بنى الباب على أن المطلَق لا يُقَيّد إلا بدليل (^٢)، ودليل التقييد، قد يكون صريحا، وقد يكون دلالةً (^٣).
قال محمد ﵀:
رجل حلف بعتق عبده أن لا تَخرج امرأته من هذه الدار، فأبانها، وانقضت عدّتها، ثم خرجت بعد ذلك (^٤)، عتق عبده؛ لأن شرط الحنث خروج فلانة، مطلقا غير مقيّد بحال
_________________
(١) "التي" ساقط من الف وب.
(٢) من القواعد الأصولية المعروفة التي جرت مجرى القواعد الفقهية، ووردت في المجلة بعبارة: "المطلق يجري على إطلاقه ما لم يقم دليل التقييد نصا أو دلالة" المجلة، مادة ٦٤، يرجع للتفصيل إلى "درر الحكام" ١/ ٥٦.
(٣) قوله: "ودليل التقييد قد يكون صريحا" أي نصا، أي لفظا، وذلك بأن يكون مقرونا بنحو صفة: كثوب هروي وفرس عربي، أو حالٍ: كإن دخلت راكبا مثلا، أو إضافة: كاشتر لي فرس بكر، أو مفعولٍ: كبعه من فلان، أو نهي: كلا تبعه في سوق كذا، أو شرطٍ: كالنذر المعلق والطلاق المعلق، أو استثناء: كالاستثناء الواقع في الإقرار والعقود. "وقد يكون دلالة"، والدلالة غير اللفظ، قد تكون عرفية أو حالية، مثل وكيل الشراء يتقيد بثمن المثل دلالة. "شرح القواعد الفقهية" للشيخ أحمد الزرقاء، ص ٢٦١.
(٤) "بعد ذلك" ساقط من الف وب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
قيام النكاح، وقد وجد، وإضافة المرأة (^١) إلى نفسه، لتعريف المرأة، لا لتقييد اليمين بها؛ لِما ذكرنا في الباب المتقدم أن الإضافة في الأحرار بمنزلة الإشارة.
ولهذا لو أضاف إلى غيره، بأن قال: "عبده حرّ إن كلّمتُ امرأة فلان هذه"، فكلّمها بعدما بانت، وانقضت عدّتها، عتق عبده، فكذلك إذا أضاف المرأة إلى نفسه، لا يتقيّد بحال قيام الملك (^٢)، إلا أن يعني (^٣): "ما دامت امرأتُه"، فيدين (^٤) ديانة، لا قضاء؛ لأن الإضافة قد تذكر، ويراد بها التقييد بحال قيام النكاح إلا أنه تَخصيص العام، أو تقييد المطلَق، وأنه خلاف الظاهر، فلا يُصدّق قضاء.
قال الفقيه أبو جعفر (^٥) ﵀: هذا على رواية هذا الكتاب، وهو قول محمد
_________________
(١) "المرأة" ساقط من الف وب.
(٢) "لا يتقيد بحال قيام الملك" ساقط من الف وب.
(٣) وفي الف: "إلا أن ينوي".
(٤) وفي الف وب: "فيصدق ديانة".
(٥) هو أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر، الطحاوي الأزدي، إمام جليل القدر، الحافظ الفقيه، عدّه ابن كمال باشا من طبقة المجتهدين في المسائل، وتعقّب عليه العلامة اللكنوي، فيرى أن درجته عالية، قد خالف صاحب المذهب في كثير من الأصول والفروع، فهو من المجتهدين في المذهب القادرين على استخراج الأحكام من القواعد التي قررّها الإمام، وُلد سنة ٢٢٩ هـ، ومات سنة ٣٢١ هـ، أخذ العلم عن خاله المزني صاحب الإمام الشافعي، وفي شيوخه كثرة، وقال ابن كثير: هو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة، وله تصانيف جليلة معتبرة منها: أحكام القرآن، ومعاني الآثار، وشرحه، ومشكل الآثار، ومختصر الطحاوي، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وكتاب الشروط الكبير، والصغير، والأوسط، والمحاضر والسجلات، =
[ ١ / ٣٣١ ]
﵀، أما على قولهما: وهو رواية "الجامع الصغير" (^١)، لا يحنث (^٢)، على ما مرّ في الباب المتقدم (^٣).
