بني الباب على أصل:
١ - وهو أن الانصراف في غير أوَانه مُفسِد للصلاة، وفي أوانِه لا (^٢)، لأن الانصراف مفسد بقضية الأصل، إلا أن الشرع جعله عفوًا، لمكان الضرورة، والضرورة (^٣) في أوانه، لا في غير أوانه (^٤)، وتَرْك الانصراف في أوانه غير مُفسِد، لأنَّهُ أخذٌ بالعزيمة.
٢ - وأوان انصراف الطائفة الأولى ما بعد الفَراغ عن الشطر الأول، وأوان انصراف الطائفة الثانية ما بعد الفراغ عن الشطر الثاني.
_________________
(١) تنوّعت عبارات الفقهاء في أن الخوف سبب لهذه الصلاة أو شرط لها، وخرج ابن عابدين بعد مناقشتها إلى أن الخوف سبب لهذه الصلاة، وحضور العدوّ شرط، كما في صلاة المسافر، فإن المشقة سبب لها، والسفر الشرعي شرط، وحينئذ فمن أراد بالخوف العدو، سمّاه شرطا، ومن أراد به حقيقته، سمّاه سببا، لكن لا يشترط تحقق الخوف في كل وقت، لأنَّهُ سبب المشروعية، وأقيم العدو مقامه، كما أقيم السفر مقام المشقة. "ردّ المحتار" ١/ ٥٦٨.
(٢) انظر: ابن الهمام في "فتح القدير"، فقد ذكر ما يقارب هذا الأصل. ١/ ٤٤٤، وجاء في "الفتاوى الهندية": "وأصله أن الانحراف في غير أوانه مفسد، وتركه في أوانه غير مفسد". ١/ ١٥٥.
(٣) كذا في الأصل و(أ)، وقوله: "والضرورة" ساقط من (ب) و(ج) و(د)، وثبوته أصح.
(٤) وعلّله الكاساني بأن الأصل: أن الإتيان بعمل كثير ليس من أعمال الصلاة فيها لأجل الضرورة، فيختصّ بمحل الضرورة. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٢١٥ ]
٣ - ومن أدرك الشطر الأول، فهو من الطائفة الأولى، ومن أدرك الشطر الثاني، فهو من الطائفة الثانية (^١).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
إمام صلّى المغرب بالطائفتين، فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالطائفة (^٢) الثانية ركعة (^٣)، لأن حق كل واحد من الطائفتين في أداء شطر واحد مع الإمام، وشطر المغرب ركعتان، بدليل أن القَعدة شُرعت على رأس الركعتين، والقعدة إنما شُرعت للفصل بين الشطرين، ولأن الطائفة الأولى، لهم حَظّ في الركعة الثانية، والركعة الواحدة (^٤) لا
_________________
(١) حكى ابن العلاء عن "الفتاوى العَتّابية" أن كل من أدرك شيئًا من الشفع الأول فهو من الطائفة الأولى، وكل من أدرك من الشفع الثاني فهو من الطائفة الثانية. "الفتاوي التاتارخانية" ٢/ ١٠٧، ومن دخل في قسم غيره، صار حكمه حكم ذلك الغير، إلا إذا دخل بعد ما فرغ من قسم نفسه. "الفتاوى الهندية" ١/ ١٥٥. وإن الفقيه ابن العلاء الأنصاري حكى مسائل هذا الباب في نوع خاص، محيلا إلى "الزيادات"، وافتتحه بتمهيد بيّن فيه هذه الأصول، والذي بلا حظ فيه أنه زاد أصلا آخر لا يخلو من فائدة، كما يتبيّن، فيقول: والأصل الثالث: أن المقتدي رأي الإمام لا رأي نفسه، إلا إذا تيقّن بخطأ الإمام، والمنفرد يتبع رأي نفسه، والمسبوق فيما يقضي منفرد، واللاحق كأنه خلف الإمام. "الفتاوي التاتارخانية" ٢/ ١١٣.
(٢) "الطائفة" ساقط من (ب) و(ج) و(د).
(٣) ثم الطائفة الأولى تصلي الركعة الثالثة بغير قراءة لأنهم لاحقون، والطائفة الثانية يصلون الركعتين الأوليين بالقراءة، ويقعدون بينهما، وبعدهما، كما يفعله المسبوق بركعتين في المغرب. "المبسوط" ٢/ ٤٨.
(٤) "الواحدة" ساقط من (أ).
[ ١ / ٢١٦ ]
تَتَجزَّأ، فإذا ثبت لهم النصف، ترجّحوا بالسّبق (^١).
فإن أخطأ الإمام، فصلّى بالطائفة الأولى ركعة فانصرفت، وبالثانية ركعتين فانصرفت، فسدت صلاة الطائفتين: لأن انصراف الطائفة الأولى حصل في غير أوانه لما قلنا، في كون مفسدًا (^٢)، وانصراف الطائفة الثانية كذلك، لأنهم من الطائفة الأولى، حيث أدركوا الشطر الأول، وما بعد الفراغ عن الشطر الثاني أوان عود الطائفة الأولى إلى الصلاة (^٣)، لا أوان انصرافهم، فتفسد صلاتهم (^٤).
