مسائل الباب أقسام ثلاثة:
أحدها: أن يُوقع العتقَ (^٣) بلفظ عام، ويستثني البعض بصفة، ثم يدّعي وجود تلك
_________________
(١) "الأيمان" جمع يمين، وهو لغة: القوة، ومنه استعير لليد اليمنى، لأن فيها قوة، ثم أطلق اليمين على الحلف، لأنهم إذا تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه تأكيدا لما عقدوا، فسمّي القَسَم يمينا لاستعمال اليمين فيه، واليمين شرعا: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى أو التعليق، واليمين بغير الله ذكرُ الشرط والجزاء، وعرّفها الحنفية بأنها: عبارة عن عقد قوي بها عزم الحالف على الفعل أو الترك، وسمّي هذا العقد بها لأن العزيمة تتقوى بها. راجع: "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس ٦/ ١٥٨ "التعريفات" ص ٣٣٢، "أنيس الفقهاء" للقونوي ص ١٧١، "طلبة الطلبة" ص ١٤١، "تبيين الحقائق" ٣/ ١٠٧.
(٢) كذا في الأصل، ولفظ "المولى" ساقط من بقيّة النسخ.
(٣) "العتق": الحرية، وكذلك العِتاق، وفي "المغرب": العتق: الخروج عن المملوكية، يقال: عُتِق العبدُ عِتقا وعَتاقا وهو عتيق، وهم عُتقاء، وأعتقه مولاه، وقد يقام العتق مقام الإعتاق، والعتق في الشرع: هو إثبات القوة الشرعية التي يصير بها المعتَق أهلا للشهادات والولايات قادرا على التصرف في الأغيار، وعلى دفع تصرف الأغيار عن نفسه، كذا في "درر الحكام في شرح غرر الأحكام" لملا خسرو ٢/ ٢، وانظر "المغرب" ٢/ ٤١، "أنيس الفقهاء" ص ١٦٨، "تبيين الحقائق" ٣/ ٦٦.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الصّفة في البعض. وهو على وجهين:
إن كانت الصفة أصلية، أو عارضَة ظاهرة، كان القول قوله (^١)؛ لكونه متمسكا بالأصل، أو لكون الظاهر شاهدا له (^٢).
وإن كانت الصفة عارضة خفية لا يُقبل قوله؛ لأن ظاهر الإيجاب تناوله، فهو يريد (^٣) بهذه الدعوى إبطال العتق الثابت ظاهرًا، بأمرٍ باطنٍ لم يُعرف ثبوته، فلا يصدق.
والقسم الثاني: أن يكون الإيجاب مضافا إلى موصوف بصفة (^٤)، بأن يكون المفرد بالصفة مقدّما على لفظة الإيقاع، ثم ينكر ذلك الوصف في البعض، وفي هذا، القولُ قولُه، سواء كانت الصفة أصلية، أو عارضة (^٥)؛ لأن الإيجاب لم يتناول إلا موصوفا بصفة، فإذا أنكر تلك الصفة، فقد أنكر الإيجاب.
والثالث: أن يكون الإيقاع معلّقا بنفي فعل، أو صفة (^٦)، وفي هذا، القولُ قوله،
_________________
(١) أي قول المعتِق، بكسر التاء.
(٢) عبّره الإمام الكرخي في رسالته القيّمة التي تعدّ من أول مصادر القواعد الفقهة بقوله: "الأصل أن من ساعده الظاهر فالقول قوله، والبينة على من يدّعي خلاف الظاهر". "أصول الإمام الكرخي" ص ١٦١، مطبوع في آخر "تأسيس النظر" للدبوسي. وفي "شرح السير الكبير" للسرخسي: "القول قول من بتمسّك بالأصل مع يمينه". ١/ ٢٣١.
(٣) "يريد" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) كأن يقول: "كل جارية لم تلد فهي حرّة"، وسيأتي بيانه.
(٥) وفي (ا) و(ب): "أو عارضية".
