اتفق أصحابُنا على أنّ الماء المستعمل في البدن لا يبقى طهورًا (^١). (ف) (^٢)
وهل هو طاهرٌ أم نجسٌ؟ الصّحيح أنّه طاهر (^٣). (ظ) (^٤)
واختلفوا في أنه هل يصير مستعملًا بسقوط الفرض إذا لم ينو ذلك، أو قَصَد التبرَّدَ (^٥)، أو أَخرج الدلوَ من البئر؟
فعند أبي حنيفة (^٦) وأبي يوسف (^٧) رحمهما الله يصير مستعملًا (^٨).
ثم اتفقوا على أنّه مادام على العضو ولم يزايله ليس بمستعمل (^٩).
_________________
(١) يُنظر: تحفة الفقهاء ١/ ٧٧، بدائع الصنائع ١/ ٦٦، الهداية ١/ ٢٢، درر الحكام ١/ ٢٤.
(٢) فتاوى قاضيخان ١/ ٧.
(٣) لأنّه ماءٌ طاهرٌ لاقى عضوا طاهرًا فحدوث النجاسة غير متأت، وما نقله المؤلف عن الظهيرية من تصحيح القول بطهارة الماء المستعمل هو ظاهر الرواية، وهو الذي عليه الفتوى كما نقله ملا علي القاري. يُنظر: تحفة الفقهاء ١/ ٧٧، بدائع الصنائع ١/ ٦٦، الهداية ١/ ٢٢، درر الحكام ١/ ٢٤، فتح باب العناية ١/ ١٢٠.
(٤) الفتاوى الظهيرية (٦/ب).
(٥) يعني لو توضأ المحدث للتبرد، لا مطلق التبرّد ولا وضوء المتوضئ بنيّة التبردّ. يُنظر: حاشية الشلبي على التبيين ١/ ٢٤.
(٦) يُنظر: الأصل ١/ ٢١، تحفة الفقهاء ١/ ٧٧، بدائع الصنائع ١/ ٦٦.
(٧) يُنظر: المصادر السابقة.
(٨) يعني بما ذكر من إزالة الحدث أو نية القربة، اجتمعا أو تفرّقا، وذلك لأنَّ الاستعمالَ بانتقالِ نجاسةِ الآثامِ إلى الماء، وأنّها تزالُ بالقربةِ وإسقاطِ الفرض مؤثِّرٌ أيضًا، وعند محمد: إذا قصد به التقرّب لا غير، وما نقله المؤلف عن أبي حنيفة وأبي يوسف هو المختار في الهداية والاختيار والكنز والوقاية والدر المختار وغيرها. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٧٠، الهداية ١/ ٢٣، الاختيار ١/ ١٥، كنز الدقائق ص ١٤١، فتح القدير ١/ ٩٠، عمدة الرعاية ١/ ٣٩٦.
(٩) هذا شروعٌ من المؤلف في بيان متى يكون الماء مستعملًا؟ وقد حرر محل النزاع بين الحنفية بما ذكره، ونحوه عن البابرتي في العناية بقوله: " اتفق علماؤنا - ﵏ - على أن الماء ما دام مترددا في العضو ليس له حكم الاستعمال". يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٨، الهداية ١/ ٢٣، فتح القدير ١/ ٩٠، العناية ١/ ٨٩.
[ ١٨١ ]
وإذا زايلَ العضوَ ولم يصلْ إلى الأرضِ ولا إلى موضعٍ يستقر فيه بل هو في الهواء، قال عامّة علمائنا: هو مستعمل؛ بدليل أنّ المحدثَ إذا غسل ذراعيه فأمسك إنسانٌ يدَه تحت ذارعيه وغسلها بذلك الماء لا يجوز، وكذا المحدثُ إذا غسل عضوًا (فقبْل) (^١) أن يجتمع في المكان غَسل به عضوًا آخر لا يجوز (^٢).
(خ) (^٣) (ظ) (^٤)
وذكر الطّحاويُّ (^٥) وأبو (سهل) (^٦) الكبير (^٧) وبه يقول أصحاب العشرة (^٨) ببخارى: أن الماء لا يصير مستعملًا ما لم يستقر في مكانٍ من الأرض أو إناء، حتى لو بقيت في العضو لمعةٌ فصرف
البللَ الذي على ذلك العضو إلى اللمعة جاز (^٩).
