الحمد لله وليِّ الحمد والثناء، والصلاةُ والسلام على أشرفِ الرسل والأنبياء، سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأوفياء، ومَن تبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الفصل والقضاء.
وبعدُ:
فإنَّ باب الحيضِ من غوامضِ أبواب الفقه، ومسائلُه عند كثيرٍ من طلبة العلم - فضلًا عن غيرهم - من أصعبِ المسائل، وليست هذه الصعوبة ناشئة عن غموضِ أحكامه، فكثيٌر من تلك الأحكام مُتَّفَقٌ عليه بين الفقهاء، ولكنَّ الصعوبةَ تكمُنُ في تمييز الدم الذي تراه المرأة؛ فإنها لا تستطيع أحيانًا أنْ تُميِّزَ: أَدَمُ حيضٍ هو أم دمُ فساد، وعندها تحتار: أعليها أن تُصلِّي وتصوم أم يحرم ذلك في حقِّها؟ وإن كانت حاجَّةً أيجوز لها الطواف بالبيت أم تنتظر حتى تطهر؟ وهل يحل لزوجها - والحال هذه - أن يطأها أم لا؟ وإذا كانت في عِدَّةِ الطلاق فهل تكون عدتها قد انقضت أم لا؟
ومعلومٌ أنَّ الحيضَ من الأمور التي تتكرر كلَّ شهرٍ في حياةِ المرأة، وكثير من الأحكام الشرعية في المجتمع المسلم مبنيٌ عليه، فينبغي الاعتناءُ بإيضاحِ
[ ١٥ ]
أحكامِه، وكشفِ غوامضه، لذا اجتهد فقهاؤنا ﵏ في حلِّ مسائله، فصنَّفُوا في ذلك - على اختلافِ مذاهبهم - المصنَّفَات الكثيرة.
ومن المؤلَّفَات العلمية الجامِعَة في هذا الباب رسالة "ذخر المتأهلين" للإمام العلامة الفقيه محمد بن بير علي البِرْكِوِي الحنفي، المتوفَّى سنة ٩٨١ هـ، التي تُعدُّ من أهمِّ ما أُلِّفَ في مذهب الحنفية في مسائل الحيض، فهي - على صغر حجمها - جمعتْ غُررَ أصولِ هذا الباب ودُررَ فروعه، وقد ذكر مُؤلِّفُها أنَّه صرفَ شطرًا من عُمُرِه في جمعِ مسائلها المنثورة في الكتب المختلفة، مقتصرًا فيها على أقوى الأقوال وأصحِّها والمختار منها للفتوى.
ولأهميَّةِ هذه الرسالة فقد اعتنى بشرحها عددٌ من العلماء، كان أجلُّهم خاتمة المحققين الإمام ابن عابدين ﵀، صاحب الحاشية الشهيرة، في كتابه: "منهل الواردين من بحار الفيض، شرح ذخر المتأهلين في مسائل الحيض"، فتحرّر المذهبُ بذلك تحريرًا دقيقًا على يدي ذينك الحبرين الجليلين، مما يجعلُ نشرَ مثل هذا الشرح المُتقَنْ لذاكَ المتن الجامع؛ وكشفَ النِّقابِ عن مكنون دررهما، عملًا علميًا في غاية الأهمية.
وقد استخرنا اللهَ تعالى في التصدِّي لهذا العمل، فقمنا بتحقيقِ الشرحِ
[ ١٦ ]
المذكور، مُصدَّرًا بالمتنِ منفرِدًا ليسهل حفظه، بعد أن حرَّرنا ألفاظه - أي المتن - على نُسَخٍ خطيَّةٍ وثيقة، ثم ذيَّلنْا الكتابَ بحَلٍّ موسَّعٍ للأمثلة الواردة فيه، موضَّحًا بالجداول.
هذا الكتاب وعملنا فيه
أشرنا آنفًا لما لرسالة الإمام البِرْكِوِي هذه من أهمية في بابها، لذا تصدَّى عددٌ من العلماء لشرحها، منهم:
١. إسحاق بن حسن الزنجاني ثم التوقادي، (المتوفى سنة ١١٠٠ هـ)، واسم شرحه: «ذخائر الآخرة شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
٢. عبد القادر بن يوسف بن سنان المعروف بنقيب زاده، (المتوفى سنة ١١٠٧ هـ)، واسم شرحه: «زاد المتزوجين شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
٣. محمد بن ولي بن رسول القيرشهري ثم الأزميري، (المتوفى سنة ١١٦٥ هـ)، في كتابه: «شرح ذخر المتأهلين»، (مخطوط).