ولو صلى بالطائفة الأولى ركعة، فانصرفت (^٥)، وصلى بالطائفة الثانية الركعة الثانية، فانصرفت، ثم عادت الطائفة الأولى، فصلى بهم الركعة الثالثة، فصلاة
_________________
(١) قال المرغيناني في تعليله: لأن تنصيف الركعة الواحدة غير ممكن، فجعْلها في الأولى أولى بحكم السبق. انظر: "فتح القدير" ١/ ٤٤٤. وهذا بخلاف رأي الإمام الثوري ﵀، حيث يقول: يصلي بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين، لأن فرض القراءة في الركعتين الأوليين، فينبغي أن يكون لكل طائفة في ذلك حظّ. "المبسوط" ٢/ ٤٨، وانظر "كتاب الأصل" ١/ ٣٩٣.
(٢) "فيكون مفسدا" ساقط من (أ).
(٣) "إلى الصلاة" ساقط من (أ).
(٤) ذكر ابن الهمام بعد أن حكى هذه المسألة ما قرره قاضي خان في أصل الباب، فقال: والأصل: أن الانصراف في أوان العَود مبطل، والعود في أوان الانصراف لا يبطل، لأنَّهُ مقبل، والأول معرض، فلا يعذر إلا في المنصوص عليه، وهو الانصراف في أوانه. "فتح القدير" ١/ ٤٤٤.
(٥) وفي بقيّة النسخ: "فانصرفوا".
[ ١ / ٢١٧ ]
[الطائفة] (^١) الأولى فاسدة) لأن انصرافهم قبل الفراغ عن الشطر الأول حصل (^٢) في غير أوانه لما قلنا، وصلاة الطائفة الثانية جائزة لأنهم من الطائفة الأولى حيث أدركوا شيئًا من الشطر الأول، فانصرافهم على رأس الركعتين حصل في أوانه، فلا يكون مفسدا (^٣).
وإذا جازت صلاتهم، عليهم قضاء ركعتين، ركعة بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون في هذه الركعة (^٤)، ثم بعد التشهد يقضون الركعة الأولى بقراءة، لأنهم مسبوقونَ في هذه الركعة.
فإن كانت الطائفة الأولى صلوا الركعة الثالثة مع الإمام بتحريمة جديدة، جازت صلاتهم؛ لأنهم صاروا (^٥) من الطائفة الثانية، لأن الشطر الأول قد فسد، فإنما أدّوا الشطر الثاني بتحريمة جديدة.
قال (^٦): ولو أن الإمام جعل الناس ثلاث طوائف، فصلى بكل طائفة ركعة، فانصرفت فصلاة الطائفة الأولى فاسدة، لما قلنا أن انصرافهم قبل الركعة الثانية حصل في غير أوانه (^٧)، وصلاة الطائفة الثانية جائزة؛ لأنهم من الطائفة الأولى، فانصرافهم بعد الفراغ من الشطر الأول حصل في أوانه، وصلاة الطائفة الثالثة جائزة، لأن ما بعد الفراغ
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من (أ) و(ب).
(٢) قوله: "قبل الفراغ عن الشطر الأول حصل" ساقط من (أ) و(ب).
(٣) كذا في "فتح القدير" ١/ ٤٤٤.
(٤) قوله: "هذه الركعة" ساقط من (أ) و(ب)، وكذلك سقط في السطر التالي.
(٥) "صاروا" ساقط من (أ) و(ب).
(٦) أي قال محمد ﵀، و"قال" ساقط من النسخ الأخرى.
(٧) قوله: "أن انصرافهم قبل الركعة الثانية حصل في غير أوانه" ساقط من (ب).
[ ١ / ٢١٨ ]
من الشطر الثاني أوان انصرافهم (^١).
وإذا جازت صلاة الطائفتين (^٢)، فالطائفة الثانية يقضون الركعةَ الثالثة أوّلًا بغير قراءة، ثم الركعة الأولى بقراءة، لأنهم مسبوقون في تلك الركعة، والطائفة الثالثة يقضون ركعتين بقراءة؛ لأنهم مسبوقون فيهما.
ولو كان الإمام مقيما، فصلي بهم الظهرَ أو العصرَ أو العشاءَ صلاة الخوف، فإنه يصلي بكل طائفة ركعتين (^٣)، لأن شطر الظهر ركعتان، ثم تَقضى كل طائفة ركعتين، الطائفة الأولى بغير قراءة، لأنهم لاحقون، والطائفة الثانية بقراءة، لأنهم مسبوقون (^٤) في القضاء (^٥).
وإن أخطأ [الإمام] (^٦) فصلى بالطائفة الأولى ركعة فانصرفت، وبالثانية ركعة فانصرفت، ثم عادت الطائفة الأولى، فصلى بهم الركعة الثالثة، فانصرفت، وعادت الطائفة الثانية، فصلى بهم الركعة الرابعة، فانصرفت، فصلاة الإمام تامّة، وصلاة القوم فاسدة (^٧).
_________________
(١) خرج ابن الهمام هذه المسألة في "فتح القدير" على الأصل السابق. ١/ ٤٤٤.
(٢) قوله: "وإذا جازت صلاة الطائفتين" ساقط من (أ) و(ب).
(٣) انظر هذه المسائل في "الفتاوى الهندية" نقلًا عن "الزيادات" ١/ ١٥٦.
(٤) وفي (أ): "لأنهم لاحقون". وما ثبت أصح.
(٥) "في القضاء" ساقط من (أ) و(ب).
(٦) ما بين المعكوفتين زيادة من (ب).
