بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نحمد الله حمد الشاكرين، ونؤمن به إيمان الموقنين، ونقر بوحدانيته إقرار الصادقين، ونصلّي على نبيّه وحبيبه سيد المرسلين، وعلى جميع إخوانه من النبيين، وعلى آله الطيبين، وصحبه الطاهرين.
وبعدُ، فإنّ العلوم كثيرة، والأعمار قصيرة، فالأولى صرف الهمّة إلى الأهمّ، والإقبال على ما له النفع الأعمّ، وهو علم الأحكام، المبيّن للحلال والحرام، الذي أُنزل لبيانه الآيات، وبيّن سيدنا عليه أفضل الصلوات والتحيّات؛ إذ هو قائد السّعادة، ورائد السّيادة، ووسيلة الزّلفى، وفيه شرف الآخرة والأولى.
وقد صنّف فيه العلماء رضوان الله وسلامه عليهم.
سلامٌ متى يُكتبْ على الطِّرس (^١) عَطّرتْ كتابتُه الأقلامَ والطِّرسَ واليدا
واستوضحوا منه ما أظلم من معانيه، واستكشفوا ما أبهم من مبانيه، ثم هجس في خاطري أن ألخّص من كتبهم نسخةً فيها المسائلُ التي يكثر وقوعها، وتمسُّ الحاجة إليها، وتدور عليها واقعات الأمة، وتقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي المختار للفتوى، والمسائل التي تعمّ بها البلوى، وكنت أتوانى في هذا الأمر إلى أن ترادفت الخواطر، وتوالت الخُطّاب، وتوفرت الدّواعي، وازدحمت الطّلاب، ظنًا منهم -وبعض الظنّ إثمٌ- أن عندي صُبابةً من أقداحه (^٢)، أو وفور سهمٍ من قِداحه (^٣)، فطفقت أشاور نفسي مقدِّمًا رِجلًا، ومؤخرًا أخرى، مترددًا في الاشتغال به، أو بالإقبال على ما هو أهمّ وأحرى، وهو "الكتاب الشافي في شرح الوافي" إذ شرعتُ فيه والشُّروع ملزِم، وكتبت أكثره وهو غير مُبرِم (^٤)، وها أنا أكاد أتكئ عنه اتّكاء الفراغ، أشار إليّ مَن إشارته حُكمٌ، وطاعته غُنمٌ، بصرف العنان إلى هذا الجمع وكتابته، وهو المولى الأعظم، أستاذ علماء العالم، مربّي طوائف
_________________
(١) الطرّس: الصحيفة. يُنظر: الصّحاح ٣/ ٩٤٣، لسان العرب ٦/ ١٢١.
(٢) الأقداح: جمع قَدَح، وهو نوعٌ من الآنية، يروي الرجلين. يُنظر: المحكم ٢/ ٥٦٨، لسان العرب ٢/ ٥٤٤.
(٣) القِداح: جمع قِدْح، وهو السّهم قبل أن يُنصل. يُنظر: العين ٣/ ٤١، تهذيب اللغة ٤/ ٢١.
(٤) المُبرم: المُضجِر. يُنظر: الزاهر في معاني كلمات الناس ١/ ١٣٦، تاج العروس ٣١/ ٢٦٦.
[ ٤٨ ]
الأمم، سلطان أفاضل بني آدم، ناقد أحاديث سيدنا -ﷺ-، صاحب المنقول والمعقول، ناشر الفروع والأصول، كشّاف المشكلات، فتّاح أبواب المعضلات، المشرّف بتشريف ﴿دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (^١)، المباهي به الملّةُ والدّين، (الباقي به) (^٢) الحقُّ والملّةُ والدّين، محمد بن علي الناموسي (^٣)،
الذي استنارت بطلوع أنوار إقباله نجومُ أرباب الفضائل في أفضاله، وارتفعت بارتفاع قدره أقدارُ أهل العلم في عصره، قد أصبح العلمُ والفضلُ في عصره متّسِعَ الأنوار، والتفسيرُ والحديثُ متّسِعَ الآثار، وأمسى الجهلُ في دهره منحوسَ الطوالع، معكوسَ المطالع، منكوسَ المنار، مطموسَ الآثار، لا زال قدرُه مرفوعًا، وعَلَمُ فضلِه وعلْمِه مرفوعًا.
