بني الباب على أصل مختلَف (^٢): [وهو أن] (^٣) المال إذا اشتمل على النصاب والعَفو، وهلك منها شيء بعد الحَول، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله يُصرف الهلاك إلى العَفو (^٤)، فلا يسقط شيء من الواجب، ويكون الواجب (^٥) متعلقا بالنصاب لا غير.
وعند محمد وزفر رحمهما الله الواجب متعلق بالكلّ، والهَلاك مَصروف إلى الكل، فيسقط (^٦) حصّة الهالك من الواجب (^٧).
_________________
(١) "العِجَاف": جمع أعجف، وهو المهزول، من العَجَف: وهو ذهاب السِّمَن والهزال. "المصباح المنير" و"لسان العرب" مادة: عجف.
(٢) وفي (ج) و(د): "مختلف فيه".
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وزيد من النسخ الأخرى.
(٤) "العَفو": أي الفضل، وهو ما زاد على النصاب، وقال الحصكفي: "هو ما بين النصب في كل الأموال"، وذكر ابن عابدين أن الصاحبين خصّا العفوَ بالسوائم دون النقود، لأن ما زاد على مائتي درهم لا عفوَ فيه عندهما، بل يجب فيما زاد بحساب، أما عند أبي حنيفة فإن الزائد عليها عفو ما لم يبلغ أربعين درهما. "ردّ المحتار" ٢/ ٢٠.
(٥) وفي (ا) و(ب): "الوجوب".
(٦) وفي (الف): "وسقط".
(٧) "من الواجب" ساقط من (الف) و(ب).
[ ١ / ٢٨٦ ]
ومتى اشتمل على النّصُب، وهلك منها شيء بعد الحول، عند أبي حنيفة يُصرف الهلاك إلى النصاب الأخير (^١)، فإن فَضُل يُصرف إلى الذي يَليه، ثمّ وثمّ، حتى ينتهي إلى النصاب الأول (^٢)، ويجعل كأن الهالك لم يكن (^٣).
وعندهما (^٤) يصرف إلى الكلّ على الشيّوع.
وجه قول محمد وزفر: إن الأربعين، وما زاد عليه إلى أن يجب شاتان سبب واحد لوجوب شاة واحدة، إذ ليس البعض بأولى من البعض في جعله نصابًا (^٥)، ومعنى العَفو أن لا يجعل الزائد على الأربعين سببا آخر، لوجوب شاة أخرى.
هذا كالآية الواحدة مع ما زاد عليها، إن اقتصر على آية واحدة، كان جواز الصلاة
_________________
(١) كذا في الأصل و(الف)، وفي (ج) و(د): "الآخر"، وهو تصحيف.
(٢) اختار الحصكفي قول الإمام أبي حنيفة ﵀، انظر "ردّ المحتار" ٢/ ٢٠، و"تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٦٢٩.
(٣) قال الإمام السرخسي: الأصل عند أبي حنيفة ﵀ أن أول النصاب يجعل أصلا، وما بعده بناء وتبعا، فيجعل الهلاك فيما زاد على أول النصاب كأنه لم يكن في ملكه إلا أول النصاب، وعند أبي يوسف هو كذلك ما لم يأت نصاب آخر، فإذا أتى نصاب آخر فحينئذ يجعل آخر النصاب أصلا. "المبسوط" ٢/ ١٧٦.
(٤) أي عند الصاحبين، أبو يوسف ومحمد، لأن أبا يوسف مع محمد في المسألة الأخيرة، وهي إذا اشتمل المال على النصُب؛ ثم هلك منها شيء، كما سيأتي.
(٥) فإن الزكاة وجبت شكر النعمة المال الذي يتحقق به الغنى، والكل بعد وجود النصاب نعمة، فيكون الوجوب في الكل، فما هلك يهلك بزكاته، وما بقي يبقى بزكاته، كالمال المشترك. "المبسوط" ٢/ ١٧٦، "فتح القدير" ١/ ٥١١.
[ ١ / ٢٨٧ ]
متعلقا بها، وإن زاد عليها يكون الكلّ فرضا.
وكذا النصاب الثاني مع النصاب الأول، وإذا كان الكلّ سببا، كان الواجب (^١) متعلقًا بالكل، فإذا هلك البعض سَقط بقدره.
