أي مريد الصلاة "مروره" أي المار "يستحب له" أي مريد الصلاة "أن يغرز سترة" لما روينا ولقوله ﷺ "ليستتر أحدكم ولو بسهم" "وأن تكون طول ذراع فصاعدا" لأنه سئل رسول الله ﷺ عن سترة المصلى فقال: مثل مؤخرة الرحل بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة العود الذي في آخر الرحل يحاذي رأس الراكب على البعير وتشديد الخاء
_________________
(١) . فصل في اتخاذ السترة. بالضم هي في الأصل ما يستتر به مطلقا ثم غلب على ما ينصب قدام المصلى قهستاني قوله: "إذا ظن الخ" الأولى فعلها مطلقا لأن فيها كف بصره عما وراءها وجمع خاطره بربط الخيال بها كي لا ينتشر وقدمناه قوله: "يستحب له أن يغرز سترة" وأوجبه الإمام أحمد لظاهر الأمر ولما ورد عن عمر لو علم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس وعن ابن مسعود أنه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه وتصبح بالسترة المغصوبة عندنا وعند أحمد تبطل صلاته ومثله لصلاة في الثوب المغصوب عنده قوله: "لما روينا" من الحديث المذكور قبيل الفصل قوله: "طول ذراع" في الاعتداد بالأقل خلاف ولا خلاف في الأكثر وشمل كل ما انتصب كإنسان قائم أو قاعد أو دابة كما في القهستاني والحلبي وجوز في القنية بظهر الرجل ومنع بوجهه وتردد في جنبه ومنع بالمرأة غير المحرم واختلف في المحارم ولا يستتر بنائم ومجنون ومأبون في دبره وكافر كما في
[ ٣٦٥ ]
خطا وفسرت بأنها ذراع فما فوقه "في غلظ الأصبع" وذلك أدناه لأن ما دونه لا يظهر للناظر فلا يحصل المقصود منها "والسنة أن يقرب منها" لقول النبي ﷺ "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته" "ويجعلها على" جهة "أحد حاجبيه ولا يصمد إليها صمدا" لما روي عن المقداد ﵁ أنه قال: "ما رأيت رسول الله يصلي إلى عمود ولا شجرة إلا جعله على جانبه الأيمن أو الأيسر" ولا يصمد صمدا أي لا يقابله مستويا مستقيما بل كان يميل عنه "وإن لم يجد ما ينصبه" منع جماعة من المتقدمين الخط وأجازه المتأخرون لأن السنة أولى بالاتباع لما روي في السنن عن النبي ﷺ أنه قال إن لم يكن معه عصا "فليخط خطا" فيظهر في الجملة إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كيلا ينتشر ويجعله أما "طولا" بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه "و" ما كما "قالوا" أيضا بجعله "بالعرض مثل الهلال" وإذا كانت الأرض صلبة يلقي ما معه طولا كأنه غرز ثم سقط
_________________
(١) . العيني على البخاري قوله: "وفسرت بأنها ذراع" روى أصحاب السنن عن عطاء قال آخرة الرحل ذراع فما فوقه كذا في غاية البيان قوله: "في غلظ الأصبع" خلاف المذهب فلا حد لما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا يجزىء من السترة قدر مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة كذا في البحر عن البدائع وفي القهستاني والبئر والنهر والحوض الصغيرات ليست بسترة في الأصح والكبيرات منها كالطريق اهـ أي وهي لا تكون سترة لأنها مظنة المرور وفي العيني على البخاري وفي غريب الروايات النهر الكبير ليس بسترة كالطريق وكذا الحوض الكبير اهـ قوله: "وذلك أدناه" أي أدنى ما يغرز قوله: "والسنة