(٧) "فتح القدير" ١/ ٤٤٤.
[ ١ / ٢١٩ ]
أمّا الطائفة الأولى: فلأن انصرافهم على رأس الأولى (^١) في غير أوانه لما قلنا، و[أما] (^٢) الطائفة الثانية فلأن انصرافهم على رأس الرابعة (^٣) بعد سلام الإمام (^٤) حصل في غير أوانه أيضًا، لأنهم من الطائفة الأولى.
وهذا أوان عودهم إلى الصلاة، لا أوان انصرافهم (^٥)، حتَّى لو لم ينصرفوا في هذه الحالة، لم تفسد صلاتهم؛ لأن انصرافهم على رأس الثانية حصل (^٦) في أوانه، لأنهم من الطائفة الأولى، وعودهم إلى الصلاة (^٧) بعد الثالثة وإن كان في غير أوانه، لكن الإقبال إلى الصّلاة لا يُفسد الصلاة بكل حال (^٨).
وإذا جازت صلاتهم في هذه الصورة يقضون ركعتين، الركعة الثالثة بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون فيها، ثم الركعة الأولى بقراءة، لأنهم مسبوقون فيها.
وإن صلّى بالطائفة الأولى ركعة، فانصرفت، وبالطائفة الثانية ثلاث ركعات،
_________________
(١) وفي (أ) و(ب): "فلان انصرافهم بعد الركعة الأولى".
(٢) ما بين المعكوفتين أثبت من (أ) و(ب)، وفي الأصل: "وصلاة الطائفة الثانية".
(٣) وفي (أ) و(ب): بعد الرابعة.
(٤) "بعد سلام الإمام" ساقط من (أ) و(ب).
(٥) قوله: "إلى الصلاة، لا أوان انصرافهم" ساقط من (أ) و(ب).
(٦) "حصل" ساقط من (أ) و(ب).
(٧) "إلى الصلاة" ساقط من بقيّة النسخ.
(٨) وهذا كما سبق تعليقان ابن الهمام بأن الانصراف في أوان العَود مبطل، والعود في أوان الانصراف لا يبطل، لأنَّهُ مُقْبل، والأول معرض، فلا يعذر إلا في المنصوص عليه.
[ ١ / ٢٢٠ ]
وسلّم الإمام (^١)، فانصرفت الطائفة الثانية، فسدت صلاة الطائفتين؛ لأن انصراف الأولى على رأس الركعة الأولى، وانصراف الثانية على رأس الرابعة في غير أوانه (^٢)، لما قلنا.
وإن جعلهم (^٣) أربع طوائف، وصلى بكل طائفة ركعة، فصلاة الأولى والثالثة فاسدة، وصلاة الثانية والرابعة جائزة (^٤).
أما الأولى: فلما ذكرنا، وأما الثالثة: فلأنهم من الطائفة الثانية، فانصرافهم قبل الفراغ عن الشطر الثَّاني حصل في غير أوانه، وصلاة الطائفة الثانية جائزة، لأنهم من الطائفة الأولى، والانصراف على رأس الثانية (^٥) انصراف في أوانه، وأما صلاة الطائفة الرابعة، فلأنهم من الطائفة الثانية، وما بعد سلام الإمام أوان انصرافهم، فلا يكون مفسدا.
وإذا جازت صلاة الطائفتين، فالطائفة الثانية يقضون الركعة الثالثة والرابعة أولًا بغير قراءة، ثم الركعة الأولى بقراءة، والطائفة الرابعة يقضون ركعتين بقراءة الفاتحة والسورة، وفي الثالثة إن شاءوا قرأوا الفاتحة، وإن شاءوا سبّحوا، وإن شاءوا سكتوا (^٦)، ويقعدون بين (^٧) الركعة الأولى والثانية، [كما] هو (^٨) حكم المسبوق بثلاث ركعات.
_________________
(١) زاد هنا في (أ): "لأنهم مسبوقون فيها الإمام".
(٢) وجاء في (أ) و(ب): "فسدت صلاة الطائفتين، للانصراف في غير أوانه".
(٣) وزاد في (ب) "الإمام".
(٤) كذا في "الفتاوى الهندية" ١/ ١٥٥.
(٥) وفي (ب): "على رأس الركعتين".
(٦) قوله: "وإن شاءوا سكتوا" ساقط من (ج) و(د).
(٧) وفي (أ) و(ب): "بعد الركعة" وما ثبت أصح.
(٨) ما بين المعكوفتين أثبت من (أ) و(ب)، وفي الأصل و(ج) و(د): "هذا هو حكم".
[ ١ / ٢٢١ ]
وإن صلى بالطائفة الأولى ركعتين، فانصرفوا، وبقي رجل لم ينصرف، حتى صلي مع الإمام الركعة (^١) الثالثةَ والرابعةَ، ثم انصرف قبل القعود، لا تفسد صلاته، ويكون مُسيئا (^٢)، لأنَّهُ من الطائفة الأولى، وما بعد الفراغ عن الشطر الأول إلى أن يفرغ الإمام من الشطر الثاني أوان انصرافهم، ويعود إلى الصلاة مع الطائفة الأولى لإتمام صلاته (^٣).
وليس هذا كالمصلي إذا سبَقَه الحدث، فلم ينصرف، حتَّى تمكّن من أداء الركن، فسدت صلاته لوجود المنافي، وأما ههنا لم يوجد المنافي، بل تحرّز عن فوات الصلاة.