ولأبي حنيفة ﵀ أن النصاب أصل، والعَفو تَبع، لأن النصاب يوجد بدون العفو، والعفو على النصاب لا يوجد بدون النصاب.
وكذا النصاب الثاني تَبع للنصاب الأول؛ لأنه لا يوجد بدونه، وَصرف الهلاك إلى التبع أولى، كمَالِ المضاربة، إذا هلك منها شيء، يُصرف الهلاك إلى الرّبح (^٢).
وأبو يوسف يقول: فيما إذا كان مشتملا على النصاب والعفو، يُصرف الهلاك إلى العفو؛ لما فيه صيانة الواجب عن السّقوط، وفيما إذا (^٣) كان مشتملا على النصب، الكلّ سبب [واحد] (^٤) وليس في صرف الهلاك إلى البعض صيانة الواجب عن السقوط، فيُصرف إلى الكلّ.
_________________
(١) وفي النسخ الأخرى: "الوجوب".
(٢) وليعلم أن الخلاف بين الشيخين وبين محمد وزفر ﵏ في مسألة الباب مبنيّ على الخلاف بينهما في أن الزكاة تجب في النصاب، دون العفو عند الشيخين، وعند محمد وزفر تجب فيهما، ومسائل هذا الباب من ثمار هذا الخلاف، والمفتى به في المذهب قول الشيخين، وهو المختار في المتون، إلا أن كمال الدين بن الهمام أيّد قول الإمام محمد، وقال: "قول محمد أظهر من جهة الدليل"، راجع للتفصيل: "المبسوط" ٢/ ١٧٦، "فتح القدير" ١/ ٥١٢، "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٦٢٨، "ردّ المحتار" ٢/ ٢٠، "الفتاوى الهندية" ١/ ١٨٠.
(٣) "إذا" ساقط من (ج) و(د).
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وزيد من بقية النسخ.
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال [محمد ﵀] (^١):
رجل له أربعون شاة عِجافا، فإن كانت واحدة منهن تَعدل ثنية سمينة، يجب فيها ثنية وسط، وإن لم تكن، ففيها شاة من أفضلها، لأنه كان فيها شاة وسط، يجب ذلك، فعند عدمها قام الأفضل من النصاب مقام الوسط (^٢).
وكذلك إن كانت مائة وعشرين، فإن زادت واحدة، وفيها شاة (^٣) ثنية وسط، تجب الوسط (^٤) تلك، وأخرى من أفضل العجاف إلى مائتين، فإن زادت واحدة، ففيها هذه السّمينة، وعَجفاوَان من أفضَل البواقي.
فإن هلكت هذه السمينة، فعند أبي حنيفة جعلت كأن لم تكن (^٥)، وحال الحول على مائتي شاة، فيجب في المال عَجْفَاوان.
وأما (^٦) عندهما: بهلاك السمينة ذهب فضل السمن، وجعل كأن الكلّ كانت (^٧) عجافا، ووجب فيها ثلاث شياه عجاف، فيسقط ثلاثة أجزاء من ثلاث شياه، كل شاة مائتي جزء وجزء، ويبقى الباقي.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبت من بقيّة النسخ.
(٢) وفي (ج) و(د): "الأوسط"، وهو خطأ.
(٣) "شاة" ساقط من بقيّة النسخ.
(٤) "الوسط" ساقط من النسخ الأخرى.
(٥) وفي (الف) و(ب): "يجعل كأنها لم تكن".
(٦) "أما" ساقط من (الف) و(ب).
(٧) "كانت" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ولو هلك العجاف بعد الحول، وبقيت السمينة، عند أبي حنيفة ﵀ يجعل الهالك كأن لم يكن؛ لأن عنده يُصرف الهلاك إلى النصب الزائدة أوّلًا، ثم إلى النصاب الأوّل، فصار كأنّه حال الحول على الأربعين، ثم هلك الكلّ إلا السّمينة، فتبقى حصّتها، وذلك (^١) جزء من أربعين جزأ من شاةٍ وسط، ويسقط الباقي.
وعندهما تبقي حصتها من كل الواجب، وكل الواجب سمينة وعجفاوان، كل شاة مائتا جزء وجزء، وحصّتها جزء من السمينة، وجزءان من العَجْفَاوَينِ.