(٦) كأن يقول: "كل جارية لي إن كانت لم تلد مني فهي حرّة" أو يقول: كل جارية لي إن كنت لم =
[ ١ / ٢٩٦ ]
[سواء] (^١) قَدّم الصفةَ، أو أخّر؛ لأن منكر الشرط يكون منكرًا للإيجاب.
أمّا القسم الأول:
قال محمد ﵀:
لو قال: "كل جارية لي، فهي حُرّة، إلا أمهات أولادي"، عتقن إلا أمّهات أولاده، لأن المستثنى خارج عن الإيجاب، فإن قال لجارية: "هذه أمّ ولدي" (^٢) وأنكرت الجارية، لم يُصدّق، لأنها دخلت تحت قوله: "كلّ جارَية لي"، وهذه صفة عارضة لم يُعرف ثبوتها، فهو بهذه الدعوى يريد إبطال العتق الثابت من جهة الظاهر (^٣)، فلا يُصدّق.
وكذلك لو كان مع كل واحدة منهنّ أولاد، لا يُصدق المولى؛ لأن الولَد قد يكون من المولى (^٤)، وقد يكون من الزوج.
فإن قيل: وجود الولد دليل على صدق مَقالته، ألا ترى أن المريض مرض الموت (^٥)، إذا أقرّ بالاستيلاد (^٦) في جارية، إن كان معها ولد، يعتبر من جميع المال، وإن
_________________
(١) = أشترها من فلان فهي حرة، وسيأتي بيان هذا القسم.
(٢) "سواء" ساقط من الأصل ومن (ا) و(ب)، وأثبت من (ج) و(د).
(٣) "أم الولد": هي الأمة التي أتت بولد من السيد، فادّعاه بأن قال: هذا الولد ابني، فإنه يثبت نسبه منه، وتصير الأمة أم ولد، ولا يجوز بيعها، وإنما تعتق بموت السيد. "بداية المجتهد" ٢/ ٣٦٠.
(٤) وفي (ا) و(ب): "ظاهرا" بدل "من جهة الظاهر".
(٥) وفي بقيّة النسخ: "قد يكون منه".
(٦) "مرض الموت" ساقط من (ب). و"مرض الموت": هو المرض الذي يعجز المريض فيه عن رؤية مصالحه الخارجة عن داره إن كان من الذكور، ويعجز عن رؤية المصالح الداخلة في داره إن كان من الإناث، ويتصل به الموت قبل مرور سنة من بدئه، سواء كان ملازما للفراش أو لم يكن، وإذا امتدّ مرضه وكان دائما على حال واحد، ومضى عليه سنة يكون في حكم الصحيح، ما لم يشتدّ مرضه ويتغيّر حاله، أما إذا اشتد مرضه وتغير حاله وتوفّي قبل مضي سنة فبعدّ مرضه اعتبارا من وقت التغيير إلى الوفاة مرض موت. وهذا هو مراد فقهاء الحنفية عند إطلاق كلمة "المريض" أي الذي هو في مرض الموت، وكذلك كلمة "الصحيح" أي الذي هو ليس في مرض الموت، وإن كان مريضا بمرض آخر. راجع "مجلة الأحكام العدلية" مادة: ١٥٩٥، "فتح القدير" ٣/ ١٥٥، "الفتاوى الهندية" ١/ ٣٥٢.
(٧) "الاستيلاد": جَعل الأمَة أمّ ولد، "طلبة الطلبة" ص ١٣٥.
[ ١ / ٢٩٧ ]
لم يكن معها ولد، يعتبر ذلك (^١) من ثُلث المال، بمنزلة الإعتاق.
قلنا: وجود الولد إن كان شاهدا للمولى، فكون الاستيلاد عارضًا (^٢) شاهد للجارية، فوقع التعارض، فلا يَثبُت الاستيلاد، فبقيَ العتق واقعًا بعموم الإيجاب، وفي مسألة (^٣) المريض، وقع التعارض على الوجه الذي ذكرنا (^٤)، وحق الوارث لم يكن متعلقا بها، فلا يتعلق بالشك، والاعتبار من الثلث لحقّ الوارث.
وإذا عتقت الجارية (^٥)، ثبت نَسب الأولاد من المولى؛ لأنه ادّعى نسب ولدٍ مملوكٍ له، فيثبت (^٦)، وليس من ضرورة ثبوت النّسب أميّة الولد، كما في ولد المغرور.
