١. الأصل فيه: أن يد الساعي (^٢) في الصدقة الواجبة يد الفقراء، وفي النافلة يد المالك، لأن الواجب حق الفقراء، ولهذا يُجبر المالك على الأداء إلى الساعي، فكان
_________________
(١) اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز تعجيل الزكاة قبل ملك النصاب، لعدم وجودِ سببِ وجوبه، فلا يجوز تقديمها، مثل أداء الثمن قبل البيع، أما تعجيل الزكاة على الحول عند وجود سبب وجوبه، وهو النصاب الكامل، فجائز تطوعا عند جمهور الفقهاء، الحنفية والشافعية والحنابلة، ولا يجوز عند المالكية، يرجع للتفصيل: "بدائع الصنائع" ٢/ ٥١، "فتح القدير" ١/ ٥١٦، "المجموع" ٦/ ١٣٩، "المهذب" ١/ ١٦٦، "المغني" ٢/ ٦٢٩، "كشاف القناع" ٢/ ٣١٠، "الشرح الكبير" ١/ ٤٣١، "بداية المجتهد" ١/ ٢٦٦. وتشترط عند الحنفية ثلاثة شروط لجواز تعجيل الزكاة: أحدها كمال النصاب في أول الحول، والثاني: كماله في آخر الحول، والثالث: أن لا ينقطع النصاب فيما بين ذلك. انظر "بدائع الصنائع" ٢/ ٥١.
(٢) "الساعي": أخذ الصدقات، سعى الرجل على الصدقة، يسعى سعيا، عمل في أخذها من أربابها، والساعي انصرف إلى عامل الصدقة، والجمع سُعاة، و"المصدّق" أيضًا آخذ الصدقات. "طلبة الطلبة" ص ٤٦، "المصباح المنير" مادة: سعي، ص ١٧٧.
[ ١ / ٢٤٩ ]
الساعي نائبًا عنهم، وأمّا غير الواجبة حق المالك، ولهذا لا يجبر على الأداء (^١).
٢ - وأصل آخر: أن نقصان النصاب (^٢) في أثناء الحول، لا يمنع وجوب الزكاة (^٣)، وانقطاع النصاب يمنع الوجوب (^٤).
_________________
(١) الإمام العتابي أصّل لهذا الباب بأسلوب آخر أذكره تتميما للفائدة، فقال: ثم في المعجّل بعد الحول، يد الساعي يد الفقير، لأنَّهُ ملك الفقير، وقبل الحول يده يد المالك، لأنَّهُ بقي على ملك المالك حتَّى يكمل به النصاب عند الحول إذا بقي في يده إلى تمام الحول، فإذا صار زكاة يعتبر يده يد الفقير، وليس للمالك أن يستردّ المعجّل من يد الساعي لتعلق حق الفقير به إلا إذا كان بحال لا يبقى فيه احتمال أن يصير المعجل زكاة، فحينئذ يستردّ. "شرح الزيادات" للعتّابي، ورق ٧ - ٨.
(٢) نصاب الشيء: أصله، والجمع: نُصِبَ وأنصبة، والمراد به هنا نصاب الزكاة، أي القدر المعتبر لوجوب الزكاة، وقال النسفي: هو مل مال لا يجب فيما دونه الزكاة. "المصباح المنير" مادة: نصب، و"طلبة الطلبة" ص ٣٩.
(٣) لأن المعتبر كمال النصاب في طرفي الحول، ولأن سبب الوجوب هو النصاب، فأحد الطرفين حال انعقاد السبب، والطرف الآخَر حال الوجوب أو حال تأكد الوجوب بالسبب، وما بين ذلك ليس بحال الانعقاد ولا حال الوجوب، فلا معنى لاشتراط النصاب عنده، ولأن في اعتبار كمال النصاب فيما بين ذلك حرجا كبيرا، لأن التجار يحتاجون إلى النظر في ذلك كل يوم وكل ساعة، وفيه من الحرج ما لا يخفى، ولا حرج في مراعاة الكمال في أول الحول وآخره، وكذلك جرت عادة التجار بتعرف رؤوس أموالهم في أول الحول وآخره، ولا يلتفتون إلى ذلك في أثناء الحول. "بدائع الصنائع" ٢/ ٥١ "شرح الزيادات" للعتّابي ق ٧.
(٤) المراد من "انقطاع النصاب" هلاك النصاب كله؛ أي لابدّ من بقاء شيء من النصاب أثناء الحول، وإن قلّ، ليضمّ المستفاد إليه، ولأنه إذا هلك النصاب الأول كلّه فقد انقطع حكم الحول، فلا يمكن إبقاء المعجّل زكاة، فيقع تطوعا. "بدائع الصنائع" ٢/ ٥١.
[ ١ / ٢٥٠ ]
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
رجل أدّى زكاة ماله بعد الحول إلى الساعي، فهلَكت في يده قبل الصّرف إلى الفقراء، جازت عن المالك لأن يد الساعي في الصدقة الواجبة يد الفقراء، فصار الهلاك في يده كالهلاك في يد الفقراء.
ولو أفرزها من ماله، ولم يدفع إلى الساعي، حتى ضاعت، لم تجز عن الزكاة، لأنه لم يوجد الصّرف إلى الفقراء، لا حقيقةً ولا حكما، أمّا حقيقة: فظاهر، وأمّا حكما: فلأن يد صاحب المال لم تجعل يد الفقراء.
قال: ألا ترى أنه لو أراد أن يُمسِك تلك الخمسة (^١)، ويدفع مكانَها أخرى، جاز، ولو مات، صارت الخمسة ميراثا عنه، بَخلاف ما لو دفع إلى الساعي.
رجل مرّ على العاشر (^٢) بمائتي درهم، وقال: لم يحُل عليها الحَول، وحلف على ذلك، كان القول قوله لما عُرِف (^٣)، فإن طلَب منه العاشر أن يعجل خمسة دراهم (^٤)،
_________________
(١) قوله: "الخمسة" هذا على سبيل المثال، أي المال الذي أفرزه على سبيل الزكاة.
(٢) العاشر: هو مَن نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار، مما يمرون به عليه عند اجتماع شرائط الوجوب. "التعريفات" للجرجاني، ص ١٨٨. وزاد السرخسي في تعريفه: "وتأمن التجارة بمقامه اللصوص "المبسوط" ٢/ ١٩٩.