_________________
(١) في (ج): فقيل.
(٢) ولأن سقوط حكم الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده، وما ذكره من وصف الماء المستعمل هو المصحح في الهداية والكافي والنهر والدر المختار وغيرها. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٨، الهداية ١/ ٢٣، المحيط البرهاني ١/ ١٢١، البناية ١/ ٤٠٤، البحر الرائق ١/ ٩٨، النهر الفائق ١/ ٨٠، حاشية ابن عابدين ١/ ١٥٧.
(٣) الخلاصة في الفتاوى ١/ ٧.
(٤) الفتاوى الظهيرية (٧/أ).
(٥) لم أقف على هذا النقل عنه في شيء من كتبه، ويُنظر: المحيط البرهاني ١/ ١٢١، العناية ١/ ٩٠، مجمع الأنهر ١/ ٣١.
(٦) كذا في سائر النسخ، ولم أقف على أحدٍ بهذا الاسم عند الحنفية، والذي في البحر الرائق عند ذكر هذه المسالة هو: أبو حفص الكبير، ولأبي حفص الكبير أخٌ اسمه سهل. يُنظر: البحر الرائق ١/ ٩٨.
(٧) هو أحمد بن حفص بن الزبرقان بن عبد الله بن أبجر العجلي البخاري، أبو حفص الكبير، فقيه بخارى، أخذ الفقه عن محمد بن الحسن، وهو أحد رواة كتاب الأصل، لقي أبا يوسف ومالك بن أنس وسمع سفيان بن عُيينة وعبد الله بن المبارك وجماعة. ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة ٢١٧ هـ. يُنظر: الجواهر المضية ١/ ٦٧، تاج التراجم ص ٩٤، سلم الوصول ١/ ١٤٢.
(٨) لم أهتدِ لمراد المؤلف هنا، وفي هامش نسخة آيا صوفيا صححت هذه الكلمة إلى (أصحاب العِترة)، وهذا الرأي نُسب فيما وقفت عليه من كتب الحنفية إلى بعض مشايخ بلخ، والطحاوي، وأبي حفص الكبير، وفخر الإسلام البزدوي، والظهيرية، والخلاصة، وهو المصحّح في الكنز، ويُحتمل أن يكون المراد من قدّروا الحوض عشرًا في عشر من فقهاء بخارى. يُنظر: المحيط البرهاني ١/ ١٢١، كنز الدقائق ص ١٤١، البحر الرائق ١/ ٩٨.
(٩) وهذا جائز حتى على القول الأول؛ لأنّ فرض الغَسل إنما تأدّى بما جرى على عضوه لا بالبلة الباقية فلم تكن هذه البلة مستعملة، كما نبّه عليه ابن نجيم وغيره. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٩، فتح القدير ١/ ٩٠، البحر الرائق ١/ ٩٨.
[ ١٨٢ ]
ولو صرف البللَ الذي على اليمينِ إلى (اللّمعة التي) (^١) على اليسار، أو بالعكس لا يجوز، ولو كان في الجنابة جاز؛ لأنّ الأعضاء كلَّها كعضوٍ واحدٍ في باب الجنابة (^٢). (طح) (^٣) (خ) (^٤)
وإن زايل العضوَ وهو في الجريان لا يأخذُ حكمَ الاستعمال أيضًا إلا إذا بَعُد، حتى إنّ ماء الحمّام ما دام في الحمّام يجري ليس بمستعمل، أما إذا خرج من الحمّام فيصير مستعملًا (^٥).
واختيار بعض المتأخرين من أصحابنا أنه لا يصير مستعملًا ما لم يستقر في مكان ويسكن عن التحرك (^٦). (خ) (^٧)
وفي الاختيار (^٨): الأول هو المختار (^٩).
_________________
(١) في (أ): البلل الذي.
(٢) يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٩، المحيط البرهاني ١/ ١٢١، الفتاوى الهندية ١/ ٥.