ما إن مدحتُ محمدًا بمقالتي لكن مدحتُ مقالتي بمحمدِ (^٤)
فقلت كما قال الشافعيّ﵀-:
كيف الوصول إلى سُعادَ ودونها قُلل (^٥) الجبال ودونهنّ حُتوفُ
والرّجل حافيةٌ وما ليَ مركبٌ والكفُّ صفرٌ والطريق مَخُوفُ (^٦)
ووجهتُ ركابي شطرَ مطالبهم، وتوجهتْ تلقاءَ مدين مآربُهم، وشرعتُ مع قريحتي القريحة، وفكرتي الجريحة؛ لتلاطم أمواج الأحوال، وتراكم أنتاج الأشغال، وجمعت فيه ما هي مرويّةٌ عن أصحابنا المتقدمين (^٧)، وما هي مختارةٌ عند المشايخ المتأخرين، رضوان الله عليهم أجمعين، ما صات بلبلٌ وناح، وشُمّ وردٌ وفاح.
_________________
(١) سورة آل عمران، من الآية (٩٧).
(٢) في النسخ الثلاث: (حكم)، والمثبت من نسخة آيا صوفيا، اللوح ١/أ، وبه يستقيم السياق.
(٣) يُنظر في ترجمته: الصفحة رقم ٢١ من هذا البحث ..
(٤) هذا البيت من الشعر نُسب إلى حسان بن ثابت -﵁- في مدحه للنبي -ﷺ-. يُنظر: المثل السائر ٣/ ٢٤٠، صبح الأعشى ٢/ ٣٢١.
(٥) قلة الجبل: أعلاه. يُنظر: تهذيب اللغة ٨/ ٢٣٢، تاج العروس ٣٦/ ٢٢.
(٦) نسبه المؤلف وغير واحد للشافعي. يُنظر: ديوان الإمام الشافعي، جمع: نعيم زرزور ص ٨٠.
(٧) يُنظر: الصفحة رقم ٢٧ من هذا البحث.
[ ٤٩ ]
وأوردتُ في هذا الكتاب ما هو المعوّل عليه في هذا الباب، وطويتُ ذكر الاختلافات (^١)، واكتفيتُ عن ذكر جميع ما أوردت فيه من الكتب بالعلامات، فمن الهداية: (هـ)، ومن النهاية في شرح الهداية: (نه)، ومن الفتاوى للإمام فخر الدين (^٢): (ف)، ومن الخلاصة: (خ)، ومن الفتاوى للإمام ظهير الدين (^٣): (ظ)، ومن الشرح للطحاوي (^٤):
(طح)، ومن الفتاوى الكبرى: (ك)، ومن النوازل: (ن)، ومن الفتاوى لأهل سمرقند: (س)، ومن الفتاوى لأهل عراق: (ع)، ومن الاختيار في شرح المختار: (اخ)، ومن شرح مجمع البحرين: (شم)، ومن الملتقط: (م)، ومن الواقعات: (و)، ومن الفصول العِمادي: (فص)، ومن الفصول للأُسْتُرُوشَني (^٥): (فس)، ومن الفتاوى الحُميدي: (حم)، ومن شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد (^٦): (ص)، ومن الفوائد المتفرقة: (ق).
كلُّ ذلك بعباراتهم المستعذَبة، وإشاراتهم المستملَحة، إلا قليلًا، ولا يعرف قدْر ذلك إلا من تسنَّم (^٧) قلِال شواهق هذه الصناعة بحقّ، وجرى في ميدانها أشواطًا على عَرَق، هذا مع اعترافي بقلة
_________________
(١) في الغالب؛ لأنه أورد أكثر من قول في عدة مسائل مختلف فيها بين الحنفية، بل أورد خلاف غير الحنفية.