ولو أن هذا الرجل (^٤) تشهّد مع الإمام، ثم انصرف قبل السلام، فصلاته تامّة أيضًا، لا لأن هذا انصراف في أوانه، فإنّ هذا أوان عوده إلى الصلاة (^٥)، لكن لأن هذا انصراف بعد انتهاء الأركان، ولا تفسد الصلاة (^٦) حتَّى لو كان عليه شيء من الأركان، بأن كان مسبوقا بركعة، فسدت صلاته.
وإن صلى بالطائفة الأولى ركعتين، فانصرفت الطائفة الأولى (^٧)، ونام منهم رجل، فلمّا صلى الإمام الشطرَ الثاني، انتبه هذا الرجل وانصرف، فسدت صلاته لما قلنا.
_________________
(١) "الركعة ساقط من النسخ الأخرى.
(٢) راجع لتفصيل هذه المسائل. "الفتاوى الهندية" فقد حكاها نقلًا عن"الزيادات" ١/ ١٥٦.
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي الأصل: "لإتمام الصلاة".
(٤) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "ولو أنه".
(٥) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "فإنه أوان عوده".
(٦) "الصلاة" ساقط من النسخ الأخرى.
(٧) "الطائفة الأولى" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٢٢ ]
هذا الذي ذكرنا إذا صلى صلاة الخوف عند حَضرة العدوّ وتحقق الخوف (^١)، فإن كان قبل حضرة العدوّ، فخاف الإمام، ليس له أن يصلي صلاة الخوف، لأن الشرع إنما ورد بصلاة الخوف بخلاف القياس، عند تحقق الخوف (^٢) وحضرة العدو، فعند عدمه يبقى على الأصل، كمن انصرف على خوف سَبق الحدث، لا يَبني.
فلو أن الإمام افتتح الصلاة بهم جميعًا، فلما صلى ركعة وهو مسافر، أو ركعتين وهو مقيم، حضَر العدوّ، فانصرفت منهم طائفة إلى العدوّ، وصلى بمن بقي بقيةَ الصلاة، لم تفسد صلاتهم؛ لأن هذا انصراف في أوانه عند تحقّق العدو، لأن الشَّرط تحقق العدو (^٣) عند الانصراف، لا وقت الافتتاح.
_________________
(١) سقط "صلاة الخوف" و"تحقق الخوف" في هذا السطر من النسخ الأخرى، وثبوته أولى.
(٢) قوله: "تحقق الخوف" خرج مخرج البيان، دون القيد، فإن حضرة العدو مَظنة تحقق الخوف، وقد سبق تعليقا بأن الخوف سبب لهذه الصلاة، وحضور العدو شرط، كما حقّقه ابن الهمام، والبابرتي، وابن عابدين، قال ابن الهمام: اشتداد الخوف ليس بشرط، بل الشَّرط حضور عدو. "فتح القدير" ١/ ٤٤١، ونقل ابن عابدين عن مبسوط شيخ الإسلام الاسبيجابي السمرقندي أن المراد بالخوف حَضرة العدو، لا حقيقة الخوف، لأن حَضرة العدو أقيمت مقام الخوف على ما عُرف من أصلنا من تعليق الرخص بنفس السفر. "ردّ المحتار" ١/ ٥٦٨. تبيّن بهذا أنه يشترط لجواز صلاة الخوف حضور العدو، ولا يشترط تحقق الخوف، وقد أومأ إليه قاضي خان في الصفحة التالية، وتتفرّع على هذا عديد من المسائل التي أوردها الإمام الشيباني هنا، وشيخ الإسلام السُغدي صرّح به بوضوح تام، فقال: صلاة الخوف على وجهين: أحدها: بمعاينة العدو، وهي جائزة بلا خوف، والثانية: بغير معاينة العدو إلا أن يكون الخوف ثابتا، وهي غير جائزة عند الفقهاء. "النتف في الفتاوي" ١/ ٨١، "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
(٣) وفي (أ): "العذر".
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكذلك لو انصرفوا بعد ما صلى ثلاث ركعات، لما ذكرنا أن ما بعدَ الفراغ عن الشطر الأول إلى أن يفرغ من الشطر الثاني أوان انصراف الطائفة الأولى.
ولو كان انصرافهم قبل الفراغ من الشطر الأول، فسدت صلاتهم، لأن هذا انصراف (^١) في غير أوانه.
ولو خاف الإمام، فصلى بطائفة، ووقفت طائفة، ثم إن الطائفة الواقفة صلوا بإمام آخر، جاز، وكذلك عند حضرة العدوّ.
ولو جعل الناس طائفتين، فصلى بطائفة، ووقفت طائفة بإزاء العدوّ، ثم إن الطائفة الواقفة صلّوا بإمام آخر جاز (^٢)، وهذا أولى (^٣)، لأن المَصير إلى صلاة الخوف، إنما كان لوقوع المنازعة في الاقتداء بإمام واحد، أما عند (^٤) عدم المنازعة فلا ضرورة (^٥).
_________________
(١) قوله: "لأن هذا انصراف" ساقط من النسخ الأخرى.
(٢) من قوله: كذلك عند حضرة العدو إلى قوله: صلوا بإمام آخر جاز، ساقط من (ب).