(٣) شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص ٩٧، (تحقيق: محمد الغازي).
(٤) الخلاصة ١/ ٧.
(٥) لبعده حينئذ كما هو المفهوم من تعليل المؤلف في الصورة الأولى، وهذا كلّه تفريعٌ على قوله سابقًا: "الماء لا يصير مستعملًا ما لم يستقر في مكان من الأرض أو إناء". يُنظر: فتح القدير ١/ ٧٩، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٠٣، البحر الرائق ١/ ٩١، كمال الدراية ١/ ١٠٣.
(٦) وهذا قول الطحاوي وأبي حفص المذكور آنفًا.
(٧) الخلاصة في الفتاوى ١/ ٧.
(٨) الاختيار ١/ ١٦.
(٩) يعني إذا زايل العضو ولو لم يستقر في مكان.
[ ١٨٣ ]
والماءُ المستعملُ هو: ما أُزيل به حدثٌ أو استعمل في البدنِ على وجه القُربة كالوضوء على الوضوء بنية العبادة. (اخ) (^١)
المحدثُ أو الجنبُ إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف وليس عليه نجاسةٌ لا يَفسد الماء (^٢).
وكذا إذا وقع الكوز في الجُبّ [فأدخل يده في ماء الجُبِّ] (^٣) إلى المرفقِ لإخراج الكُوز لا يصير مستعملًا (^٤).
وكذا الجنبُ إذا أدخل رجليه في البئرِ لطلبِ الدّلْو لا يصير مستعملًا (^٥).
الجنبُ إذا أخذ الماءَ بفيه وغسل أعضاءَه بذلك أو أخذ الماء بفِيه وملأ به الآنية كان طاهرًا، ولا يبقى طهورًا هو الصحيح؛ لأنّه صار مستعملًا بسقوط الفرض (^٦)، أو لأنّه خالط البزاق فلا يكون طهورًا (^٧).
ولو أدخل يدَه أو رجلَه في الإناء للتبرّد يصير مستعملًا لانعدام الضرورة (^٨). (ف) (^٩)
_________________
(١) الاختيار ١/ ١٧.
(٢) يعني بلا يفسد هنا: لا يصير مستعملا، ومن باب أولى: لا ينجس، ووجه ذلك: الضرورة إلى ذلك فقد لا يجد ما يغترف به، كذا في المبسوط ١/ ٥٢. يُنظر: المبسوط ١/ ٥٢، بدائع الصنائع ١/ ٦٩، المحيط البرهاني ١/ ١٢٢، البناية ١/ ٤٠٦.
(٣) ساقطة من (ب).
(٤) لما سبق من الاستدلال بالضرورة.
(٥) لما سبق من الاستدلال بالضرورة.
(٦) يعني المضمضة، وإن لم ينوها كما سبق في أول الفصل.
(٧) وما صحّحه المؤلف هنا في المسألتين هو قول أبي يوسف، وهو المصحح في البحر والنهر وغيرهما، وأما محمّدٌ فذهب إلى أنّ الماء طهور. يُنظر: جامع المضمرات ١/ ١٠٧، البحر الرائق ١/ ١٩، النهر الفائق ١/ ٣٨، حاشية ابن عابدين ١/ ١١٢.
(٨) يُنظر: المبسوط ١/ ٤٧، فتح القدير ١/ ٨٨، حاشية ابن عابدين ١/ ١٨٣، وقد نبّه ابن الهمام على أن هذا ما إذا كان مدخل يده هذا محدثا، فإن لم يكن محدثًا فلا يكون الماء مستعملا.
(٩) فتاوى قاضيخان ١/ ٧.
[ ١٨٤ ]
وفي الظهيري (^١): ولا نأخذ به (^٢).
والماءُ الذي غُسل به اليدان قبل الطّعام أو بعده يصير مستعملًا لإقامة القربة (^٣) (^٤).
ومن احتجمَ ثم اغتسل فماؤه مستعمل (^٥).
وإذا أفاض الماءَ على دابّة يؤكل لحمُها ولا نجاسة في نفسها لا يصير الماء مستعملًا (^٦).