_________________
(١) = والوصايا والفرائض، ومناقب أبي حنيفة، وتاريخ كبير، واختلاف علماء الأمصار، والنوادر الفقهية، وغيرها. ترجمته في: الفهرست لابن النديم ٢٩٢، طبقات الفقهاء للشيرازي ١٤٢، تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٨٠٨، البداية والنهاية ١١/ ١٧٤، لسان الميزان ١/ ٢٧٤، تاج التراجم ٩٠٨، طبقات الحفاظ للسيوطي ٣٣٧، كتائب أعلام الأخيار برقم ١٥٥، الطبقات السنية، برقم ٣٢١، كشف الظنون ١/ ٣٢، الفوائد البهية ص ٣١، طبقات الفقهاء، لطاش كبري زاده، ص ٥٨، مفتاح السعادة ٢/ ٢٧٥، وانظر "الحاوي في سيرة الإمام الطحاوي" للشيخ محمد زاهد الكوثرى.
(٢) انظر "الجامع الصغير" ص ٢٥١.
(٣) ذكره الإمام الطحاوي في مختصره، راجع "مختصر الطحاوي" ص ٣١٨، و"الفتاوى التاتارخانية " ٥/ ٦.
(٤) الإمام الكاساني فصّل هذا بمزيد من التوجيه والتعليل، فقال: أما في إضافة النسبة من الزوجة والصديق ونحوهما إذا طلق زوجته، فبانت منه أو عادي صديقه، ثم كلّمه، فقد ذكر في الجامع الصغير أنه لا يحنث، وذكر في الزيادات أنه يحنث، وقيل ما ذكر في الجامع قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وما ذكر في الزيادات قول محمد، وجه المذكور في الزيادات: أن يمينه وقعت على الموجود وقت الحلف، فحمل تعريف الموجود بالإضافة، فيتعلق الحكم بالعرف، لا بالإضافة، وجه ما ذكر في الجامع الصغير: أن الإنسان قد يمنع نفسه عن تكليم امرأة لمعنى فيها، وقد يمنع من تكليمها لمعنى في زوجها، فلا يسقط اعتبار الإضافة مع الاحتمال. "بدائع الصنائع" ٣/ ٧٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ثم قال في الكتاب: وكذا إذا قال: "إن قبّلتُ امرأتي فلانةً، فعبدي حر"، فقبّلَها بعد ما بانت، عتق عبده، وكذا إذا قال: "إن جامعتها، فعبدي حر"، يصير مُولِيًا (^١)، فإن بانت لم تبطل اليمين؛ لأنها مطلَقة، فلا تتقيد إلا بدليل.
ولو حلف: "لا تخرج (^٢) امرأتُه هذه (^٣) من هذه الدار إلا بإذنه"، فخرجت بعد ما بانت، لا يحنث، لأن شرط الحنث خروجها حال قيام النكاح، وإنما تقيد بذلك بدلالة الإذن، والإذن إنما يصحّ ممّن له ولاية المَنع، لأن الإذن إطلاق، وولاية (^٤) الإطلاق لمن بكون له (^٥) ولاية المنع، حال قيام النكاح.
وكذا لو قال ذلك لأمته، فهو بمنزلة ما لو قال لزوجته (^٦).
وكذا لو حلف رجل: "لا يخرج من البلدة إلا بإذن السلطان"، أو "بإذن غَريم له"،
_________________
(١) اسم فاعل من الإيلاء، والإيلاء في اللغة: اليمين مطلقا، وفي الاصطلاح: الحلف على ترك قِربانها مدَّة، مثل قوله: "والله لا أجامعك أربعة أشهر" "المصباح المنير" ص ٢٠، "التعريفات" ص ٦١، "أنيس الفهاء" ١٦١، ويرجع إلى تفصيل أحكامه "فتح القدير" ٣/ ١٨٢.
(٢) عرّف السرخسي "الخروج": بأنه الانفصال من الداخل إلى الخارج. "المبسوط" ٨/ ١٧٤.
(٣) "هذه" ساقط من الف.
(٤) "ولاية" ساقط من الف وب.
(٥) وفي الف وب: "والإطلاق ممن له".