(٣) صلاة الخوف على الوجه المخصوص إنما يحتاج إليها إذا تنازع القوم في الصلاة خلف الإمام، فقال كل طائفة منهم: نحن نصلي معك، وأما إذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلي الإمام بطائفة تمام الصلاة، ويرسلهم إلى وجه العدو، ويأمر رجلا من الطائفة التي كانت بإزاء العدو أن يصلي بهم تمام صلاتهم أيضًا، وتقوم التي صلّت مع الإمام بإزاء العدو. انظر: "العناية" و"فتح القدير" ١/ ٤٤١، وقال الحصكفي: "هذا إن تنازعوا في الصلاة خلف واحد، وإلا فالأفضل أن يصلي بكل طائفة إمام"، وذكر ابن عابدين وجهًا آخر، نقلًا عن "الجَوهرة" بقوله: وكذا لو كان الوقت قد ضاق عن صلاة إمامين. "ردّ المحتار" ١/ ٥٦٩، وانظر "الفتاوى الهندية" ١/ ١٥٤.
(٤) وفي (ب): "إذا عدم".
(٥) فإن الغاية من تشريع صلاة الخوف هو حرص الإسلام على أداء الصلاة جماعة، وحصول فضيلة الجماعة، حتَّى في أشدّ أوقات المحن والمخاطر، فإذا صلي كل طائفة بإمام مستقل تمام الصلاة، فهذا يُحقّق جميع المصالح المعتبرة، مع التجنّب عما ينافي طبيعة الصلاة من المجيئ والذهاب والاستدبار عن جهة القبلة، وغيرها من العمل الكثير، فلا ضرورة، لأن الضرورة تتقدّر بقدرها.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولو افتتح صلاة الخوف (^١) عند حضرة العدوّ، فلما صلى شطر الصلاة بطائفة (^٢) ذهب العدوّ، فانصرفت هذه الطائفة، وأقبلت الطائفة الواقفة، فسدت صلاة (^٣) من انصرف، لأنَّهُ انصراف بعد زوال العذر (^٤)، والانصراف من غير عذر مُفسِد للصلاة (^٥).
وإن رأوا سَوادًا، فظنّوه عدوًّا، فانصرفت طائفة في أوانه، ثم ظهر أنه لم يكن عدوا، القياس أن تفسد؛ لوجود الانصراف من غير عذر (^٦)، وفي الاستحسان: ما داموا
_________________
(١) في بقيّة النسخ: "الصلاة" مكان "صلاة الخوف".
(٢) زاد في (أ) و(ب): "الطائفة".
(٣) ذكر ابن البلاء في "الفتاوي التاتارخانية": لو حصل الأمن في وسط الصلاة بأن ذهب العدو، لا يجوز أن يتمّوا صلاة الخوف، ولكن يصلون صلاة الأمن ما بقي من صلاتهم، ومن حوّل منهم وَجهه عن القبلة بعد ما انصرف العدو فسدت صلاته، ومن حوّل منهم وجهه قبل انصراف العدو لأجل الصلاة، ثم ذهب العدو، بني على صلاته. ٢/ ١١١، وكذلك في "الفتاوي الهندية" عن "التاتارخانية" ١/ ١٥٦.
(٤) كذا في الأصل و(أ) و(ب) وفي (ج) و(د): "العدو" بدل "العذر"، وما ثبت أصح.
(٥) "للصلاة" ساقط من النسخ الأخرى.
(٦) هذا متفرّع على ما سبق بيانه بأن حضور العدو أو معاينته من شروط جواز صلاة الخوف، وأطلق الإمام السرخسي والكاساني بعدم جواز الصلاة في هذه الصورة، يقول السرخسي: ولو =
[ ١ / ٢٢٥ ]
في مكان الصلاة لا تفسد؛ لأن هذا الانصراف بتأويل العذر، لا على قصد الرفض، فلا يكون مفسدا.
كمن ظن أنه أحدث، فانصرف، ثم علم أنه لم يحدث، وثمّة يتوقّف الفساد على الخروج من المسجد، أو مجاوزة الصفوف (^١)، كذلك ههنا.
فإن كان هذا الانصراف في غير أوانه (^٢)، فسدت صلاتهم، خرجوا من المسجد أولًا (^٣)، لأن الانصراف في غير أوانه مفسِد عند العدو (^٤)، فعند عدمه أولى (^٥).
_________________
(١) = رأوا سوادا فظنوا أنه العدو، فصلوا صلاة الخوف، فإن تبين أنه سواد العدو، فقد ظهر أن سبب الترخص كان مقررا فتجزئهم، وإن ظهر أن السواد سَواد إبل أو بقر أو غنم، فقد ظهر أن السبب لم يكن متقررا فلا تجزئهم. "المبسوط" ٢/ ٤٩، وقال الكاساني: إن شرط الجواز، الخوف من العدو، قال الله تعالى: "إن خِفتُم أن يَفتِنكمُ الذين كَفَروا" ولم يوجد الشَّرط، إلا أن صلاة الإمام مقضية بالجواز لانعدام الذهاب والمجيئ منه، بخلاف القوم، فلا يتحمل ذلك إلا لضرورة الخوف من العدو، ولم تتحقق. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥، وانظر "كتاب الأصل" ١/ ٤٠٢، و"الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ١١٢.
