في الباب فصلان: فصل في الشراء، وفصل في المَسّ (^١).
والأصل فيه: أن اليمين يُحمَل على المتَعَارَف (^٢).
_________________
(١) أي حلف: "أن لا يمسّ شيء فلان"، ثم إن الشارح قسّم الباب هنا إلى فصلين، لكنه لم يقسّم مسائل الباب عليهما بعد ذلك، كالنهج المعتاد عنده في الشرح، وليس في الفصل الثاني إلا مسألة واحدة ذكرها الإمام محمد ﵀ في آخر هذا الباب ص ٣١٥.
(٢) عند الفقهاء الحنفية الأيمان مبنية على العُرف والعادة، لا على المقاصد والنيات، لأن غرض الحالف، هو المعهود المتعارف عنده، فيتقيّد بغرضه، وبيّنوا هذا بضابطين: الأول: "الأيمان مبنية على العرف"، وهذا ما عبّره قاضي خان في فاتحة الباب: بأن "الأيمان يحمل على المتعارف" وذكره ابن نجيم والزيلعي بزيادة: "لا على الحقائق اللغوية". والثاني: "الأيمان مبنية على الألفاظ، لا على الأغراض". ويلاحظ نوع من اللبس والمنافاة بين هذين الضابطين ظاهرا، فأجاد العلامة ابن عابدين في التفسير والتطبيق بينهما، فقال في رسائله: كلّ من هاتين القاعدتين مقيّدة بالأخرى فقولهم: "الأيمان مبنية على العرف" معناه العرف المستفاد من اللفظ، لا الخارج عن اللفظ اللازم له. وقولهم: "الأيمان مبنية على الألفاظ لا الأغراض" معناه الألفاظ العرفية، وإذا تعارض الوضع الأصلي للكلمة والوضع العرفي ترجّح الوضع العرفي. وقال في "ردّ المحتار": لا تنافي بين القاعدتين كما يتوهّمه كثير من الناس، حتى الشرنبلالي، فحمل الأولى على الديانة، والثانية على القضاء. فليراجع للتفصيل: "رسائل ابن عابدين" ١/ ٣٠٤، "ردّ المحتار" ٣/ ٧٢، "تبيين الحقائق" ٣/ =
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال محمد ﵀:
رجل حلف بطلاق، أو عتاق، أن لا يشتري ذهَبا، أو فضّة، فاشترى الدنانير بالدراهم، أو اشترى الدراهم بالدنانير، لا يحنَث، لأن شراء الدراهم [والدنانير] (^١)، لا يسمى شراء الذهب والفضة في العُرف، ألا ترى أن بائع هذه الأشياء، لا يسمى بائع الذهب والفضة في العرف، بل يُسمى صَيْرَفيّا (^٢)، فكذلك المشتري؛ لأن البيع يقوم بهما (^٣).
وعن أبي يوسف أنه يحنث (^٤)؛ لأنه اسم جنس، ويدخل تحت قوله ﵇: "في عشرين مِثقال ذَهَب نصف مثقال" (^٥).
_________________
(١) = ١١٠، "الأشباه والنظائر" لابن نجيم ص ١٠٦ و٢١٥.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخ الأخرى.
(٣) صَرَفتُ الذهبَ بالدراهم: بعتُه، واسم الفاعل منه صَيرَفيّ، وصَرّاف للمبالغة، وقال ابن فارس: "الصرف": فضل الدرهم في الجودة على الدرهم، ومنه اشتقاق الصيرفي والصرّاف لتصريفه بعض ذلك في بعض. "المصباح المنير" مادة: صرف، ص ٣٣٨، "طلبة الطلبة" ص ٢٣٤.
(٤) ولذا قال العتّابي في أصل هذا الباب: إن الشراء معتبر بالبيع، لأنه تِباعه، فكل مَن سمّي بائعا لشيء فالمشتري يسمى "مشتريا لذلك الشيء"، وإلا فلا، "شرح الزيادات" للعتّابي، مخطوط، ورق ١٣.