وإذا غسل رأسه ليحلق شعره وهو متوضئ لا يصير الماء مستعملًا.
وكذلك إذا غسل يده بعد ما تلطخت بالطين والعجين.
وكذلك إذا غسل رجليه من الطين. (ظ) (^٧)
_________________
(١) الفتاوى الظهيرية (٧/أ)، ونصّه: "إذا غسل الرجل نفسه للتبرّد يصير الماء مستعملًا، ولا نأخذ به".
(٢) وهذا القول الثاني في مذهب الحنفية، فلو أدخل الرجل يدَه أو رجلَه في الإناء للتبرّد لا يصير مستعملًا، وهو المختار في الظهيرية، ولعله لانتفاء قصد القربة على أصل محمد بن الحسن. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٩، تبيين الحقائق ١/ ٢٤، البناية ١/ ٤٠٢، فتح القدير ١/ ٨٧، البحر الرائق ١/ ٩٦.
(٣) معنى إقامة القربة: ما يتعلق بها حكم شرعي هو الثواب، وعليه فيلزم أن يقصدها كما نبّه عليه ابن نجيم، فلو غسل يديه قبل الطعام أو بعده من غير نيّة القربة فليس بمستعمَل. يُنظر: البحر الرائق ١/ ٩٦، النهر الفائق ١/ ٧٨، حاشية الطحطاوي على المراقي ص ٢٣.
(٤) ووجه كون غسل اليدين قبل الطعام أو بعده قربة ما أخرجه أحمد في مسنده، (٣٩/ ١٣٥:برقم ٢٣٧٣١) عن سلمان، قال: قرأت في التوراة: بركة الطعام الوضوء بعده، قال: فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- وأخبرته بما قرأت في التوراة فقال: " بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ".أنكره أحمد وأبو حاتم، وضعفه أبو داود، والبيهقي، والألباني، وحسنه المنذري. يُنظر في الحكم على الحديث: المقرر على أبواب المحرر ٢/ ١٥، السلسلة الضعيفة ١/ ٣٠٩. ويُنظر في فقه المسألة: بدائع الصنائع ١/ ٦٩، فتح القدير ١/ ٨٨، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٢٧، البحر الرائق ١/ ٩٦.
(٥) لأن الاغتسال من الحجامة قُربة. يُنظر: الصفحة رقم ١٢٩ من هذا البحث.
(٦) لعدم رفع الحدث، ولانتفاء القربة في هذه الصورة والصور الثلاث الآتية. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٦٩، البحر الرائق ١/ ٩٦، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣، حاشية ابن عابدين ١/ ١٩٩.
(٧) الفتاوى الظهيرية (٧/أ).
[ ١٨٥ ]
وإذا توضأ به الصبيُّ يصير الماء مستعملًا (^١).
جنبٌ رفع الماء بفيه من غير نية المضمضة وغسل به ثوبه عن النجاسة يجوز بالاتفاق (^٢). (ظ) (^٣)
غُسالة الميّت إذا لم يكن على بدنه نجاسةٌ يصير الماء مستعملًا (^٤)، ولا يكون نجسًا على الأصحّ (^٥). (ظ) (^٦)
جنبٌ اغتسل فانتضح من غُسله شيءٌ في الإناء لم يَفسد عليه الماء (^٧)، أمّا إذا كان يسيل فيه سيلانًا أفسده (^٨).
_________________
(١) لأنّه نوى قربة معتبرة. يُنظر: المحيط البرهاني ١/ ١٢٣، تبيين الحقائق ١/ ٢٥، البناية ١/ ٤٠٣، فتح القدير ١/ ٨٨.
(٢) لأنّ الماء المستعمل طاهر يجوز أن تُزال به النجاسة، بخلاف ما لو أراد الوضوء به لم يصح، وقد حكى الاتفاق كذلك العيني في البناية. يُنظر: المحيط البرهاني ١/ ١٢٢، البناية ١/ ٣٦٦، النهر الفائق ١/ ٧٩، منحة الخالق ١/ ١٩.
(٣) الفتاوى الظهيرية (٧/أ).