أن يقرب منها" قالابن أمير حاج والنسة في ذلك أن لا يزيد ما بينها وبينه على ثلاثة أذرع اهـ والظاهر اعتبار هذا القدر من قدمه قوله: "لا يقطع" مجزوم في جواب شرط مقدر تقديره فإن يدن منها لا يقطع الشيطان عليه الصلاة ووجه القطع أنه إذا بعد منها يظن المار أنه لا سترة له فيمر داخلها فيدفعه وربما كان الدفع بعمل كثير فتفسد الصلاة قوله: "ويجعلها على جهة أحد حاجبيه" والأيمن أفضل قهستاني قوله: "منع جماعة من المتقدمين الخط" منهم صاحب الهداية قوله: "وأجازه المتأخرون" ورجحه الكمال لورود الأثر والحديث وإن جعله في البدائع شاذا وضعفه النووي فقد تعقب بتصحيح الإمام أحمد وابن حبان وغيرهما له ولو سلم أنه غير مفيد فلا ضرر فيه مع ما فيه من العمل الكثير بالحديث الذي يجوز العمل به في مثله كما في الشرح قوله: "لما روى" الأولى أن يقول وهي ما روي الخ قوله: "فيظهر الخ" الأولى أن يقول فيفيد في الجملة قوله: "بربط الخيال" أي خيال المصلي أي قوته المخيلة أي فيقل فكره بخلاف ما إذا عدمت فيتبع البصر فيكثر الفكر قوله: "بمنزلة الخشبة المغروزة" فيصير شبه ظل السترة قوله: "مثل الهلال" وقيل مدور شبه المحراب كما في القهستاني وفي شرح المشكاة للمنلا على وقاس الأئمة على الخط المصلى كسجادة مفروشة وهو قياس أولى لأن المصلي أبلغ في دفع
[ ٣٦٦ ]
هكذا اختاره الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى وقال هشام حججت مع أبي يوسف وكان يطرح بين يديه السوط وسترة الإمام سترة لمن خلفه لأن النبي ﷺ صلى بالأبطح عنزة ركزت له ولم يكن للقوم سترة. العنزة عصا ذات زج حديد في أسفلها "و" إذا اتخذها أو لم يتخذ كان "المستحب ترك دفع المار" لأن مبنى الصلاة على السكون والأمر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة كالأمر بقتل الأسودين في الصلاة "و" كذا "رخص دفعه" أي المار "بالإشارة" بالرأس أو العين أو غيرهما كما فعل النبي ﷺ بولدي أم سلمة "أو" دفعه "بالتسبيح" لقوله ﷺ: "إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح" "وكره الجمع بينهما" أي بين الإشارة والتسبيح لأن بأحدهما كفاية "ويدفعه" الرجل "برفع الصوت بالقراءة" ولو بزيادة على جهره الأصلي "وتدفعه" المرأة "بالإشارة أو التصفيق بظهر أصابع" يدها "اليمنى على صفحة كف اليسرى" لأن لهن التصفيق "ولا ترفع صوتها" بالقراءة والتسبيح "لأنه فتنة" فلا يطلب
_________________
(١) . المار من الخط السابق اهـ قوله: "يلقي ما معه" ظاهره ولو غير عصا كما يأتي قوله: "هكذا اختاره الفقيه أبو جعفر" واختار في التجنيس أنه لا يعتبر قوله: "زج حديد" قال في الشرح والزج الحديدة في أسفل الرمح اهـ فالإضافة للبيان وإذا قرىء بالتنوين فهو من الوصف الكاشف قال السيد وفي نهاية اللغة العنزة مثل نصف رمح وأكبر سنا وفيها سنان مثل سنان الرمح قال والعكاز قريب منها اهـ قوله: "ولذا رخص دفعه" أي لكون الأمر بالدرء في الحديث لبيان الرخصة والقول محذوف أي ولذا قلت قوله: "أو غيرهما" كاليد قهستاني قوله: "كما فعل النبي ﷺ بولدي أم سلمة" وهما عميرة وزينب حيث كان يصلي في بيتها فقام ولدها عميرة ليمر بي يديه فأشار إليه أن قف