"يجوز النفل" إنما عبر به ليشمل السنن المؤكدة وغيرها فتصح إذا صلاها "قاعدا مع
_________________
(١) . فصل في صلاة النفل جالسا قوله: "يجوز النفل قاعدا" مطلقا من غير كراهة كما في مجمع الأنهر قوله: "لما قيل
[ ٤٠٢ ]
القدرة على القيام" وقد حكي فيه إجماع العلماء وعلى غير المعتمد يقال إلا سنة الفجر لما قيل بوجوبها وقوة تأكدها إلا التراويح على غير الصحيح لأن الأصح جوازه قاعدا من غير عذر فلا يستثنى من جواز النفل جالسا بلا عذر شيء على الصحيح لأنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر قاعدا وكان يجلس في عامة صلاته بالليل تخفيفا وفي رواية عن عائشة ﵂ فلما أراد أن يركع قام فقرأ آيات ثم ركع وسجد وعاد إلى القعود وقال في معراج الدراية وهو المستحب في كل تطوع يصليه قاعدا موافقة للسنة ولو لم يقرأ حين استوى قائما وركع وسجد أجزأه ولو لم يستو قائما وركع لا يجزئه لأنه لا يكون ركوعا قائما ولا ركوعا قاعدا كما في التجنيس و"لكن له" أي للمتنفل جالسا "نصف أجر القائم" لقوله ﷺ: "من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد" "إلا" أنهم قالوا: هذا في حق القادر أما العاجز "من عذر" فصلاته بالإيماء أفضل من صلاة القائم الراكع الساجد لأنه جهد المقل والإجماع منعقد على أن صلاة القاعد بعذر مساوية لصلاة القائم في الأجر كذا في الدراية. قلت بل هو
_________________
(١) . بوجوبها" قال في الخلاصة وأجمعوا على أن ركعتي الفجر من غير عذر قاعدا لا تجوز كذا روى الحسن عن الإمام اهـ ولا يخفي ما في حكاية الإجماع على ذلك وليس الإجماع إلا على تأكدها كذا في الشرح وما في قوله ما قيل مصدرية قوله: "على الصحيح" يفيد أن القول بتحتم القيام في سنة الفجر وفي التراويح غير مرجح وليس كذلك أفاده السيد قوله: "بعد الوتر" أي غير الوتر لأن المقصود الإستدلال على جواز كل النفل قاعدا ويحتمل أنه إشارة إلى ما كان يفعله ﷺ من صلاة ركعتين بعد الوتر لبيان الجواز إلا أنه لا ينتج المدعي قوله: "ولو لم يستو قائما" بأن قام قياما تنال يداه فيه ركبتيه وركع وأما إذا وضع ركبتيه على الأرض ونصب نصفه الأعلى فالظاهر أنه لا مانع من الجواز قوله: "ولكن له نصف أجر القائم" يستثنى منه صاحب الشرع ﷺ كما ورد عنه ﷺ فإن أجر صلاته قاعدا كأجر صلاته قائما فهو من خصوصياته قوله: "ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد" صرح في البحر عن المشارق بنفي جوازه نائما فقال: ورد في بعض رواياته ومن صلى نائما أي مضطجعا فله نصف أجر القاعد ولا يمكن حمله على النفل مع القدرة لا يصح مضطجعا اللهم إلا أن يحكم بشذوذ هذه الرواية انتهى وفهم المؤلف من كلام القوم أن في ذلك خلافا كما هو عند الشافعية ولكن قال الكمال ولا أعلمه في فقهنا اهـ قوله: "فصلاته بالإيماء أفضل" أي مضطجعا أو مستلقيا أو قاعدا قوله: "لأنه جهد المقل" أي اجتهاد المقل بمعنى أنه ليس في وسعه غيره والجهد بمعنى المجهود قوله: "على أن صلاة القاعد" أي الذي يركع ويسجد فإن المومي تقدم الكلام عليه قوله: "قلت بل هو أرقى الخ" هو ظاهر لأن الصلاة بالإيماء أقل رتبة من
[ ٤٠٣ ]
