الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (^١)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين القائل "مَن يُرد الله به خيرا يُفَقّهه في الدين" (^٢). ورضي الله تعالى عن صحابته وآله أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان وسار على هَدْيهم وسَننهم إلى يوم الدين.
وبعد: فلقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية، وتكوين حضارتها، لأنه فقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق، ويصونها، ويكفل للإنسان السعادة في الدارين، ويحقق مصالحه في كل زمان ومكان ويرسم له النهج القويم في جميع مجالات حياته.
ومن هنا، ترى الفقه الإسلامي هو الأساس الذي تستند إليه الدولة الإسلامية وتستمدّ منه دستورها وأصولها.
وكان الفقه الإسلامي يمثّل في بداية التشريع مجموعة من الأحكام والفتاوى صدرت عن الرسول - ﷺ - في مناسبات كثيرة متجلّية في جانبي الإفتاء والقضاء.
ثم بدأت دائرة الفقه تتسع تدريجيا بعد وفاته - ﷺ - كما يبدو من فتاوى الصحابة ﵃ واستنباطاتهم فيما استجدّ من الحوادث، وما نزل بهم من
_________________
(١) سورة التوبة: ١٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، الحديث ٧١، ومسلم في صحيحه الحديث ٢٣٨٩، وأحمد في مسنده ١/ ٣٠٦، ٤/ ٩٢.
[ ١ / ٩ ]
وقائع ونوازل، وكانوا يعتمدون في كل ذلك على كتاب الله تعالى ويستهدون بهدي النبي ﷺ وفتاويه التي حفظوها عنه.
ثم جاء دور التابعين، فازدهر الفقه بمزيد من الأحكام والفتاوى التي صدرت عن تلاميذ الصحابة من التابعين، وازداد نشاطا في دور الفقهاء والأئمة المجتهدين، وتوسّعت دائرة الفقه والاحتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وتشعّبت الفروع بشكل مدهش سدا لمتطلبات العصر.
وإن من سِمات الشريعة الإسلامية أن الله تعالى تكفّل بحفظها، ومِن حِفظِه لها أنه جعل العلماءَ ورثَةَ الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، وجعل التفقّهَ في أمور الدين خيرا وأعظم قُربة. ولقد أدرك سلفنا الصالح هذا الفضل العظيم فشعروا بالمسئولية، ونذروا أنفسهم وأوقاتهم وكافة وسائلهم في سبيل العلم والتعلم، وحرصوا على حفظ علوم الدين بأساليب ونظم شتى من القضاء والإفتاء، والكتابة والإملاء، والتسجيل والتدوين، حتى تكوّنت للأمّة الإسلامية ثروة علميّة هائلة في كافّة مجالات علوم الدين.
وطالب العلم إذا أجال بصرَه فيما خلفة الأوائل من هذا، الكنوز العلمية الضخمة، التي لا تزال حبيسة في خزائن المخطوطات، دون أن يستفاد منها، أدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فجدير بكل طالب علم أن يطلع على هذا التراث العظيم المتمثل في ذلك الكمّ الهائل، ليرى قدر جهد المبذول فيها مع عدم توفر إمكانات الطباعة وقلة الوسائل في تلك العصور؛ لكي يحسّ بأهمية إبراز هذه الكنوز الدفينة إلى حيّز الوجود بعد إخراجها من الأدراج التي يعلوها الغبار وقاية من التلف والتآكل.
هكذا ترى أعظم ثروة علمية تناقلتها الشفاه، وتوارثتها الأجيال، وسجّلتها الأقلام في الإسلام هي الثروة الفقهية، لأنها تشكّل منهاجا يهيمن علي أفعال المكلفين، ويبيّن ما يتحتّم عليهم من دقيق وجليل.