(٣) قال السرخسي في باب العاشر: إن ادّعى المسلم أن عليه دينا يحيط بماله، أو أن حوله لم يتمّ، أو أنه ليس للتجارة، صدّقه على ذلك إذا حلف؛ لإنكاره وجوب الزكاة عليه، ولأنه أمين فيما يلزمه من الزكاة. فإذ أنكر وجوبها عليه، فالقول قوله مع يمينه. "المبسوط" ٢/ ١٨٥ و٢٠٠. وقال المرغيناني: "مَن أنكر منهم تمام الحول أو الفراغ من الدين، كان منكرا للوجوب، والقول قول المنكر مع اليمين. قال أبو يوسف: لا يحلف لأنه عبادة، فأجابه ابن الهمام بأن العبادات وإن كانت بصدق فيها بلا تحليف، لكن تعلق به هنا حق العبد، وهو العاشر في الأخذ، فهو يدعي عليه معنى لو أقرّ به لزمه، فيحلف لو جاه النكول. "فتح القدير" ١/ ٥٣١.
(٤) "دراهم" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٥١ ]
ففعل، صحّ التعجيل (^١)، لأنه عجّل بعد السبب، وهو ملك النصاب.
ثم هذه فصول ثلاثة: إمّا أن حال الحول، وعنده مائة وخمسة وتسعون درهما، لم تزِد ولم تنقص (^٢)، أو استفاد خمسة، وتمّ الحول، وعنده مائتا درهم، أو انتقص ممّا في يده درهم أو أكثر (^٣).
أما إذا لم تزد ولم تنقص (^٤) فإن كانت تلك (^٥) الخمسة قائمة في يد الساعي (^٦)،
_________________
(١) "التعجيل" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أولى.
(٢) قوله: "لم تزِد ولم تنقص" سقط من (ا) و(ب).
(٣) ذكر في "الفتاوى التاتارخانية": هذه الفصول الثلاثة نقلا عن "الزيادات"، وفصّل فيه "كما نقل ابن الهمام هذه المسائل كلها بالبسط والإحالة إلى "شرح الزيادات" لقاضي خان؛ وبعباراتها فليراجع. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٥، "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٤) في النسخ الأخرى: "ففي الوجه الأول". وهذا هو الفصل الأول من الفصول الثلاثة التي ذكرها الشارح آنفا.
(٥) "تلك" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) هذه الفصول الثلاثة، كل منها على سبعة أوجه: الأول: أن يتمّ الحول والخمسة المقبوضة قائمة في يد العاشر، والثاني: أن يستهلكها العاشر، والثالث: أن يأكلها قرضا، والرابع: أن يأخذها لعَمالة نفسه، والخامس: أن يتصدّق بها العاشر على المساكين قبل تمام الحول ثم تمّ الحول، والسادس: أن يأكله الساعي صدقة لحاجة نفسه، والسابع: إذا ضاعت من يد الساعي قبل الحول ثم وجدها بعد تمام الحول، فصّل الشارح هذ الأوجه السبعة وأحكامها في الصفحات التالية.
[ ١ / ٢٥٢ ]
القياس أن لا تجب الزكاة، ويأخذ (^١) الخمسة من الساعي؛ لأنها خرجت عن ملكه بالدفع إلى الساعي (^٢)، ولئن لم تخرج، صار في معنى الضِّمار (^٣)، لأنه لا يملك الاسترداد قبل الحول.
وفي الاستحسان تجب الزكاة، لما ذكرنا أن يد الساعي في المقبوض قبل الوجوب يد المالك، فكان قيامها في يد الساعي كقيامها في يد المالك، ولأن المعجل يحتمل أن يصير زكاة، فتكون يده يد الفقراء، ويحتمل أن لا يصير زكاة: فتكون (^٤) يده يد المالك، فاعتبرنا يد الساعي (^٥) يد المالك احتياطًا؛ لوجوب الزكاة.
ولأن القول بنفي الوجوب يؤدى إلى المناقَضَة (^٦)، بيانه: أنا لو لم نُوجب الزكاة،
_________________
(١) = وانظر "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٥. وقال ابن نجيم بعد بيان هذه الأوجه: "والحاصل أن وجوه هذه المسئلة ثلاثة، وكل وجه على سبعة، فهي إحدى وعشرون، وقد علم أحكامها، وبسطه في شرح الزيادات لقاضي خان". "البحر الرائق" ٢/ ٢٤١.
(٢) وفي (ب): "يستردّ الخمسة".
(٣) "إلى الساعي" ساقط من (ب).
(٤) "الضِمار": بالكسر، في اللغة: الغائب الذي لا يُرجى عَوده، وأصله: الإضمار. أي التغييب والإخفاء، وقال الإمام مالك: "الضمار": المحبوس عن صاحبه، ولا زكاة في مال الضمار، أي الغائب الذي لا يُرجى، فلا يمكن الانتفاع به مع بقاء الملك. "المصباح المنير" مادة: ضَمَر، ص ٤٦٤ "طلبة الطلبة" ص ٤٦، "الموطأ" باب الزكاة في الدين، ص ١٥٧.
(٥) "زكاة" ساقط من النسخ الأخرى، وفي (ا): "فتصير يده".
(٦) وفي (ا) و(ب): "يده يد المالك".
(٧) "المناقَضَة": لغة: إبطال أحد القولين بالآخر، واصطلاحا: هي منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل. والمناقضة في القول: أن يتكلم بما يتناقض معناه، أي يتخالف. "التعريفات" للجرجاني =
[ ١ / ٢٥٣ ]
بقيت الخمسة على ملك المالك، فتبين أنه حال الحول، والنصاب كامل، فتجب الزكاة، وتجب مقصورا على الحال، لا مستندا؛ لأنه لو استَنَد الوجوب (^١) إلى أوّل الحول، بقي النصاب ناقصًا في آخر الحول، فيبطل الوجوب، فإذا تعذر الاستناد يقتصر (^٢).
وإنما لا يملك الاسترداد؛ لأنه عينها زكاة من هذه السنة، فما دام احتمال الوجوب قائما، لا يكون له أن يستردّ، كمن نقَد الثمن في البيع بشرط الخيار للبائع، لا يملك الاسترداد، فتعلق حق الفقراء مع بقاء مِلك المالك، ولهذا لا يصير ضِمارا؛ لأنه أعدّها لغرض، وهو الزكاة، والمعَدّ للزكاة لا يعتبر ضمارا، لأن الزكاة لا تجبَ في الضمار (^٣)، فلو اعتبر ضِمارا كان إبطالا لغرضه، فلا يعتبر ضِمارا.
