نشأ في قريته (زمخشر) وتعلم فيها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، ولعله كان على يد والده الذي سبق الحديث عن علمه وفضله، "قيل كان أبوه إمامًا بقرية زمخشر" (٢)، ولا نعرف كثيرًا عن مشايخه، في هذه المرحلة من عمره، حيث لم يهتم المؤرخون بتدوينها. حينما جاوز سن الطفولة وأصبح غلامًا يافعًا، أدى ضيق ذات اليد بوالده إلى أن يسلم ابنه محمود إلى خياط وقال: "أعلمه الخياطة؛ لأنه صار زمنًا مبتلى" (٢)، إلا أن رغبته الشديدة في تعلم العلم جعلته يستعطف أباه ويقول له: "احملني إلى البلد واتركني بها".
وأمام هذه الرغبة الملحة اقتنع والده "فحمله إلى البلد، ورزقه الله حظًا حسنًا، فكفاه الله رزقه" (٣).
يقول الزمخشري عن نفسه، كما يروي ابن خلكان: "إنه لما بلغ سن الطلب رحل إلى بخارى لطلب العلم" (٤). وكانت بخارى في ذلك الحين إحدى مراكز العلوم
_________________
(١) انظر: منهج الزمخشري، ص ٢٤.
(٢) انظر: مفتاح السعادة ٢/ ١٠٠.
(٣) انظر: مفتاح السعادة ٢/ ١٠٠.
(٤) وفيات الأعيان ٥/ ١٧٠.
[ ٣٢ ]
والآداب كما يصفها الثعالبي: "كانت بخارى في الدولة السامانية بمثابة المجد، وكعبة الملك، ومجمع أفراد الزمان، ومطلع نجوم أدباء الأرض، وموسم فضلاء الدهر" (١).
وكانت هذه المرحلة من حياة الزمخشري مرحلة حرجة، يكتنفها الفقر والآلام، ومن الأمور البارزة في هذه المرحلة التي ضاعفت آلامه: أن رجله قطعت وهو في سن الصبا، ورويت لذلك أسباب مختلفة: قيل بسبب البرد، وقيل بسبب جرح أصابه، ويقال: أنه سقط عن دابته بسبب دعاء والدته عليه، كما يرويه الفقيه الدامغاني (م ٥٤٠ هـ) أنه سأل الزمخشري عن ذلك؛ فأجابه: بأنه سقط من الدابة فقطعت رجله بسبب دعاء والدته عليه (٢).