(٢) هو: حسن بن منصور بن أبي القاسم محمود بن عبد العزيز، المعروف بـ "قاضيخان" الأوزجندي الفرغاني، الإمام الكبير، والعالم النحرير، فخر الدين قاضي خان، صاحب " الفتاوي " المشهورة. توفي سنة ٥٩٢ هـ. من مصنفاته: الواقعات، شرح الجامع الصغير، الفتاوى. يُنظر: الجواهر المضية ١/ ٢٠٥، تاج التراجم ص ١٥١.
(٣) هو: أبو بكر، محمد بن أحمد بن عمر، ظهير الدين، البخاري الحنفي، تولى القضاء، وله من المؤلفات: الفتاوى الظهيرية، والفوائد الظهيرية التقطها من شرح الجامع الصغير للصدر الشهيد، توفي سنة ٦١٩ هـ. يُنظر: الجواهر المضية ٢/ ٢٠، تاج التراجم ص ٢٣٢.
(٤) هو: أبو جعفر، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي المصري الطحاوي الفقيه الحنفي، المحدث الحافظ، انتهت إليه رئاسة الحنفية في زمنه بمصر. له من المصنفات: أحكام القرآن، وشرح مشكل الآثار، وشرح معاني الآثار، وغيرها. ولد سنة ٢٣٩ هـ، وتوفي سنة ٣٢١ هـ. يُنظر: تاريخ الإسلام ٧/ ٤٣٩، الجواهر المضية ١/ ١٠٢ ..
(٥) هو: أبو الفتح، محمد بن محمود بن حسين الأُسْتُرُوشَني الحنفي، الشيخ الإمام، كان حبرًا في الفقه بحرًا في الفتوى، له من المصنفات: الفصول، وأحكام الصغار، توفي سنة ٦٣٢ هـ. يُنظر: تاج التراجم ص ٢٧٩، سلم الوصول إلى طبقات الفحول ٣/ ٢٦١.
(٦) هو: أبو محمد، عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، برهان الأئمة، حسام الدين، المعروف بالصدر الشهيد، من أكابر الحنفية، من أهل خراسان. له من المصنفات: الجامع في الفقه، والفتاوى الصغرى، والفتاوى الكبرى، والواقعات الحسامية، توفي سنة ٥٣٦ هـ. يُنظر: تاج التراجم ص ٢١٧، سلم الوصول ٢/ ٤١٦.
(٧) تسنّم الشيءَ: عَلاه. يُنظر: الصحاح ٥/ ١٩٥٥، لسان العرب ١٢/ ٣٠٦.
[ ٥٠ ]
البضاعة، وقصور الباع في هذه الصناعة، وعلمي بأن من صنّف قد استُهدِف، ومن ألّف فقد استُقذِف، ولكنّ المأمور معذور، والعذرُ عند الكرام مقبول، وسمّيته بخزانة المفتين.
والمرجو ممن مُلئ بدرر الإنصاف طبعه، أن لا يبادر إلى إنكار أبكار ما يقرع سمعه، بل عليه أن يمعن النظر ويجانب الاعتساف، ثم يسلك مسلك الاستنكار أو الاعتراف؛ لأنّ الحكم إذا قُيّد بقيدٍ كان حكمًا آخر.
فيا ربّ صُنه عن لسانِ مُداهنٍ وعن كلّ طعّان دعيّ مذمَّم
فما عابه إلا سفيهٌ معاندٌ شقيٌّ حسودٌ وهو غير مكرَّم
وما ضر شمسًا أشرقت في علوّها جُحود حسودٍ وهو عن نورها عمِي
فرحم الله امرأً طوى ذيلَ الاعتراض، ونظر عليه بعين الرضا والإغماض، ولا ينظر إليه بالتبرّم والملال، والسآمة والاستثقال، ودعا لمن عمل فيه بالرحمة وخاتمة السعادة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من صالحي عباده وعارفي آياته، ويوفقنا لمتابعة سيدنا -ﷺ-، إنّه وليُّ الإنعام بالتوفيق للإتمام، وعلى سيّدنا ونبينا الصّلاة والسّلام والتحيّة والإكرام.
اللهم اجعلني من الشاكرين الذاكرين، وارزقني حَجة الإسلام، وزيارة حبيبك سيد المرسلين.
