في الباب فصول ثلاثة:
الأول: فصل الإظهار والإعلام والإفشاء والإخفاء والكتمان (^١)، والحكم فيه أنه يحنث بالإشارة، كما يحنث بالكتابة والرسالة.
والثاني: الإخبار والإقرار والبشارة، والحكم فيه أنه لا يحنث بالإشارة، ويحنث بالكتابة والرسالة.
والثالث: الكلام والحديث، والحكم فيه (^٢) أنه لا يحنث إلا بالتكلّم بلا واسطة (^٣).
[الفصل الأول]:
إذا عرفنا هذا (^٤) قال محمد ﵀:
_________________
(١) وألحق الكاساني في هذا الفصل "الإعلان"، و"الإسرار" أيضا، وهو الصواب، كما سيتضح من خلال مسائل الفصل الأول. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٣.
(٢) "فيه" ساقط من ج ود.
(٣) الإمام العتابي أصّل لهذا الباب بقوله: أصل الباب أن الأيمان مبنية على متعارف الناس. "شرح الزيادات" للعتابي، مخطوط، ورق ١٦، ولا يخفى أن منهج الإمام قاضي خان في الباب أدق منه وأوضح.
(٤) قوله: "إذا عرفنا هذا" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
رجل حلف: ليكتمنّ سِرّ فلان، أو ليخفينه، أو ليسترنّه، أو حلف: لا يُظهر سِرّ فلان، أو لا يفشي، فأظهَر بإشارة، أو بكتابة، أو برسالة (^١)، حنث في يمينه، لأن الإظهار فعل يُلازمه الظهور، فإذا حصل الظهور، بأيّ طريق حصل، يكون إظهارا (^٢).
وكذا الإفشاء والإخافاء والكتمان، والإسرار ضد الإظهار.
وكذا لو قال: "إن أعلمتُ فلانا بِسرك" لأن "الإعلام" فعل يلازمه العلم، والعلم كما يحصل بالكتابة والرسالة، يحصل بالإشارة تقول: علمتُ ما في قلب فلان من الحبّ والبغض؛ لأنه فعَل كذا وكذا.
ولو حلف: لا يُعلِم أحدًا بمكان فلان، فقيل له: أفلان في موضع (^٣) كذا، فأومأ برأسه بنعم، يحنث؛ لوجود الإعلام (^٤).
_________________
(١) قوله: "فأظهر بإشارة أو بكتابة أو برسالة"، أي سأله أحد عن ذلك السر، وقال: أكان من الأمر كذا؟ فأشار الحالف برأسه، أي نعم، أو كتب إليه السر فبلغه الكتاب، أو أرسل إليه رسولا فبلغه الرسالة. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٣.
(٢) إذ الإظهار إثبات الظهور، وذلك لا يقف على العبارة، بل يحصل بالدلالة والإشارة، يقال: ظهر لي اعتقاد فلان، إذا فعل ما يدل على اعتقاده، وكذا الإشارة بالرأس عقيب السؤال، يثبت به ظهور المشار إليه. انظر: "بدائع الصنائع"، ٣/ ٣٥، و"الفتاوى التاتارخانية"، ٤/ ٤٧١.
(٣) وفي الف وب: في "مكان".
(٤) لأن الإعلام: هو إثبات العلم الذي يُحَدّ: بأنه صفة يتجلّى بها المذكور لمن قامت هي به. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٣.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فإن نوى بالإعلام والإظهار والإفشاء، الإخبار بالكتابة أو بالرسالة (^١)، يُصدّق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى محتمل لفظه، وهو الإظهار على أتمّ الوجوه، ولايصدّق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر.
وقيل: يصدّق في القضاء أيضًا (^٢)، والأول أصحّ (^٣).
وكذا لو حلف لا يستخدم فلانا، فاستخدَمه بإشارة أو غيرها، حنث، وإن لم يخدُم، لأن "الاستخدام" طلَبَ الخدمة، وذا يتحقّق بالإشارة، فإن استخدام الملوك والكبراء، يكون بالإشارة (^٤).
