حد الماء الكثير، عندنا، وهو: إذا حرك من جانب لم يتحرك من جانب آخر (٢) إذا كان عمقه قدر شبر (٣)، وهكذا روى عن أبي حنيفة روايتان: إحداهما: أن يكون عشرًا في عشر (٤)، وفي رواية أخرى: ثمان في ثمان (٥) فإذا وقع فيهما نجاسة لم ينجس عندنا (٦).
وعند الشافعي: حد الماء الكثير الذي لا يحمل النجاسة،
_________________
(١) راجع أدلة الحنفية في المسألة بالتفصيل: المبسوط ١/ ١٢٤، ١٢٥؛ البدائع ١/ ٢٠٩ وما بعدها.
(٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٦؛ القدوري، ص ٣؛ تحفة الفقهاء ١/ ١٠١؛ الهداية ١/ ٧٧ مع فتح القدير.
(٣) "والمعتبر في العمق، أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف، وهو الصحيح، كما ذكره المرغيناني: الهداية ١/ ١٩؛ مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ص ٤.
(٤) وعليه الفتوى، ويقصد بالعدد: الذراع، وهو: بذراع العامة، ويساوي الذراع بالمقاييس الحديثة: ٢، ٤٦ سم. انظر: الهداية ١/ ١٩؛ ابن الرفعة الأنصاري، الإيضاح والبيان في معرفة المكيال والميزان، ص ٧٧.
(٥) انظر: فتح القدير ١/ ٧٧.
(٦) قال الكمال ابن الهمام: "وقال أبو حنيفة في ظاهر الرواية: يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، إن غلب على ظنه أنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر، لا يجوز الوضوء والإجاز، وعنه: اعتباره بالتحريك .. ثم قال: والأول أصح عند جماعة .. وهو الأليق بأصل أبي حنيفة، أعني: عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير شرعي، والتفويض فيه إلى رأي المبتلى، بناء على عدم صحة ثبوت تقديره شرعًا". فتح القدير ١/ ٧٧.
[ ١١٩ ]
وهو: إذا كان قلتين (١) فصاعدًا، والقلتان (٢): خمس قرب كبار، وهي: مائتان وخمسون منا (٣)، أو ستمائة رطل.
دليلنا، ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا يبولن
_________________
(١) القلة: إناء العرب، كالجرة الكبيرة شبه الحب - بالضم -، والجمع: قلال مثل: برمه وبرام، قال الأزهري: ورأيت القلة من قلال هجر والأحساء، تسع ملء مزادة، والمزادة: شطر الراوية، وإنما سمّيت قلة؛ لأن الرجل القوي يقلها، أي: يحملها، وعن ابن جريج قال: أخبرني من رأى قلال هجر، أن القلة تسع فرقًا، قال عبد الرزاق: والفرق، يسع أربعة أصواع بصاع النبي - ﷺ - انظر: تحفة الفقهاء ١/ ١٠٧؛ المصباح، مادة: (قلل).
(٢) القلتان: خمسمائة رطل بالبغدادي؛ لأنه روى في الخبر (بقلال هجر) قال ابن جريج: "رأيت قلال هجر، فرأيت القلة منها تسع: قربتين، أو قربتين وشيئًا، فجعل الشافعي ﵀ الشيء نصفًا احتياطًا" وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة: مائة رطل، فصار الجميع: خمسمائة رطل. انظر المهذب ١/ ١٣؛ المنهاج، ص ٣.
(٣) المن: كيل أو ميزان، وهو شرعًا: ١٨٠ مثقالًا، وعرفًا: ٢٨٠ مثقالًا، وجمعه أمنان. المنجد، (من). وقد أوردت كتب الفقه الشافعي، مواصفات مساحة الماء في الفلاة المقدرة بالقلتين بأنها: "ذراع وربع بذراع الآدمي، وهو: شبران تقريبًا، وهذا في المربع طولًا وعرضًا وعمقًا، وأما في المدور: فذراعان طولًا وعرضًا بذراع النجار، الذي هو بذراع الآدمي: ذراع وربع، والمراد بالطول: العمق، وإذا كان الظرف مدورًا مثل: البئر أو البركة المستديرة، فيكون قطر الدائرة ذراعًا، وعمق البئر: ذراعين ونصفًا، فيكون محيط الدائرة: (٣،١٤) ذراع. وإذا كان الظرف مثلثًا متساوي الأضلاع، فيجب أن يكون طول وعرض كل ضلع: (٥،١) ذراع، طولًا وعرضًا وعمقًا، ونصفه ذراعان، وإن كان الظرف مكعبًا فيجب أن تكون أبعاده الثلاثة: (٢٥، ١) ذراع، طولًا وعرضًا وعمقًا". وخلاصة القول فإن القلتين تقدران بحوالي (٣٠٧) لترات. انظر: الإيضاح والتبيان، مع تعليقات المحقق د. الخاروف، ص ٧٩، ٨٠.
[ ١٢٠ ]
أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من الجنابة" (١)، فدل على أنه نجس.
واحتج الشافعي بقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (٢) وقوله - ﷺ -: "الماء طاهر لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو طعمه أو ريحه" (٣).