(٢) ذكر ابن الهمام ما يؤيّد كلام قاضي خان: فلو رأوا سَوادا ظنوه عدوا صلوها، فإن تبين كما ظنوا جازت، لتبين سبب الرخصة، وإن ظهر خلافه لم تجز، إلا أن ظهر بعد أن انصرفت الطائفة من نَوبتها في الصلاة قبل أن تتجاوز الصفوف، فإن لهم أن يبنوا استحسانا، كمن انصرف على ظن الحدث، يتوقف الفساد إذا ظهر أنه لم يحدث على مجاوَزَة الصفوف. "فتح القدير" ١/ ٤٤١.
(٣) زاد في الأصل هنا عبارة: "فإن كان قبل الفراغ من الشطر الأول"، ولا توجد في النسخ الأخرى، ولعل سقوطه هو الصواب.
(٤) وفي (أ) و(ب): أم لا.
(٥) قوله: "عند العدو" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أصح.
(٦) قوله: "لأن الانصراف في غير أوانه مفسد فعند عدمه أولى" ساقط من (أ) و(ب). وانظر المسألة في "كتاب الأصل" ١/ ٤٠٢.
[ ١ / ٢٢٦ ]
ولو صلى صلاة العيد بطائفتين يجوز؛ لوجود العلة، بل أولى؛ لأنّها لا تؤدّى إلا بجماعة وسلطان.
وكذلك الجمعة (^١) إلا أنه لا تجوز إقامتها إلا في مصر (^٢)، أو في فناء المصر (^٣)
_________________
(١) انظر: "فتح القدير" ١/ ٤٤١، و"الفتاوى الهندية" ١/ ١٥٦، و"الفتاوى التاتارخانية" ٢/ ١١٤.
(٢) "المصر الجامع" شرط وجوب الجمعة، وشرط صحة أدائها عند الحنفية، واختلفت الأقاويل عنهم في تحديده، فذكر الكرخي أن المصر الجامع: ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، وعن الإمام أبي يوسف: كل مصر فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر جامع، وهذا هو المشهور في المذهب، واختاره المرغيناني، قال ابن عابدين: والحد الصحيح ما اختاره صاحب الهداية أنه الذي له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، لكن المفتى به عند أكثر الحنفية أن "المصر": هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة، كما صرّح به الحصكفي، انظر: "بدائع الصنائع" ١/ ٢٥٩، "فتح القدير" ١/ ٤٠٩، "الدر المختار" و"ردّ المحتار" ١/ ٥٣٦.
(٣) تعريف "الفناء" كما استنبطه البابرتي من كلام صاحب الهداية: هو ما أعدّ لحوائج أهل المصر، وفناء الدار وفناء كل شيء كذلك. "العناية" ١/ ٤١٠، وقدّره الحصكفي في المختار للفتوى بفرسخ (٥٥٤٤ متر) وأجاد ابن عابدين في التعليق عليه فقال: إن بعض المحققين من أهل الترجيح أطلق الفناءَ عن تقديره بمسافة، وجملة أقوالهم في تقديره ثمانية أقوال، والتعريف أحسن من التحديد، لأنَّهُ لا يوجد ذلك في كل مصر، وإنما هو بحسب كِبر المصر وصغره، =
[ ١ / ٢٢٧ ]
متصلا به، لما عُرف في الأصل.
فإذا كبّر للافتتاح، وأتى بالثناء، يتعوذ، ثم يأتي بتكبيرات العيد عند أبي يوسف، وعند محمد يؤخر؛ لأن عنده التعوذ لأجل القراءة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (^١) فيكون مؤخرًا (^٢) عن التكبير، متصلا بالقراءة كالتسمية.
وعند أبي يوسف: التعوذ لصيانة الصلاة عن الوسوسة، وهو مأمور به، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (^٣) والمسألة مذكورة في "الأصل" (^٤) بتمامها (^٥).
_________________
(١) = فالقول بالتحديد بمسافة يخالف التعريف المتفق، بأنه: المعَدّ لمصالح المصر، فقد نصّ الأئمة على أن الفناءَ ما أعدّ لدفن الموتى وحوائج المصر، كركض الخيل والدواب وجمع العساكر والخروج للرمي. "ردّ المحتار" ١/ ٥٣٧.
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٨.
(٣) وفي (ج) و(د): "متأخرا".
(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٩٧.
(٥) لم أجد المسألة في "كتاب الأصل" المطبوع منه، نعم ذكرها السرخسي في "المبسوط" ٢/ ٤٢، وهذا الخلاف مبنيّ على أن التعوّذ سنة الافتتاح أو سنة القراءة، فعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله التعوذ سنة القراءة، وعند أبي يوسف التعوذ سنة الافتتاح، يتفرع على هذا ثلاث مسائل، إحداها ما ذكره قاضي خان، والثانية والثالثة: ما ذكرها في الفقرتين التاليتين، راجع للتفصيل "بدائع الصنائع" ١/ ٢٠٢ و٢٧٧.
(٦) "بتمامها" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وعلى هذا المسبوق لا يتعوّذ حتَّى يقوم إلى قضاء ما سبق عند محمد (^١).
والمقتدي لا يأتي بالتعوّذ عنده (^٢)، خلافًا لأبي يوسف، وقيل: قول أبي يوسف في هاتين المسألتين كقول محمد رحمهما الله.