وإن تحقيق كتب التراث - مع ما فيه من العناء - عمل ممتع ومفيد، مفيد للباحث نفسه حيث يساعد على تنمية قدراته العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية ويعوّده على ضبط
[ ١ / ١٠ ]
عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط وتأسيس القواعد الفقهية، ومفيد لأهل العلم عمومًا وطلاب العلم خصوصًا ليستفيدوا من ذلك النتاج الفكري الشامخ الذي خلفه أسلافهم الأوائل الذين طوّروا الفكر الإنساني، وشيّدوا حضارة رائدة، لا يمكن أن تصل إليها أيّ حضارة إنسانية أخرى، ومفيد للفنّ الذي يتطرق إليه الكتاب المراد تحقيقه، وخاصةً إذا كان هذا الكتاب لمن له باع طويل وملكة راسخة في ذلك الفن.
كما أن التواني والتساهل في أداء هذا الواجب يجعل هذه الذخيرة العلمية عرضة لمزيد من التلف والضياع، ويحرم الأمة من ثمراتها وتلك الأفكار العلمية الثمينة والاجتهادات الشرعية، كما تلف عمل كثير من جهابذة الفقهاء.
ومما لا شك فيه أن طلبَ العلمِ الشرعي ونشرَه من أفضل القربات ومن خير ما صُرفت له الجهودُ والأوقات، ولقد منّ اللهُ علي بفضله وهداني بتوفيقه فسَلَكتُ طريق طلب العلم الشرعي، وعزمتُ على أن أتابع التحصيلَ العلمي، حتى وقع اختياري من بين هذا التراث الغالي على تحقيق كتاب "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، حيث تقدمت به إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لتسجيل رسالةِ الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فتمّت الموافقة بعنوان: "دراسة وتحقيق "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان البخاري" المتوفى سنةَ اثنتين وتسعين وخمس مائة الهجرية.
وهذا الكتاب يمثّل عملا متميزا مبتكرا بحيث نهج فيه المؤلف على منهج التأصيل، كما أنه إكمال لمصادر المذهب الأولية، فإن "الزيادات" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى - من كتب ظاهر الرواية، أحد المراجع الأساسية المعول عليها في المذهب الحنفي، ولكن رغم أهميته ومكانته وحاجة العلماء والفقهاء والقضاة إليه، لم يحظ المتن والشرح بالعناية طباعة وتحقيقا، بل كان ومازال مخطوطا، بل إنه من الصعب العسير أن نطّلع على مسائل "الزيادات" لعدم وجود مخطوطات المتن مستقلة إلا ما تضمّن به شرحه (^١)، كما وصل إلينا "السير الكبير" للشيباني متمثلا في "شرح السير الكبير" للسرخسي.
_________________
(١) انظر الفصل الثالث من القسم الدراسي.
[ ١ / ١١ ]
وأضِف إلى ذلك كله أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ﵀ (١٣٢ هـ - ١٨٩ هـ) له مكانة عظيمة بين الفقهاء المجتهدين، وله آراء ذات قيمة فقهية، واجتمع فيه ما لم يجتمع لغيره من أصحاب أبى حنيفة، من خصائص فقه العراق وفقه الحجاز وفقه الشام فقد تلقّى فقه العراق عن شيخيه أبى حنيفة وأبى يوسف، وتلقى فقه الحجاز عن شيخ المدينة الإمام مالك، وتلقّى فقه الشام عن شيخ الشام الإمام الأوزاعى، ثم تولى القضاء الذي أفاده علما وتجربة، وقرّب فقهه من الناحية العملية الواقعية، وأثر عن الإمام الشافعي ﵀ ثناءٌ بالغ في حق شيخه محمدِ الشيباني، مدوّنٌ في كتب التاريخ، وحكى المورخ الشهير ابنُ العِمَاد الحنبلي قولَ الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لَعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطُّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثلَه، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئا يَعجِز عنه الأكابر" وقال أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (^١).