(٤) لأنّه استعمل في قربة. يُنظر: البحر الرائق ١/ ٢٤٥، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣، حاشية الطحطاوي على المراقي ص ٣٧، حاشية ابن عابدين ١/ ٢١١.
(٥) خلافًا لظاهر ما نقل عن محمد، ففي البحر الرائق ١/ ٢٤٥: "غسالة الميت نجسة، أطلق ذلك محمد في الأصل، والأصحُّ أنه إذا لم يكن على بدنه نجاسة يصير الماء مستعملا ولا يكون نجسا إلا أن محمدا إنما أطلق ذلك؛ لأن بدن الميت لا يخلو عن نجاسة غالبًا"، وقد تعقب ابن عابدين هذا وصحح القول بأن غسالة الميت نجسة، وأن كلام محمد على ظاهره. يُنظر: البحر الرائق ١/ ٢٤٥، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣، حاشية الطحطاوي على المراقي ص ٣٧.
(٦) الفتاوى الظهيرية (٧/أ).
(٧) لمشقة التحرز عنه، والإفساد هنا محمول على النجاسة أو انتفاء الطهوريّة بناء على الخلاف في حكم الماء المستعمل. يُنظر: الأصل ١/ ٢٠، المبسوط ١/ ٤٦، المحيط البرهاني ١/ ١١٢، البحر الرائق ١/ ٧٤، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣.
(٨) لكثرته وإمكان التحرز عنه. يُنظر: المبسوط ١/ ٤٦، المحيط البرهاني ١/ ١١٢، البحر الرائق ١/ ٧٤، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣.
[ ١٨٦ ]
وكذا في حوض الحمَّام على هذا (^١).
والفتوى على أنه لا يُخرجُه من الطّهورية (^٢).
ويُكره شربُ الماءِ المستعمل (^٣).
وأما الماءُ النّجسُ فيجوز الانتفاع به كسقي الدّواب (^٤). (خ) (^٥)
إذا خاض الرجلُ في ماء الحمّام بعد ما غسل قدميه (فلْيغسلهما) (^٦) إذا خرج، فإن لم يفعل وصلّى جاز (^٧). (ن) (^٨)
المنديل الذي يُمسح به الميت بعد الغَسل ويُقال له بالفارسية: (آب جين) طاهرٌ كالذي يَمسح به الحيّ (^٩).
_________________
(١) يعني على التفصيل المذكور في إناء الجُنب في الفرع السابق.
(٢) يعني في مسألتي إناء الجُنب والحوض، وهذا قول محمد -﵀-، لأن الماء المستعمل هنا طاهرٌ لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهور، وما ذكره من كون هذا القول هو المفتى به نقله ابن نجيم عن الزيلعي وابن الهمام والسراج الهندي وغيرهم، وأقرهم عليه. يُنظر: البحر الرائق ١/ ٧٦، الفتاوى الهندية ١/ ٢٣، حاشية الطحطاوي على المراقي ص ٢٦، حاشية ابن عابدين ١/ ١٨٢.
(٣) تنزيهًا بناء على رواية الطهارة، ويمكن أن تُحمل كراهة الشرب هنا على التحريم بناء على رواية النجاسة، كذا قال عمر ابن نجيم في النهر، ولم أقف على وجه الكراهة، ويُمكن أن يكون للخلاف في طهارته. يُنظر: الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٢٨، البحر الرائق ١/ ١٠١، النهر الفائق ١/ ٨٠، الفتاوى الهندية ١/ ٢٥.
(٤) وهذا مُقيّد بعدم التغير، فإن تغيّر بالنجاسة لم يجز استعماله بحال. يُنظر: تحفة الفقهاء ١/ ٨٠، بدائع الصنائع ١/ ٦٦، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٨٦، البحر الرائق ١/ ١٠١.
(٥) الخلاصة في الفتاوى ١/ ٨، ونصّه: "وأمّا الماء النجس جاز الانتفاع به كبلِّ الطين وسقيِ الدواب".
(٦) في (أ) و(ب): فيغسلهما.