ربّنا تقبل منا إنك أنت السّميع العليم، وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم، ولا تضرب به وجوهنا يا إله العالمين.
وخدمت به (^١) خزانة كتبِ من خصّه الله تعالى بالنفس القدسيّة، والرياسة الإنسية، وهو المولى الأعظم، الأعلم المذكور، أدام الله ظِلاله، وأفاض على كافة المسلمين فضله وأفضاله؛ إذ هو في هذا العصر متعيّنٌ لتربية أهل العلم والفضل، وعامرٌ بسيرته ما دُثر من سير أهل الجود والعدل، معنيٌّ بالأمور الدينية لا غير، موفَّقٌ لإحياء معالم كلّ خير، متفردٌ في اقتناء الكمالات الحقيقية، متخصّصٌ بإنشاء الخيرات الأخروية، فلا سلب اللهُ العالمَ ظلَّه، ولا عدِمهم إنعامه وفضلَه، فإنْ لاحظه بعين القَبول والرّضا، فذلك غاية السُّؤل والمبتغى، وبالله التوفيق.
_________________
(١) أي أنه جعل كتابه هذا إهداءً إلى خزانة كُتب مَن وصف، والظاهر أنه أراد السّلطان في زمانه، وهو وإن لم يصرّح بهذا، لكن جرت العادة بذلك. يُنظر في مثل هذه المقدّمة والإهداء: مقدمة الثعالبي في كتابه ثمار القلوب ١/ ٨، مقدمة الخزرجي في كتابه عيون الأنباء ص ٦.
[ ٥١ ]
اعلم أن المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استُفتي عن مسألة، وسُئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويّةً عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم، فإنّه يميل إليهم، ويفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهدًا متقنًا؛ لأنّ الظاهر أن يكون الحقَّ مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده
لا يبلغ اجتهادهم، وهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف (^١)، ومحمد (^٢)، ﵏، وهم ممن يُعتمد على مذهبهم، ويُقتدى بحسن سيرتهم، وهم الذين أحيوا سنّة رسول الله -ﷺ- على وجهها، واتفاقهم هدى، واختلافهم رحمة، ولا ننظرُ إلى قول من خالفهم، ولا نقبل حجته؛ لأنّهم عرفوا الأدلة، وميّزوا بين ما صحّ وثبت، وبين ضدّه (^٣)، وهم المُشرَّفون بتشريف: "خيرُ القرونِ قَرني، ثم الذين يَلُونهم
" (^٤) الحديث.
إذا أجمع الناس في واحدٍ وخالفهم في الثنا واحدُ
فقد دلّ إجماعهم دونه على عقله أنّه فاسدُ (^٥)
_________________
(١) هو أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم القاضي الأنصاري، صاحب أبي حنيفة، الإمام المجتهد العلّامة، أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وهو المقدّم من أصحابه، له: الخراج والآثار وغيرها. توفي سنة ١٨٢ هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ٩٧، سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٣٥، الجواهر المضية ٢/ ٢٢٠.
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد، الشيباني، العلامة، فقيه العراق، صاحب أبي حنيفة، أخذ عنه الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلّام وغيرهم خلقٌ كثير، له: الأصل، كتب ظاهر الرواية، الآثار. ولد سنة ١٣١ هـ، وتوفي سنة ١٨٩ هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٢٥، سير أعلام النبلاء ٩/ ١٣٤، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/ ٥٢٦.
(٣) فيما نظّره نظر، فإن أبا حنيفة ﵀كما نقله عنه ابن عابدين في الحاشية ١/ ٦٧ - يقول: "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"، ولعلّ الحامل على مثل هذا الكلام الاجتهاد في ضبط العوام، وعدم تشتيتهم، ومنع اضطرابهم، وهو وإن كان قصدًا حسنًا، لكنه ربما تسبب في الجمود المذهبي، وضعف التحرير والتدقيق.
(٤) جزء من حديثٍ أخرجه البخاري في صحيحه، [كتاب أصحاب النبي -ﷺ-، باب فضائل أصحاب النبيﷺ]، (٥/ ٣:برقم ٣٦٥١)، ومسلم في صحيحه، [كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم]، (٤/ ١٩٦٣:برقم ٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا.