فوقف ثم قامت بنتها زينب لتمر بين يديه فأشار إليها أن قفي فأبت ومرت فلما فرغ ﷺ من صلاته نظر إليها وقال ناقصات عقل ناقصات دين صواحب يوسف صواحب كرسف يغلبن الكرام ويغلبهن اللئام اهـ ذكر في كتاب المعجم لابن شاهين قالوا: يا رسول الله من كرسف قال رجل كان يعبد الله على ساحل البحر ثلاثين عاما فكفر بالله العظيم بسبب امرأة عشقها تداركه سلف منه فتاب عليه كما في غاية البيان قوله: "ولو بزيادة على جهره الأصلي" المتبادر منه أن الجهر للدفع إنما يكون في الجهرية لا السرية وهو الذي في البحر ووجهه أن الجهر في صلاة السر مكروه تحريما ودرء المار رخصة فلا يرتكب المكروه لأجلها وتعقبه المؤلف في حاشية الدر بأن في الجهرية العلم بها حاصل اهـ أي فلا يحتاج لرفع الصوت والرخصة إنما تظهر في الممنوع لا في المشروع ويعلم مما هنا رد صدر التعقب بأنه قد لا يتأتى الدرء إلا بزيادة الجهر في الجهرية قوله: "بظهر أصابع الخ" عبارة الدر والمرأة تصفق لا ببطن على بطن فيصدق بالتصفيق ببطن اليمنى على ظهر اليسرى وهو الأيسر والأقل عملا ولعل عبارة المصنف مقلوبة عن هذا والأصل أو التصفيق بصفحة أصابع اليمنى على ظهر كف اليسرى قوله: "لأن لهن التصفيق" وقد يقال التصفيح
[ ٣٦٧ ]
منهن الدرء به "ولا يقاتل" المصلي "المار" بين يديه "وما ورد به" من قوله ﷺ: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه وليدرأ ما استطاع فإن أبى فليقاتله إنما هو شيطان" "مؤول بأنه كان" جواز مقاتلته في ابتداء الإسلام "والعمل" المنافي للصلاة "يباح" فيها إذ ذاك "وقد نسخ" بما قدمناه.
_________________
(١) . فهما بمعنى واحد ولو سبحت وصفق لا تفسد وقد تركا السنة در قوله: "والتسبيح" الواو بمعنى أو وهو كذلك في نسخ قوله: "لأنه فتنة" قد مر أن الفتنة إنما تكون بما فيه تمطيط وتبيين لا مطلق الصوت قوله: "ولا يقاتل المصلي الخ" الحاصل إنه إذا قصد المرور بين يديه إن كان قريبا منه يمكنه مدافعته بدون مشي أشار إليه أو لا ليرجع يسبح فإن لم يرجع دفعه مرة بلطف فإن لم يرجع تركه ولا يقاتله وإن كان بعيدا عنه إن شاء أشار إليه وإن شاء سبح فقط وإذا مر بين يديه ما لا تؤثر فيه الإشارة كهرة دفعه برجله أو ألصقه إلى السترة كذا في العيني على البخاري وعزاه للمالكية وقواعدنا لا تأباه وفيه أيضا ولا يجوز له المشي من موضعه ليرد وإنما يدافعه ويرده من موضعه لأن مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه ولا ينتهي بذلك إلى ما يفسد صلاته فإن دفعه بما يجوز له فمات فلا إثم عليه بإتفاق العلماء وهل تجب ديته أو يكون هدرا فيه مذهبان للعلماء والدية عليه في ماله كاملة وقيل هي على العاقلة اهـ وفي الدر عن الباقاني أنه يجب الضمان على مقتضى كتبنا وهدر عند الشافعي اهـ قوله: "إنما هو شيطان" قال الخطابي معناه أن الشيطان هو الذي حمله على ذلك ويجوز أن يراد بالشيطان نفس المار لأن الشيطان هو المارد الخبيث من الأنس ومن الجن قوله: "مؤول بأنه الخ" وأوله الإمام محمد بالمدافعة بعنف وأما حملها على ظاهر فغير ما عليه العامة قوله: "بما قدمناه" من قوله ﷺ: "إن في الصلاة لشغلا" والله ﷾ أعلم وأستغفر الله العظيم.
[ ٣٦٨ ]