نشأ الإمام البِرْكِوِي في بيئة آمنة مستقرَّة زاخرة بالعلم والعلماء، وفي كنف أسرة تتَّسِمُ بالعلم، فقد كان أبوه - بير علي أفندي - أحد المدرسين
[ ٣١ ]
في باليكسير آنذاك، فاشتغل منذ نُعومَةِ أظافره بطلب علوم الآداب العربية، والفقه وأصوله، والتفسير، والحديث، والكلام، والمنطق الخ، وحفظ القرآن -كعادة العلماء في شتى العصور - فغدا عالمًا بارعًا في الأصول والعربية.
كما درس عند أبيه مقدمات العلوم والفنون المتنوعة، وحَصَّل عنده علم المنطق وغيره، وعندما أحسَّ الوالِدُ في ابنه النبوغَ وحُبَّ العِلْم أرسلَهُ إلى إستانبول حيث توجد المدارس العثمانية التي بناها السلطان محمد الفاتح ليُكمِلَ دراسته العليا.
وظل الإمام البِرْكِوِي ينتقل بين رياض العلماء في إستانبول، وشبَّ في أحضان هذا الجو العلمي الذي يموج بالمجادلات والمناظرات، فكان لها أعظم الأثر في اتِّقَاِد ذهنه، وصقل مواهبه.
وبالإضافة إلى ذلك كانت الدولة آنذاك تدعَمُ الحركة العلمية، وتُشجِّعُ العلماء، حيث عاش الإمام البِرْكِوِي في عهد أشهر السلاطين الذين اهتموا بالحركة الأدبية والعلمية، مثل السلطان سليمان القانوني، وابنه سليم، اللذين كان لهما انشغال ملحوظ بالأدب والشعر، وكانا يُوليَانِ اهتمامًا كبيرًا بالعلماء والكتاب والشعراء، مما ساعد في ازدهار الحركة العلمية والأدبية.
[ ٣٢ ]
ولكن على الرغم من هذا الاهتمام من جانب السلاطين فقد ظهر في هذه الفترة بعضُ أصحاب البِدَع والخرافات والأفكار الخاطئة، وكان للإمام البِرْكِوِي دورٌ بارِز في محاربتهم ورِّدهِم، وهاجمهم داحضًا حُججَهُم بالكتابِ والسُنَّة، وألَّفَ كتابَه "الطريقة المحمدية" محاولًا من خلاله إرشاد الناس إلى الطريق الصحيح في العبادات والمعاملات.