(٧) لطهارة الماء المستعمل على الصحيح، وهو مقيدّ بعدم تنجس الماء بنجاسة كانت على البدن، وإلا وجب الغَسل. يُنظر: الفتاوى الوَلْوَالجية ١/ ٥٣، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٢١، البحر الرائق ١/ ٥٣، الفتاوى الهندية ١/ ٢٥.
(٨) النوازل لأبي الليث السمرقندي ص ١٢٦.
(٩) يُنظر: الملتقط في الفتاوى ١/ ٧، الفتاوى الوَلْوَالجية ١/ ١٥٩، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٢٨، البحر الرائق ٢/ ١٨٦.
[ ١٨٧ ]
الميتُ إذا وقع في الماء إن وقع بعد الغَسل لا يتنجس لأنّه طاهر، إلا أن يكون كافرًا فإنه يتنجس (^١).
وإن وقع قبل الغَسل فهو بمنزلة الخنزير (^٢).
الثوبُ النّجسُ إذا غُسل ثم تقاطرت منه قطرةٌ فأصاب شيئًا إن أصابه في المرة الثالثة (عصرًا) (^٣) بالغَ فيه حتى صار بحالٍ لو عُصر لم يسِلْ منه الماء فاليد طاهرٌ والثوب طاهرٌ والبلل طاهرٌ، وإن كان بحالٍ لو عُصر سال منه الماء فاليدُ والثوبُ والبللُ نجسة؛ لأن الأول بِلّة والتحرز عنها غير ممكن، والثاني ماءٌ والتحرز عنه ممكن (^٤). (ك) (^٥)
الكلب إذا دخل الماءَ ثم خرج فانتفض فأصاب ثوبَ إنسانٍ أفسد، وقد مرَّ (^٦)، ولو كان ذلك ماء مطرٍ أصابه لم يفسد؛ لأنّ في الوجهِ الأولِ الماءَ أصاب جلدَه، وجلدُه نجسٌ، وفي الوجه الثاني أصاب شعرَه، وشعرُه طاهرٌ على وجه (^٧). (س)
_________________
(١) يعني الماء؛ لأنه لما حكم بجواز الصلاة على المسلم حكم بطهارته، ولا كذلك الكافر فافترقا. يُنظر: عيون المسائل ص ١٣، الفروق للكرابيسي ١/ ٣٩، الاختيار ١/ ١٥، البحر الرائق ١/ ١٢٣، الفتاوى الهندية ١/ ١٩.
(٢) يعني فيفسد الماء سواء كان الواقع مسلمًا أو كافرًا، أما المسلم فلأنه قبل تغسيله نجس، وأمّا الكافر فلنجاسته ولو غُسّل. يُنظر: الفروق للكرابيسي ١/ ٣٩، البحر الرائق ١/ ١٢٣، الشرنبلالية ١/ ٢٦، حاشية ابن عابدين ١/ ٢١٢، ٢/ ١٩٤.
(٣) كذا في سائر النسخ، وفي المحيط البرهاني ١/ ١٩٨: "إن عصر في المرة الثالثة عصرًا بالَغَ فيه حتى صار بحال لو "، فيكون مراد المؤلف هنا: بعد عصرٍ بالغ فيه ..
(٤) يُنظر: المحيط البرهاني ١/ ١٩٨، الفتاوى التاتارخانية ١/ ١٨٨، الفتاوى الهندية ١/ ٤٢، منحة الخالق ١/ ٢٤٨.
(٥) الفتاوى الكبرى للصدر الشهيد، (٤/ب).
(٦) يُنظر: الصفحة رقم ١٥٢ من هذا البحث.
(٧) وهذا على القول بنجاسة عينه، وأما على القول بطهارة عينه فالثوب طاهر في الصورتين، وهو المصحح في القدوري والهداية والاختيار والكنز كما نقله عنهم ابن نُجيم، وعلى القول بنجاسة الجلد لو أصاب ماء المطر جلد الكلب فانتفض وأصاب ثوبًا فإنّه يُنجسه، وما هنا مبني على الغالب. يُنظر: عيون المسائل ص ١٤، بدائع الصنائع ١/ ٧٤، المحيط البرهاني ١/ ١٠٣، درر الحكام ١/ ٢٤، البحر الرائق ١/ ١٠٧.