_________________
(١) "ذلك" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) وفي (ا) و(ب): "عارضيا".
(٣) كذا في الأصل و(ا) و(ب)، وفي (ج) و(د): "وفي مثله" وهو خطأ.
(٤) قوله: "على الوجه الذي ذكرنا" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) "الجارية" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) "فيثبت" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٩٨ ]
وكمن باع جاريةً، فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر، فأعتق المشتري لجارية، ثم ادّعى البائع نسب الولد، ثبت النسب [منه]، ولا تَصير الجارية أمّ ولدٍ له.
فإن كان المولى ادّعى نسب الأولاد قبل الخصومة، وقد علم ذلك منه، ولكنّه لا يدرى أنه ادّعى قبل اليمين، أو بعده (^١)، فقالت الجارية: كانت الدعوة (^٢) بعد اليمين، وقال المولى: كانت قبل اليمين، فالقول قوله.
لأن الدعوة حادثة، واليمين حادث (^٣)، والأصل في الحَوادِث أنه إذا لم يعلم التاريخ، يجعل كأنّهما وُجِدا معًا (^٤).
ولو تصوّر وقوعُهما (^٥) معًا، كان الاستيلاد أولى، فيكون مقدمًا، كجارية بين رجلين، أعتقها أحدهما، واستولَدها الآخر، كان الاستيلاد أولى؛ لأنه يستند إلى وقت
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "بعدها".
(٢) وفي (ب) "الدعوى".
(٣) وفي (ا) و(ب): "حادثة".
(٤) يترتب على هذه القاعدة تقرير بعض الأحكام الشرعية، فإذا حدث أمران مشتركان بين اثنين أو أكثر، ولا يعلم أيّهما أسبق منهما، فيجعلا، كأنهما وقعا معا في وقت واحد، ولم يتقدّم أحدهما على الآخر. قرّر الإمام السرخسي هذه القاعدة بصيغة تالية: "الأصل أن كل أمرين ظهرا ولا يعرف التاريخ بينهما، يجعل كأنهما وقعا معا" ثم فرّع عليه بأن الأب والابن إذا غرقا جميعا في سفينة أو وقَع عليهما بيت، ولا يعلم أيّهما مات أولا، لم يرث واحد منهما صاحبه. راجع "المبسوط" ١٦/ ١٥٦.
(٥) وفي (ب) "وجودها".
[ ١ / ٢٩٩ ]
العُلوق (^١)، والعتق يقتصر، كذلك هنا، فإن لم يكن له جارية (^٢) إلا أمّهات أولاده، صحّ الاستيلاد (^٣).
ولا يقال: بأن هذا استثناء الكلّ من الكلّ (^٤)، لأنّا نقول: الباطل استثناء الكلّ لفظًا، لا حالًا وحكمًا، وهذا استثناء الكلّ (^٥) حالا وحكمًا (^٦).
فإنه لو كان له جَوارٍ غيرَهن، كان اللفظ متناولا لتلك الجواري، فإنما لم يتَناول غيرَهنّ ههنا لمكان العدم، لا لأجل اللفظ.
هذا (^٧) كما لو قال: "نسائي طَوالِق إلا فلانة وفلانة، وفلانة"، وليس له امرأة
_________________
(١) "العُلوق": علِقت المرأة بالولد، حبِلت، والمصدر: العلوق. "المصباح المنير" مادة: علق.
(٢) لفظ: "جارية" ساقط من بقيّة النسخ.
(٣) وفي (ا) و(ب) "الاستثناد" بدل "الاستيلاد"، وهو تصحيف.
(٤) الأصل أن الاستثناء: تكلّم بالحاصل بعد الثنيا، كأنه تكلم بالمستثنى منه، فيصح استثناء البعض من الجملة، لأنه يبقى التكلم بالبعض بعده، ولا يصحه استثناء الكل من الكلّ، لأنه لا يبقى بعده شيء ليصير متكلما به ويصرف اللفظ إليه. "الهداية" بشرح "فتح القدير" ٣/ ١٤٨.