وكذا لو كان الساعي استهلَكَها، أو أنفَقَها قرضًا على نفسه، لأن بالاستهلاك والقرض وجَبَ المِثل، فصار قيام المثل في ذمته، كقيام العين في يده.
_________________
(١) = ص ٢٩٨. و"القاموس المحيط" مادة: نقض.
(٢) "الوجوب" سقط من (ا) و(ب).
(٣) قال العتّابي في أصل هذا الباب: إنما جاز التعجيل، لأن الزكاة تجب عند تمام الحول، وتستند إلى وقت وجود السبب، إلا إذا كان في الاستناد إبطال التعجيل، فحينئذ يقتصر استحسانا. "شرح الزيادات" للعتّابي، ق ٧.
(٤) سبق تعليقا معناه اللغوي، وهو في اصطلاح الحنفية: كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك، كالحيوان الضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه. انظر "بدائع الصنائع" ٢/ ٩.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وكذلك لو أخذها الساعي بعُمَالة (^١) [نفسه] (^٢)؛ لأن العُمالة إنما تكون في الواجب، لأن قبضه للواجب يكون للفقراء (^٣)، فأمّا في غير الواجب فلا.
ولا يقال: بأن ما في ذمة الساعي دَين، وأداء الدين عن العين لا يجوز.
لأنا نقول: هذا (^٤) إذا كان الدين على غير الساعي، أما إذا كان على الساعي يجوز، لأن حقّ الأخذ له، فلا يفيد (^٥).
وإن كان الساعي (^٦) صَرَفها إلى الفقراء، أو صَرَفها (^٧) إلى نفسه وهو فقير، لا تجب (^٨) الزكاة، لأن الساعي مأمور بالصرف إلى الفقراء.
ولو صَرَف المالك بنفسه، يصير ملكا للفقراء، وينتقِص به النصاب، فكذلك ههنا.
وكذا إذا صرفها إلى نفسه، وهو محتاج؛ لأنه أمره بالمصدق، والصرف إلى نفسه
_________________
(١) "العُمالة": بضم العين، أجرة العامل، والكسر لغة، "المصباح المنير" مادة: عمل، ص ٤٣٠، "طلبة الطلبة" ص ٤٦.
(٢) ما بين المعكوفتين أثبت من النسخ الأخرى.
(٣) فيتحقق حينئذ سبب العمالة، وما قبضه غير واجب. "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٤) "هذا" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) "لا يفيد" سقط من (ا) و(ب)، وثبوته أولى. أي لا يفيد الطلب منه ثم دفعها إليه. "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٦) "الساعي" ساقط من النسخ الأخرى.
(٧) "صرفها" ساقط من النسخ الأخرى.
(٨) أي: لا يصير المعجّل زكاة، وفي "الفتاوى التاتارخانية": ضمنها، لا من مال نفسه ولكن مما يأخذ من الزكاة. "الفتاوى التاتارخانية " ٢/ ٢٥٦.
[ ١ / ٢٥٥ ]
يقع تصدقا.
وإن ضاعت تلك (^١) الخمسة من يد الساعي قبل الحول، ثم وجَدَها بعد الحول، لا تجب الزكاة، وكان له أن يستردهّا (^٢)، كما لو ضاعت من يد المالك قبل الحول، ثم وجدها بعد الحول (^٣)، لما ذكرنا أن يد الساعي قبل الوجوب (^٤) يد المالك، وإنما يملك الاسترداد؛ لأنه عيّنَها لزكاة هذه السنة، ولم تصِر، فلو أن المالك لم يستردّها، حتى دفعها (^٥) الساعي إلى الفقراء لم يضمن (^٦).
قيل: هذا عندهما، أمّا عند أبي حنيفة ﵀ يضمن (^٧).
وأصله: الوكيل بدفع الزكاة، إذا أدّى الموكِّل بنفسه ثم أدى الوكيل، عند أبي حنيفة يضمن، علم بذلك أو لم يعلم (^٨)، وعندهما لا يضمن (^٩).
_________________
(١) "تلك" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) وفي الأصل: يسترد" بسقوط الضمير.
(٣) "بعد الحول" ساقط من (ب).
(٤) كذا وفي الأصل، وفي بقيّة النسخ: "يده يد المالك".
(٥) وفي النسخ الأخرى: "دفع".
(٦) إلا إن كان المالك نهاه عن الدفع، فيضمن، كما سيأتي. "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٧) لأن صاحب المال أمره بالأداء على وجه يسقط عنه الفرض، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه ههنا. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٦.
(٨) وفي (ا) و(ب): أم لا.
(٩) انظر "مجمع الضمانات" للعلامة أبي محمد بن غانم بن محمد البغدادي، ص ٧، وذكر فيه إن قولهما رواية عن أبي حنيفة، ولذا قال ابن العلاء: المحققون من مشايخنا قالوا: لا ضمان هنا عند =
[ ١ / ٢٥٦ ]
فلو أن المالك نهاه عن التصدّق بعد الحول، صحّ نهيه، حتى لو تصدّق، ضمن عند الكل.
الفصل الثاني:
إذا استفاد المالك خمسة أخرى، فتمّ الحول، وعنده مائتا درهم، صار المعجّل زكاة في الوجوه كلها، لأن أكثر ما في الباب أن يجعل المعجل خارجا عن ملكه، لكن النصاب كامل بدونه.
وفيه إشكال: وهو أن في بعض الوجوه صار المعجل دَينا، فكيف يصير زكاةً عن العين؟
والجواب عنه ما قلنا، بل أولى، لأن ههنا المعجل صار زكاة من وقت التعجيل؛ لأنه جعلها زكاةً من وقت التعجيل، وأمكن ذلك، لأن النصاب كامل بدونه، وإذا صار زكاةً من وقت التعجيل، كان هذا أداء العين عن العين (^١).
ولا تجب عليه زكاة هذه الخمسة، وإن كانت تلك الخمسة قائمة في يد الساعي، أمّا عند أبي حنيفة ﵀، فلأن عنده (^٢) لو كانت الخمسة (^٣) على ملكه، [وفي يده] (^٤)،
_________________
(١) = الكل. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٦.