٤. الإمام ابن عابدين، المتوفى (سنة ١٢٥٢ هـ)، واسم شرحه: «منهل الواردين من بحار الفيض، على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض»، وهو أشهر الشروح، وقد طبع عدة مرات.
[ ١٧ ]
الأصول المعتمدة في تحقيق المتن:
اعتمدنا في تحقيقنا للمتن على نسختين خطيتين:
الأولى: نسخة منقولة من نسخة بخط المصنِّف، تحتفِظُ بها المكتبة السليمانية بإستانبول، تحت الرقم ٢٠٨١، ضمن مجموعة رسائل أخرى للمصنِّف، على هامشها تعليقات كثيرة منقولة من كلام المصنِّف.
عدد صفحات هذه النسخة ست، وخطها تعليقي مقروء غير منقوط، ومعدل الأسطر في كل صفحة ٢٣ سطرًا.
اسم ناسخها: ولي الدين أبو الفضل الرومي ثم المدني، نسخها تجاه الحجرة النبوية الشريفة بالمدينة المنورة، في الرابع من ذي القعدة سنة ١١٠٤ هـ. وقد وضع الناسِخُ في أولها فهرسًا بالموضوعات.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالحرف: (أ)، واعتمدناها أصلًا في عملنا.
الثانية: وهي محفوظة أيضًا بالمكتبة السليمانية، تحت الرقم ٢٧٢٨، كُتِبتْ بخطٍ جيدٍ ومقروء، ومُيِّزَتْ عناوين الفصول فيها بالحمرة.
تقع في ثمان وعشرين صفحة، ومعدل الأسطر في كل صفحة ١٥ سطرًا، وعلى هامشها بعض التعليقات المنقولة من كلام المصنف.
[ ١٨ ]
اسم ناسخها: عمر بن إسماعيل، وقد أرَّخ نسخها في السابع عشر من ربيع الأول سنة ١٠٥٤ هـ. لكنْ في هذه النسخة أخطاء وسقط كثير.
الأصول المعتمدة في تحقيق الشرح:
أما بالنسبة لرسالة "منهل الواردين" للعلامة ابن عابدين فلم يتيسر لنا نسخٌ مخطوطة لها، لذا فقد اعتمدنا في إخراجها على نسخة قديمة مطبوعة في (مطبعة المعارف في ولاية سوريا)، وقد طبعت الرسالة عنها بعد ذلك عدة مرات كان أولها سنة ١٣٠٢ هـ، ووقفنا على نسخة منها بدار الكتب المصرية تحت الرقم ١١٠٢ فقه حنفي.
ثم أعاد نشر الرسالة عبد النافع فياض في سوريا سنة ١٤٠٩ هـ، واعتمد في إخراجها - كذلك - على نسخة مطبعة المعارف المذكورة آنفًا.
عملنا في الكتاب:
يتلخَّصُ عملنا في هذا الكتاب في الأمور الآتية:
١. ضبطُ نصِّ المتن والشرح بالشكل اللازم، ووضع علامات الترقيم بدقة.
٢. تفصيل الجمل وتفقير المقاطع ليسهل فهمها واستيعابها على
[ ١٩ ]
القارئ.
٣. وضع عناوين فرعية للفصول والمباحث لتسهيل الرجوع إليها، وقد ميزنا كل عنوان منها عن نصِّ الكتاب بمعقوفتين [].
٤. تخريج النصوص التي اعتمد عليها العلامة ابن عابدين في شرحه، بعزوِ كلٍّ منها إلى مصدره إن كان مطبوعًا، ثم مقابلته به، فإذا وجدنا فيه اختلافًا ذا بالٍ نبَّهنا إليه.
٥. التعليق على بعض العبارات بما يحل مشكلها ويُوضِّحُ غامضها، بالرجوع إلى الكتب المعتمدة في المذهب، بالإضافة إلى الشروح الأخرى لـ "ذخر المتأهلين" السابق ذكرها.