(٥) وزاد في (ب) "من الكل".
(٦) بيّنه الإمام السرخسي بالمثال: بأنه لو قال: "عبيدي أحرار إلا عبيدي"، لم يصح الاستثناء، ولو قال: "إلا هؤلاء"، وليس له سِواهم، صحّ الاستثناء، لأنه يتوهّم بقاء شيء وراء المستثنى، يجعل الكلام عبارة عنه هنا، ولا توهّم لمثله في الأول، وكذلك الطلاق على هذا، فعرفنا أن الاستثناء تصرف في الكلام، لا في الحكم. راجع للتفصيل "أصول السرخسي" ٢/ ٣٩.
(٧) "هذا" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٣٠٠ ]
سِواهنّ، يصحّ الاستثناء (^١).
وكذا لو قال: "أنت طالق أربعًا إلا ثلاثا"، صحّ (^٢) الاستثناء، وتَقع واحدة، وإن كان الطلاق لا يزيد على الثلَاث، (^٣) كذلك ههنا.
ولو قال: "كل جارية لي، فهي حُرّة، إلا جارية ثيّبا"، ثم قال: "هذه ثيّب"، وأنكرت، لا يصدّق؛ لأن البكارة أصل، فكان العتق واقعا بحكم الأصل، فلا يصدق في صَرفِ العتق الواقع من حيث الظاهر (^٤).
لكنّ القاضي يُريها النساء، فإن قلن: هي بكر، عتقت، لا بشهادة النساء؛ لأن الاستثناء لم يثبت، وإن قلن: هي ثيّب، لم تعتق، لأَن هذا ما لا يطلع عليه الرجال، فيقبل
_________________
(١) نقل البابرتي عن صاحب "الهداية" في زياداته أن استثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا كان لعين ذلك للفظ، وأما إذا استثنى بغير ذلك اللفظ فيصح وإن كان استثناء الكل من الكل من حيث المعنى، فإنه لو قال: "كل نسائي طوالق إلا كل نسائي لا يصح الاستثناء، بل يطلقن كلهن، ولو قال: "كل نسائي طوالق إلا زينب وعمرة وبكرة وسلمى" لا تطلق واحدة منهن وإن كان هو استثناء الكل من الكل، وهذا لأن الاستثناء تصرف لفظي، فيصح فيما صح فيه اللفظ "العناية" ٣/ ١٤٨.
(٢) وفي (ا) و(ب): "يصح".
(٣) أصله أن الاستثناء تصرف في اللفظ أولا، ويستتبع الحكم على ذلك التقدير، لا في الحكم ابتداءً، فلو أوقع أكثر من الثلاث ثم استثنى، كان الاستثناء من الكل، ولهذا لو قال: "أنت طالق أربعا إلا ثلاثا"، تقع واحدة، أو "عشرة إلا تسعة"، طلقت واحدة، أو "خمسا إلا واحدة"، يقع الثلاث. انظر "فتح القدير" ٣/ ١٤٩.
(٤) وفي (ا) و(ب): "ظاهرا" مكان "من حيث الظاهر".
[ ١ / ٣٠١ ]
فيه شهادة النساء، الواحدة والثّنتان فيه سواء، ولم يذكر يمين المولى.
قال الفقيه أبو بكر البلخي (^١) ﵀: هذا الجواب [على] (^٢) قولهما؛ لأن عندهما شهادة النساء فيما لا يطّلع عليه الرجال حجّة مطلَقة، أما على قول أبي حنيفة ﵀: شهادة النساء (^٣) لا تكون حجَةً إلا إذا تأيدت بمؤيّد كالحَبل الظاهر وغيره، (^٤) فلا بدّ من يمين المولى هنا، حتى يكون حجّة.