وفي يمين الإظهار والإفشاء، إذا أراد أن يحصل الظهور، ولا يكون حانثا (^٥)، فالوجه في ذلك أن يقال له: إنا نَعُدّ عليك أشياءً وأشخاصا وأمكنة، وأنت تقول: "لا"، فإذا انتهينا إلى المحلوف عليه، فاسكُتْ، فإذا فعل كذلك، لا يحنث؛ لأن الشرط هو
_________________
(١) أي نوى الإخبار بالكلام والكتابة والرسالة فقط، دون الإشارة.
(٢) قال الحاكم أبو نصر محمد بن مهرويه: يصدّق في القضاء، ذكره في "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٢.
(٣) وهو اختيار الكاساني، فقال: يدين فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه نوى تخصيص العموم، وإنه جائز، ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر. وعزاه في "الفتاوى التاتارخانية" إلى عامة المشايخ. انظر: "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤، و"الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٢، و"ردّ المحتار" ٣/ ١٠٣.
(٤) كذا في "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٥٤.
(٥) وفي الف وب: "ولا يحنث".
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الإظهار، وأنه فعل يقع به الظهور، ولم يوجد منه فعل (^١)، وإنما حصل الظهور بسكوته واستدلالهم، فلا يحنث. وهذه حيلة منقولة عن أبي حنيفة ﵀.
حكي أن السرّاق أخذوا أموال واحد، وحلّفوه بأيمان عظيمة أن لا يُظهِر سرّهم، فجاء الرجل إلى أبي حنيفة، وقَصّ عليه القّصّة، وقال: إني أراهم، وأرى أموالي في أيديهم، فقال له أبو حنيفة: هل لكَ من صديق؟ فقال: نعم، فأتاه بصديقه، فأمره أبو حنيفة ﵀ بأن يأتيَ بأعوان السلطان عند اجتماع الناس في المسجد، وأمر الصديق أن يريَه الرجال واحدا، فواحدا، ويقول للمسروق منه: هذا الذي سَرق منك، فإن لم يكن، فيقول: لا، وإذا انتهى إلى السارق، يسكت، ولا يقول شيئا، ولا يحرّك رأسه، ففعلوا كذلك (^٢)، فظهرت أمواله ببركة عِلم أبي حنيفة ﵀ (^٣).
والفصل الثاني:
إذا حلف: لا يُخبر بمكان فلان، أو بِسرّه، أو لا يبشّر به، فأخبر بكتاب أو رسالة، حنث؛ لأن "الإخبار" كما يتحقّق باللسان، يتحقق بالبَنَان والكتاب (^٤)، صحّ (^٥) أن يقال:
_________________
(١) لأن الظهور والعلم حصل من غير صنعه. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
(٢) والف وب: "كذلك".
(٣) أشار إلى هذا الكاساني بقوله: وهذه الحيلة منقولة عن أبي حنيفة، والقصة مشهورة. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
(٤) ذكر الإمام السرخسي فيه قاعدة أن البيان بالكتاب كالبيان باللسان. "المبسوط" ٩/ ١٨.
(٥) في الف وب: "يصح".
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أخبرنا الله بكذا (^١)، وإن كان ذلك بالكتاب، وأخبر الله رسوله ﵇ بالأمم الماضية، وإن كان ذلك برسالة جبريل عبيه السلام (^٢).
وكذلك "البَشارةِ" (^٣) قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ (^٤)، وكانت على لسان الملَك.
وإن قيل له: أفلان في مكان كذا؟ فأومأ برأسه بنعم، أو ذهب به وأوقَفه على رأسه، لا يحنث؛ لأن الإخبار نوع من الكلام (^٥)
وكذا الإقرار لا يكون بالإشارة، ولهذا قلنا: إذا قُرِئ الصّكّ بين يَدَي إنسان، وقيل
_________________
(١) قال السرخسي في أصوله: ويجوز أن يقول: أخبرنا الله بكذا، أو أنبأنا ونبّأنا. "أصول السرخسي" ١/ ٣٧٧.
(٢) يرجع للتفصيل إلى: "فتح القدير" ٤/ ٦٤، و"بدائع الصنائع": ٣/ ٥٤ و"ردّ المحتار" ٣/ ١٠٣.
(٣) البشارة في الاصطلاح كما عرفها الزيلعي: البشارة: "اسم لخبر سارّ صِدق ليس للمبشر به علمُه عرفا. "تبيين الحقائق" ٣/ ١٤٣.
