لِأَنَّ أَنْسَابَ الْعَرَبِ قَوِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي حُكْمِ الْكَفَاءَةِ وَالْعَقْلِ، كَمَا أَنَّ تَنَاصُرَهُمْ بِهَا فَأَغْنَتْ عَنْ الْوَلَاءِ.
قَالَ ﵁: الْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ الْمُعْتَقَةِ وَالْوَضْعُ فِي مُعْتَقَةِ الْعَرَبِ وَقَعَ اتِّفَاقًا
(وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: نَبَطِيٌّ كَافِرٌ تَزَوَّجَ بِمُعْتَقَةٍ كَافِرَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ النَّبَطِيُّ وَوَالَى رَجُلًا ثُمَّ وَلَدَتْ أَوْلَادًا. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: مَوَالِيهِمْ مَوَالِي أُمِّهِمْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: مَوَالِيهمْ مَوَالِي أَبِيهِمْ) لِأَنَّ الْوَلَاءَ وَإِنْ كَانَ أَضْعَفَ فَهُوَ مِنْ جَانِبِ الْأَبِ فَصَارَ كَالْمَوْلُودِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوَالِي وَبَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ. وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْمُوَالَاةِ أَضْعَفُ حَتَّى يَقْبَلَ الْفَسْخَ، وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ لَا يَقْبَلُهُ، وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مُعْتَقَيْنِ فَالنِّسْبَةُ إلَى قَوْمِ الْأَبِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا، وَالتَّرْجِيحُ لِجَانِبِهِ لِشَبَهِهِ بِالنَّسَبِ أَوْ لِأَنَّ النُّصْرَةَ بِهِ أَكْثَرُ.
قَالَ (وَوَلَاءُ الْعَتَاقَةِ تَعْصِيبٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِالْمِيرَاثِ مِنْ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِلَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ هُوَ أَخُوك وَمَوْلَاك، إنْ شَكَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك وَشَرٌّ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ»
لِأَنَّهُ لَا أَهْلِيَّةَ لَهُ لِرِقِّهِ كَمَا مَرَّ، فَمَا لَمْ تَحْصُلْ الْأَهْلِيَّةُ لَهُ بِزَوَالِ رِقِّهِ لَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ لَهُ وَلَا لِمَوَالِيهِ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا تَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ حَتَّى اُعْتُبِرَتْ الْكَفَاءَةُ فِيهِ، وَالنَّسَبُ فِي حَقِّ الْعَجَمِ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُمْ ضَيَّعُوا أَنْسَابَهُمْ وَلِهَذَا لَمْ تُعْتَبَرْ الْكَفَاءَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالنَّسَبِ، وَالْقَوِيُّ لَا يُعَارِضُهُ الضَّعِيفُ) أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: ظَاهِرُ هَذَا التَّعْلِيلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَوَالِي الْأُمِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُقَدَّمِينَ فِي الْإِرْثِ عَلَى الْعَصَبَاتِ النِّسْبِيَّةِ لِأَوْلَادِهَا، بَلْ عَلَى أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ لَهُمْ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ كُلٍّ مِنْ الْعَصَبَاتِ النِّسْبَةَ وَأَصْحَابِ الْفَرَائِضِ بِالْقَرَابَةِ النِّسْبِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ النَّسَبُ فِي حَقِّ الْعَجَمِ ضَعِيفًا لَا يَصْلُحُ
[ ٩ / ٢٢٥ ]