و[هذا كما] (^٥) ذكر في "الجامع" (^٦): إذا اشترى جارية على أنها بكر، فادّعى المشتري قبل القبض أنها ثيّب، فإن القاضي يريها النساء، فإن قلن: "إنها بِكر"، لا تردّ،
_________________
(١) هو محمد بن أحسد أبو بكر الإسكاف البلخي، إمام كبير جليل القدر، أخذ الفقه عن محمد بن سلمة عن أبي سليمان الجوزجاني، وتفقّه عليه أبو بكر الأعمش محمد بن سعيد وأبو جعفر الهِندُواني، ونقل اللكنوي عن الفقيه أبي الليث السمرقندي في آخر النوازل أن وفاته كانت سنة ٣٣٣. ترجمته في: "الطبقات السنية" برقم ٢٧٩٨، و"الجواهر المضية " ٣/ ٧٦، و٤/ ١٦، و"الفوائد البهية" ص ١٦٠.
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من (ب).
(٣) شهادة النساء" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) يرجع لتفصيل ذلك إلى "فتح التقدير" ٣/ ٣٠٦، ٣٠٧، و"المبسوط" ١٦/ ١٤٢.
(٥) العبارة في الأصل: "وصار هذا نظير مسألة"، وما أثبت، من النسخ الأخرى.
(٦) يقصد "الجامع الكبير" من أدقّ مصنفات لإمام محمد ﵀ وأعمقها، انظر المسألة التي أحال إليه الشارح في "باب البيع الذي يكون فيه الشرط، الذي يكون القول فيه قول البائع أو المشتري"، ص ٢٢٦.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وإن قلن: "إنها ثيب" يحلف المولى عند أبي حنيفة، كذلك هنا.
وإن أشكل على النساء حالها، فهي حُرة، لا سبيل عليها (^١)؛ لأن الاستثناء لم يثبت، فبقي العتق واقعًا بحكم الأصل.
وإن كانت ثيبا وقت الخصومة، فقالت: كنتُ بكرا وقت اليمين، وقال المولى: كانت (^٢) ثيبًا وقت اليمين، فالقول قول المولى؛ لأن الثيابَة ثابتة في الحال، ووقع الشك في الماضي، فيجعل الحالُ حكما، كربّ الطاحونة مع المستأجر، إذا اختلفا في جَرَيان الماء وانقطاعه، يجعل الحال حكما (^٣).
وإن كانت المرأة متمسّكة بالأصل، وهي البكارة، لكن تمسّك الحارية بالأصل (^٤) لاستحقاق العتق، وتمسّك المولى بظاهر الحال (^٥) لدفع العتق، والظاهر يَصَلَح حجة للدفع، دون الاستحقاق (^٦).
_________________
(١) لا سبيل عليها ساقط من (ا) و(ب).
(٢) وفي (ب): لا بل كانت.
(٣) "يجعل الحال حكما" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) وفي النسخ الأخرى: لكن تمسكت به، وهو خطأ.
(٥) كذا في الأصل، وفي النسخ الأخرى:" والمولى تمسك بالظاهر"، وما ثبت أولى.
(٦) هذه القاعدة متفرعة من قاعدة فقهية أصولية: "الأصل بقاء ما كان على ما كان" "المجلة" مادة: ٥، وهذا الأصل يسمّى: "الاستصحاب" أي الذي ثبت على حال في الزمان الماضي ثبوتا أو نفيا، يبقى على حاله، ولا يتغيّر ما لم يوجد دليل يُغيّره، ومن القواعد الشرعية العامة أن الاستصحاب حجّة دافعة لا حجة مُثبتة، فالمفقود الذي غاب عن بلده ولا يُعرف خبره أنه حيّ أو ميّت، لا يكون استصحاب حياته حجةً ملزمةً للإرث من غيره، وفي قوله: يصلح حجة للدفع". =
[ ١ / ٣٠٣ ]
وكذا لو قال: "كلّ جارية لي، فهي حرّة، إلا جارية خبّازة"، ثم قال: "هذه خبّازة"، أو قال: "إلا جارية اشتريتُها من فلان"، أو "جارية وطئتها البارحة"، ثم ادعى الشّراء، والوطء في البعض، وأنكرت الجارية، كان القول قول الجارية؛ لأنه استثنى بصفة عارضة (^١)، فكان الإيجاب متناولا لها بقضية الأصل (^٢).