(٥) "بدائع الصنائع" ٣/ ٨١، "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٥٠.
(٦) تمام الحديث ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس فيما دون مائتي درهم شيء، ولا فيما دون عشرين مثقالا من الذهب شيء، وفي المائتين خمسة دراهم، وفي عشرين مثقالا ذهبا نصف مثقال".
[ ١ / ٣١٠ ]
وجه ظاهر الرواية: العُرف (^١)، ألا ترى أن من حلف لا يشتري شَعرا، فاشترى جارية، لها ذوائِب شَعر، لا يحنث؛ لما ذكرنا.
وكذا لو اشترى دارًا (^٢) في سَقفها سَبائِك (^٣) ذهب أو فضة، لا يحنث؛ لأن بائعه يسمى بائع الدار، فكذلك المشتري.
ولو اشترى نُقرة (^٤) فضة، أو سَبيكة ذهب، أو تِبرا، أو قُلْبا (^٥) من ذهب أو فضة،
_________________
(١) = أخرجه أبو أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، كما في "نصب الراية" ٢/ ٣٦٩، وقال الحافظ ابن حجر في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية": إسناده ضعيف ١٠/ ٢٥٨.
(٢) سبب الخلاف أن الإمام أبا يوسف يعتبر الحقيقة اللغوية في هذه الأمور، والإمام محمد يعتبر العرف السائد بين الناس، يقول محمد: إن اسم الذهب والفضة إذا أطلق لا يراد به الدرهم والدنانير في العرف، ألا ترى أنها اختصت باسم على حدة، فلا يتناولها مطلق اسم الذهب والفضة، ولأبي يوسف أن اسم الذهب والفضة يقع على الكل، لأنه اسم جنس، وكونه مضروبا ومَصوغا وتِبرا أسماءُ أنواعٍ له، واسم الجنس يتناول الأنواع كاسم الآدمي. "بدائع الصنائع" ٣/ ٨١.
(٣) بعد أن كان قد حلف بأنه لا يشتري ذهبا أو فضة.
(٤) "سَبائك": جمع سبيكة، سبكتُ الذهبَ سبكا، أذَبته وخلصتُه من خَبَثه، والسبيكة من ذلك، وهي القطعة المستطيلة، وربما أطلقت السبيكة على كل قطعة متطاولة مِن أيّ مَعدن كان. "المصباح المنير" مادة: سبك، ص ٣٦٥.
(٥) "النُقرة": القطعة المذابَة من الفضّة، وقَبل الذَوب هي: تِبرٌ. "المصباح المنير"، مادة: نقر، ص ٦٢١.
(٦) قُلبُ الفضة، بالضم: سِوار غيرُ مَلوِيّ، مستعار من: قُلب النخلة، لبياضه. "المصباح المنير" =
[ ١ / ٣١١ ]
أو طوقًا من ذهب أو فضة، حنث في يمينه (^١)؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى بائع الذهب والفضة، والسوق الذي يُباع (^٢) فيه هذه الأشياء يُسمّى (^٣) سوق الذهب، كذلك المشتري.
ولو حلف لا يشتري حديدا، فاشترى دِرعا، أو سيفا، أو سكّينا، أو سَاعِدين، أو بيضة، أو إبرًا، أو مسالا، لا يحنث؛ لأن بائعَ هذه الأشياء لا يسمى حَدّادا، بل يسمى سلاحيا، أو سقطيا، أو أبّارا، والسوق الذي يباع فيه هذه الأشياء يسمى سوق الأسلحة، فكذلك المشتري (^٤).
وعن أبي يوسف في "الأمالي" (^٥): لو اشترى درعا، أو نَصْل سيف، أو سكينا، حنث (^٦)، وذلك محمول على اختلاف العرف باختلاف البلدان.
ولو اشترى حديدا غير مَضروب، أو آنية، أو كانونا (^٧)، أو مَسَامير حديد، أو قُفلا، حنث (^٨)؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى حدادا، ويباع في سوق الحدادين.