(٢) قال ابن الهمام في الفصل الثاني: يصير المؤدّى زكاة في الوجوه كلها من وقت التعجيل، وإلا يلزم هنا كون الدين زكاة عن العين في بعض الوجوه. "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٣) وفي بقية النسخ: "فلأنها لو كانت".
(٤) "الخمسة" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبت من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٥٧ ]
لا تجب الزكاة؛ لأنه لا يرى الزكاة في الكسور (^١)، وأمّا عندهما: فلأنها خرجت عن ملكه من وقت التعجيل.
الفصل الثالث:
إذا انتقص عن ما في يده درهم، (^٢) ففي هذا الفصل لا تجب الزكاة في الوجوه كلها، لأن أكثر ما في الباب أن يجعل ما في يد الساعي، أو في ذمته كالقائم في يد المالك، ولو كانت قائمة (^٣) في يده حقيقةً، لا تجب الزكاة (^٤) لنقصان النصاب، كذا ههنا.
فإن كان المعجّل قائما في يد الساعي، يستردّه، وإن كان استهلكه، أو أكله (^٥) قرضًا، أو بجهة العَمالة، يكون ضامنا.
أمّا في القرض والاستهلاك فظاهر، وأمّا في العُمالة، فلما ذكرنا أن العمالة إنما تكون في (^٦) حق الفقراء، لا في حق المالك (^٧)، والمقبوض قبل الوجوب (^٨) حق المالك، لا حق الفقراء، فلا يستحق فيه العُمالة، فيضمن.
_________________
(١) لأن الحكم بوجوب الزكاة في الكسور يؤدّي إلى الحرج، لتعذّر الوقوف عليه، والحرج مدفوع. انظر لتفصيل الأدلة "فتح القدير" ١/ ٥٢١.
(٢) ففي هذا الفصل ساقط من (ا) و(ب).
(٣) "قائمة" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) "الزكاة" ساقط من (ب).
(٥) كذا في: (ا)، وفي الأصل: "استهلكها أو أكلها"، وما ثبت أصح.
(٦) وفي (ا) و(ب): من حق الفقراء.
(٧) "لا في حق المالك" ساقط من (ا) و(ب).
(٨) "قبل الوجوب" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٥٨ ]
وإن كان تصدق بها على الفقراء، أو تصدّق (^١) على نفسه وهو فقير، لم يضمن لما ذكرنا.
وإن ضاعت من يده قبل الحول، ثمّ وجدها بعد الحول، ردّها على المالك لما ذكرنا (^٢).
وإن تصدّق بها بعد الحَول، ضمن عند أبي حنيفة ﵀، علِم بنقصان النصاب أولا، وعندهما لا يضمن على ما ذكرنا.
وإن نهاه عن التصدّق، فتصدق بعد النهي (^٣)، ضمن عند الكل (^٤).
ولو عجّل عن مائتي درهم خمسة دراهم، ثم هلك النصاب إلا درهما، والمعجّل قائم (^٥) في يد الساعي، ليس له أن يسترد المعجل، لأنه عيّنها لحق الفقراء، فما بقي ذلك الاحتمال ليس له أن يستردّ، واحتمال صيرورته زكاةً قائم (^٦)، بأن يستفيد قبل تمام الحول ما يتمّ به النصاب (^٧).
_________________
(١) "تصدق" ساقط من النسخ الأخرى.
(٢) "لما ذكرنا" ساقط من (ا) و(ب).
(٣) "بعد النهي" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) "فتح القدير" ١/ ٥١٧، و"الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٦.
(٥) "قائم" ساقط (ب).
(٦) لأن هذا نقصان في النصاب، وقد سبق في أصل الباب أن نقصان النصاب أثناء الحول لا يمنع وجوب الزكاة، وإنما يمنعها انقطاع النصاب كله.
(٧) فرّع عليه في "الفتاوى التاتارخانية": وكذلك المستأجر إذا عجّل الأجرة قبل استيفاء المنفعة، لم يملك الاسترداد. ٢/ ٢٥٧.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وكذا لو كان الساعي أخذ (^١) الخمسة قرضا، أو من عمالته (^٢)، لأن ما في يد الساعي، أو في ذمته، كالقائم في يد المالك، فيبقى الحول ببقائه.
ولو تصدّق بها الساعي (^٣) بعد الحول، ضمن عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا يضمن (^٤).
وقيل: لا يضمن عند الكل؛ لأنه حين دفع إليه للتصدق (^٥)، وكان الدفع متردّدًا بين أن يكون زكاة، وبين أن لا يكون، فكان الساعي مأمورا بمطلق التصدق، لا بجهة الزكاة على التعيين، فلا يضمن.
وكذا لو كانت له مائتا درهم، لا مالَ له غيرها، فجعل الكل عن الزكاة، ثم أراد أن يستردّ، ليس له ذلك؛ لأنه جعلها زكاة ثمانية آلاف درهم، وربما يستفيد ثمانية آلاف درهم قبل الحول (^٦).
فإن تمّ الحول، ولم يستفد مالا، والمعجّل قائم في يد الساعي، صارت الخمسة (^٧) زكاة عن المائتين، وكان له أن يستردّ الباقي (^٨)، لما قلنا: إن قيامها في يد الساعي كقيامها في
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "لو أخذ الساعي".
(٢) وفي (ب): "عمالة نفسه".
(٣) "الساعي" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) وفي النسخ الأخرى: "خلافًا لهما".
(٥) "للتصدق" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٧) زاد في (ب) هنا: "منها".
(٨) مائة درهم وخمسة وتسعون، ولا يسترد الخمسة "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٧.
[ ١ / ٢٦٠ ]
يد المالك (^١).
ولو استفاد ألف درهم قبل الحول، صار خمسة وعشرون من المعجل زكاة الألف، يبقى مائة وخمسة وسبعون، فيجب الزكاة (^٢) فيما بقي (^٣) أربعة دراهم في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأنه لا يرى الزكاة في الكسور، وعندهما يجب أربعة دراهم، وثلاثة أثمان درهم، لما عُرف من مذهبهما.
ولا تجب الزكاة في خمسة وعشرين؛ لأن قَدر زكاة الألف، وهو خمسة وعشرون، صارت زكاة من وقت التعجيل، فكان خارجًا عن ملكه من ذلك الوقت، لأنه حين عجّل، جعلها زكاة، وأمكن جعل هذا القدر زكاة من وقت التعجيل لكمال النصاب بدونه، فلا تجب عليه (^٤) زكاة هذا القدر.
ولو استفاد ثمانية آلاف درهم قبل الحول، يصير كلّ المعجل زكاة من وقت التعجيل لما ذكرنا، ولا يجب عليه زكاة المائتين، لأنها خرجت عن ملكه من وقت التعجيل (^٥).
بخلاف ما إذا أدّى خمسة من المائتين، ولم يستفد شيئًا، حتى تمّ الحول، صارت الخمسة زكاة، مقصورًا على الحال، لا من وقت التعجيل (^٦)، لأنا لو حكمنا بخروجه عن ملكه من ذلك الوقت، يكون النصاب ناقصًا عند الحول، فلا تجب الزكاة.
_________________
(١) قوله: "إن قيامها في يد الساعي كقيامها في يد المالك" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) "الزكاة" ساقط من النسخ الأخرى.
(٣) وفي (ا) و(ب): "فيجب فيه".
(٤) "عليه" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) "فتح القدير" ١/ ٥١٧، و"البحر الرائق" ٢/ ٢٤١.
(٦) "لا من وقت التعجيل" ساقط من (ب)، وهو خطأ.
[ ١ / ٢٦١ ]
أما إذا كان النصاب كاملا بدون المعجل (^١)، يصير زكاة من وقت التعجيل؛ لأنه جعله زكاة وقت التعجيل، وأمكن جعله زكاة من ذلك الوقت.
ولو عجّل من مائتين وأربعين درهما ستة دراهم، ولم يستفد شيئا، حتى تمّ الحول، القياس على مذهب أبي حنيفة ﵀ أن يستردّ الدرهم السادس، لأن خمسة من المعجّل صارت زكاة من وقت التعجيل، وخرجت عن ملكه من ذلك الوقت لوجود شرطه، وهو كمال النصاب بدون المعجل (^٢)، بقي ماله عند الحول مائتان وخمسة وثلاثون، وعنده في مثله لا يجب إلا خمسة، لأنه لا يرى الزكاة في الكسور (^٣).
والقياس (^٤) على مذهبهما أن يستردّ ستة أجزاء من أحد وأربعين جزأ من الدرهم السادس (^٥)، لأن الخمسة من المعجل صارت زكاة عن نفسها، وعن مائتين سواها، حتى أن من عجّل خمسة عن مائتين، ثم استفاد خمسة أخرى قبل الحول، كان المعجل (^٦) زكاة عن نفسها، وعن مائتين سواها، حتى لا يجب عليه لهذه الخمسة شئ، وكان كل درهم من المعجل زكاة عن نفسها، وعن أربعين سواها (^٧).
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "التعجيل".
(٢) وفي (ا) و(ب): بدونه.
(٣) قوله: "لأنه لا يرى الزكاة في الكسور" ساقط من (ا) و(ب). وانظر "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٤) وفي (ا) و(ب): وفي القياس.
(٥) "السادس" ساقط من النسخ الأخرى.
(٦) وفي بقية النسخ: "كانت الخمسة" مكان "كان المعجل".
(٧) "سواها" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٦٢ ]
ولو استفاد ستة دراهم [أخرى] (^١) قبل الحول، صار جميع المعجل زكاة، فإذا لم يستفِد ستة دراهم (^٢)، انتقص ماله بستة دراهم، فيسترد ستة أجزاء من أحد وأربعين جزأ من الدرهم السادس.
وفي الاستحسان على المذهبين: لا يستردّ شيئا، وتصير الستة (^٣) زكاة، لأن المعجل إنما يجعل زكاة من وقت التعجيل، إذا صار الكل زكاةً، فأما إذا جعلناه زكاة مقصورًا على الحال، يصير كله زكاة.
ولو جعلناه زكاة من وقت التعجيل، لا يصير الكل زكاة، بل يخرج البعض من أن بكون زكاة (^٤)، وإنما يصير [الكل] (^٥) زكاة مقصورا على الحال؛ لأنه جعل الكل زكاة، وأمكن جعل الكل زكاة من هذا الوجه، فيجعل كذلك، [ولأن يد الساعي قبل الحول يد المالك، ولو كان في يده يصير زكاة مقصورًا] (^٦).
وإن هلك درهم من بقية النصاب قبل الحول، فعلى قول أبي حنيفة يستردّ الدرهم السادس قياسًا واستحسانا، لأنّا وإن بقينا المعجّل على ملكه إلى تمام الحول (^٧)، كان ماله عند تمام الحول مائتين وتسعة وثلاثين، وعنده في مثله لا يجب إلا خمسة دراهم.
_________________
(١) وفي بقية النسخ: ستة أخرى.
(٢) "ستة دراهم" ساقط من (ا) و(ب).
(٣) وفي (ب): "المعجل".
(٤) قوله: "بل يخرج البعض من أن يكون زكاة" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) ما بين المعكوفتين زيد من النسخ الأخرى.
(٦) ما بين المعكوفتين أثبت من بقية النسخ.
(٧) قوله: "إلى تمام الحول" ساقط من بقية النسخ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وعندهما في القياس يستردّ سبعة أجزاء من إحدى وأربعين جزأ من الدرهم السادس، لأن في الفصل الأول في القياس (^١) يستردّ ستة أجزاء من إحدى وأربعين جزأ من الدرهم السادس (^٢)، فإذا انتقص النصاب (^٣) بدرهم، يستردّ سبعة أجزاء، وفي الاستحسان يستردّ حصة الدرهم الذي ضاعت، وذلك جزء من أربعين جزأ من درهم (^٤).
رجل عجّل عن خمس وعشرين من الإبل "بنت مخاض" (^٥)، ولم يستفد شيئًا حتى تمّ الحول، فالقياس في هذا أن (^٦) يصير من المعجل مقدار أربع من الغنم زكاة (^٧)، ويسترد الباقي، لأن المعجّل خرج من ملكه من وقت التعجيل، وفي الاستحسان يصير الكلّ زكاةً، ولا يستردّ شيئا، لما قلنا: إنه متى تعذر أن يجعل كل المعجل (^٨) زكاة من وقت التعجيل، يجعل زكاة مقصورًا على الحال (^٩).