ولو قال: "كل جارية لي، فهي حرة، إلا جارية خُراسانية"، ثم قال: "هذه خراسانية"، كان (^٣) القول قوله؛ لأن الخراسانية من يكون مولدها بخُراسان، وهذه صفة أصلية، والاستثناء تكلّمٌ بالباقي بعد الثنيا، فكما لا يُعلم (^٤) أنها خراسانية، حتى تدخل
_________________
(١) = تلميح إلى صلة هذه القاعدة بالقاعدة الأساسية: "اليقين لا يزول بالشك" ولذا عبّره العلامة الأخلاطي في "التيسير بمعاني الجامع الكبير" بقوله: الأصل أن الثابت بالاستصحاب يصلح للدفع، لا للاستحقاق، لأن الثابت لا يزول بالشك، وغير الثابت لا يثبت به. مخطوط بالمكتبة المحمودية، المدينة المنورة، رقم ٩٦٢، ق ١٦٨، وهذه القاعدة كثيرة الدوران على السنة الفقهاء، وتكرر ذكرها في مواضع من الشرح، كما في ص ٣٠٥ و٩٨٩ و٩٠٩ و٩٩٧، وذكرها قاضي خان في ص ٥١٩ بصيغة أخرى: "التمسك بالظاهر يصلح للدفع، لا للإيجاب، وانظر: "المبسوط" ٥/ ٥، ٨، ٦٧، ٩/ ١٧١، ١٤/ ١٦٣، ١٥/ ١٨٤، "فتح القدير" ٧/ ٣٤٠ "غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر" للحموي، ١/ ٢٤٢، "درر الحكام" ١/ ٢٠، "شرح المجلة" للأتاسي، ١/ ٢٠.
(٢) وفي (ا) و(ب): "عارضية".
(٣) وفي (ا): "بصفة الأصل".
(٤) "كان" ساقط من (أ) و(ب).
(٥) وفي (ا): "لا نعلم".
[ ١ / ٣٠٤ ]
تحت الاستثناء، لا يُعلم (^١) أنها غير خراسانية، حتى تدخل تحت الإيجاب، بخلاف ما إذا كان الاستثناء بصفة عارضة (^٢)، لأن ثقة (^٣) الإيجاب متناوِل لها، ما لم يثبت الاستثناء.
أما هنا بخلافه، إليه أشار محمد في الكتاب (^٤)، فقال: الجَوَاري أبكار حتى يُعلم (^٥) غير ذلك، والجواري لم يلدن حتى يعلم أنهنّ قد وَلدن، ولست أدري أخراسانيات أم غير خراسانيات.
ولو قال: "كلّ جارية لي، فهي حُرة إلاجارية هي بكر" ثم قال: "هذه بكر" كان القول قوله: لأن البكارة صفة أصلية، ولم يذكر هنا رؤية النساء؛ لأنهن وإن شهِدت بالثيابة، كان للمولى أن يقول: كانت بِكرًا وقت اليمين، ويُقبل قوله، فلا تفيد شهادة النساء.
فإن اختصما إلى القاضي، وهي ثيّب، فقال المولى: صارت ثيّبا بعد اليمين، وقالت: كنتُ ثيبًا وقت اليمين، فالقول قوله، ولا يُجعل الحال حكما (^٦)، بخلاف ما تقدم؛ لأن هنا الحال شاهد للجارية، وحاجتها إلى الاستحقاق، والحال لا يصلح حجةً للاستحقاق (^٧)، وفيما تقدم الحال شاهد للمولى، وحاجته إلى الدفع، ويصلح الظاهر (^٨)
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "عارضية".
(٢) وفي (ا) و(ب): "عارضية".
(٣) "ثمة" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) أي: "كتاب الزيادات".
(٥) وفي (ا): "حتى نعلم".
(٦) كذا في الأصل، وف بقية النسخ: "ولا يحكم الحال".
(٧) تقدم تعليقا بيان هذه القاعدة بالتفصيل في هذا الباب ص ١٦٤.
(٨) وفي (ا) و(ب): "والظاهر يصلح".
[ ١ / ٣٠٥ ]
شاهدا له.