أرقى منه لأنه أيضا جهد المقل ونية المرء خير من عمله "ويقعد" المتنفل جالسا "كالتشهد" إذا لم يكن به عذر فيفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب يمناه "في المختار" وعليه الفتوى ولكن ذكر شيخ الإسلام الأفضل له أن يقعد في موضع القيام محتبيا لأن عامة صلاة رسول الله ﷺ في آخر عمره كان محتبيا أي في النفل ولأن المحتبي أكثر توجها لأعضائه القبلة لتوجه الساقين كالقيام وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقعد كيف شاء لأنه لما جاز له ترك أصل القيام فترك صفة القعود أولى وأما المريض فلا يتقيد صفة جلوسه بشيء "وجاز إتمامه" أي إتمام القادر نفله "قاعدا" سواء كان في الأولى أو الثانية "بعد افتتاحه قائما" عند أبي حنيفة ﵀ لأن القيام ليس ركنا في النفل فجاز تركه وعندهما لا يجوز لأن الشروع ملزم فأشبه النذر ولأبي حنيفة أن نذره ملزم صلاة مطلقة وهي الكاملة بالقيام مع جميع الأركان والشروع لا يلزمه إلا صيانة النفل وهي لا توجب القيام فيتمه جالسا "بلا كراهة على الأصح" لأن البقاء أسهل من الابتداء وابتداؤه جالسا لا يكره فالبقاء أولى وكان ﷺ يفتتح التطوع ثم ينتقل من القيام إلى القعود ومن القعود إلى القيام روته عائشة
_________________
(١) . صلاة القاعد في العمل وإذا كانت مع قلة العمل فيها أفضل من صلاة القائم فصلاة القاعد بعذر وهي أكثر عملا أفضل منها بالأولى قوله: "ونية المرء خير من عمله" هذا إنما يظهر إذا خطر بباله أنه لو كان صحيحا لأداها قائما وإنما كانت خيرا لبعدها عن الرياء قوله: "ويقعد كالمتشهد" فيه إشارة إلى أنه لا يضع يمناه على يسراه تحت سرته لكن صرح في كتاب سياسة الدنيا والدين بأنه يضع وإليه يشير قولهم إن القعود كالقيام اهـ من السيد قوله: "في المختار" هو إحدى روايات ثلاث عن الإمام وبها أخذ زفر قال في النهر ولا شك في جواز القعود على أي حال وإنما الاختلاف في تعيين ما هو الأفضل اهـ قوله: "ولكن ذكر شيخ الإسلام" هذه رواية ثانية عن الإمام وبها أخذ أبو يوسف وعن الإمام أنه يتربع وبها أخذ محمد كما في مجمع الأنهر فإذا أراد أن يركع يعني على الروايتين الأخيرتين افترش رجله اليسرى وجلس عليها ليكون أيسر عليه كذا في ابن أميرحاج وهذا الخلاف في غير حال التشهد أما فيه فإنه يجلس كما يجلس المتشهد بالإجماع سواء سقط القيام لعذر أم لا اهـ نهر قوله: "لتوجه الساقين" أي وكل القدمين وهو لازم لما قبله قوله: "وعندهما لا يجوز" الخلاف في غير الشفع الثاني أما لو ابتدأ الشفع الأول قائما ثم قعد في الشفع الثاني فهو جائز اتفاقا لأن كل شفع صلاة على حدة قوله: "ولأبي حنيفة أن نذره ملزم الخ" لا فرق في لزوم القيام فيه بين أن يلتزمه نصا أو لا واختاره الكمال وفي المحيط أنه إن لم يلتزم القيام نصا لا يلزمه قال فخر الإسلام هو الصحيح أفاده السيد قوله: "بالقيام الخ" متعلق بالكاملة قوله: "بلا كراهة على الأصح" واختار صاحب الهداية الكراهة إذا كان من غير عذر كالإعياء والتعب قوله: "ثم يتنقل
[ ٤٠٤ ]
﵂ "وينتقل" أي جاز له التنفل بل ندب له "راكبا خارج المصر" يعني خارج العمران ليشمل خارج القرية والأخبية بمحل إذا دخله مسافر قصر الفرض وسواء كان مسافرا أو خرج لحاجة في بعض النواحي على الأصح وقيل إذا خرج قدر ميل وقيل إذا خرج قدر فرسخين جاز له وإلا فلا وعن أبي يوسف جوازها في المصر أيضا على الدابة "موميا إلى أي جهة" ويفتتح الصلاة حيث "توجهت" به "دابته" لمكان الحاجة ولا يشترط عجزه عن إيقافها للتحريمة في ظاهر الرواية لقول جابر "رأيت رسول الله ﷺ يصلي النوافل على راحلته في كل وجه يومئ إيماء ولكنه يخفض السجدتين من الركعتين" ورواه ابن حبان في صحيحه وإذا حرك رجله أو ضرب دابته فلا بأس به إذا لم يصنع شيئا كثيرا وبنى.