٦. زيادة بعض الكلمات التي قدرنا سقوطها من الشرح المطبوع - حسب ما يقتضيه السياق - وجعلناها مميَّزةً بين معقوفتين [].
٧. التعريف بالكتب المنقول عنها في الكتاب، وبيان المطبوع منها والمخطوط ضمن حدود اطلاعنا.
٨. ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في الكتاب.
٩. صدَّرنا العملَ بترجمتين وجيزتين للإمامين: الماتن والشارح.
[ ٢٠ ]
١٠. ذيَّلنَا الكتاب برسالة صغيرة سميناها "إرشاد المكلفين إلى دقائق ذخر المتأهلين"، ذكرنا فيها الأصول والقواعد الكلية للحيض والنفاس، وحللنا فيها الأمثلة التي ذكرها الإمام البِرْكِوِي مع إضافة جداول توضيحية في غاية السهولة.
١١. أعددنا فهارس عامَّة للكتاب لتيسير الرجوع إلى مباحثه ومسائله.
وبهذا العمل نرجو أن نكون قد أتممنا تحقيقَ الكتاب من جوانبه المتعدِّدَة، ونأملُ أن تكون نسختنا هذه أصحَّ طبعةٍ تقدم لهذه الرسالة الجليلة إن شاء الله تعالى.
شكر وتقدير:
ولا يفوتنا في الختام أن نتقدَّمَ بخالصِ الشكر والتقدير لفضيلة أستاذنا الشيخ حسان الهندي، الذي كان له الفضل الأكبر - بعدَ عونِ الله تعالى - في فَهمِ غوامضِ هذا الباب، فقد أفادنا كثيرًا من علْمِه الجمِّ، فنسألُ الله تعالى أن يجزيه عنَّا خيرَ الجزاء.
ونتوجَّهُ أيضًا بشكرٍ خاصٍّ إلى فضيلة شيخنا عبد الرحمن أرجان على
[ ٢١ ]
تَفضُّلِه بمراجعة الكتاب رغم كثرة شواغله وضيق وقته، حيث كان لملاحظاته الدقيقة وتوجيهاته السديدة النفع البالغ، فجزاه الله تعالى عنا خيرًا.
كما نتقدَّم بخالص الشكر لكل من أسدى إلينا مشورةً، أو رأيًا، أو توجيهًا، أو دعوة صالحة، أو غير ذلك.
* * *
ونودُّ هنا أنْ نلفت انتباه القارئ الكريم قبل شروعه في قراءةِ هذا الكتاب إلى نصيحةِ الإمام البِرْكِوِي التي سطّرها في طيات رسالته في آخر الفصل الثاني، عند بيانِهِ لقواعد انتقال العادة حيث قال: "هذا البحثُ أهمُّ مباحثِ الحيض؛ لكثرة وقوعه، وصعوبة فهمه، وتعسُّرِ إجرائه، وغفلة أكثر النساء عنه، فعليك بالجد والتشمير في ضبطه، فلعلَّ الله تعالى بلُطفِه يُسهِّلْه وييسره لك، إنه ميسِّرُ كل عسير، آمين يا كريم".
لذا ننصح القارئ كي تتم له الاستفادة من جهود الإمام البِرْكِوِي ومن بعده العلامة ابن عابدين أن يتريَّثَ في قراءةِ هذا الكتاب، ويُعيدَ النظرَ فيه المرَّةَ تلوَ الأخرى، حتى تَثبُتَ الأحكامُ في ذهنه وتتضِّح فيُنتفع بها.
[ ٢٢ ]
وختامًا نَضرعُ إلى الله ﵎ أن يتقبَّلَ عملنا هذا، وأن تتحقق الفائدةُ المرجوة منه ويُعِمَّ النفع به لطلبة العلم وسائر المسلمين، لعلَّ دعوة كريمة تنالنا ممن ينتفع به فنُسْعَدَ بها، كما نسأله تعالى أن يتقبل جُهدَنا فيه ويجعله في كفة الحسنات ذخيرةً لنا عنده، يوم نلقى نبينا الأمين ﷺ، والحمد لله رب العالمين.
أشرف منيب
وهداية هارتفورد
[ ٢٣ ]