الحمد لله رب العالمين حمدًا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد، فلما كان علم الفقه من أجلّ العلوم حث الله ﷿ عليه في قوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: "من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (٢). وكان من عظيم امتنان الله ﷾ عليّ أن وفّقني لمواصلة دراستي الشرعية عامة والفقهية بخاصة.
ولما عزمت العمل في هذا الفن بدأت البحث عن كتاب في الفقه بعامة، وفي علم الخلاف بخاصة، جدير بأن يجد طريقه إلى أيدي الدارسين وينفض عنه غبار السنين، فساقتني عناية المولى ﷿ إلى العثور على كتب عديدة في تراثنا الفقهي، كلها جديرة بأن تكون موضع اهتمام الباحثين.
ووقع اختياري من بينها على كتاب "رءوس المسائل" للإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨ هـ).
_________________
(١) سورة التوبة: آية ١٢٢.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄: البخاري، في فرض الخمس، باب قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، (٣١١٦)، ٦/ ٢١٧؛ مسلم، في الإمارة، باب قوله - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين "، (١٠٣٧)، ٣/ ١٥٢٤.
[ ٧ ]
وكان مما زاد تعلقي بهذا الكتاب: اهتمام الدارسين والباحثين في الوقت الحاضر بفقه الخلاف، حيث الاتجاه العام إلى التجديد الفقهي، والخروج بآراء تتناسب والعصر الحديث.
ومن ثم وجدت في هذا الكتاب ضالتي التي أنشدها، فهو يشتمل على أهم مسائل الخلاف بين المذهبين: الحنفي والشافعي، ويعرض المسائل الفقهية عرضًا واضحًا مبسّطًا، وفي أسلوب علمي مستقيم، يميزه عن كثير من الكتب في هذا المجال العلمي، كما لا يفوته في منهج العرض إيراد الأدلة بإيجاز لكلا المذهبين، في أمانة وإنصاف.
وضاعف من هذه الرغبة لديّ المكانة العلمية التي يحتلها مؤلفه في تراثنا اللغوي، حيث شهرته وتميزه، غير أنه لم يعرف عنه في الأوساط العلمية الآن شيئًا عن نفقهه أو إفراده لهذا العلم بمصنفات.
بدأت العمل وسرت في طريق لم تخل من العقبات والصعوبات، كان من أهمها: عدم عثوري على نسخة أخرى للكتاب، في فهارس المكتبات العالمية، العربية منها والأجنبية، الموجودة في المكتبة المركزية بجامعة أم القرى وغيرها.
والمشتغلون بالتحقيق يدركون مدى صعوبة العمل على نسخة واحدة، وبخاصة إذا لم تخل في بعض الأحيان من السقطات في الجمل، بالإضافة إلى الأخطاء الإملائية والنحوية الكثيرة، التي كثيرًا ما تخلّ بالمعنى. كما أن المؤلف لم ينوّه بذكر مصادر كتابه كلية، ولم يذكر أيضًا أسماء رواة الحديث، مما جعلني أعاني مشقة عظيمة في الوقوف على مصادره، وأخيرًا تغلبت على هذه العقبة باعتماد الكتب الفقهية المعتمدة المؤلفة قبل عصر الزمخشري، وكتب المعاصرين له، التي كانت متداولة بين أيدي الدارسين للفقه الحنفي والشافعي حينذاك، وجعلها مصادر لكتابه؛ لأن غالب الظن أن المؤلف استمد مادة كتابه من هذه المصادر.
ورغم كل ما لاقيته من صعوبات، وطنت العزم على المضيّ في العمل مستعينًا بالله ﷿، ثم مسترشدًا بآراء وتوجيهات أستاذي الفاضل الدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان، التي كان لها الأثر الكبير في إنجاز هذا العمل على هذه الصورة.
[ ٨ ]
وقد قسمت العمل في هذه الرسالة إلى قسمين رئيسيين:
قسم الدراسة، وقسم التحقيق.
أما قسم الدراسة فقد جعلته على ثلاثة فصول:
* الفصل الأول: تحدثت فيه عن عصر المؤلف فتضمن العناصر التالية:
- الحالة السياسية.
- الحالة العلمية بعامة.
- الحالة الاجتماعية.
- الحالة الفقهية بخاصة.
* الفصل الثاني: تحدثت فيه عن حياة المؤلف، فتضمن العناصر التالية:
- نسبه ومولده.
- عقيدته.
- أسرته.
- مذهبه الفقهي.
- نشأته ومراحل حياته.
- الزمخشري فقيهًا.
- شيوخه.
- أخلاقه.
- تلامذته.
- وفاته.
- مؤلفاته.
- ثناء العلماء عليه.
* الفصل الثالث: تحدثت فيه عن كتاب "رءوس المسائل" موضوع الرسالة، وقد تضمن العناصر التالية:
- عنوان الكتاب.
- منهج المؤلف في الكتاب.
- نسبة الكتاب لمؤلفه.
- مصادر الكتاب.
- أهمية الكتاب.
- نقد الكتاب.
- موضوعات الكتاب ونظام ترتيبها.
- الكتب المؤلفة في علم الخلاف.
وأما قسم التحقيق فقد جعلت له مقدمة، تحدثت فيها عن النسخة المخطوطة الوحيدة، شارحا منهجي في تحقيق الكتاب.
يتلخص هذا المنهج في النقاط التالية:
- كتابة النص حسب قواعد الإملاء المتعارف عليها في الوقت الحاضر.
- تخريج الآيات القرآنية، بتعيين السورة التي ذكرت فيها، ورقمها بين آياتها.
[ ٩ ]
- تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
- عزو آراء المذاهب إلى أصحابها، وتوثيقها من مصادر المذهب المعتمدة.
- بيان معاني الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفقهية والأصولية.
- وضع عناوين جانبية لكل مسألة من مسائل الكتاب، وترقيمها، وتسجيل أرقام أوراق النسخة المخطوطة على الهامش، لسهولة العودة إلى الأصل.
- وضع فهارس فنية مفصلة للمسائل الفقهية، والآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة.
ولما كانت نصوص الكتاب خالية من أسماء الأعلام في أكثر الأحيان، لم أجد موجبًا لوضع فهرسة خاصة بها.
وبعد، فهذا واحد من كتب التراث الفقهي المغمورة، يجد طريقه إلى النور، وقد بذلت غاية الجهد في إخراجه بصورة علمية تتناسب ومكانته. فإن أصبت فمن الله ﷿ وتوفيقه، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم، وأبرأ إلى الله تعالى من حولي وقوتي إلى حول الله وقوته، ورحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي، وبصّرني بأخطائي، وأسال الله ﷾ أن يتقبله مني، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، وينفعني به في الدارين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
* * *
[ ١٠ ]
قسم الدراسة
ويشتمل على:
• الفصل الأول: عصر الزمخشري.
• الفصل الثاني: حياة المؤلف.
• الفصل الثالث: كتاب رءوس المسائل.
[ ١١ ]
الفصل الأول: