١ - الأصل فيه: أن الصلاة متى فسدت من وجه، وجازت من وجه، أو فسدت من وجه، وصحّت من وجوه، يُحكم بالفساد [احتياطًا] (^١)، لأن من الوجه [الذي] (^٢) يجوز، يَسقط الواجب، ومن الوجه الذي فسد، لا يسقط، فلا يسقط بالشكّ والاحتمال.
٢ - وأصل آخر: أن فساد صلاة الإمام مُوجب فساد صلاة المقتدى، وفساد صلاة المقتدي لا يوجب فساد صلاة الإمام، لأن المقتدي بني صلاته على صلاة الإمام، وفساد المبني عليه يوجب فساد البناء (^٣)، أما الإمام منفرد في نفسه، ففساد صلاة غيره لا يوجب فساد صلاته.
٣ - وأصل آخر: أن تعين الإمام من المقتدي، شرط جواز الصلاة بالجماعة، لأن اقتداء الإمام بالمقتدي مفسد للصلاة، وحال عدم التعيين يحتمل ذلك.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل و(ب)، وزيد من النسخ الأخرى، فهي زيادة مهمة.
(٢) في الأصل: "التي"، وهو خطأ، وصحح من النسخ الأخرى.
(٣) ويستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن النَّبِيّ - ﷺ - أنه قال: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن" "مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٨ ورواه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء أن الإمام ضامن برقم ٢٠٧، والبيهقي في السنن عن عائشة ﵂، السنن الكبرى ١/ ٤ كما رواه الشافعي في الأم ١/ ١٤٥. وقال المرغيناني: ونحن نعتبر معنى التضمن، وذلك في الجواز والفساد. ينظر التفصيل في "الهداية" مع "فتح القدير" و"العناية" ١/ ٢٦٥.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وفي الباب فصول ثلاثة: إما أن [يشكّا] (^١) بعد ما صليا ركعة، أو ركعتين، أو ثلاثًا.
أمّا الفصل الأول: قال محمد ﵀: مسافر ومقيم أمّ أحدهما صاحبه، فلمّا شرعا شكّا في الإمام، فإنهما يستقبلان، لأنهما عجزا عن المضيّ، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون إمامًا، ويحتمل أن يكون مقتديًا، وإمامة المقتدي مفسدة (^٢) للصلاة، فتفسد صلاة كل واحد منهما من وجه، فيحكم بالفساد.
قالوا: تأويل هذه المسألة إذا افترقا عن مكانهما، أما قبل الافتراق: يجعل مَن على يمين الآخَر مقتديًا، عملا بالسنّة (^٣).
ومنهم من قال: لا يجعل كذلك، لأن قيام المقتدى على يمين الإمام ليس بشرط
_________________
(١) ما بين المعكوفتين أثبت من النسخ الأخرى، وفي الأصل: "شكا".
(٢) في (أ) و(ج) "مفسد"، وهو خطأ.
(٣) وهو ما أخرجه الأئمة الستة، عن ابن عباس ﵁ قال: "بِتُ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله - ﷺ - من الليل، فأطلق القربة، فتوضأ، ثم أوكأ القربة، ثم قام إلى الصلاة، فقمتُ فتوضَّأتُ، كما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره، فأخذني بيمينه، فأدارني من ورائه، فأقامني عن يمينه، فصلّيت معه". أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل، الحديث ٦٣١٦، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، الحديث ١٧٨٥، والنسائي في التطبيق، باب الدعاء في السجود، الحديث ١١٢٠، والترمذي في الشمائل، باب ما جاء في صفة نوم رسول الله"، الحديث ٢٤٥، وابن ماجة في الطهارة، باب وضوء النوم، الحديث ٥٠٨ وأبو داود في الأدب، باب النوم على طهارة، الحديث ٥٠٤٣. وانظر "نُصِبَ الراية" للزيلعي ٢/ ٣٢.
[ ١ / ٢٠٩ ]
لصحّة الاقتداء (^١)، حتَّى يجعل ذلك دليلا.
ولو لم يشكّا حتَّى أحدث أحدهما، فخرج، ثم أحدث الآخَر (^٢)، ثمَّ شكّا في الإمام (^٣)، فصلاة من خرج أولًا فاسدة، لأن الأول إن كان مقتديًا، فلمّا خرج الإمام بعده (^٤) لم يبقَ له إمام في المسجد، فتفسد صلاته.