[ ١٨٨ ]
الجنُب إذا اغتسل في بئرٍ ثمّ [في] (^١) بئرٍ هكذا إلى (العشر) (^٢) أو أكثر فعلى القول الأصحِّ يَخرج من البئر الثالث طاهرًا (^٣).
والمياه الثلاثة يُنظر: إن كان على بدنه نجاسةُ عينٍ صار الماء نجسًا، وإن لم يكن على بدنه نجاسة صار الماء مستعملًا، والماءُ المستعملُ طاهرٌ على الأصح (^٤).
وأمّا الماءُ الرابع وما وراءه إن وُجدت فيه النية صار الماء مستعملًا عند محمد -﵀- (^٥) وإلا فلا، والمياه طاهرة، وكذلك في الوضوء (^٦).
وإذا غسل ثوبه في إجّانة (^٧) ثم في إجّانة إلى العشر أو أكثر يُنظر: إن لم يكن على ثوبه نجاسة فالمياه طاهرة لا يصير مستعملًا (^٨).
ولو كانت عليه نجاسة كان القياس أن تصير المياه كلها نجسة، ولا يطهر الثوب ما لم يَصبَّ عليه الماء أو يغسله في ماء جاري، وهو قول زُفَر، وبِشْر (^٩).
_________________
(١) ساقطة من (ج)
(٢) في (ج): عشر.
(٣) وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يطهُر، ووجه ما ذكره المؤلف أنّ النجاسة العينية تزول عن العضو بالغَسل في الإجّانة ونحوها فكذلك الجنابة؛ لأن البئر كالإجّانة، ولما كان ثبوت هذا الحكم بالقياس على النجاسة شرطنا فيه عدد الثلاث كما يشترط في غسل النجاسة. يُنظر: الأصل ١/ ٦٥، المبسوط ١/ ٩٤، المحيط البرهاني ١/ ١٩٨، جامع المضمرات ١/ ١٧٥، فتح القدير ١/ ١٩٤.
(٤) يُنظر: المبسوط ١/ ٩٤، المحيط البرهاني ١/ ١٩٨، جامع المضمرات ١/ ١٧٥، فتح القدير ١/ ١٩٤.
(٥) لأنّه أقيم به قربة.
(٦) لأن الماء الرابع وما بعده لم يخالطه ما هو محكوم بنجاسته؛ إذ بالثالثة طهُر. يُنظر: الأصل ١/ ٦٤، بدائع الصنائع ١/ ٧٠، البحر الرائق ١/ ٢٣٤، الفتاوى الهندية ١/ ٤٢.
(٧) الإجّانة: إناء تُغسل فيه الثياب ونحوها. يُنظر: تهذيب اللغة ١٠/ ١٠٩، لسان العرب ١٣/ ٨.
(٨) إذ لم يُسقط به فرضًا ولم يُقم به قربة.
(٩) لأن الثوب النجس ما دام في الإجّانة فإنّه يُنجّس الماء، وغسل الثوب بعد ذلك في الماء النجس فلا يطهر. يُنظر: الأصل ١/ ٦٤، النتف في الفتاوى ١/ ١٥، المبسوط ١/ ٩٢، بدائع الصنائع ١/ ٨٧.
[ ١٨٩ ]
وفي الاستحسان يخرج الثوب (من الإجّانة الثالثة) (^١) طاهرًا بالإجماع (^٢).
والأصلُ في صيرورة الماء مستعملًا عند أبي يوسف -﵀- أحد الأمرين: إما باستعماله تقربًا إلى الله تعالى، أو بسقوط الفرض عن ذمته، وعند محمد -﵀- إنما يصير مستعملًا باستعماله تقربًا إلى الله تعالى دون إسقاط الفرض (^٣).
ويظهر فائدة الخلاف في مسألة البئر (^٤) في الجنب إذا انغمس فيه لطلب الدلو إن كان على بدنه نجاسة فإن الماء يتنجس بالإجماع (^٥).
