ولد الزمخشري بين أبوين تدثرا بدثار الصلاح والتقى - وإن عزَّ التعريف بهما في كتب التاريخ - وهذا ما يمكن استخلاصه من الأحداث التالية:
منها ما ذكره الزمخشري أن مؤيد الملك (م ٤٩٤ هـ) سجن والده الشيخ عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري (م ٤٨٨ هـ) تقريبًا، فيستعطفه الزمخشري ويتوسل إليه أن يطلقه مستشفعًا بفضله وتقواه، حيث يقول:
أكفى الكفاة مؤيد الملك الذي خضع الزمان لعزه وجلاله
ارحم أبي لشبابه ولفضله وارحمه للضعفاء من أطفاله
_________________
(١) زمخشر: بفتح الزاي والميم وسكون الخاء وفح الشين المعجمة وبعدها راء، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم. وفيات الأعيان، ٥/ ١٧٣.
(٢) انظر ترجمته: السمعاني، الأنساب ٦/ ٢٩٧، ٢٩٨؛ ابن الأنباري، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، ص ٢٩٠ - ٢٩٢؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء ٢٠/ ١٢٦ - ١٣٤؛ ابن الأثير، اللباب في تهذيب الأنساب ٢/ ٧٤؛ القفطي، إنباه الرواة على أنباء النحاة ٣/ ٢٦٥ - ٢٧٢؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ٥/ ١٦٨ - ١٧٤؛ القرشي، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ٢/ ١٦١، ١٦٢؛ الفاسي، العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ٧/ ١٣٧ - ١٥٠؛ العيني، كشاف القناع المُرنى عن مهمات الأسامي والكنى (مخطوط)، ص ٩٣؛ ابن قطلوبغا، تاج التراجم في طبقات الحنفية، ص ٧١؛ السيوطي، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة ٢/ ٢٧٩، ٢٨٠؛ طبقات المفسرين، ص ٤١؛ طاش كبري زاده، مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم ٢/ ٩٧ - ١٠٠؛ حاجي خليفة ٢/ ١٤٧٥ وما بعدها؛ اللكنوي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص ٢٠٩؛ بروكلمان، تاريخ الأدب العربي ٥/ ٢١٥ - ٢٣٨؛ الزركلي، الأعلام ٧/ ١٧٨؛ كحالة، معجم المؤلفين ١٢/ ١٨٦.
[ ٣٠ ]
ارحم أسيرًا لو رآه من العِدى أقساهم قلبًا لرقَّ لحاله
ما أطول الليل الذي يفنيه في سهر وأطول منه ليل عياله
يشكو قيودًا قصرت من خطوه وسلاسلًا حكمت بضيق مجاله
ما ضرّ مثلك لو عفا عنه فمن دأب الكرام العفو عن أمثاله
هب أنه ممن أساء فما له غلب الرزانة منك سوء فعاله (١)
وعندما رزئ بفقد وألده رثاه بالقصيدة التالية، منوهًا عن صلاحه واستقامته بقوله:
فقدته فاضلًا فاضت مآثره العلم والأدب المأثور والورع
أخا طباع مصفّاة مناسبة ماء السحابة ما في بعضها طبع
وذا حقائق لا في لحظه طلب لغير رشد ولا في لفظه قذع
لم يأل ما عاش جدًا في تقاه يرى إن الحريص على دنياه منخدع
صام النهار وقام الليل وهو شج من خشية الله كابي اللون ممتقع (٢)
وأما والدته فقد كانت شديدة العطف رقيقة القلب، وكان مجابة الدعوة وهذا ما يلتمس في القصة التي حكاها الزمخشري بقوله: "كنت في صباي أمسكت عصفورًا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي فأدركته وقد دخل في خرق، فجذبته فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت والدتي، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله" (٣). وقطعت رجله عندما سقط عن دابته.
والأسرة بصفة عامة كانت أسرة متدينة، ملتزمة بآداب الشرع وتعاليمه، وهو ما أشاد به الزمخشري في الأبيات التالية:
هات التي شبهت ظلمًا بشمس ضحى لو عارضتها لغطتها بإشراق
_________________
(١) انظر: الصاوي، منهج الزمخشري في تفسير القرآن، ص ٢٥.
(٢) منهج الزمخشري في تفسير القرآن، ص ٢٦.
(٣) وفيات الأعيان ٥/ ١٦٩.
[ ٣١ ]
استغفر الله أني قد نسبت بها ولم أكن لحميّاها بذواق
ولم يذقها أبي قبلًا ولا أحدًا من أسرتي واتفاق الناس مصداقي (١)