قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا أَوْ اسْتَعَارَهَا فَأَحْرَقَ الْحَصَائِدَ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي هَذَا التَّسْبِيبِ فَأَشْبَهَ حَافِرَ الْبِئْرِ فِي دَارِ نَفْسِهِ. وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَتْ الرِّيَاحُ هَادِئَةً ثُمَّ تَغَيَّرَتْ، أَمَّا إذَا كَانَتْ مُضْطَرِبَةً يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مُوقِدَ النَّارِ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي أَرْضِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا أَقْعَدَ الْخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ)
ثُمَّ إنَّ مَا ذَكَرَهُ كُلَّهُ مَنْقُوضٌ بِمَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْعُذْرَ الْكَامِلَ مُعْتَبَرٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ الْعُذْرِ أَيْضًا نَصٌّ وَلَمْ يَنْعَقِدْ عَلَيْهِ إجْمَاعٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ فِيهِ شَيْءٌ، فَالْمَدَارُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا هُوَ الْقِيَاسُ.
(مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ)
أَيْ مَسَائِلُ نُثِرَتْ عَنْ أَمَاكِنِهَا وَذُكِرَتْ هُنَا تَلَافِيًا لِمَا فَاتَ (قَوْلُهُ: وَإِذَا أَقْعَدَ الْخَيَّاطُ أَوْ الصَّبَّاغُ فِي حَانُوتِهِ مَنْ يَطْرَحُ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ) صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا كَانَ لِلْخَيَّاطِ أَوْ الصَّبَّاغِ دُكَّانٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ رَجُلٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ وَلَهُ وَجَاهَةٌ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ حَاذِقٍ فَيُقْعِدُ فِي دُكَّانِهِ رَجُلًا حَاذِقًا؛ لِيَتَقَبَّلَ الْعَمَلَ مِنْ النَّاسِ وَيَعْمَلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَهَذَا فِي الْقِيَاسِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِ صَاحِبِ الدُّكَّانِ الْمَنْفَعَةُ، وَالْمَنْفَعَةُ لَا تَصْلُحُ رَأْسَ مَالِ الشَّرِكَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمُتَقَبِّلَ لِلْعَمَلِ إنْ كَانَ صَاحِبَ الدُّكَّانِ فَالْعَامِلُ أَجِيرُهُ بِالنِّصْفِ، وَهُوَ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إذَا كَانَتْ نِصْفَ مَا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ كَانَتْ
[ ٩ / ١٤٩ ]
لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ فَتَنْتَظِمُ بِذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ فَلَا تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ.
قَالَ: (وَمَنْ اسْتَأْجَرَ جَمَلًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مَحْمَلًا وَرَاكِبَيْنِ إلَى مَكَّةَ جَازَ وَلَهُ الْمَحْمَلُ الْمُعْتَادُ)
مَجْهُولَةً لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَبِّلُ هُوَ الْعَامِلَ فَهُوَ مُسْتَأْجَرٌ لِمَوْضِعِ جُلُوسِهِ مِنْ دُكَّانِهِ بِنِصْفِ مَا يَعْمَلُ وَذَلِكَ أَيْضًا مَجْهُولٌ. وَالطَّحَاوِيُّ أَخَذَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِيَاسِ وَقَالَ: الْقِيَاسُ عِنْدِي أَوْلَى مِنْ الِاسْتِحْسَانِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ: يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ فِي الْعَمَلِ بِأَبْدَانِهَا سَوَاءٌ، فَيَصِيرُ رَأْسُ مَالِ أَحَدِهِمَا التَّقَبُّلَ، وَرَأْسُ مَالِ الْآخَرِ الْعَمَلَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ بِهِ الْأَجْرُ فَجَازَ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِإِجَارَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ، وَهِيَ شَرِكَةُ التَّقَبُّلِ؛ لِأَنَّ شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا، وَأَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ وَالْآخَرُ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ لِحَذَاقَتِهِ، وَهُوَ مُتَعَارَفٌ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا لِلتَّعَامُلِ بِهَا اهـ كَلَامُهُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ قَوْلَهُ وَأَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: بَحْثٌ، فَإِنَّ تَعَيُّنَ أَحَدِهِمَا لِتَوَلِّي الْقَبُولِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ كَوْنُهُ مِنْ مُتَنَاوَلَاتِهَا فَفِي الْعِبَارَةِ مُسَامَحَةٌ. اهـ.
