قال الله ﷾: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).
"الهدي هو هدي المتعة، وهو نسك عند أبي حنيفة، ويأكل منه، وعند الشافعي يجري مجرى الجنايات، ولا يأكل منه، ويذبحه يوم النحر عندنا، وعنده يجوز ذبحه إذا أحرم بحجته، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الهدي فعليه ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي في وقته، وهو أشهره، ما بين الإِحرامين: إحرام العمرة وإحرام الحج وهو مذهب أبي حنيفة ﵀، والأفضل أن يصوم يوم التروية وعرفة ويومًا قبلهما، وإن مضى هذا الوقت لم يجزئه إلا الدم، وعند الشافعي: لا تصام إلا بعد الِإحرام بالحج تمسّكًا بظاهر قوله: ﴿فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ بمعنى: إذا نفرتم وفرغتم من أفعال الحج، عند أبي حنيفة، وعند الشافعي هو الرجوع إلى أهاليهم ، ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى
_________________
(١) كما سيأتي في ص ٦٧، ٧٤.
(٢) انظر: وفيات الأعيان ٥/ ١٦٩.
(٣) سورة البقرة: آية ١٩٦.
[ ٤٩ ]
التمتع عند أبي حنيفة وأصحابه، لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عندهم، ومن تمتع منهم أو قرن، كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه، وأما القارن والمتمتع من أهل الآفاق، فدمهما دم نسك، يأكلان منه. وعند الشافعي إشارة إلى الحكم الذي هو وجوب الهدي أو الصيام، ولم يوجب عليهم شيئًا.
وحاضروا المسجد الحرام: أهل المواقيت فمن دونها إلى مكة عند أبي حنيفة، وعند الشافعي أهل الحرم ومن كان من الحرم على مسافة لا تقصر فيها الصلاة" (١).
ونموذج آخر يبين ملكته الفقهية الراسخة في تناوله آيات الأحكام:
قول الله ﷾: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
قال الزمخشري: "وبين الفقهاء خلاف في الاعتزال: فأبو حنيفة وأبو يوسف يوجبان اعتزال ما اشتمل عليه الإِزار، ومحمد بن الحسن لا يوجب إلا اعتزال الفرج، وروى محمد حديث عائشة ﵂ أن عبد الله بن عمر سألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: تشد إزارها على سفلتها ثم لتباشرها إن شاء، وما روى زيد بن أسلم، أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها (٣)، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وقد جاء ما هو أرخص من هذا، عن عائشة ﵂، أنها قالت: يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك.
وقرئ يطّهّرن بالتشديد، أي يتطهرن، بدليل قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿حتى يتطهرن، ويطهرن﴾ هو بالتخفيف، والتطهر: الاغتسال، والطهر: انقطاع دم الحيض، وكلتا القراءتين مما يجب العمل به، فذهب أبو حنيفة إلى أن له أن
_________________
(١) انظر: الزمخشري، الكشاف ١/ ١٢١.
(٢) سورة البقرة: آية ٢٢٢.
(٣) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ، وأبو داود نحوه من حديث حرام بن حكيم عن عمه: أبو داود، في الطهارة، باب في المذي (٢١٢)، ١/ ٥٥؛ الموطأ (٩٣)، ١/ ٥٧.
[ ٥٠ ]
يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم، وإن لم تغتسل، وفي أقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة، وذهب الشافعي إلى أنه لا يقربها حتى تطهر وتطهّر، فتجمع بين الأمرين، وهو قول واضح ويعضده قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ " (١).
ففي النموذجين السابقين نجد الزمخشري المفسر هنا فقيهًا، له شخصية علمية واضحة، لم يكتف بعرض الآراء، بل يناقش الأدلة، وأوجه الاستدلال، ويؤدي به الأمر أحيانًا إلى اختيار غير مذهبه الحنفي إذا رأى قوة أدلة المذهب المخالف، كما فعل هذا في الآية الثانية.
ثالثًا: لم يكن الزمخشري غفلًا في هذا المجال العلمي بل شهد له بذلك وأثنوا عليه، فالمترجمون له يصفونه: "بأنه كان فقيهًا مناظرًا" (٢)، كما يوصف: "بالفقيه الحجة" (٣).
وكل هذه الدلائل مجموعة تثبت أن الزمخشري كان فقيهًا مبرزًا، كما كان لغويًا، ومفسرًا، وأديبًا، وشاعرًا، إلا أنه اشتهر في الأوساط العلمية، وبخاصة في العصر الحديث، باللغة والأدب، لبروزه وكثرة اشتغاله بهما أولًا، ولتركيز الباحثين على هذا الجانب في معارفه ثانيًا، وأصبح الجانب الفقهي لديهم نسيًا منسيًا.
والزمخشري كغيره من علمائنا يجيدون فنونًا متعددة، وعلومًا شتى، ولكنهم يبرزون في فن واحد أكثر من غيره، فيعرفون به، ويعدّون حجة فيه.