(٤) سورة الصافات، الآية: ١١٢.
(٥) قال الكاساني في تعليل هذه المسألة: إن شرط الحنث هو الإخبار، والإشارة ليست بخبر، وكذا الإيقاف على رأسه، إذ الخبر من أقسام الكلام، ألا ترى أنهم قالوا: أقسام الكلام أربعة: أمر ونهي وخبر واستخبار، ويحدّ: بأنه كلام عري عن معنى التكليف، والإشارة ليست بكلام، فلم تكن خبرا، والإيقاف على رأسه من باب الإعلام، لا من باب الخبر، وكل خبر إعلام، وليس كل إعلام خبرا. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
له: أهو كما كتب؟ فأشار برأسه بنعم، لا يكون مُقِرًّا، ولا مُخبِرا (^١).
وكذا لو حلف: لا يُقر لفلان بمال، فقيل له: ألفلان عليك ألف؟ (^٢) فأشار برأسه بنعم، لا يصير (^٣) مقرّا، ولا يكون حانثا (^٤).
ولو قُرِئ كتاب بين يدي إنسان، فقيل له: أهو كما قرأت عندك (^٥)، فأومَأ برأسه بنَعَم (^٦)، ليس له أن يَرويَ عنه "بأخبَرَنا"، ولا "بحدّثنا" (^٧).
وكذلك البشارة؛ لأنها قسم من الخبر (^٨).
_________________
(١) راجع "بدائع الصنائع" ٣/ ٣٤. وإن الإمام قاضي خان ذكر هذه المسائل الثلاثة هنا تأييدا لما قرّره سابقا.
(٢) وزاد في الف وب: "درهم".
(٣) وفي الف وب: "لا يكذن".
(٤) "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
(٥) وفي الف وب: "عليك".
(٦) لينتبه في هذه المسألة أن المراد هنا أنه أومأ برأسه فقط، ولم يقل: "نعم صراحة، فإذا قال: نعم، يجوز له أن يقول: حدّثنا، كما ذكره قاضي خان في الفصل الثالث.
(٧) "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
(٨) قال الكاساني: البشارة حكمها حكم الخبر في أنها لا تتناول إلا الكلام أو الكتاب، لأنها خبر، إلا أنها خبر موصوف بصفة، وهو الخبر الذي يؤثر في بِشرة وجه المخبر له بإظهار أثر السرور. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤، وانظر "ردّ المحتار" ٣/ ١٥٣.
[ ٢ / ٣٦١ ]
فإن نوى بالإخبار: الإعلام والإظهار، يصدّق، لأنه نوى المجَاز، لأن الإخبار سبب للعلم والظهور، وفيه تغليظ على نفسه (^١).
وإن حلف: لا يُخبر ولا يبشّر، ثم خَرَس، فأومأ برأسه بنعم بعد السؤال عنه، أو كتَب كتابا، حنث في يمينه (^٢)، ويكون ذلك (^٣) إقرارًا؛ لأن الإشارة من الأخرس أقيمت مقكام العبارة، ألا ترى أنه يؤاخذ بها في الحكم.
وعن أبي يوسف: حلف (^٤) لا يدعو فلانا، فكتب إليه، ودعا، لا يحنث، لأن الكتابة ليست بدُعَاء، ولا نِداء (^٥).
وفي عُرفنا يحنث، لأن الدعاء بالإشارة والرسالة والكتابة، بمنزلة الدعاء بالمشافهة، يقال: "دعا الأمير عامل كذا إلى بابه"، وإن كان دعاه بكتاب.
_________________
(١) فيحنث إذا أومأ، لأنه جعله مجازا عن الإظهار لمناسبة بينهما، وفيه تشديد على نفسه، فيصدق. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤، "فتح القدير" ٤/ ٦٤.
(٢) إذا خرس الحالف فصار بحال لا يقدر على التكلم، كانت أيمانه في هذا كله على الإشارة والكتابة، إلا في خصلة واحدة، وهي أن يحلف: أن لا يتكلم بسرّ فلان، فلا يحنث إلا بالتكلم، كما سيذكر الشارح في الفصل الثالث. راجع "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٥، و"الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٣.
(٣) "ذلك" ساقط من الف وب.