_________________
(١) "في القياس" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) قوله: "من إحدى وأربعين جزءا من الدرهم السادس" ساقط من بقية النسخ.
(٣) "النصاب" ساقط من (ا) و(ب).
(٤) انظر تفصيل المسائل في "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٥) أجمع الفقهاء في نصاب زكاة الإبل على أنه إذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين (٢٥ - ٣٥) ففيها بنت مخاض: وهي التي استكملت ستة من الإبل، ودخلت في الثانية، سميت بها لأن أمها صارت حاملا بولد آخر. "الهداية" ١/ ٩٨، "طلبة الطلبة" ص ٣٩.
(٦) قوله: "فالقياس في هذا أن" ساقط من (ا) و(ب).
(٧) لأن الباقي عنده بعد المعجل عشرون إبلا، ويجب في العشرين أربع شياه.
(٨) "المعجل" ساقط من بقية النسخ.
(٩) من قوله: إنه متى تعذر إلى آخر الفقرة ساقط من (ب).
[ ١ / ٢٦٤ ]
ولو هلكت من الإبل واحدة، يمسك الساعي من المعجل مقدار أربع شِياه، ويردّ الباقي، لأنّا وإن بقينا المعجّل على ملكه، لا يصير كل المعجل (^١) زكاةً لنقصان النصاب، بل يجب أربع شِياه، ودفعُ بعض بنت مخاض عن الغنم يجوز باعتبار القيمة (^٢).
هذا إذا كان المعجّل قائما في يد الساعي، فإن كان تصدّق به على المساكين، أو كان محتاجا، فأخذها لنفسه على وجه الصّدقة، صار قدر أربع من الغنم زكاة، والباقي تطوّع.
وإن كان الساعي (^٣) استهلكها قبل الحول، غرم مقدار قيمة (^٤) أربع شياه للفقراء؛ لأن ذلك حقهم، ويضمن الفضل للمالك؛ لأن ذلك حقه.
وروى بشر (^٥) عن أبي يوسف أن المعجل لو كان قائما في يد الساعي، وقد هلك
_________________
(١) وفي بقية النسخ: "لا يصير كله".
(٢) وضّحه في "الفتاوى التاتارخانية" بأن القياس أن يصير قدر أربعة أخماس القيمة من قيمة بنت المخاض زكاة، ويردّ الساعي الباقي. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٧.
(٣) "الساعي" ساقط من بقبة النسخ.
(٤) "قيمة" ساقط من بقية النسخ.
(٥) هو بِشر بن الوليد بن خالد الكندي القاضي، أحد أعلام المسلمين، وأحد أصحاب أبي يوسف خاصة، روى عنه كتبه وأماليه، سمع مالكا وحماد بن زيد وغيرهما، وروى عنه الحافظ أبو نعيم الموصلي، وروى له أبو داود، وكان صالحا دَيّنا عابدا واسع الفقه، وحمل الناس عنه من الفقه والنوادر ما لا يمكن جمعها كثرة، ولي القضاء ببغداد، وقال الآجري: سألت أبا داود فقال: ثقة، وقال السُلمي عن الدارقطني: ثقة. مات سنة ٢٣٨ هـ. ترجمته في: ميزان الاعتدال ١/ ٣٢٦، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٣٨، الطبقات السنية، برقم ٥٦٧، الفوائد البهية ص ٥٤، تاريخ بغداد ٧/ ٨٠، شذرات الذهب ٢/ ٨٩.
[ ١ / ٢٦٥ ]
من بقية النصاب واحدة، يردّها المصدّق، ولا يحبس شيئا، ويطالب المالك (^١) بأربع شياه من الغنم (^٢)، لأن في إمساك البعض، وردّ البعض ضَرر التشقيص (^٣) والشركة، وذلك مدفوع.
ولو كان المعجل مستهلكا، يمسِك من قيمتها مقدار أربع شياه، ويردّ الفضل؛ لأنه لا ضرر فيه.
ولو عجّل شاة عن أربعين، فتصدق بها الساعي، فتمّ الحول، ولم يستفد شيئًا، يقع تطوعًا (^٤)؛ لأن النصاب ناقص؛ إذ لم يوجد ما يتمّ به النصاب، لا في يد الساعي، ولا في يد المالك، فلم تجب الزكاة، وإذا لم تجب الزكاة كانت الصدقة تطوعًا ضرورة (^٥).
ولو كان الساعي باعَها للفقراء قبل الحول، وتصدّق بثمنها، لا يضمن؛ لأن المالك أمره بالتصدق، وربما يكون البيع (^٦) أنفع للفقراء، وتكون الصدقة تطوعًا لما ذكرنا.
_________________
(١) "المالك" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) "من الغنم" ساقط من بقية النسخ. وذكر ابن العلاء هذه الرواية، فقال: وفي كتاب الزكاة برواية بِشر بن الوليد: لا يكمل النصاب بما في يد المصدق، ولا يجوز ذلك عن زكاته، وعلى المصدق إن يردّها على صاحبها، ويأخذ منه أربعا من الغنم زكاة. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٥٧.
(٣) "التشقيص": من الشِقص، وهو الطائفة من الشيء، والجمع أشقاص، وتشقيص الذبيحة: تفصيل أعضائها سهاما معتدلة بين الشركاء. "القاموس المحيط" و"لسان العرب" و"المصباح المنير" مادة: الشِقص.
(٤) زاد ابن الهمام هنا: "ولا يضمن". "فتح القدير" ١/ ٥١٨.
(٥) من قوله: "فلم تجب الزكاة" إلى آخر الفقرة ساقط من (ا) و(ب).
(٦) وفي (ا) و(ب): "الثمن" بدل "البيع".
[ ١ / ٢٦٦ ]
فإن كان الثمن قائما في يد الساعي، يأخذه المالك، لأنه بدل ملكه، ولا تجب الزكاة؛ لأن نصاب الشياه لا يكمل بالثمن (^١).
وإن كان المعجل قائما في يد الساعي، صارت زكاة استحسانا، لما ذكرنا أن قيامها في يد الساعي، كقيامها في يد المالك، فلو أن الساعي باعها بعد الحول، كان الثمن للمساكين؛ لأنه بدل ملكهم.