ثم الإمام إن كان على مذهب ابن عباس (^٣) ﵄، يُكبّر خمسًا في كل ركعة، ويقدّم التكبير على القراءة في كل ركعة، ويُتابعه الطائفة الأولى والثانية في ذلك، لأن المقتدى يتابع رأي الإمام، فإذا فرغ الإمام، تصلى الطائفة الأولى الركعةَ الثانية برأي الإمام، لأنهم لاحقون فيها، ثمّ الطائفة الثانية تصلي الركعة الأولى بقراءة، ويكبّرون فيها برأي أنفسهم، لأن المسبوق فيما يقضي، يعمل برأي نفسه.
فإن كان رأيهم رأي ابن عباس ﵄، كبّروا خمسًا، ثم قرأوا، وإن كان رأيه رأي ابن مسعود (^٤) ﵁، يقرأ ثم يكبّر، كذا ذكر ههنا، وفي عامة
_________________
(١) أي المسبوق إذا شرع في صلاة الإمام، وسبّح، لا يتعوذ في الحال، وإنما يتعوذ إذا قام إلى قضاء ما سبق به، لأن ذلك وقت القراءة. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٠٣.
(٢) لأنَّهُ لا قراءة عليه، وعند أبي يوسف يتعوذ، لأنَّهُ يأتي بالثناء، فيأتي بما هو تبع له. المصدر السابق.
(٣) هو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، ﵁، ابن عم النَّبِيّ - ﷺ -، عرف بذكائه ووفرة علمه وفقهه، ولقّب بحبر الأمة، وكان النَّبِيّ - ﷺ - دعا له فقال: "اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل"، توفي في سنة ٦٨ هـ. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" ١/ ٧٥، "طبقات الفقهاء"، للشيرازي ص ٤٨.
(٤) أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود الهذلي، ﵁، أسلم قدما، وهاجَر الهجرتين، وشهد بدرا والغزوات بعدها ولازم النَّبِيّ - ﷺ - وكان صاحب نعليه، وحدّث عن النَّبِيّ - ﷺ - بالكثير.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الروايات، وذكر في بعض النوادر أنه يكبّر، ثم يقرأ (^١).
قيل: ما ذكر في عامة الروايات قول محمد ﵀، وما ذكر في "النوادر" قولهما، بناءً على أنّ المسبوق عندهما يقضى أوّل الصلاة أولًا (^٢)، وعند محمد آخر الصلاة.
ومن (^٣) عجَز (^٤) عن النزول لخوف (^٥)، يصلي على الدابّة وحدانًا (^٦)، يُومِئون
_________________
(١) = قال الشعبي ما كان من أصحاب النَّبِيّ - ﷺ - أفقه صاحبا من عبد الله بن مسعود، مات بالمدينة سنة ٣٢ هـ. ترجمته في: أسد الغابة ت/ ٣١٨٢ الاستيعاب ت / ١٦٧٧ الإصابة ت / ٤٩٧٠ السقات ت ٣/ ٢٠٨ طبقات الشيرازي ت سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٣.
(٢) جاء في "الفتاوى التاتارخانية": وجاءت الطائفة الثانية يقضون الركعة الأولى بقراءة، لأنهم مسبوقون فيها، ويبدؤون بالقراءة ثم بالتكبير في روايات الزيادات، والجامع، والسير الكبير، وإحدى روايتي النوادر، وهو الاستحسان، وفي إحدى روايتي النوادر: يبدؤون بالتكبير، وهو القياس. ٢/ ١١٥. ويرجع لتفصيل ذلك "المبسوط" ٢/ ٤٠ و١٢٣.
(٣) "أولًا" ساقط من (أ) و(ب).
(٤) وفي (أ) "متى" بدل "من".
(٥) وفي (أ): "ومن عَجزوا عن النزول لخوف، يصلون".
(٦) بأن لا يدَعهم العدو أن يصلوا نازلين بل يهاجمونهم، ولذا قيّده في "البدائع" و"الهداية" باشتداد الخوف، وعلّق البابرتي عليه بقوله: فيه إشارة إلى أن اشتداد الخوف شرط جواز الصلاة ركبانا فرادى مومئين، لا شرط جواز صلاة الخوف، حتَّى لو ركب في غير حالة الاشتداد بطلت صلاته، لأنَّهُ عمل كثير لم يرد فيه نص، بخلاف المشي والذهاب فإنه ورد فيه النص. "العناية" ١/ ٤٤٥، "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
(٧) امتثالا لقوله تعالى: "فإن خِفتُم فَرِجَالا أو رُكبانا فإذا أمِنتُم فاذكروا الله كما عَلّمكم" سورة =
[ ١ / ٢٣٠ ]
إيماءً، وهذا في خارج المصر، لأن التطوع على الدابة في خارج المصر حالة الاختبار جائز، فكذلك الفرض عند الضرورة، أمّا في المصر: لا يجوز التطوّع على الدابة حالة الاختيار في قول أبي حنيفة (^١)، فكذلك الفرض عند الضرورة (^٢).
فإن صلوا على الدوابّ بجماعة، جازت صلاة الإمام، ومن كان معه على دابته (^٣)، ولا تجوز صلاة غيره إلا رواية عن محمد ﵀ (^٤).
وجه ظاهر الرواية (^٥) أن اختلاف المكان يمنع الاقتداء، وقد اختَلَف؛ لأن مكان كل واحد ظَهر دابته، وظَهر الدابتين مختلف، ولأن بين كلّ دابتين طائفة من الطريق، والطريق العام يمنع الاقتداء.
