يتضح مما سبق أن كتاب الزيادات تكملة للجامع الكبير، فالمنهج الذي سار عليه الإمام محمد في "الزيادات" يطابق تماما منهجه في الجامع الكبير، فأسلوبه فيه محكم رصين يغلب عليه طابع الدقة والصعوبة لانطوائه على فروق فقهية دقيقة وعلل خفية، فهو يذكر المسائل في عبارات دقيقة جامعة دون ذكر للأدلة، لذا أشار إليه الإمام محمد بن شجاع الثلجي بقوله: "مثل محمد بن الحسن في "الجامع الكبير": كرجل بنى دارا، فكان كلما على، بنى مرفاة يرقى منها إلى ما علاه من الدار، حتى استتم بناءها كذلك، ثم نزل عنها، وهدم
_________________
(١) "الفوائد البهية" ص ١٩١.
[ ١ / ١٠٣ ]
مراقيها، ثم قال للناس شأنكم فاصعدوا" (^١).
وأعظم مثال على دقة أسلوبه في الكتاب: "الأيمان". يقول الأمام السرخسي ﵀: "من أراد امتحان المتبحرين في الفقه، فعليه بأيمان الجامع". (^٢) وذلك دأبه في "أيمان الزيادات" أيضًا من حيث تضلعه ورسوخه التام في الفقه والأصول وقواعد اللغة.
ولصعوبة مسائل الزيادت أشار إليه الناظم يصفه في تلك الأبيات:
إن الزيادات زاد الله رونقها … عقم مسائلها من أصعب الكتب
أصولها كالعذارى قط ما اقترعت … فروعهن يد في العجم والعرب
ينال قارئها في العلم منزلة … يغيب إدراكها عن أعين الشهب (^٣)
وهو يمثّل الفروع الفقهية بدون توجيه أو تعليق للمسائل، ولكن القارئ الملم بالفقه يدرك ذلك بالنظر في ثنايا المسائل، لأنها لم تدون إلا بعد المداولة واقتناع كل بما يذهب إليه، بناء على الدليل، فإنها خلاصة الجهود وثمرتها.
وأسلوبه في الكتاب لا يخلو عما يسمى بالفقه التقديري، ويقصد به الفتوى في مسائل لم تقع ويفرض وقوعها وكان هذا المنهج متبعا في زمنه لتدوين المسائل بإيراد الصور مفروضة الوقوع لا واقعة نازلة وتفريع الصورة من الصورة، والاجتهاد في تقرير الحكم الشرعي المنطبق على كل صورة من تلك الصور المفروضة المتسلسلة على النحو الذي تؤلف عليه القوانين الآن، وقد أعطى التدوين الفقهي صورة جديدة من البسط تتمثل في استيعاب المسائل بطريقة افتراض، بعد أن كان يقتصر فيها على النوازل الواقعة.
"وقد كثر هذا النوع من الفقه لدى الفقهاء، لأنهم يحاولون بذلك استخراج العلل
_________________
(١) الذهبي، مناقب أبي حنيفة وصاحبيه ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢.
(٣) انظر مقدمة "شرح زيادات الزيادات" ص ٨، طبع لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدرآباد.
[ ١ / ١٠٤ ]
للأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، يوجهونها فيضطرون إلى فرض وقائع لكي يسيروا بما اقتبسوا من علل للأحكام في مسارها واتجاهها فيوضحوها بتطبيقها على وقائع مفروضة لم توجد" (^١).
وقد وجّه الإمام السرخسي ﵀ لهذه الظاهرة خير توجيه، فقال بعد عرض مسائل من "باب صلاة المسافر": "فإن قيل: لما ذا أورد هذه المسائل مع تيقن كل عاقل بأنها لا تقع ولا يحتاج إليها؟ قلنا: لا يتهيأ للمرء أن يعلم ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فيصير الكل من جملة ما يحتاج إليه بهذا الطريق، وإنما يستعد للبلاء قبل نزوله". (^٢)
وكذلك اعتنى الإمام محمد ﵀ في كتابه عناية فائقة بمسائل حسابية، وكان هذا أسلوب الفقهاء المتمرسين بمسائل الميراث والوصية، فأفاض في تفريع المسائل بناء على أصول الحساب.
كما أنه يكثر بمسائل وتفريعات تتعلق بالرقيق خصوصا بالمكاتب، وما ذلك إلا تعبير عن مدى تجاوبه مع ملابسات الزمن، ومقتضياته لفشو تجارة الرقيق ونفاق سوقها في ذلك الزمن، ومعالجة لكافة جوانب هذا الموضوع ليقدم حلولا واقعية لمسائل وقته. وفي الوقت نفسه يعتبر ذلك مجرد مثال لعدة تداولات تجارية، وتنطبق عليها أحكام معاملات كثيرة متداولة في عصرنا هذا، فلا غنى عن هذه المسائل.