وكتب "ظاهر الرواية" التي رويت عن الإمام محمد ﵀ برواية الثقات، هي: المبسوط والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والزيادات، وهي عماد النقل والمرجع الأساسي في الفقه الحنفي، ولذلك عُني بها الفقهاء من القديم، وشرح هذه الكتب عدد كبير من الأئمة والفقهاء في عصور متلاحقة، فشرحوها وخرّجوا مسائلها وأصّلوا أصولها وفرّعوا عليها، منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي وأبو الليث السمرقندي والسرخسي والبزدوي وصدر الشهيد ابن مازه وعلاء الدين السمرقندي وفخر الدين قاضي خان والحَصيري وشمس الأئمة الكردري وغيرهم، ولم تزل تلك الشروح محفوظة في خزانات العالم.
وقد نشرت كتب ظاهر الرواية كلها، كاملة أو ناقصة، محققة أو غير محققة، إلا "الزيادات"، فإنه لا يزال مخطوطا مخفيا في خزانات العالم، بعيدا عن متناول أهل العلم، وسبب تأليفه أن الإمام محمدا ﵀ لما فرغ من تأليف "الجامع الكبير" تذكّر فروعا آخر لم يذكرها فيه، فصنّف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع، وسماه "الزيادات"، ثم تذكّر
_________________
(١) "شذرات الذهب" ٢/ ٣٢٣.
[ ١ / ١٢ ]
فروعا أخرى، فصنّف كتابا آخر وسمّاه "زيادات الزيادات".
تبين بذلك أن "الزيادات" يُعدّ بمثابة تكملة "الجامع الكبير"، و"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقها فقها، لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة وعلل خفية، وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (^١) الذي يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه.
وكتاب الزيادات الذي ألّفه بعد الجامع الكبير استدراكا لما فاته، يُعدّ من أبدع كتب الإمام محمد، مروي عنه بطريق الشهرة، وعني كثير من الفقهاء بشرحه عناية كاملة، منهم الإمام السرخسي، وبرهان الدين بن مازه والإمام العتّابي، والإمام قاضي خان وشمس الأئمة الكَردري وغيرهم، إلا أننا لانجد الآن في خزائن مخطوطات العالم سِوى شرح العتابي وشرح قاضي خان.
والإمام فخر الدين قاضي خان أحد الأعلام المجتهدين البارزين، له مكانة سامية بين الفقهاء الحنفية حيث يُعدّ من "طبقة المجتهدين في المسائل"، وكبار الفقهاء المتأخرين من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي والحصكفي وابن عابدين كلهم يعتمدون على تصحيحه وترجيحه. وفتاواه الشهيرة نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان.
ويعتبر "شرح الزيادات" لقاضي خان أقوم وأنفس شرح للكتاب، والمزية الجلية المنفردة التي يتحلّى بها هذا الكتاب وتزيد قيمتَه العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلَك فيه على "مسلك التأصيل"، ويراد به الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامّة والضوابط الفقهية أوّلا ثم التفريع عليها ثانيا، حيث التزم في مستهلّ الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك تسهل معرفة وجوه التفريعات.
ولا شك أن هذا المسلك - أي "مسلك التأصيل" - يقرّب المسائل إلى الأذهان وينمّي عقلية الباحث ويروض فكره، ويربّى ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة
_________________
(١) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص ٢ للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني.
[ ١ / ١٣ ]
على تفريع المسائل من القواعد العامة.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي في كتابه "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير في شرح الجامع" الكبير للإمام الحصيري تلميذ قاضي خان:
"عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام" (^١).
فهو كتاب فقه وتفقيه، وحافل بالنفائس ومتميز بخصائص علمية، ويضمّ كمًا هائلا من القواعد والضوابط الفقهية، ومنها ما لا يتوافر في كتب القواعد المتداولة، ولا شك أن هذه القواعد ثروة ثمينة للتراث الفقهى، والكتاب حقيق بأن يعدّ مصدرا هامًا في مجال علم القواعد.