وإن كان الأول إمامًا، فبخروجه تحولت الإمامة إلى المقتدى، فإذا خرج المقتدي بعده، فقد خلا مكان الأول (^٥) عن الإمام، فتفسد صلاة الأول (^٦)، والذي خرَج آخرا، خرج وهو إمام، لا تَعلّق لصلاته بصلاة غيره، لأنَّهُ منفرد، ويصلي أربعا، مسافرًا كان أو مقيمًا، ويقرأُ في الركعة الثانية، ويجلس على رأس الركعتين، حتَّى لو ترك ذلك، فسدت (^٧) صلاته لأن القراءة في الركعتين، والقعدة على رأس الركعتين (^٨)، فرض على المسافر إن كان إمامًا، وفرض على المقيم إن كان مقتديًا بالمسافر (^٩)، وتحولت إمامة المسافر
_________________
(١) جاء في "الهداية": فإن صلى خلفه أو في يساره، جاز وهو مُسئ، لأنَّهُ خالف السنة. انظر "فتح القدير" ١/ ٢١٥١. و"بدائع الصنائع" ١/ ١٥٨.
(٢) وزاد في (أ) و(ج) بعده: "فخرج".
(٣) "في الإمام" ساقط من (أ) و(ب).
(٤) "بعده" ساقط من (ج).
(٥) وفي (ب): "مكان الإمام الأول".
(٦) وفي (أ) و(ب) "فتفسد صلاته".
(٧) وفي (ب) "تفسد صلاته".
(٨) وفي بقية النسخ: "الثانية" بدل "الكعتين".
(٩) "بالمسافر" ساقط من (أ) و(ب).
[ ١ / ٢١٠ ]
إليه، ويصلي أربعًا؛ لأن ذلك فرض على المقيم على كل حال، وعلى المسافر إن كان مقتديًا، واحتمال الاقتداء ثابت.
وإن كان لا يدري أيهما خرج أولًا فسدت صلاتهما، لأن صلاة المتقدم منهما فاسدة، واحتمال التقدم في [حق] (^١) كلّ واحد منهما ثابت.
وكذلك لو خرجا من المسجد معًا، فسدت صلاتهما، لأن صلاة المقتدي منهما فاسدة، لخلوّ مكان الإمام عن الإمام، واحتمال الاقتداء في حق كل واحد منهما ثابت.
وإن صليا ركعتين، وقعد القعدة، ولم يحدثا، ثم شكّا في الإمام، لم تفسد صلاتهما، بل يقوم المقيم، ويُتمّ صلاته، ويتابعه المسافر في ذلك لأن المقيم (^٢) لو كان إمامًا، كان له أن يصلي أربعًا، وإن كان مقتديًا انتهى اقتداؤه إذا قعد إمامه قدر التشهّد (^٣)، ويتابعه المسافر في ذلك (^٤)، لأن المسافر (^٥) لو كان إمامًا تمت صلاته، فلا تضرهّ المتابعة في الزيادة، وإن كان مقتديًا انقلب فرضه أربًعا، واحتمال الاقتداء ثابت، حتَّى لو لم يتابعه، فسدت صلاته لما ذكرنا (^٦).
ولو لم يشكّا حتَّى أحدث أحدهما، فخرج، ثم أحدث الآخَر فخرج، ثم شكّا في
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٢) "المقيم" ساقط من (أ).
(٣) قوله: "إذا قعد إمامه قدر التشهد" ساقط من (ب).
(٤) "في ذلك" ساقط من (أ) و(ب).
(٥) "المسافر" ساقط من (أ) و(ب).
(٦) "لما ذكرنا" ساقط من (أ) و(ب).
[ ١ / ٢١١ ]
الإمام (^١) بعد ما رجعا عن الوضوء، فسدت صلاة من خرج أولًا لأن الأول لو كان مقيما، فإن كان مقتديًا بالمسافر، لا تفسد صلاته؛ لأنَّهُ خرج بعد ما انتهى اقتداؤه، وإن كان إمامًا فسدت صلاته، لأنَّهُ لما خرج أوَّلًا، صار مقتديًا بالمسافر، فإذا خرج المسافر بعده فسدت صلاته.
وإن كان الأول مسافرًا، إن كان إمامًا، لم تفسد صلاته؛ لأنَّهُ خرج بعد الفراغ عن الأركان، فلم يَصِر (^٢) مقتديًا بالمقيم لانتهاء الاقتداء.
وإن كان المسافر مقتديًا، تفسد صلاته؛ لخروج الإمام بعده، ففسدت صلاة من خرج أولًا من وجه، وجازت من وجه، فيحكم بالفساد لهذا (^٣).
