كان المجتمع الإسلامي في عصر الزمخشري مكونًا من أجناس مختلفة أهمها: الجنس العربي والفارسي والتركي، وأجناس أخرى، ممن يسكنون المدن والقرى والخيام، من مختلف القوميات والشعوب.
وكان المجتمع على فئات متفاوتة، باعدت بينها موازين الحياة (٤)، يسودها الدين الإِسلامي، ولم يخل من أقليات من اليهود والنصارى، الذين كانت لهم الحرية والأمن والأمان ولهم كافة الصلاحيات في ممارسة شعائرهم، وتقلد مناصب كبيرة في الدولة، وعمل التجارة وغيرها. وكانت اللغة العربية، هي اللغة السائدة، غير أنه تسبب اندماج هذه الأمم المتفرقة ذات النوازع المختلفة في مجتمع واحد، إلى ظهور عادات وأخلاق غير إسلامية، مثل أعياد جاهلية: كالنيروز والمهرجان، وظهور نحل ومذاهب هدامة مختلفة. ومن ثم كثر الخلاف بين أصحاب النحل والأهواء، حول الأديان، وحول الاعتزال والمسائل الكلامية، مما أدى إلى فتن ومحن، من أهمها ما حدث من
_________________
(١) تاريخ الإسلام السياسي، ٤/ ١٧٨.
(٢) المصدر نفسه، ٤/ ١١٦.
(٣) انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ١٢/ ١٥٥، ١٥٦.
(٤) انظر: أحمد أمين، ظهر الإِسلام، ١/ ٣ وما بعدها.
[ ١٦ ]
الفتن الطائفية بين الشيعة والسُّنة سنة (٤٨٢ هـ)، مما أدّى إلى إزهاق الكثير من الأرواح. وتتكرر أمثال هذه الحوادث بعد كل فترة دون انقطاع (١).
ومن أغرب تلك الفتن ما كان يستعر بين أهل السنة أنفسهم، وبالأخص بين الحنابلة والأشاعرة كما حدث سنة (٤٤٧ هـ) حيث "وقعت بينهما فتنة عظيمة، حتى تأخر الأشاعرة عن الجمعات خوفًا من الحنابلة" (٢). كما ظهرت جماعة الباطنية، وهي جماعة إرهابية واسعة النشاط، فأخافوا البلاد والعباد، وقتلوا ونهبوا وعاثوا في الأرض فسادًا (٣).
وبلغ بهم التمرد إلى قتل الخلفاء والوزراء، إلى أن كفى الله تعالى الناس شرهم على يد السلطان محمد بن ملكشاه (م ٥١١ هـ) فقضى عليهم (٤).
وكذلك سرى الفساد في النظام المالي والقضائي، وانقسم ولاء الجيش لجهات متعددة، وفسدت أخلاق سكان المدن، خاصة مع ظهور كثرة العبيد والجواري.
وأمام هذه الحياة المضطربة لم يقف المصلحون مكتوفي الأيدي، بل بذلوا جهودهم في سبيل دعوة الناس، وإرشادهم ونصحهم إلى التمسك بدينهم، ومكافحة الشكوك التي يثيرها أصحاب الملل والنحل، ونظرة عابرة إلى كتب التراجم، والحالة العلمية، لهذا العصر تبيّن عظم جهودهم.
وأما التجارة فكانت لها أطوار مختلفة، حسب الوضع الاجتماعي، وحسب الأمن والاستقرار، واختلف نشاطها وركودها من جهة إلى أخرى. ولكنها كانت متدهورة بصورة عامة في منطقة العراق وما حولها، بسبب الفتن الداخلية، وظهور قطّاع الطرق.
_________________
(١) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ٩/ ٤٧، ٤٩، ١٠/ ١٩٨، ٢٨٥.
(٢) المصدر نفسه، ٨/ ١٦٣، ١٠/ ٢٨٦.
(٣) المصدر نفسه، ٩/ ١٥٠، ١٠/ ٩٥.
(٤) المنتظم، ٩/ ١٥٠، ١٠/ ٩٥.
[ ١٧ ]
كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى انتشار الفوضى والاضطراب الاجتماعي (١).
هذا ولا تختلف الحالة الاجتماعية في خوارزم عن جاراتها، من المناطق الإِسلامية، بيد أن أهلها كانوا شديدي التمسك بأمور الدين.
وينوّه ياقوت بهذا قائلًا: "وما أظن كان في الدنيا لمدينة خوارزم نظير في ملازمة أسباب الشرائع والدين" (٢).
وكانوا أهل جهاد دائم، وعلى ثغر من ثغور الإِسلام، "وقد اكتنفها أهل الشرك، وأطافت بها قبائل الترك، فغزو أهلها معهم دائم، والقتال فيما بينهم قائم، وقد أخلصوا في ذلك نياتهم، وأمحصوا عن طوياتهم، وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات، ومنحهم الغلبة في كافة الوقعات " (٣).
وقد كان لهذه البيئة الدينية أثر عظيم في الحماس الديني الذي نشأ عليه أبناؤها.
كان أهل خوارزم يمتازون باهتمامهم باللغة العربية والعلوم الإِسلامية، فتخرج فيها جماعة من الأدباء والشعراء والعلماء (٤). وتحدث الرحالون عن مظاهر ازدهارها بعمائرها الكثيرة، وشوارعها الفسيحة، وأسواقها المليحة، وسكانها الكثيرين ووفرة أسباب المعيشة والترف فيها (٥).
ومع هذه الوفرة المعيشية، فإن عامة الشعب لا يختلف وضعهم المعيشي في الفقر والبؤس عن بقية الأقطار الإِسلامية.
_________________
(١) انظر: المنتظم، ٩/ ١٩٣، ١٠/ ١٤، ١٧٦، ١٨٩، ٢١٢. وانظر: الحياة الاجتماعية بالتفصيل: ظهر الإِسلام، ١/ ٣ - ١٣٠؛ التاريخ الإِسلامي، ٤/ ٦٢٥ - ٦٣٢.
(٢) معجم البلدان، ٢/ ٤٨٦.
(٣) ما نقله الصاوي عن ربيع الأبرار، ص ١٨.
(٤) كما يأتي تفصيل ذلك في الحياة العلمية.
(٥) رحلة ابن بطوطة، ص ٣٥٩.
[ ١٨ ]
يصور لنا الزمخشري هذه الحالة في كثير من قصائده التي يشكو فيها الزمان (١) ومنها:
ومما شجاني أن غر مناقبي يغنى بها الركبان بين القوافل
وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي وسارت مسير النيران رسائلي
وكم من آمال لي وكم من مصنف أصاب بها ذهني محز المفاصل
غني من الآداب لكنني إذا نظرت فما في الكف غير الأنامل
فيا ليتني أصبحت مستغنيًا ولم أكن في خوارزم رئيس الأفاضل
ويا ليتني مرض صديقي ومسخط عدوي وأني في فهاهة باقل
وما حق مثلي أن يكون مضيقا وقد عظمت عند الوزير وسائلي (٢)