(٥) هذان البيتان أوردهما الماورديّ في أدب الدنيا والدين ص ٣٥٧، دون نسبةٍ إلى أحد.
[ ٥٢ ]
وإن كانت المسألة مختلفةً بين أصحابنا نأخذ أولًا بقول أبي حنيفة -﵀-، ثم بقول أبي يوسف، ثم بقول محمد رحمهما الله، ثم بقول غيرهم من أصحاب أبي حنيفة ﵁، ثم أقاويل المشايخ من بعدهم (^١).
وإذا كان أبو حنيفة -﵀- في جانبٍ وصاحباه في جانبٍ، قيل: فالخيار للمفتي، إن شاء أفتى بقول أبي حنيفة -﵀-، وإن شاء أفتى بقولهما (^٢).
وفي الأقضية يختار قول أبي حنيفة -﵀-، ولا يأخذ بقولهما (^٣).
وقال عبد الله بن المبارك (^٤): يأخذ بقوله لا غير (^٥).
وفي شرح الطحاوي (^٦):
والفقيه إن لم يكن مجتهدًا لا يأخذ إلا بقول أبي حنيفة، ولايجوز له أن يأخذ بقولهما إلا في المزارعة (^٧)،
_________________
(١) يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص ١٢٤، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص ٥٩.
(٢) هذا قول الأسبيجابي في مقدمته لشرح مختصر الطحاوي، ونقله الغزنوي عن بعض الحنفية في الحاوي القدسي تسمية، كما في تكوين المذهب الحنفي لبكداش. يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص ١٢٤، لسان الحكام ص ٢١٨، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص ٥٨، تكوين المذهب الحنفي لبكداش ص ٧٠.
(٣) يعني في الأقضية بظاهر العدالة؛ لأن الاختلاف فيه اختلاف عصر وزمان لا حجة وبرهان؛ لتغير أحوال الناس. يُنظر: المبسوط ١٦/ ٨٨، الهداية ٣/ ١١٨، مجمع الأنهر ٢/ ١٥٤، شرح منظومة عقود رسم المفتي لابن عابدين ص ٥٩.
(٤) هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن المبارك بن واضح، المروزي، شيخ الإسلام، الفقيه المحدث، الحافظ، الغازي، أخذ الفقه عن الأوزاعي، وأبي حنيفة، والثوري، ولد بمرو سنة ١١٨ هـ، وتوفي سنة ١٨١ هـ. يُنظر: تاريخ بغداد ١١/ ٣٨٨، سير أعلام النبلاء ٨/ ٣٧٨.
(٥) يُنظر: التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص ١٢٤، لسان الحكام ص ٢١٨.
(٦) يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للأسبيجابي ص ٧٣، (تحقيق: محمد الغازي).
(٧) المزارعة: دفع الأرض إلى من يزرعها على أن الغلة بينهما على ما شرطا. يُنظر: طلبة الطلبة ص ١٤٩، الهداية ٤/ ٣٣٧، البناية شرح الهداية ١١/ ٤٧٤.
[ ٥٣ ]
والمعاملة (^١)؛ لاتفاق المتأخرين على ذلك (^٢).
وإن كان مع أبي حنيفة -﵀- أحد صاحبيه يأخذ بقولهما، لوفور الشرائط، واستجماع أدلّة الصواب بينهما، وإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقول صاحبيه في زماننا لتغير أحوال الناس.
والاجتهاد: بذل المجهود في إدراك المقصود ونيله (^٣).
وفي عُرف الفقهاء: بذل الوسع والطاقة في طلب الحكم الشرعي بطريقه (^٤).
وشرط صيرورة المرء مجتهدًا أن يعلم من الكتاب والسنة ما يتعلّق به من الأحكام الشرعية، دون ما يتعلّق به من المواعظ والقصص، وأن يكون عارفًا بمعاني خطابات الشرع، وذلك بمعرفة أقسام الكلام وموارده ومصادره، لأنّ الحكم يختلف باختلافه، وينبغي أن يكون عالمًا بوجوه العمل بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وأما معرفة الفروع المستخرجة من الأصول بآراء المجتهدين فليس بشرط (^٥)، فإذا بلغ الحدّ الذي ذكرنا، له أن يفتي من استفتاه برأيه واجتهاد (^٦).