ولو كان الساعي أخذها من عُمالته، أو جعَلها الإمام له من العُمالة، واستفاد المالك شاةً واحدة قبل الحول، فتمّ الحول، وعنده أربعون من الغنم سِوى المعجل، جازت عن الزكاة، وتُسلَّم للساعي.
وإن (^٢) تمّ الحول، وعنده تسعة وثلاثون، والمعجل قائمة في يد الساعي، وقد أخذها من العمالة، وأشهد على ذلك، أو جعلها الإمام له من العمالة، فلا زكاة عليه، ويستردّ المعجل؛ لأنه لمّا أخذها من العمالة، زالت عن ملك المالك (^٣)، فانتقص النصاب، فلا تجب الزكاة، فكان له (^٤) أن يستردّها، لأنها في يده (^٥) بسبب فاسد، فإن عمالته في الزكاة الواجبة، وتبيّن أنها غير واجبة، فكانت مقبوضة بسبب فاسد، فيلزمه الردّ (^٦).
_________________
(١) أي: أن نصاب السائمة نقص قبل الحول، ولا يكمل بالثمن، كما في "فتح القدير" ١/ ٥١٨.
(٢) وفي (ا) و(ب): "ولو تمّ".
(٣) وفي (ا) و(ب): "عن ملكه" بسقوط المالك.
(٤) "فكان له" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) وفي (ا): "يد الساعي".
(٦) يلاحظ هنا أن هذا الحكم خلاف ما سبق من الفصول الثلاثة الأولى، نبّه إليه ابن نجيم بقوله: ثم اعلم أن وقوعها زكاة فيما أخذها الساعي من عمالته، إنما هو في غير السوائم، أما في السوائم فلا =
[ ١ / ٢٦٧ ]
فإن كان الساعي (^١) باعَها قبل الحول أو بعده، فبيعه جائز، كالمشترى شراء فاسدا، إذا باع، جاز بيعه، ويضمن قيمتها (^٢) للمالك، ويكون الثمن له؛ لأنه بدل ملكه.
ولو أن الساعي لم يأخذها من العمالة، وانتقص مما في يد المالك واحدة (^٣)، فتمّ الحول، والمعجل قائم في يد الساعي لا تجب الزكاة لنقصان النصاب (^٤).
فإن كان الساعي باعها قبل الحول، وتصدّق بثمنها، جاز بيعه، ولا ضمان عليه؛ لأنه باع، وتصدّق بإذن المالك.
وإن باعها بعد الحول، وتصدق بثمنها، فكذلك عندهما، علم بنقصان النصاب، أو لم يعلم.
وعند أبي حنيفة لا يجوز بيعه، ويضمن، علم بنقصان النصاب، أو لم يعلم (^٥).
_________________
(١) = تقع زكاة لنقصان النصاب، ويسترد المالك، ويضمن الساعي قيمتها لو باعها، ويكون الثمن له، وإنما كان ذلك في السائمة، لأنها لما خرجت عن ملك المعجل بذلك السبب، فحين تمّ الحول يصير ضامنا بالقيمة، والسائمة لا يكمل نصابها بالدين، بخلاف نصاب الدراهم، لأنه يكمل بالدين. "البحر الرائق" ٢/ ٢٤١، كما أشار إليه مفصلا ابن الهمام، فليراجع، "فتح القدير" ١/ ٥١٨.
(٢) "الساعي" ساقط من (ا) و(ب).
(٣) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "يضمن القيمة".
(٤) وفي (د): "وأخذه"، وهو خطأ.
(٥) "لنقصان النصاب" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) قوله: "علم بنقصان النصاب، أو لم يعلم" سقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وأصل هذا (^١): الوكيل بأداء الزكاة، إذا أدّى بعد أداء المالك، عندهما لا يضمن، عَلِم بأداء المؤكّل (^٢) أو لم يعلم، [وعند أبي حنيفة يضمن، علم بأداء المالك، أو لم يعلم] (^٣).
ولو نهاه عن التصدق بعد الحول، فتصدق، كان ضامنا (^٤)، لأن الإذن قد ارتفع (^٥).
ولو نهاه عن التصدق قبل الحول، لا يصحّ نهيه؛ لأن قبل الحول (^٦) احتمال صيرورته زكاةً قائم، فلا يصحّ نهيه، كما لا يملك الاسترداد.
ولو ضاعت الزكاة المأخوذة (^٧) من يد الساعي، بطلت عمالته حتى لا يعطى عمالته من غيرها؛ لأن حقّه في المجموع لعمله، فإذا هلك المجموع، هلك بِما فيه.
ولو عجّل عن أربعين بقرة مُسنّة (^٨)، وهلك من بقيّة النصاب واحدة، ولم يستفد
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "أصله".
(٢) كذا في الأصل، وفي (ج) و(د): "المالك".
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبت من (ج) و(د)، كما سقط من قوله "إذا أدّى" إلى آخر الفقرة من (ا) و(ب).
(٤) وفي (ا) و(ب): "يضمن"، وما ثبت أصح.
(٥) "لأن الإذن قد ارتفع" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) كذا في الأصل و(ج) و(د)، وجاء في (ا) و(ب): "ولو نهاه قبل الحول، لا يعمل نهيه، لأن احتمال صيرورته الخ.
(٧) وفي بقية النسخ: "ولو ضاع المعجل".
(٨) "مسنّ" أو "مسنّة"، وجمعه مَسَان، وهي التي استكملت سنتين، وطعنت في الثالثة من البقر. "المصباح المنير" مادة: السن.
[ ١ / ٢٦٩ ]
شيئا حتى تمّ الحول، فإن الساعي يمسك من المعجل (^١) قدر تَبيعٍ (^٢)، ويردّ الباقي؛ لما ذكرنا في نصاب (^٣) الإبل، وليس لربّ البقر أن يستردّ المُسنّة، ويعطيه التبيع (^٤)؛ وإن قدر التبيع من المسنة، صار زكاة، حقا للفقراء، فليس له أن يستردّ (^٥).
وعلى قياس ما روى عن أبي يوسف له ذلك، دفعا لضرر الشركة (^٦).
ولو تمّ الحول، والبقر ستون، فحق الساعي في تبيعين (^٧)، يُمسك ذلك، ويتراجعان بالفضل، وليس للمالك خيار الاسترداد (^٨)؛ لما قلنا.