_________________
(١) = مادة: قلب، ص ٥١٢.
(٢) "في يمينه" ساقط من النسخ الأخرى.
(٣) "يسمى" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) وفي الف: "ساغ فيه".
(٥) انظر (بدائع الصنائع) نقلا عن "الزيادات"، ٣/ ٨١.
(٦) "الأمالي" من تصانيف الإمام أبي يوسف ﵀، ويعدّ من مسائل النوادر، انظر "النافع الكبير" مقدمة الجامع الصغير للعلامة عبد الحي اللكنوي ص ١٩.
(٧) "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٥٠.
(٨) "الكانون": مَوقِد النار، "لسان العرب" مادة: كون ٢/ ٤٨٦.
(٩) زاد هنا في الف: "وذلك لأن".
[ ١ / ٣١٢ ]
قال مشايخنا ﵏ في الأقفال والمسامير: في عرف بلادنا لا يحنث؛ لمكان العرف (^١).
فإن نوى الحقيقةَ في جميع ما ذكرنا، حنَث، لأنه نوى الحقيقة، وفيه تشديد علو، نفسه.
ولو حلف: لا يشتري صُفرا (^٢)، فاشترى صفرا غير معمول، أو آنية (^٣) حنث. ولو اشترى فُلوسا لا يحنث؛ لأن بائع الفلوس لا يسمى "صفًارا"، بل يسمى "فلوسيا" (^٤).
ولو حلف: لا يشتري شَبَها (^٥)، فاشترى آنية (^٦) حنث؛ لما قلنا.
ولو حلف: لا يشتري خَزًّا، فاشترى جلد خَز، أو شعر خز، أو ثوبا خالصًا من خز، أو ثوبا فيه خز يحنث؛ لأن بائعه يسمى خزازا عرفا، وإن كان الخَز حقيقةً اسم لدابة في البحر (^٧).
_________________
(١) لأن بائع الأقفال لا يسمى بائع الحديد. "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٥٠.
(٢) "الصُفر": النحاس الجيد، واحدته: صُفرة، والصفر: الذي تُعمل منه الأواني، والصّفار: صانع الصفر. "لسان العرب" مادة: صفر.
(٣) "أو آنية" ساقط من ب.
(٤) كذا في "بدائع الصنائع" نقلا عن"الزيادات"، ٣/ ٨١.
(٥) "الشَبَه": بفتحتين، من المعادن ما يُشبه الذهب في لونه، وقال ابن منظور: الشَبَه: النحاس يصبغ، فيصفرّ. "المصباح المنير"، و"لسان العرب" مادة: شبه.
(٦) وفي الف وب: "فاشتري أنية شبها".
(٧) "الخَز": اسم دابة، ثم أطلق على الثوب المتخذ من وبَرَها، والجمع: خُزوز. "المصباح المنير" مادة: الخز ص ١٦٨.
[ ١ / ٣١٣ ]
ولو حلف لا يشتري قُطنا أو كتّانا (^١)، فاشترى ثوب قطن أو كتّان (^٢)، لا يحنث وهو على غير المعمول، لأن بائع الثوب لا يسمى قَطّانًا أو كتّانيًا، وفي عُرفنا: في الكتان يحنث بشراء الثوب.
ولو حلف لا يشتري طينًا، فهذا على مما يسمى طينا، ولا يحنث بشراء الدار واللبِن؛ لأنه لا يسمى طينا.
ولو حلف لا يشتري صُوفا، فاشترى شاةً على ظَهرها صوف بدراهم، أو بصوف مجزوز، لا يحنث، لأن البائع يسمى بائع الشاة، فكذا المشتري (^٣).
وعن أبي يوسف ﵀: إذا اشتراها بصوف مجزوز يحنث؛ لأن الصوف على ظهر الشاة يصير مَبيعا في هذه الصورة، حتى لا يجوز البيع إلا على طريق الاعتبار.
