نشأ ابنُ عابدين في بيتِ علْمٍ وصلاح، ذلك أنَّ أجداده عرفوا بين الناس بالورع وكثرة العبادة، كان والده تاجرًا صالحًا فربَّاهُ على الفضيلة والهمَّةِ العالية، فحفِظَ القرآن عن ظهر قلب وهو صغير جدًا، وكان والده يجلسه في محلِّه التجاري ليألَفَ التجارة ويتعلَّمَ البيع والشراء، وربما صاحبه في جولاته التجارية في الأسواق، وكان لهذا أثره فيما بعد حيث بقي ابن عابدين طول حياته تاجرًا يأكلُ من كسب يده، وانعكست تلك المعرفة التجارية على فقهه وكتابته.
[ ٤٨ ]
وقد بدأ ابن عابدين طلبَهُ للعلم بحفظِ كتاب الله العزيز على أهله من علماء القراءات، وكان السبب في ذلك أنه كان يجلس في محلِّ والده ليتعلَّمَ التجارة، فجلس مرةً يقرأُ القرآن فمرَّ به رجلٌ لا يعرفه فسمِعَهُ يقرأ، ولم يكن بعدُ قد تعلَّمَ التجويد أو جالَسَ أحدًا من أهل العلم، فزجرَهُ وأنكَرَ قراءته وقال له: «لا يجوز لكَ أنْ تقرأ هذه القراءة؛ لأن هذا المحل محل للتجارة والناس لا يستمعون قراءتك فيرتكبون الإثم بسببك، وأنت أيضًا آثم، كما أنَّ قراءتك ملحونة» وأمرَهُ بالتعلُّمِ، فسأل عن أفضلِ مَن يُعلِّمُ القرآن فدلَّه بعضُهم على الشيخ محمد سعيد الحموي شيخ القُرَّاء، فبدأ القراءة عليه، فقرأ القرآن مجودًا وحفظ المتون، وقرأ عليه بعض العلوم والفقه الشافعي، ثم انتقل إلى شيخه الشيخ شاكر العقاد السالمي- المشهور بابن مقدم سعد الحنفي- فقرأ عليه كثيرًا من العلوم والفنون في المعقول والمنقول وألزمَهُ التحوُّلَ على المذهب الحنفي فقرأ عليه كثيرًا من كتب المذهب، وأحبَّهُ شيخُه محبَّةً عظيمة، وصار يفتخِرُ به ويأخذه إلى شيوخه ويستجيزهم له، فيُجيزونَه.
ثم بدأ بالتصنيف في هذه الفترة وسِنُّهُ سبعة عشر عامًا، ثم بدأ بقراءة الدر المختار على الشيخ العقاد مع جماعة منهم الشيخ سعيد الحلبي،
[ ٤٩ ]
ولكنَّ الشيخ العقاد توفي سنة ١٢٢٢ هـ، ولم يكمل الدر، فأكمله ابن عابدين مع تلاميذ الشيخ العقاد على الشيخ سعيد الحلبي أكبر التلاميذ سنًا وقدرًا، ثم قرأ عليه كثيرًا من الكتب التي بدأها مع شيخه العقاد، وكتبًا أخرى في الفقه الحنفي وغيره من العلوم الآلية حتى برعَ ونضجَ وتمكَّنَ، فاشتغل بالتصنيف والتدريس والإفادة حتى أصبح مرجعَ الفتوى ومحجَّةَ العلماء في العالم الإسلامي.
وكان ﵀ مغرمًا بتصحيح الكتب والكتابة عليها فلا يدَعُ شيئًا من قيد أو اعتراض أو تنبيه أو جواب أو تتمة فائدة إلا ويكتبه على الهامش، ويكتب المطالب، وكانت عنده كتب من سائر العلوم لم يُجمع على منوالها، وكان كثيرًا منها بخطِّ يده، ولم يدَع كتابًا منها إلا وعليه كتابته، وكان والده السبب في جمعه هذه الكتب عديمة النظير، فإنه كان يشتري له كل كتاب أراده، ويقول له: «اشترِ ما بدا لك من الكتب، وأنا أدفعُ لك الثمن فإنك أحييتَ ما أمتُّهُ أنا من سيرةِ سلَفِي، فجزاك الله خيرًا يا ولدي».
كما أعطاه والده كُتُبَ أسلافِه الموجودة عنده من أثرهم الموقوفة على ذراريهم، وكان ابن عابدين رحمه الله تعالى حريصًا على إصلاح الكتب، لا يمرُّ على موضعٍ منها فيه غلط إلا أصلحه وكتبَ عليه ما يناسبه.
[ ٥٠ ]