(٤) وفي الف وب: "فيمن حلف".
(٥) روى هشام عن أبي يوسف أنه لا يحنث، وفي ظاهر الرواية أنه يحنث. "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
ورسول الله ﷺ بُعِث داعيا للكل إلى الله تعالى، وقد دعا البعضَ بالكتاب والرسالة، وكان داعيا للكلّ.
والفصل الثالث:
إذا حلف: لا يتكلّم بكذا، فإنه لا يحنث بالكتاب (^١) والرسالة، بخلاف الإخبار؛ لأنّ التكلّم يكون بلا واسطة (^٢)، صح (^٣) أن يقال: "أخبَرنا الله بكذا"، ولا يقال: "كلمنا بكذا".
وموسى ﵇ يسمى "كليم الله تعالى" (^٤)، وكان مخصوصا بذلك من بين سائر الأنبياء ﵈، مع استواءهم في الإخبار والإنباء.
وكذلك الحديث لا يكون إلا بالمشافهة، صحّ أن يقال: أخبرنا الله تعالى بكذا (^٥)، ولا يقال: حدّثنا الله تعالى.
_________________
(١) وفي الف وب: "الكتابة".
(٢) قال الحصكفي: الكلام والتحديث لا يكون! لا باللسان، فلا يحنث بإشارة وكتابة. وقال السرخسي: الكلام لا يكون إلا مشافهة، ألا ترى أن أحدا منا لا يستجيز أن يقول: "كلمني الله"، وقد أتانا كتابه ورسوله، وإنما يقال: "كلّم الله موسى تكليما"، لأنه أسمعه كلامه بلا واسطة. يرجع للتفصيل إلى "ردّ المحتار" ٣/ ١٠٣، و"المبسوط" ٩/ ٢٣، و"أصول السرخسي" ١/ ٣٧٧، و"فتح القدير" ٤/ ٦٤.
(٣) في الف وب: "يصح".
(٤) إشارة إلى ما جاء في قوله ﵎: "وكلّمَ اللهُ موسى تكلِيما" سورة النساء، الآية: ١٦٤.
(٥) "بكذا" ساقط من الف.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ولو قيل له: أفلان في موضع (^١) كذا؟ فقال: "نعم"، حنث في يمينه؛ لأن "نعم" تتضمن إعادة ما في السؤال (^٢)، وأنه كلام الله (^٣)، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ (^٤).
وإن قُرئ على إنسان كتاب، وقيل له: أهو كما قُرئ؟ فقال: نعم، صحّ أن يقال: حدّثنا. وإن خرَس الحالف بعد ما حلف: لا يتكلم ولا يتحدّث، فأشار أو كتب، لا يحنث؛ لأنّ ذلك ليس بكلام، وكيف يكون كلاما، والخرسُ ينافي الكلام (^٥)، بخلاف الإخبار والإقرار والبشارة، لأن إشارته (^٦) أقيمت مقام العبارة في حق (^٧) الأحكام.
_________________
(١) وفي الف وب: "مكان".
(٢) لأنه إذا قال: نعم، فقد تكلم، لأن قوله: نعم، لا يستقل بنفسه، ويضمر فيه السؤال، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فقد أتى بكلام دال على المراد. "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٤.
(٣) كمة الجلالة: "الله" ساقط من الف وب.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ٤٤.
(٥) لأن "الكلام" العرفي اسم لحروف منظومة تدل على معنى مفهوم، وذلك لا يوجد في الإشارة. انظر "بدائع الصنائع" ٤/ ٥٥، و"الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٣.
(٦) كذا في الأصل، وفي ج ود: "الإشارة".
(٧) "حق" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وفيما يحنث بالإشارة، إذا أشار عَقيب السؤال عن المحلوف عليه، ثم قال: لم أرِد به المحلوف عليه، يصدّق ديانةً؛ لمكان الاحتمال، ولا يصدق قضاءً؛ لأنه خلاف الظاهر.
وإن لم تكن الإشارة عَقيب السؤال عنه صدّق قضاءً، إذا قال: لم أرد به ذلك، لأنه لم يوجد ههنا ما يُكذّبه (^١).
- والله أعلم -
_________________
(١) انظر: "بدائع الصنائع" ٣/ ٥٥، و"الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٣٦٥ ]