مصدِّق عدّ البقرَ بعد الحول، فقال: هي أربعون، فأخذ مُسنة، ثم عدّها ثانيا، فإذا هي تسعة وثلاثون، فإنه يردّ المسنة، ويأخذ التبيع، بخلاف ما تقدم؛ لأن ههنا دفع المسنة على ظنّ أن البقر أربعون، فإذا اتفقا على الغلَط، وانعدام (^٩) العدد، انعدم الرّضى، وفيما
_________________
(١) "من المعجل" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) "تَبيع"، وجمعه: أتبعة، ذو الحول من البقر، والأنثى: تبيعة، وجمعها: تباع، وهي التي طعنت في الثانية، وسمي تبيعا، لأنه يتبع أمه، انظر: "المصباح المنير" مادة: تبع، و"الهداية" ١/ ٩٩.
(٣) "نصاب" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) كذا في الأصل، وفي النسخ الأخرى: "وليس له أن يستردّ المُسنّة، ويؤدّي التبيع.
(٥) من قوله: "لأن قدر التبيع" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) "دفعا لضرر الشركة" ساقط من (ا) و(ب).
(٧) وفي (ا) و(ب): "تبيعتان"، وهو خطأ.
(٨) "وليس للمالك خيار الاسترداد" ساقط من (ا) و(ب).
(٩) وفي (ا) و(ب): "انعدم"، وما أثبت أصح.
[ ١ / ٢٧٠ ]
تقدّم دفَعَ على احتمال أن يصير زكاة، ولم يظهر أن الاحتمال لم يكن (^١).
فإن كان الساعي تصدّق بالمسنة، أو ضاعت، إن دفعَها المالك باختياره، لم يضمن، وإن أخذها الساعي كُرهًا، إن ظن أن البقر أربعون، فلا ضمان عليه؛ لأنه مُخطِئ في اجتهاده، فيما عمل لغيره، فكان ضمان خطأه على مَن وقع العمل له (^٢).
فإن وجد الفقيرَ المدفوع إليه، يضمنه ما زاد على قدر التبيع، وإن لم يجد الفقيرَ (^٣)، يؤخذ من المجموع في يده من أموال الزكاة، كالقاضي إذا أخطأ في قضائه بمال، أو نفسٍ، كان ضمان خطأه على من وقع القضاءَ له (^٤)، أو على بيت المال، كذلك هنا.
وإن كان الساعي (^٥) تعمّد الأخذ، فضمان الفضل في ماله؛ لأنه متعمد، كالقاضى إذا تعمّد الجَورَ، يضمن، كذا ههنا (^٦).
_________________
(١) انظر: "الفتاوى التاتارخانية " ٢/ ٢٦١.
(٢) وفي (ا) و(ب): "ضمانه على من عمل له".
(٣) "الفقير" ساقط من بقية النسخ.
(٤) القاضي إذا أخطأ في قضائه كان خطؤه على المقضيّ له، وإن تعمّد بجور، كان ذلك عليه، راجع في ذلك "مجمع الضمانات" لأبي محمد بن غانم البغدادي ص ٣٦٤، نقلا عن "فتاوى قاضي خان" من السير. ونقل ابن العلاء عن "الحجة": القاضي إذا أقر أنه قضى بغير حق، يضمن ماله، ويؤدّب ويعزل من القضاء. "الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ٢٦٢.
(٥) "الساعي" ساقط من (ج) و(د).
(٦) قوله: "يضمن، كذا ههنا" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٧١ ]
واستدلّ ﵀ برجل له أربعون مُسنة، فجاء (^١) الساعي بعد الحول، فقال صاحب البقر (^٢): قد كنت أمرت غلامى يبيع عشرة منها، فإن باع، فعليّ تبيع، وإن لم يبِع فعليّ مسنة، فأعطاه مسنة، ثم علم أن الغلام باع منها عشرة، أجزأه من المسنة قدر تبيع، ويسترد الفضلَ، وإن كان أداه تبيعا [ثم علم أن الغلام لم يبع منها شيئا] (^٣)، أعطاه الفضل، وإن أراد أحدهما أن ينقض الأداء، ويأخذ الواجب، لا يملك إلا بالتراضى، كذا ههنا.
ولو أمر رجلا أن يعتق عبده في كفّارة الظهار، أو اليمين، أو دفع مالا؛ ليكفِّر عنه، ثم كفَّر الآمر بنفسه (^٤)، أو ماتت امرأة المظاهَر منها، ثم كفّر المأمور، جاز، ولا يضمن المأمور، وينفذ إعتاقه (^٥)، وهذا عندهما علم بذلك، أو لم يعلم، وعلى قول أبي حنيفة: يضمن المأمور بالتصدق به (^٦)، ولا ينفذ إعتاقه، علم أو لم يعلم.
وعلى هذا الخلاف: المتفاوِضَان (^٧) أمر كل واحد منهما صاحبَه بأداء الزكاة عنه،
_________________
(١) "صاحب البقر" ساقط من (ا) و(ب).
(٢) وفي (ا) و(ب) فجائه.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وزيد من (ا) و(ب).
(٤) "بنفسه" ساقط من (ا) و(ب).
(٥) قوله: "المأمور وينفذ إعتاقه" ساقط من (ا) و(ب).
(٦) "به" ساقط من (ا) و(ب).
(٧) أي: الشريك في الشركة المفاوضة: وهي شركة متساويين، مالا وتصرفا ودَينا. "التعريفات" ص ٢٨٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وعن نفسه، فأدّى أحدهما، ثم أدّى الآخر (^١)، ضمن الثاني حصّة الأول عند أبي حنيفة ﵀، علم بذلك أو لا، وعندهما لا يضمن (^٢).
وإن أدّياه معًا ضمن كل واحد منهما نصيبَ صاحبه، وعندهما لا يضمن، وعن أبي حنيفة أنه فرق بين العلم وَالجَهل.
_________________
(١) وفي (ب): "الثاني" مكان "الآخر".
(٢) إذا أمر أحد الشريكين الآخر بأداء زكاة نصيبه؛ فأدّى المأمور بعد أداء صاحبه، ضمن عند أبي حنيفة؛ سواء علم به أو لم يعلم. انظر: "مجمع الضمانات" لأبي محمد بن غانم البغدادي ص ٧، باب مسائل الزكاة.
[ ١ / ٢٧٣ ]