وفي ظاهر الرواية لا يحنث؛ لأن الصوف ليس بمبيع، فإن بيع الصوف على ظهر الشاة لا يجوز، لكن اعتبرنا شبهة المقابلة تحرزا عن الرّبا، وجوّزنا البيع بطريق الاعتبار.
ولو حلف لا يشتري لبَنا، فاشترى شاة في ضِرعها لبن، لا يحنث؛ لأنه لا يسمى
_________________
(١) "الكتّان": نبات يزرع بمصر وما يليها، له زهر أزرق، وله بزر يُعتصر، ويستصبح به، ومن الكتان تنسج الثياب. "التعريفات الفقهية" للمفتي عميم الإحسان، ص ٤٤٠.
(٢) العبارة: "فاشتري ثوب قطن أو كتان" ساقط من د.
(٣) ذكر الكاساني الأصل فيه بأن من حلف: لا يشتري شيئا، فاشتري غيره، ودخل المحلوف عليه في البيع تبعا، لم يحنث، وإن دخل مقصودا، يحنث، والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصودا، لأن التسمية لم تتناول الصوف، وإنما دخل في العقد تبعا للشاة. انظر: "بدائع الصنائع"، ٣/ ٨١.
[ ١ / ٣١٤ ]
بائع اللبن، فكذلك المشتري (^١).
وكذلك لو حلف: لا يشتري رُطَبا، فاشترى كِباسَة (^٢) بُسر، فيها رطب، أو حلف: لا يشتري شعيرا، فاشترى حنطة فيها حبّات شعير، لَا يحنث؛ لأن المحلوف عليه دخل في البيع تَبعا، فلا يحنث (^٣).
ولو حلف: لا يشتري قصَبا، فاشترى تَوريا (^٤) من قصب، لا يحنث، لما قلنا.
وكذلك لو حلف: لا يشتري شعرا، أو صوفا، فاشترى جُوالقا (^٥)، أو مِسْحًا (^٦) لا يحنث؛ لما ذكرنا، وإنما يحنث بشراء غير المعمول.
ولو عقَد يمينَه على المسّ في جميع هذه المسائل، يحنث (^٧)؛ لأن الحقيقة تركت
_________________
(١) "بدائع الصنائع" ٣/ ٨٢.
(٢) "الكِبَاسَة": عُنقود النخل، والجمع: "كبائس"، "المصباح المنير" مادة: الكبيس.
(٣) لأن الشراء يصادف الجملة، فيتبع القليل فيه الكثير."الهداية" مع "فتح القدير" ٤/ ٤٦.
(٤) "التَور" من الأواني: هو إناء من صُفر أو حجارة كالإجّانة، وقد يتوضأ منه. "لسان العرب" مادة: تور.
(٥) "الجُوالِق" و"الجُوالَق": وعاء من الأوعية معروف، والجمع: جَوالِق وجواليق، وجَولَق: اسم. "لسان العرب" مادة: جلق.
(٦) "المِسْح": الكساء من الشَعَر، والجمع القليل: أمساح، والكثير: مُسوح. "لسان العرب" مادة: مسح.
(٧) هذا هو الفصل الثاني من مسائل هذا الباب، وذكر الإمام العتّابي أصلا لهذا الفصل بقوله: "وفي المس تعتبر الحقيقة، لأنه يتمّ بالمباشرة وحده، فيعتبر بنفسه". "شرح الزيادات" للعتابي، مخطوط، ورق ١٣، ١٤.
[ ١ / ٣١٥ ]
في البيع، والشراء (^١) لمكان العرف.
ولا عُرف ههنا إلا في القطن والكتان؛ لأن بالصنعة صار شيئا آخَر، بخلاف التوري والمسح؛ لأن عين القصب والشعر قائم بعد الصنعة، ولهذا لو نقَض يعود قصبا وشعرا، وثمّة لا يعود قطنا، إذا انتقض.
- والله أعلم -
_________________
(١) "الشراء" ساقط من الف وب.
[ ١ / ٣١٦ ]