رجل له أربعون شاة، عشرون سِمان أو (^٢) أوسَاط، وعشرن عجاف، هلكت واحدة من السمان بعد الحول، بقي تسعة وَثلاثون جزأ من أربعين جزأ من شاة وسط، لأن فضل السمن فيما زاد على الواحدة عفو، فصار كأنّ الكلّ سمان، وهلكت واحدة.
وكذا لو هلك عشر من السِمان (^٣)، يبقى ثلاثة أرباع شاة وسط.
وعند محمد: إذا هلك عشرة من السّمان، كان في الباقي نصف شاة وسط، وُربع شاة عجفا؛ لأن الواجب شائع في المال، فكان نصف السمينة في عشر سمان، وعشر عجاف، وذلك النصف باقٍ، لم يتغيّر، فبقى الواجب فيه كما كان، والنصف الآخر في عشر سمان، وعشر عجاف، وذهب سمانه، وبقيت عجافه، وكان فضل السمن في عجاف هذا النصف بسبب سمان هذا النصف، فيبطل بهلاك السمان، فيبقى ربع شاة عجفا، كأنّ هذه العشرين كانت عجافا، والواجب فيها نصف شاة عجفا، فبهلاك العشرة سقط الربع، وبقي الربع.
_________________
(١) وفي النسخ الأخرى: "هو "مكان "ذلك".
(٢) وفي (الف): "أوساط" بدون أو، والأصح إثباته.
(٣) وفي (الف): "لو هلك من السمان عشر".
[ ١ / ٢٩٠ ]
وإن هلكت سمينة واحدة، يضمّ إلى ما بقي من السمان مثلها من العجاف، وذلك تسعة عشر، فيصير ثمانية وثلاثين، فيجب فيها ثمانية وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من سمينة، وفي العَجفاء الباقية جزء من أربعين جزأ من شاة عجفاء؛ لأن فضل السمن فيها، كان بسبب السمينة التي هلكت، فيبطل بهلاكها.
رجل له خمسون بنت مخاض عجفا إلا واحدةً سمينة، تَعدل خمسين درهما، وقيمة الباقي عشرة عشرة، وقيمة الحقة الوسط مائة، يجب فيها حقّة تساوي ستين درهما؛ لما ذكرنا.
فإن هلكت السمينة، جعلت (^١) كأنها لم تكن عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ ما زاد على ستّ وأربعين عَفو، وعندهما يُصرف الهلاك إلى العفو، فتجب في الباقي حصة بقدرها. (^٢) فيجعل في الباقي بقدرها.
وعند محمد في الباقي تسعة وأربعون جزأ من خمسين، من الحقة الواجبة بقدر النصاب، ويبطل فضل السمن بهلاك السمينة، وجعل كأن الكلّ كان عجافا، والواجب عند، شائع في الكلّ، فيسقط جزء من خمسين جزأ من الحقة المقدرة بالنصاب (^٣)؛ لِما مرّ.
وإن هلك الكلّ إلا السمينة، ففيها خمس شياه وسط عند أبي حنيفة؛ لأن عنده الهلاك يُصرف إلى النصب الزائدة، فيجعل كأنّ الحول حال على خمس من الإبل، ثم هلك، الكلّ إلا واحدة.
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي (ج) و(د): "تجعل".
(٢) جاء في (ج) و(د): فيجعل في الباقي بقدرها.
(٣) سقطت العبارة من قوله: "وجعل كأن الكل" من (ا) و(ب).
[ ١ / ٢٩١ ]
وعند أبي يوسف، يجب جزء من ستة وأربعين جزأ من الحقة التي كانت تساوي ستين؛ لأن ما زاد على ستة وأربعين عفو، فلا يعتبر (^١)، فصار كأنه حال الحول على ستة وأربعين.
وعند محمد، يجب (^٢) فيها جزء من خمسين جزأ من الحقة التي كانت تساوي ستين؛ لما ذكر (^٣).
- والله أعلم -
_________________
(١) "لا يعتبر" ساقط من (ا) و(ب)، وفي (ج) و(د): "لا يضر" وهو تصحيف.
(٢) "يجب" ساقط من (ا).
(٣) انظر "فتح القدير" فقد ذكر ابن الهمام مسائل هذا الباب مفصلا، ١/ ٥١٢ و٥١٣.
[ ١ / ٢٩٢ ]