_________________
(١) المعاملة يراد بها المساقاة، وهي: دفع النخل والكرم والأشجار المثمرة معاملةً بالنصف، أو بالثلث، أو بالربع، قلّ أو كثر. يُنظر: طلبة الطلبة ص ١٥٠، الهداية ٤/ ٣٤٣، الجوهرة النيرة ١/ ٣٧٣.
(٢) مذهب أبي حنيفة فساد عقد المزارعة، وقالا بصحته، والفتوى على قولهما؛ لأن الحاجة ماسة إليها؛ لأن صاحب الأرض قد لا يقدر على العمل بنفسه ولا يجد ما يستأجر به والقادر على العمل لا يجد أرضًا ولا ما يعمل به. يُنظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص ٣/ ٤١٥، بدائع الصنائع ٦/ ١٨٥، الهداية ٤/ ٣٤٣.
(٣) يُنظر: الصحاح ٢/ ٤٦١، لسان العرب ٣/ ١٣٥، أنيس الفقهاء ص ٦٤.
(٤) يُنظر: الكافي شرح البزدوي ٤/ ١٨٣٦، كشف الأسرار ٤/ ١٤، فصول البدائع في أصول الشرائع ٢/ ٤٧٤.
(٥) لأن هذه التفاريع ولّدها المجتهدون بعد حيازة منصب الاجتهاد فكيف يكون شرطا في منصب الاجتهاد؟ وتقدم الاجتهاد عليها شرط. يُنظر: كشف الأسرار ٤/ ١٦، شرح التلويح على التوضيح ١/ ٣٠، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص ١٧١.
(٦) يُنظر: الفصول في الأصول ٤/ ٢٧٣، نهاية الوصول ٢/ ٦٦٦، فصول البدائع ٢/ ٤٧٥، التقرير والتحبير ٣/ ٣٤٦.
[ ٥٤ ]
وقيل: المجتهد من سُئل عن عشر مسائل فيصيب في ثمانية، ويخطئ في البقية (^١).
وقيل: لا بدّ من معرفة الناسخ، والمنسوخ (^٢)، والمُحكم (^٣)، والمُؤوَّل (^٤)، والعلم بعادات الناس وعرفهم (^٥).
وإن كانت المسألة على غير ظاهر الرواية، إن كانت توافق أصول أصحابنا يُعمل بها، وإن لم يجد للمسألة رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيءٍ يعمل به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتي بما هو صواب عنده (^٦).
وإن كان المفتي مقلدًا غير مجتهد يأخذ بقول من هو أفقه الناس عنده ويضيف الجواب إليه، وإن كان أفقه الناس عنده في مصرٍ آخر يرجع إليه بالكتاب ويتثبّت في الجواب، ولا يُجازف خوفًا من الافتراء على الله تعالى بتحريم الحلال وضدّه (^٧).
_________________
(١) لأن الصواب متى غلب، فالعبرة للأغلب، وهذا القول ذكره قاضيخان في رسم المفتي في مقدمة الفتاوى، ولم يعزه لأحد. يُنظر: فتاوى قاضيخان ١/ ٩، مجامع الحقائق في أصول الفقه ص ١٥٨، شرح منظومة عقود رسم المفتي ص ٦٤.
(٢) النسخ في اللغة الإزالة أو التبديل، وفي الاصطلاح هو: "أن يرد دليل شرعي متراخيا عن دليل شرعي مقتضيا خلاف حكمه". يُنظر: شرح التلويح على التوضيح ٢/ ٦٢، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص ١٥٥.
(٣) المحكم في اللغة: المتقن، وهو في الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: "ما أُحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل". يُنظر: كشف الأسرار ١/ ٥١، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص ٨٩.
(٤) المؤول في اللغة مأخوذ من التأويل، وهو في الاصطلاح الأصولي عند الحنفية: "ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي"، وقيل: "هو كلَّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة". يُنظر: كشف الأسرار ١/ ٤٣، خلاصة الأفكار في شرح مختصر المنار ص ٨٣.