(٦) "فهو بمنزلته ما لو قال لزوجته" ساقط من الف وب. أي: يتقيد اليمين ببقاء ملكه دلالة، فلا يحنث إذا خرجت بعد زوال الملك. "الفتاوي التاتارخانية" ٥/ ١١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
أو "بإذن كفيل كفل بنفسه" (^١)، فعزَل السلطان، أو قضَى دَين الغريم (^٢)، أو برئ الكفيل عن الكفالة، فخرج بغير إذنهم، لا يحنث (^٣)؛ لزوال الولاية، واليمين مقيّدة بحال قيام الولاية (^٤)؛ لما ذكرنا.
فإن عاد سلطانا بعد ذلك، هل تعود اليمين، ذكر في "السيَر" (^٥) أنه لا تعود.
ولو حلّف السلطانُ رجلًا: "ليرفعنّ إليه كلّ داعرٍ (^٦)، يعرِفه في البلد فيما يستقبل"، فعرَف داعرًا، ولم يرفع إليه زمانا، لا يحنث (^٧)؛ لأن الشرط ترك الرفع، وبالتأخير لا يتحقّق الترك.
_________________
(١) الكفالة بالنفس: هي الكفالة بتسليم شخص معلوم، كأن يكفل أحد آخر على أن يسلّمه في اليوم الفلاني. انظر: "مجلة الأحكام العدلية" مادة: ٦١٣، ٦٤٢.
(٢) وجاء في بقية النسخ: "أو قضى الدين".
(٣) انظر "الفتاوى التاتارخانية" ٥/ ١١.
(٤) وهذ من نوع تقييد المطلق بالدلالة.
(٥) أي "السير الكبير" للإمام محمد بن الحسن الشيباني، صرّح به في "الفتاوى التاتارخانية" فقال: ذكر في السير الكبير ما يدل على أنها لا تعود، فقال: ولو أن ملك أهل الحرب حلّف أسيرا مسلما: "لا يخرج إلا بإذنه" فعزل الملِك، ثم عاد ملِكا، ثم خرج الأسير بغير إذنه، لا يحنث. "الفتاوى التاتارخانية" ٥/ ١١.
(٦) الداعر: الخبيث المفسد، الدَعَر محركة: الفساد، دعِر العودُ دعَرا، فهو دعِر، كثر دخانه، ومنه قيل للرجل الخبيث المفسد: دعِر، فهو داعر. "القاموس المحيط" و"المصباح المنير" مادة: دعر.
(٧) ما دام الرجل سلطانا.
[ ١ / ٣٣٤ ]
فإن عزل السلطان، أو مات قبل الرفع، حنث في يمينه (^١)، لأن المقصود من الرّفع تأديب الداعر، وذا لا يتحقّق بعد العزل (^٢).
ولو علِم بداعرٍ بعد العزل، لا يجب عليه رفعُه، لما قلنا.
وعن أبي يوسف: أن في العزل يجب الرفع؛ لأنه مفيد في الجُملة، وفي الموت لا يفيد (^٣).
وروى محمد عن أبي يوسف (^٤) أن اليمين تَبطل بالعزل، ولا تَبطل بالموت، والصحيح ما مرّ (^٥).
_________________
(١) "في يمينه" ساقط من النسخ الأخرى.
(٢) لا ينفعه إذا رفعه إليه بعد ما عزل، إلا أن يعني: أن يرفعه إليه على كل حال، في حال السلطنة وغيرها، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء، وكذلك لا ينفعه أن يرفع إلى السلطان الذي جاء بعده. "الفتاوى التاتارخانية" ٥/ ١١. وقال الكاساني في هذه المسألة: "قال محمد في الزيادات: إلا أن يعني أن يرفع إليهم على كل حال، في السلطان وغيره، وأدينه فيما بينه وبين الله ﷿ وفي القضاء، لأنه نوى ظاهر كلامه، وهو العموم، فيصدّق ديانة وقضاء"، "بدائع الصنائع" ٣/ ٤٧، والملحوظ أن ما نقله الكاساني من عبارة "الزيادات" لا نجدها هنا، لا في المتن ولا في الشرح.
(٣) ذكره ابن الهمام في "فتح القدير" ٤/ ١٠٦.
(٤) وزاد في الف: "أن في العزل يجب الرفع".