_________________
(١) . من القيام إلى القعود" أي في الركعة الواحدة فقد ذكر في مجمع الروايات أنه ﷺ كان يفتتح التطوع قائما ثم يقعد فإذا بقي من قراءته مقدار عشرين آية أو ثلاثين قام فقرأ ثم سجد كذا في الشرح قوله: "أي جاز له التنفل" لأن الصلاة خير موضوع فلو اشترط ما يشق من نحو النزول يلزم الإنقطاع عن الخير قال في المبسوط لو لم يكن في التنفل على الدابة من المنفعة إلا حفظ اللسان من فضول الكلام لكان كافيا في جوازه قوله: "بل ندب له" لفعله ﷺ كثيرا قوله: "إذا دخله" أي وصل إليه قوله: "على الأصح" هو قول جمهور العلماء وعند مالك يشترط كونه مسافرا وذكره في الذخيرة عن محمد وليس مشهورا عنه ولكن عن أبي يوسف جوازها في المصر بلا كراهة وعن محمد كذلك وفي رواية أجازه مع الكراهة مخافة الغلط بكثرة اللغط واستدلا بما روى عن ابن عمر أنه ﷺ ركب الحمار في المدينة يعود سعد بن عبادة وكان يصلي وهو راكب وأجيب عن الإمام بشذوذ الحديث وتمامه في الشرح قوله: "موميا إلى أي جهة الخ" فلو سجد على سرجه أو على شيء وضع عنده يكون عبثا لا فائدة فيه فيكره ولا تفسد لأنه إيماء وزيادة اللهم إلا أن يكون ذلك الشيء نجسا فتفسد لاتصال النجاسة به كما حققه البرهان الحلبي قوله: "ويفتتح الصلاة الخ" إنما زاده لوقوع الخلاف فيه فإن الإمام الشافعي ﵁ يشترط الإستقبال عند الإفتتاح وفي شرح عمدة الأحكام وعند أبي حنيفة وأبي ثور يفتتح أولا إلى القبلة استحبابا ثم يصلي كيف شاء وبه قال أحمد وهو الأشبه كذا في ابن أميرحاج قوله: "حيث توجهت به دابته" أشار به إلى أنه إذا صلى إلى غير ما توجهت به دابته لا يجوز لعدم الضرورة إلى ذلك كما في السراج وفي توحيد الضمير في قوله موميا وقوله به إشارة إلى أن الصلاة على الدابة لا تصح بالجماعة فإن فعلوا فصلاة الإمام صحيحة وصلاة القوم فاسدة وقيل تجوز إذا كانا على دابة واحدة كما في البحر عن الظهيرية وبه جزم في الدرر قوله: "في ظاهر الرواية" وقال الكاكي يشترط ذلك وإن تعذر جاز قال في الشرنبلالية وينبغي حمله على صلاة الفرض لأن باب النفل أوسع اهـ قوله: "وإذا حرك الخ" أشار به إلى أن تسيره لا يضر إذا كان بعمل قليل وهو المعتمد خلافا
[ ٤٠٥ ]
بنزوله" على ما مضى إذا لم يحصل منه عمل كثير كما إذا ثنى رجله فانحدر لأن إحرامه انعقد مجوزا للركوع والسجود عزيمة بنزوله بعده فكان له الإيماء بهما راكبا رخصة وبهذا يفرق بين جواز بنائه وعدم بناء المريض بالركوع والسجود وكان موميا لأن إحرام المريض لم يتناولهما لعدم قدرته عليهما فلذا "لا" يجوز البناء بعد "ركوبه" على ما مضى من صلاته نازلا في ظاهر الرواية عنهم لأن افتتاحه على الأرض استلزم جميع الشروط وفي الركوب يفوت شرط الاستقبال واتحاد المكان وطهارته وحقيقة الركوع والسجود "و" جاز الإيماء على الدابة و"لو كان بالنوافل الراتبة" المؤكدة وغيرها حتى سنة الفجر "و" روي "عن
