لقد واجهتُ في إعداد هذه الرسالة بعض الصعوبات والعقبات، وكان من أبرزها:
أولا: حجم الرسالة: تحقيق هذا المخطوط وفق المنهج العلمي، كان يستدعي جهدا علميا طويلا مضنيا (^١) بحيث يمكن أن يشترك فيه أكثر من واحد، وذلك نظرا إلى ضخامته وكثرة صفحاته (٥٥٥ لوحة - ١١١٠ صفحة)، ولدقّة مسائله وجَمعِه بين القواعد والفروع، إلا أن رغبتي في إحياء هذا الكتاب القيّم حدَت بي إلى أن أقوم بهذا العمل لكي لا يظل التحقيق مبتورا، فشمّرت عن ساعد الجد متوكلا على الله تعالى، فسجّلت تحقيق الكتاب كله.
ثانيا: عدم الحصول على نسخة "الزيادات":
_________________
(١) التحقيق أمر دقيق يحتاج إلى كثير من الجهد والعناية، ولقد عبّر الجاحظ في كتابه "الحيوان" عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقّة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: "لربما أراد مؤلف أن يصحّح تصحيحا أو كلمةً ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات مِن حرّ اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يردّه إلى موضعه من اتصال الكلام". "كتاب الحيوان" للجاحظ ص ١/ ٩٧.
[ ١ / ١٥ ]
بذلتُ الجهد الممكن في جَمع نُسخ هذا المخطوط وتصويره من أماكن مختلفة، ولقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على خمس نسخ خطيّة، والنسخة التي جعلتها أصلا معتمدا عليه تقع في مجلدين، في ٥٥٥ لوحة = ١١١٠ صفحة. ومما لا شك فيه أن ذاك العمل وكتابة النص للكتاب كله وفق المنهج العلمي، والمقارنة بين النسخ استغرقت مدةً طويلة، وكان من العراقيل في سير العمل أنني لم أتمكّن من الحصول على نسخة المتن: "الزيادات"، رغم محاولات عديدة ورحلات علمية، ومن الملاحظ أن عبارة المتن ممزوجة ومختلطة مع الشرح في جميع النسخ الموجودة.
ثالثا: نسَختُ المخطوط أوّلا وفق المنهج العلمي، ثم قابلتُه على أربع نسخ مختارة، وأثبتت الفروق في الهامش، ثم تكرّرت عملية المقارنة وإثبات النص المختار عندما عثرتُ بعد سنتين من العمل على أقدم نسخة قيّمة عريقة، نُسِخت في بخارى من أصل المصنف ﵀، وفي حياته. وقد ظفرتُ بها أثناء رحلة علمية إلى استنبول، قمت بها بعد أن وافقت عليها الجامعة مشكورة، فجعلتها أصلا معتمدا عليه، وعدّلت النص المعتمد من جديد، وهذه النسخة وإن كانت أكثر عَناء وصعوبة في القراءة بسبب عدم تنقيط عباراتها إلا أنها أقدم نسخة وأوثقها، وخالية من الأخطاء إلى حدّ كبير، فلا يمكن الاستغناء عنها والاستهانة بقدرها.
رابعا: عدم وجود أكثرِ المصادر التي عزا إليها الشارح، منها ما هو مخطوط، ومنها ما هو مفقود، فيصعُبُ على الباحث توثيق النصوص منها.
خامسا: نظرا إلى طبيعة العمل من كثرة الكتابة والتعديل فيه، ومصالح التحقيق من حسن التنسيق ودقّة في التصحيح قمتُ شخصيا بطباعة هذا الكتاب على الكمبيوتر وتنسيقه وتصحيحه، ولكنه أدّى كل ذلك إلى زيادة حجم العمل والضغط الشديد وتحمّل العَناء البالغ.
ورغم المصاعب والمشاكل المذكورة حاولت التغلّب عليها، وإن الله - ﷿ - قد شملني بلطفه وإحسانه وجوده وكرمه، فذلّلها لي، وبفضل الله وتوفيقه. ثم كان لتشجيع فضيلة المشرف/ حفظه الله دور كبير في شق الطريق إلى الإمام. وفي الواقع هانَت هذه
[ ١ / ١٦ ]
المتاعب أمام تحقيق الهدف النبيل وهو إحياء هذا الكتب القيم بشكل يليق به.
هذا وقد وفقني الله ﷿ بالقيام بتحقيقه وخدمة نصوصه، فله الفضل والمنة، إلا أنني أعترف بتقصيري وقلّة بضاعتي على الرغم من الجهود التي بذلتها حسب إمكانياتي في تحقيق هذا الكتاب، علما بأنني جعلت نصب عيني إثبات النصوص الصحيحة، وتقديمها كما هي عند المؤلف - بقدر الإمكان - فإن كنت قد أصبتُ في جهدي فهو فضل من الله وتوفيقه، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله من شره وهمزه ونفثه.
[ ١ / ١٧ ]