والمتأخّر في الخروج لا تفسد صلاته؛ لأنَّهُ منفرد عند الخروج، ويصلي ركعتين ليصير أربعًا، لأن المتأخّر (^٤) لو كان مقيمًا لا بد له من ذلك، وإن كان مسافرًا، فبالاقتداء يجب عليه ذلك، واحتمال الاقتداء ثابت.
وإن شكّا في الذي خرج أولًا فسدت صلاتهما، لأن صلاة المتقدم فاسدة، واحتمال التقدم في حق كل واحد ثابت.
وإن خرجا معًا، فصلاة المقيم تامة؛ لأنَّهُ لو كان إمامًا، لم تتحوّل إمامته إلى المسافر، وإن كان مقتديًا انتهى حكم الاقتداء (^٥)، فصار منفردًا، وصلاة المسافر فاسدة، لاحتمال
_________________
(١) "في الإمام" ساقط من (أ) و(ب).
(٢) وفي (أ): "ولا يصير".
(٣) "لهذا" ساقط من (أ) و(ب).
(٤) "المتأخِّر" ساقط من ساقط من (أ) و(ب).
(٥) في بقيّة النسخ: "اقتدائه".
[ ١ / ٢١٢ ]
أنه كان مقتديًا، وقد خلا مكان إمامه عن الإمام (^١).
وإن شكّا بعد ما صليا ثلاثا أو أربعًا، ولم يحدثا، القياس أن تعتبر الأحوال، وتفسد صلاة المقيم؛ لاحتمال أنه كان مقتديًا بالمسافر (^٢) في الشفع الثاني، وفي الاستحسان تجوز صلاتهما، ويجعل المقيم إمامًا، حملا لأمرهما على الصحة، لأن الظاهر من المسلم الجَري على موجَب الشرع.
هذا كمَن أحرم بشيء، ونسيه (^٣)، يلزمه (^٤) حَجة وعمرة، ليخرج عن عُهدة ما التزم بيقين (^٥).
ولو أحرم بشيئين، ونسبهما، القياس أن يلزمه حَجَّتان وعمرتان، وفي الاستحسان، يلزمه حجة وعمرة (^٦)، ويحمل أمره على المسنون والمتعامل فيما بين الناس، وهو القِران، كذلك ههنا.
وكذلك مسافر ومقيم، أمّ أحدهما صاحبه في الظهر، وتركا القعدة على رأس
_________________
(١) في (أ) و(ب): خلا مكان الإمام.
(٢) "بالمسافر" ساقط من (أ).
(٣) أي أحرم بشيء معين من حج أو عمرة أو قران، ثم نسيه ولم يترجح لغبة ظنه شيء. "مناسك ملا علي القاري" ص ١٠٨.
(٤) وفي (ب): "لزمته".
(٥) ويقدّم أفعال العمرة على الحج كالقران، ولا يلزمه هدي القران، تخفيفا عليه بسبب النسيان، فإن اللزوم نوع مؤاخذة. نصّ عليه القاري في المناسك. ص ١٠٩.
(٦) فيلزمه القران الشرعي ودمه، حملا لفعل المؤمن على الصلاح المستحسن في الدين. راجع "مناسك ملا علي القاري" ص ١٠٩.
[ ١ / ٢١٣ ]
الركعتين، فسلَّما وسجد للسهو، ثم شكّا في الإمام، يجعل المقيم إمامًا.
وكذا لو تركا القراءة في الأوليين أو في إحداهما، فلما سلّما (^١) وسجدا للسهو، شكا في الإمام (^٢)، يجعل المقيم إمامًا.
وإذا جعلنا المقيم إمامًا في مسألتنا، فإن أحدث المقيم أوّلًا (^٣)، وخرج، ثم أحدث المسافر، وخرج، فسدت صلاة المقيم، وجازت صلاة المسافر، وإن أحدثا معًا أو متعاقبا، وخرجا من المسجد معًا، فسدت صلاة المسافر لخُلوّ مكان الإمام عن الإمام (^٤)، وجازت صلاة المقيم؛ لأنَّهُ منفرد، وإن خرجا على التعاقب، ولا يدرى أيهما خرج أولًا، فسدت صلاتهما؛ لما قلنا فيما تقدّم (^٥).
والله أعلم بالصواب
_________________
(١) وفي (أ) و(ب): "فسلما".
(٢) سقط قوله: "شكا في الإمام" من (أ).
(٣) "أولا" ساقط من (أ) و(ب).
(٤) "عن الإمام" ساقط من (أ) و(ب).
(٥) "فيما تقدم" ساقط من (أ) و(ب). وزاد في الأصل بعده: والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٢١٤ ]