_________________
(١) . لما في القنية أنه إذا سيرها صاحبها لم يجز الفرض ولا التطوع قوله: "لأن إحرامه انعقد مجوزا للركوع والسجود" إيضاحه أن يقال أن بناء بعض الصلاة على بعض عند الاختلاف إنما يجوز إذا تناولتهما تحريمة واحدة وأما إذا لم يكونا كذلك فلا يجوز إذا ظهر هذا فتحريمة الراكب انعقدت مجوزة للإيماء راكبا وللركوع والسجود بتقدير النزول فكان ما صلى بالإيماء وهو راكب وما يصلي بعد النزول بركوع وسجود داخلين تحت تحريمة واحدة فجاز بناء أحدهما على الآخر وإحرام النازل انقعد موجبا للركوع والسجود فقط فلم يتناول الإيماء راكبا فلا يصح بناؤه عليه كذا في العناية فإن قيل ما ذكر فيه بناء القوي على الضعيف وذلك لا يجوز كما في المريض إذا صح أجيب بأن إحرام المريض لم يتناول الأركان أي الأصلية بدون إيماء لعدم قدرته عليها فلا يجوز بناء ما لم يتناوله إحرامه على ما تناوله وأجيب أيضا بأن إيماء الراكب كركوعه وسجوده في القوة وليس خلفا عنهما ولذا جاز ابتداؤه بالإيماء مع قدرته على النزول إذ الخلف ما لا يصار إليه إلا عند تعذر الأصل ولا يصبح الجمع بينهما بخلاف المريض فإن إيماء خلف لا يجوز له ابتداء مع القدرة أي فلا يصح الجمع بينه وبين الأصل فلا يصح له البناء قال في النهاية وعلى هذا الفرق يجب أن لا يبني في المكتوبة فيما إذا افتتحها راكبا لعذر ثم نزل لأنه ليس له أن يفتتحها على الدابة عند القدرة فكان الإيماء فيها خلفا فلا يصح البناء للزوم الجمع بين الأصل والخلف ولهذا قيد المسئلة في الهداية بالمتطوع اهـ قوله: "عزيمة" أي أمرا محتما عليه وهو مفعول مطلق لمحذوف أي عزم عليه عزيمة وقوله بنزوله متعلق به قوله: "فكان له الإيماء" الأولى أن يقول وللإيماء بهما عطف على قوله للركوع قوله: "رخصة" أي جاء على خلاف الحكم الأصلي تسهيلا قوله: "وبهذا" الإشارة ترجع إلى التعليل قوله: "فلذا" أي للتعليل بعدم التناول قال في الشرح وعدم بناء المريض إذا قدر على الركوع والسجود وكان موميا لأن إحرام المريض لم يتناولهما لعدم قدرته عليها فصار كإحرام النازل الذي افتتح الصلاة على الأرض فلا يجوز بناء ما لم يتناوله إحرامه على ما تناوله فلذا لا تجوز الخ قوله: "في ظاهر الرواية" وقال زفر يجوز له البناء كما أوضحه في الفتح قوله: "حتى سنة الفجر" بالجر عطفا على النوافل الراتبة قوله:
[ ٤٠٦ ]
أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه ينزل" الراكب "لسنة الفجر لأنها آكد من غيرها" قال ابن شجاع ﵀ يجوز أن يكون هذا لبيان الأولى يعني أن الأولى أن ينزل لركعتي الفجر كذا في العناية وقدمنا أن هذا على رواية وجوبها "وجاز للمتطوع الاتكاء على شيء" كحصى وحائط وخادم "إن تعب" لأنه عذر كما جاز أن يقعد "بلا كراهة وإن كان" الاتكاء "بغير عذر كره في الأظهر لإساءة الأدب" بخلاف القعود بغير عذر بعد القيام كما قدمناه "ولا يمنع صحة الصلاة على الدابة نجاسة" كثيرة "عليها" أي الدابة "ولو كانت" التي تزيد على الدرهم "في السرج والركابين على الأصح" وهو قول أكثر مشايخنا للضرورة "ولا تصح صلاة الماشي بالإجماع" أي إجماع أئمتنا لاختلاف المكان.
_________________
(١) . "يعني أن الأولى الخ" أي فيجاب عنه بجوابين قوله: "كره في الأظهر" أي تنزيها بدليل التعليل قوله: "بخلاف القعود" فإنه لا كراهة فيه على الأصح قوله: "للضرورة" ولأنه لما سقط اعتبار الأركان الأصلية فلأن يسقط شرط طهارة المكان أولى قوله: "ولا تصح صلاة الماشي" ولا السابح وهو يسبح كما في المضمرات سواء كان بعذر أم لا فرضا كانت الصلاة أم لا قوله: "لاختلاف المكان" ولأن كلا من المشي والسباحة مناف للصلاة وأداء الأركان مع المنافي لا يصح والله ﷾ أعلم وأستغفر الله العظيم.
[ ٤٠٧ ]