«وَوَرَّثَ ابْنَةَ حَمْزَةَ ﵄ عَلَى سَبِيلِ الْعُصُوبَةِ مَعَ قِيَامِ وَارِثٍ» وَإِذْ كَانَ عَصَبَةً تَقَدَّمَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمُعْتِقِ)، لِأَنَّ الْمُعْتِقَ آخِرُ الْعَصَبَاتِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا» قَالُوا: الْمُرَادُ مِنْهُ وَارِثٌ هُوَ عَصَبَةٌ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي فَتَأَخَّرَ عَنْ الْعَصَبَةِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَالَ (فَإِنْ كَانَ لِلْمُعْتَقِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَهُوَ أَوْلَى) لِمَا ذَكَرْنَا (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَمِيرَاثُهُ لِلْمُعْتَقِ) تَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ صَاحِبُ فَرْضٍ ذُو حَالٍ، أَمَّا إذَا كَانَ فَلَهُ الْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ لِأَنَّهُ عَصَبَةٌ عَلَى مَا رَوَيْنَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَصَبَةَ مَنْ يَكُونُ التَّنَاصُرُ بِهِ لِبَيْتِ النِّسْبَةِ وَبِالْمَوَالِي الِانْتِصَارُ عَلَى مَا مَرَّ وَالْعَصَبَةُ تَأْخُذُ مَا بَقِيَ
(فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَمِيرَاثُهُ لِبَنِي الْمَوْلَى دُونَ بَنَاتِهِ)، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَدَ الْحَدِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي آخِرِهِ «أَوْ جَرَّ وَلَاءَ وَلَاءِ مُعْتَقِهِنَّ» وَصُورَةُ الْجَرِّ قَدَّمْنَاهَا، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهَا فَيُنْسَبُ بِالْوَلَاءِ إلَيْهَا وَيُنْسَبُ إلَيْهَا مَنْ يُنْسَبُ إلَى مَوْلَاهَا، بِخِلَافِ النَّسَبِ لِأَنَّ سَبَبَ النِّسْبَةِ فِيهِ
أَنْ يُعَارِضَ وَلَاءَ الْعَتَاقَةِ قَدْ يُرَى أَنْ لَا يُعَارِضَ أَحَدٌ مِنْ الْعَجَمِ فِي الْإِرْثِ بِجِهَةِ نَسَبِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ جِهَةَ الْعُصُوبَةِ أَوْ جِهَةَ الْفَرْضِ مَوَالِي الْعَتَاقَةِ لِقُوَّةِ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَضَعْفِ النَّسَبِ فِي حَقِّ الْعَجَمِ، وَمَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْإِرْثِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ
[ ٩ / ٢٢٦ ]
الْفِرَاشِ، وَصَاحِبُ الْفِرَاشِ إنَّمَا هُوَ الزَّوْجُ، وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ لَا مَالِكَةٌ، وَلَيْسَ حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُعْتَقِ مَقْصُورًا عَلَى بَنِي الْمَوْلَى بَلْ هُوَ لِعَصَبَتِهِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَيَخْلُفُهُ فِيهِ مَنْ تَكُونُ النُّصْرَةُ بِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى أَبًا وَابْنًا فَالْوَلَاءُ لِلِابْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُهُمَا عُصُوبَةً، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ لِلْجَدِّ دُونَ الْأَخِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْعُصُوبَةِ عِنْدَهُ.
وَكَذَا الْوَلَاءُ لِابْنِ الْمُعْتَقَةِ حَتَّى يَرِثَهُ دُونَ أَخِيهَا لِمَا ذَكَرْنَا، إلَّا أَنَّ عَقْلَ جِنَايَةِ الْمُعْتَقِ عَلَى أَخِيهَا لِأَنَّهُ مِنْ قَوْمِ أَبِيهَا وَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَتِهَا
(وَلَوْ تَرَكَ الْمَوْلَى ابْنًا وَأَوْلَادَ ابْنٍ آخَرَ) مَعْنَاهُ بَنِي ابْنٍ آخَرَ (فَمِيرَاثُ الْمُعْتَقِ لِلِابْنِ دُونَ بَنِي الِابْنِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْكِبَرِ) هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَمَعْنَاهُ الْقُرْبُ عَلَى مَا قَالُوا، وَالصُّلْبِيُّ أَقْرَبُ.
فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ وَسَيَجِيءُ فِي نَفْسِ هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا أَنَّ مَوَالِيَ الْعَتَاقَةِ مُطْلَقًا مُؤَخَّرُونَ فِي الْإِرْثِ عَنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ وَعَنْ الْعَصَبَاتِ النِّسْبِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُقَدَّمُونَ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْجِيهِ.
[ ٩ / ٢٢٧ ]