(٥) الظاهر أن هذا ليس قولًا مغايرًا لما سبق؛ لأن معرفة الناسخ والمنسوخ داخلٌ في العلم بالكتاب والسنة الآنف ذكره في أول شروط الاجتهاد، وقد نصّ على هذا المعنى التفتازاني في شرح التلويح، ونصّ عليه الجصاص في الفصول وجعله شرطًا للاجتهاد، وجعله البخاري في كشف الأسرار شرطًا متممًا للاجتهاد. يُنظر: الفصول في الأصول ٤/ ٢٧٣، كشف الأسرار ٤/ ١٦، شرح التلويح على التوضيح ٢/ ٢٣٥.
(٦) يُنظر: فتاوى قاضيخان ١/ ٩، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص ١٢٦، شرح منظومة عقود رسم المفتي ص ٦٩.
(٧) يُنظر: بدائع الصنائع ٧/ ٥، التصحيح والترجيح على مختصر القدوري ص ١٢٦، البحر الرائق ٦/ ٢٧٧.
[ ٥٥ ]
ثمّ إن أبا يوسف وهو يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن هذيل (^١)، والحسن بن زياد اللؤلؤي (^٢)، كانوا تلاميذ أبي حنيفة نعمان بن ثابت الكوفي رحمة الله عليهم، وأبو حنيفة -﵀- كان تلميذ حمّاد (^٣)، وحمّاد كان تلميذ إبراهيم النخعي (^٤)،
وإبراهيم كان تلميذ علقمة (^٥)، وعلقمة كان تلميذ عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن مسعود كان صاحب رسول الله - ﷺ - وعلى آله الطيبين، وأصحابه الطاهرين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين.
* * * *
_________________
(١) زفر بن الهذيل بن قيس بن سلم العنبري أبو الهذيل، الفقيه، المجتهد، تفقه على أبي حنيفة، وهو أكبر تلامذته، قال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن حبان: كان فقيهًا حافظًا، مات سنة ١٥٨ هـ. يُنظر: أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٠٩، سير أعلام النبلاء ٨/ ٤١، الجواهر المضيّة ١/ ٢٤٣.
(٢) هو: الحسن بن زياد، أبو علي اللؤلؤي الأنصاري، أحد أصحاب أبي حنيفة، كان رأسًا في الفقه، له تصانيف كثيرة، منها كتاب أدب القاضي، وكتاب الخصال، وكتاب معاني الإيمان. توفي سنة ٢٠٤ هـ. يُنظر: تاريخ بغداد ٨/ ٢٧٥، سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٤٣، مغاني الأخيار ١/ ١٩٦.
(٣) هو أبو إسماعيل، حمّاد بن بن مسلم بن أبي سليمان، الأشعري، الكوفي، أحد أئمة الفقهاء، من صغار التابعين، سمع أنس ابن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي، روى له مسلم وأصحاب السنن. مات سنة ١٢٠ هـ. يُنظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣١، الجواهر المضية ١/ ٢٢٦، سلم الوصول إلى طبقات الفحول ٢/ ٦٤.
(٤) هو أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة، النخعي، الكوفي، الإمام، الحافظ، فقيه العراق، كان بصيرًا بعلم ابن مسعود، واسع الرواية، رأى عائشة ﵂ وهو صبي. مات سنة ٩٦ هـ. يُنظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢٣٣، سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٢٠، مغاني الأخيار للعيني ١/ ٢٣ ..
(٥) هو أبو شبل، علقمة بْن قيس بْن عبد اللَّه، النخعي، الكوفي، الفقيه، الحافظ، المجود، أدرك الجاهلية، وسمع عمر، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وغيرهم من الصحابة ﵃، من أشهر رواة عبد الله بن مسعود، وأعرفهم به، وأعلمهم بعلمه، وكان يشبهه في هديه وسمته. يُنظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٠، تاريخ الإسلام ٢/ ٦٨٣، الإصابة ٥/ ١٠٥.
[ ٥٦ ]