أَقُولُ: مَنْشَأُ تَوَهُّمِهِ جَعْلُ الْوَاوِ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَأَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ لِلْعَطْفِ وَحَمْلُ الْمَعْنَى عَلَى بَيَانِ تَعَيُّنِ أَحَدِهِمَا لِتَوَلِّي الْقَبُولِ فِي شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُرَادٍ، بَلْ الْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ شَرِكَةَ التَّقَبُّلِ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا حَالَ كَوْنِ أَحَدِهِمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ كَوْنُ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا حَالَ أَنْ يَتَوَلَّيَا الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ مَعًا فَيَصِيرُ قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ هُنَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي؛ لِأَنَّ تَفْسِيرَ شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ لِجَاهِهِ، وَالْآخَرُ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ لِحَذَاقَتِهِ. اهـ. فَلَا مَحْذُورَ فِي عِبَارَةِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَلَا مُسَامَحَةَ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْعِنَايَةِ لَيْسَ بِمُنْفَرِدٍ فِي التَّعْبِيرِ بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ، بَلْ سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ تَفْسِيرَ شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُ الْعَمَلِ عَلَيْهِمَا وَأَحَدُهُمَا يَتَوَلَّى الْقَبُولَ مِنْ النَّاسِ لِجَاهِهِ، وَالْآخَرُ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ لِحَذَاقَتِهِ، وَهُوَ مُتَعَارَفٌ، وَوَجَبَ الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ انْتَهَى (قَوْلُهُ: لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ فَتَنْتَظِمُ بِذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ فَلَا تَضُرُّهُ الْجَهَالَةُ فِيمَا يَحْصُلُ) قَالَ الْإِمَامُ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ: قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذَا
[ ٩ / ١٥٠ ]
وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ لِلْجَهَالَةِ وَقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْمُنَازَعَةِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الرَّاكِبُ وَهُوَ مَعْلُومٌ وَالْمَحْمَلُ تَابِعٌ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْجَهَالَةِ يَرْتَفِعُ بِالصَّرْفِ إلَى التَّعَارُفِ فَلَا يُفْضِي ذَلِكَ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَكَذَا إذَا لَمْ يَرَ الْوَطَاءَ وَالدُّثُرَ. قَالَ: (وَإِنْ شَاهَدَ الْجَمَّالُ الْحِمْلَ فَهُوَ أَجْوَدُ)؛ لِأَنَّهُ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ وَأَقْرَبُ إلَى تَحَقُّقِ الرِّضَا. قَالَ: (وَإِنْ اسْتَأْجَرَ بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنْ الزَّادِ فَأَكَلَ مِنْهُ فِي الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عِوَضَ مَا أَكَلَ)؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ حِمْلًا مُسَمًّى فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ (وَكَذَا غَيْرُ الزَّادِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ) وَرَدُّ الزَّادِ مُعْتَادٌ عِنْدَ الْبَعْضِ كَرَدِّ الْمَاءِ فَلَا مَانِعَ مِنْ الْعَمَلِ بِالْإِطْلَاقِ.
بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ، فِيهِ نَوْعُ إشْكَالٍ، فَإِنَّ تَفْسِيرَ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَا شَيْئًا بِوُجُوهِهِمَا وَيَبِيعَا وَلَيْسَ فِي هَذِهِ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ. وَإِنَّمَا هِيَ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، إلَى هَاهُنَا كَلَامُهُ.
أَقُولُ: لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِشَرِكَةِ الْوُجُوهِ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ فِي الْحَقِيقَةِ مَا هُوَ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ الْمَارُّ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ بَلْ مُرَادُهُ بِهَا هَاهُنَا مَا وَقَعَ فِيهِ تَقَبُّلُ الْعَمَلِ بِالْوَجَاهَةِ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: فَهَذَا بِوَجَاهَتِهِ يَقْبَلُ، وَهَذَا بِحَذَاقَتِهِ يَعْمَلُ فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ، وَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهَا شَرِكَةَ الصَّنَائِعِ وَالتَّقَبُّلِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ. وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: فَفِي الْهِدَايَةِ حَمَلَهُ عَلَى شَرِكَةِ الْوُجُوهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ شَرِكَةُ الصَّنَائِعِ وَالتَّقَبُّلِ، فَكَأَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ أَطْلَقَ شَرِكَةَ الْوُجُوهِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَقْبَلُ الْعَمَلَ بِوَجَاهَتِهِ، إلَى هُنَا كَلَامُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بَعْدَ نَقْلِ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعَ نَبْوَةٍ عَنْ هَذَا انْتَهَى.
أَقُولُ: إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ كَوْنِهَا شَرِكَةً أُخْرَى بَلْ هُوَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ كَوْنِهَا إجَارَةً، وَأَنَّ مُرَادَهُ بِالْحَقِيقَةِ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ وَالصُّورَةَ لَا مَا يُقَابِلُ الْمَجَازَ، فَالْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَاقَدَةَ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ الصُّورَةِ وَظَاهِرِ الْحَالِ عَقْدُ إجَارَةٍ بِالنِّصْفِ إلَّا أَنَّهَا بِحَسَبِ حَقِيقَةِ الْحَالِ عَقْدُ شَرِكَةِ الْوُجُوهِ: أَيْ عَقْدُ شَرِكَةِ التَّقَبُّلِ بِالْوَجَاهَةِ فَلَا نَبْوَةَ عَنْ هَذَا فِي شَيْءٍ تَأَمَّلْ تَقِفْ.
[ ٩ / ١٥١ ]