ألا ترى أن صاحب اليَد في الدار، لا يستحق الشفعة بيده، ما لم يقم بالبينة على المِلك.
وكذلك مسلم مات، فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: كنتُ نصرانية، وقد أسلمت قبل موته، وقالت الوَرثة: لا، بل أسلَمَتْ بعد موته، فالقول قول الورثة، ولا يجعل الحال شاهدا لها.
وبمثله كافر مات، فجاءت امرأته مسلمة، وقالت: أسلمت بعد موته، وقالت الورثة: بل أسلمت قبل موته، فالقول قول الورثة؛ لأن حاجتهم إلى دفع (^١) الاستحقاق، تصلح الظاهر شاهدا لهم (^٢).
وكذا لو قال: "إلا جاريةً لم أطأها البارحة، أو "جاريةً لم أشترها من فلان"، ثم قال: "هذه (^٣) لم أشترِها من فلان، و(^٤) "لم أطأها البارحة"، لأن الأصل عدم الشّراء، أو عدم الوطء، فكان القول قوله.
_________________
(١) كذا في الأصل، ولفظ: "دفع" ساقط من (ج) و(د)، والصواب ثبوته، فلا يستقيم الكلام بدونه، والورثة هم الدافعون في المسألتين.
(٢) المسائل الثلاثة السابقة، الحكم فيها مبني على قاعدة: "الظاهر يصلح حجة للدفع دون الاستحقاق".
(٣) "هذه" ساقط من (ج) و(د).
(٤) وفي (ا) و(ب): "أو لم أطأها البارحة".
[ ١ / ٣٠٦ ]
وأما القسم الثاني:
إذا قال: "كل جارية لم تلِد، فهي حُرة"، أو قال: "كل جارية لي غير خبّازة، فهي حرة"، ثم قال: "هذه خبّازة"، أَو ["لم تلِد مني"] (^١) كان القول قوله؛ لأنه ما أوجب العِتق على وجه العموم، وإنما أوجب العتق (^٢) الموصوف بصفة، وكان الإيجاب معلّقا بوجود ذلك الوصف، فإذا أنكر ذلك [الوصف] (^٣)، فقد أنكر الشرط، فكان القول قوله (^٤).
وكذا إذا قال: "كل جارية لي لم أطاها البارحة"، ثم قال: "وطئتُ الكلّ"، كان القول قوله، مِن أصحابنا ﵏ مَن قال: هذا إذا تصؤر وطئ الكل في ليلة واحدة، وإن كان لا يتصور لكثرتهن، لا يُصدق إلا أنا نقول: ذلك متصوّر، وإن كثُرت بأن يولِج في كل جارية، وينزل في آخرهنّ، وكذا لو قال: "كل جارية لي لم أشترها من فلان"، ثم قال: "هذه اشتريتها من فلان"، قُبل قوله، لما ذكرنا.
وأما القسم الثالث:
إذا قال: "كل جارية لي، فهي حرة، إن كانت لم تلد منى"، أو أخر الحرّيّة، فقال: "كل جارية لي، إن كانت لم تلِد مني، فهي حرّة"، أو قال: "كل جارية لي إن كنتْ لم أشترها من فلان، فهي حرة"، ثم قال: "هذه ولدَت مني، وهذه اشتريتُها من فلان"، قُبِل
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وثبت في النسخ الأخرى.
(٢) "العتق" ساقط من بقية النسخ.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من (ب).
(٤) والضابط فيه ما ذكره ابن نجيم في "الأشباه": "وَصفُ الشرط كالشرط"، يعني أن وصف الشرط يُراعى كما يراعى أصله، انظر "غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر" للحموي، كتاب الأيمان، ٢/ ٢١٦.
[ ١ / ٣٠٧ ]
قوله.
لأن هذا تعليق صريحًا، فيكون القول قوله، سواء قَدّم الشرط، أو أخّر؛ لأن المعلّق بالشرط، عدمٌ قبل الشرط، فإذا أنكر الشرط، كان القول قوله، سواءٌ كانت الصفة أصليّة، أو عارضة (^١).
- والله أعلم -
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "عارضية".
[ ١ / ٣٠٨ ]