وإن لم يكن على بدنه نجاسة قال أبو يوسف -﵀-: الماء بحاله والرجل بحاله، أما الماء بحاله؛ لأنه لم يسقط الفرض عن ذمته، ولا تقربَ إلى الله تعالى فلا يصير مستعملًا، وأما الرجل فبحاله؛ لأنّ مِن مذهبه أن الجنب لا يطهُر في البئر (^٦).
وقال محمد -﵀-: الرجل طاهرٌ والماء طاهرٌ، أمّا الماء فطاهرٌ؛ لأنه لم يوجد منه نية التقرّب إلى الله تعالى، والرجل طاهرٌ؛ لأن المذهب عنده أن الجنب يطهر في البئر إلا أنه إذا نوى الاغتسال
_________________
(١) في (ب) و(ج): في البئر الثالث.
(٢) للضرورة تُرك القياس هنا، إذ ليس كل من تنجس ثوبه يجد من يصبُّ الماء عليه، وربما لا يمكنه الصب عليه بنفسه وغسله. يُنظر: الأصل ١/ ٦٤، النتف في الفتاوى ١/ ١٥، المبسوط ١/ ٩٢، بدائع الصنائع ١/ ٨٧، البحر الرائق ١/ ١٠٤.
(٣) يُنظر: الصفحة رقم ١٨١ من هذا البحث.
(٤) وهذه المسألة لشهرتها عند الحنفية سمّيت بمسألة (جحط)، فالجيم علامة نجاسة الجنب والبئر، والحاء علامة بقائهما على حالهما، والطاء علامة طهارتهما. يُنظر: تبيين الحقائق ١/ ٢٥، حاشية ابن عابدين ١/ ٢٠١.
(٥) لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة. يُنظر: المبسوط ١/ ٥٣، بدائع الصنائع ١/ ٧٠، الاختيار ١/ ١٦، العناية ١/ ٩١، حاشية ابن عابدين ١/ ٢٠١.
(٦) يعني بمجرد الانغماس، بل لا بد من الصّب لصحة التطهّر. يُنظر: بدائع الصنائع ١/ ٧٠، الاختيار ١/ ١٦، العناية ١/ ٩١، حاشية ابن عابدين ١/ ٢٠١.
[ ١٩٠ ]
يطهر في الثلاث (^١)، و(ههنا) (^٢) يطهر بواحدة؛ لأنه إذا نوى الاغتسال صار الماء مستعملًا في كل مرة، والثلاث تستأصل النجاسة، وههنا الماء لم يصر مستعملًا (فيطهر) (^٣) بمرة واحدة (^٤).
ولو أن طاهرًا انغمس في البئر [لطلب] (^٥) الدلو لا يصير الماء مستعملًا بالاتفاق؛ لأنه لم يقصد التقرب، ولا أسقط الفرض (^٦) (^٧). (طح) (^٨)
* * * *
_________________
(١) يُنظر: الصفحة رقم ١٨٩ من هذا البحث.
(٢) في (ج): منها.
(٣) في (ب) و(ج): فلا يطهر، والمثبت هو الموافق للسياق.
(٤) يُنظر: المبسوط ١/ ٥٣، بدائع الصنائع ١/ ٧٠، الاختيار ١/ ١٦، العناية ١/ ٩١، حاشية ابن عابدين ١/ ٢٠١.
(٥) ساقطة من (أ).
(٦) ولم ينجس الماء لعدم النجاسة.
(٧) لم يذكر المؤلف رأي أبي حنيفة، وهو أنّ كلًّا من الماء والرجل نجس، فأمّا الماء فلإسقاط الفرض عن البعض بأول الملاقاة، وأمّا الرجل فلبقاء الحدث في بقية الأعضاء، وقيل: عنده نجاسة الرجل بنجاسة الماء المستعمل، وعنه: أن الرجل طاهر لأن الماء لا يعطى له حكم الاستعمال قبل الانفصال، وهو أوفق الروايات عنه. يُنظر: المبسوط ١/ ٥٣، بدائع الصنائع ١/ ٧٠، الاختيار ١/ ١٦، العناية ١/ ٩١.
(٨) شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص ١٠٧، (تحقيق: محمد الغازي).
[ ١٩١ ]