وجه رواية محمد: أن الانصراف عن القبلة لما جعل عفوًا المكان الضرورة، فكذلك الطريق (^٦).
_________________
(١) = البقرة، الآية: ٢٣٩.
(٢) "كتاب الأصل" ١/ ٣٩٨.
(٣) انظر "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٢٣٣.
(٤) إذا كان الرجل مع الإمام على دابة واحدة، يصح اقتداؤه به، لأنَّهُ ليس بينهما مانع. "المبسوط" ٢/ ٤٨. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥، "الفتاوى الهندية" ١/ ١٥٦.
(٥) روي عن الإمام محمد أنه جوّز لهم في الخوف أن يصلوا ركبانا بجماعة، وقال استحسن ذلك، لينالوا فضيلة الصلاة بالجماعة، وقد جوّزنا لهم ما هو أعظم من ذلك، وهو الذهاب والمجيئ والانحراف عن القبلة لإحراز فضيلة الجماعة. "المبسوط" ٢/ ٤٨، "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
(٦) انظر "كتاب الأصل" ١/ ٣٩٩.
(٧) قال المرغيناني عن قول محمد: ليس بصحيح، لانعدام الاتحاد في المكان. وأجاب السرخسي =
[ ١ / ٢٣١ ]
ويصلي على الدابّة حيث ما توجّهت به (^١) دابته كما في التطوّع حالة الاختيار (^٢).
ولا يصلي وهو يمشي، أو يَسبَح، أو يقاتل، وإنما يصلي عند الكفّ عن هذه الأفعال (^٣)، لأن المشي والسّباحة والقتال بالمسايَعَة (^٤) عَمَلٌ كثير، لا تجوز الصلاة معها (^٥).
_________________
(١) = عما استدل به بقوله: ما أثبتناه من الرخصة، أثبتناه بالنص، ولا مدخل للرأي في إثبات الرخص. "المبسوط" ٢/ ٤٨، وانظر "فتح القدير" ١/ ٢٤٥، "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٢٣٣.
(٢) "به" ساقط من (أ) و(ب).
(٣) يلاحظ على هذه العبارة أنها توهم تساوي الحكم في مسألتين؛ أي صلاة الفريضة على الدابّة بسبب الخوف، وصلاة التطوع عليها حالة الاختبار، لكن ليس الأمر كذلك، لأنَّهُ يجب في صلاة الفريضة على الدابة التوجّه إلى القبلة إذا ندر عليه، نصّ عليه في "الهداية" فقال: فإن اشتدّ الخوف صلوا ركبانا فرادى يؤمنون بالركوع والسجود إلى أيّ جهة شاؤا، إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة. ١/ ٨٩، كما صرّح به الكاساني بقوله: ثم إن قدروا على استقبال القبلة، يلزمهم الاستقبال، وإلا فلا، بخلاف التطوع إذا صلاها على الدابة، حيث لا يلزمه الاستقبال وإن قدر عليه، لأن حالة الفرض أضيق، ألا ترى أنه يجوز الإيماء في التطوع مع القدرة على النزول، ولا يجوز ذلك في الفرض. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
(٤) كذا في الأصل، وسقطت العبارة: "وإنما يصلي عند الكفّ عن هذه الأفعال" من بقيّة النسخ، وثبوته أولى.
(٥) قال الزيلعي: ولو قاتلهم بعمل قليل كالرمية، لا تفسد صلاته. "تبيين الحقائق" ١/ ٢٣٣.
(٦) لأن إدخال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة فيها مفسد في الأصل، فلا يترك هذا الأصل إلا في مورد النص. انظر: "فتح القدير" ١/ ٤٤٤، "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥، "تبيين الحقائق" =
[ ١ / ٢٣٢ ]
فإن كانوا رجالة، فلما صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعتين، ركبت الطائفة الأولى (^١) دوابّهم، وانصرفوا، ووقَّفوا بإزاء العدو (^٢)، فسدت صلاتهم، بخلاف ما إذا مشوا إلى العدو (^٣)، لأن الشرع [قد] (^٤) ورد بالمشي دون الركوب (^٥).
_________________
(١) = للزيلعي ١/ ٢٣٣.
(٢) "الطائفة الأولى" ساقط من النسخ الأخرى.
(٣) قوله: "ووقفوا بإزاء العدو" ساقط من (أ).
(٤) "بخلاف ما إذا مشوا إلى العدو" ساقط من (أ) و(ب).
(٥) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخ الأخرى.
(٦) ذكر الكاساني من شرائط الجواز: أن ينصرف ماشيا، ولا يركب عند انصرافه إلى وجه العدو، سواء كان انصرافه من القبلة إلى العدو، أو من العدو إلى القبلة، لأن الركوب عمل كثير، وهو مما لا يحتاج إليه، بخلاف المشي، فإنه أمر لابدّ منه حتَّى يصطفوا بإزاء العدو، وكذا أخذ السلاح أمر لابدّ منه لإرهاب العدو، والاستعداد للدفع،، ولأنهم لو غفلوا عن أسلحتهم يميلون عليهم ميلة، والأصل: أن الإتيان بعمل كثير ليس من أعمال الصلاة فيها لأجل الضرورة، فيختص بمحل الضرورة. "بدائع الصنائع" ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٢٣٣ ]