(٥) انظر "الفتاوى التاتارخانية" ٥/ ١١، و"فتح القدير" ٤/ ١٠٥، ١٠٦.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولو حلف رجل: "لا يَخرج من البلد إلا بإذن فلان"، أو "بعلم فلان" أو "بأمر فلان"، أو "بمشورته" (^١)، وفلانٌ ليس بذي ولاية عليه، فمات فلان قبل الإذن، بطلت اليمين (^٢)؛ لأنها انعقدت موقّتة بالإذن، وقد فات الإذن، فلا يمكن إبقاءها مطلقةً؛ لأن البقاء يكون على وفق (^٣) الثبوت (^٤).
وعلى قول أبي يوسف: لا تبطل اليمين، بل تَتَأبّد، حتى لو خرج كان حانثا.
أصل هذا ما إذا حلف: "ليشربن" (^٥) الماء الذي في هذا الكوز اليوم"، فأهرَقه (^٦)، أو "يأكلنّ هذا الرغيف غدا"، فأكَلَه اليوم، أو "ليقضينّ دَين فلان غدًا"، فقضاه اليوم، بطلت اليمين في هذه المسائل (^٧) عندهما (^٨)
_________________
(١) وفي الف وب: "أو بمشورته فلان".
(٢) "اليمين" ساقط من الف وب.
(٣) وفي الف "وقت الثبوت"، والصحيح ما أثبت.
(٤) ذكره الإمام الدبوسي في القسم الذي فيه الخلاف بين أبي يوسف وبين محمد فقال: الأصل عند محمد أن البقاء على الشيء يجوز أن يعطى له حكم الابتداء، وعند أبي يوسف لا يعطى له حكم الابتداء في بعض المواضع. "تأسيس النظر" ص ٧٦.
(٥) ورد في الأصل وفي بقيّة النسخ: "ليشترين الماء"، وهو خطأ وتصحيف، والصحيح: "ليشربن"، ويقتضيه سوق الكلام، وكذلك في "المبسوط" و"الفتاوى التاتارخانية".
(٦) في الأصل وفي النسخ الأخرى المتوفرة عندي: "فاهراقه"، وهو خطأ، والصّحيح ما أثبت.
(٧) "في هذه المسائل" ساقط من الف وب.
(٨) انظر "الفتاوى التاتارخانية" ٥/ ١٢، وذكر هذا الأصل أيضا.
[ ١ / ٣٣٦ ]
وعند أبي يوسف لا تبطل؛ لأن عنده عدمُ المحلوف عليه وعدم تصوّره، لا يمنع انعقاد اليمين، ففواته لا يمنع بقاء اليمين (^١).
وعندهما عدم تصوّر المحلوف عليه (^٢) يمنع الانعقادَ والبقاء، بخلاف قوله: "والله لأمَسَّنّ السّماء"، (^٣)، والمسائل في كتاب الأيمان (^٤).
- والله أعلم -
_________________
(١) يقول الإمام أبو يوسف: إنه لو قال: والله لأمسّنّ السماء، أو لأحوّلنّ هذا الحجر ذهبا، انعقدت يمينه، لأنه عقدها على خبر في المستقبل، وإن كان هو عاجزًا عن إيجاده، فهذا مثله. "المبسوط" ٩/ ٦.
(٢) "المحلوف عليه" ساقط من النسخ الأخرى.
(٣) يقول الإمام السرخسي مؤيّدا لرأي الطرفين: إذا حلف: ليمَسّنّ السماء، فهو آثم في هذه اليمين، لأن المقصود باليمين تعظيم المقسم به، وإما يحصل بيمينه هتك حرمة الاسم باستمال اليمين في هذا المحل ولكن عليه الكفارة عندنا، خلافا لزفر ﵀ فإنه يعتبر لعقد اليمين أن يكون ما يحلف عليه في وسعه إيجاده، وذلك غير موجود هنا، ولكنا نقول: انعقاد اليمين باعتبار توهم الصدق في الخبر وذلك موجود فإن السماء عين ممسوس والملائكة يصعدون السماء، ولو أقدره الله تعالى على صعود السماء، يصعد. "المبسوط" ٩/ ٧، وراجع للتفصيل "تحفة الفقهاء" ٢/ ٢٩٣.
(٤) أي كتاب الأيمان من "كتاب الأصل" للإمام محمد ﵀.
[ ١ / ٣٣٧ ]