الأصل فيه: أن جواز الفِدية عُرف نصا، بخلاف القياس، لأن إقامة الإطعام مقام الصيام، أمرٌ لا يَهتدي إليه العقل، لانعدام الموافقة بينهما في المعنى، فإن معنى العبادة في الصوم: الكَفّ عن قضاء الشهوة، معنى العبادة في الطعام: سدّ خَلّة المحتاج، ولا موافقة بينهما.
وإنما عُرف نصا، وهو قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ (^١) جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسيره: وعلى الذين يُطَوَّقُونه، فَلا يُطيقَونه (^٢)، يعنى يكلّفون به، فلا يَقِدرون عليه (^٣).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.
(٢) وردت العبارة في ب كالتالي: وعن ابن عباس: و"على الذين يطيقونه فدية فلا يطوقونه أي يكلفون به".
(٣) أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه كان يقرأ: (وعلى الذين يطوقونه) مشددة، قال: يكلّفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا. صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله أياما معدودات، ٤/ ١٦٣٨ رقم الحديث ٤٥٠٥. وقد اختلف القراء حول هذه القراءة، يقول صاحب النشر: "إن هذه القِراءة ليست من القراءات المعتبرة، حيث خالفت الرسم العثماني. وليست من القراءات العشر" (النشر: ٢/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
والنص إنما ورد بجواز الفدية بدلًا عن صوم، هو أصل بنفسه (^١)، وهو صوم رمَضان عند وقوع اليأس عنه، فما كان في معناه يكون ملحقا به، وما لا فلا.
وأصل آخر: أن ما وجَب بلفظة "الإطعام" نحو كفارة اليمين، والقتل (^٢)، والظهار، والإفطار، وجزاء الصيد (^٣)، يجوز فيه طعام الإباحة؛ لأن مطلق الإطعام
_________________
(١) = والظاهر - والله أعلم - إن قراءة ابن عباس ﵄ - يطوقونه مشددا - على سبيل التفسير لا على سبيل القراءة. وأخرج النسائي عَن عَطاء، عن ابن عباس: "في قوله ﷿: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" يُطيقونه: يكلّفُونه، فدية: طعام مسكينٍ واحدٍ، فمن تطوّع خيرا طعامُ مسكينٍ آخرَ ليست بمنسوخة، فهو له، وأن تصوموا خيرٌ لكم. لا يرخّص في هذا إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريضٌ لا يُشفى" أخرجه النسائي في الصيام، في تفسير قوله تعالى: وعلى الذين يطيقونه. رقم الحديث ٢٣١٦.
(٢) نصّ في آخر هذا الباب أن الفدية عرفت بدلا عن صوم هو واجب على سبيل التعيين، لا غير. فلا تجوز الفدية عن صيام للمتمتع والقارن إذا لم يجد الهدي، لأن الصوم هنا بدل عن الهدي، كما لا تجوز الفدية عن صوم للمُحرِم في كفارة الحلق عن الأذى، لأنه ليس بواجب على التعيين، بل هو مخيّر بين الصيام والصدقة والنسك. انظر ص ٢٤٤.
(٣) يُلاحظ عليه أن ذِكر كفارة قتل الخطأ في هذا المقام غير صحيح، لأنه لا إطعام في كفارة قتل الخطأ، وإنما هي إعتاق رقبة أو صوم شهرين متتابعين، كما في الآية: ٩٢ من سورة النساء، والغريب أن الإمام قاضي خان متنبّه إلى هذا فقد قال في ثنايا هذا الباب: "ولا يجوز الإطعام في كفارة القتل لأنه غير مذكور، ولا يمكن إثبات ذلك قياسًا ص ٢٤٠، فلعله ذهول أو سبقة القلم، والله أعلم.
(٤) يشير إلى ما ورد لفظة "الإطعام": في نصوص القرآن والسنة، ففي كفارة اليمين قوله تعالى: =
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ينصرف إلى الإباحة، يقال: أطعَمَ فلان فلانا، ويراد به طعام الإباحة (^١).
وما وجب بلفظة "الأداء" و"الإيتاء" نحو الزكاة، والعشر، وصدقة الفطر (^٢)،
_________________
(١) = فكفارتُه إطعامُ عشرةِ مساكينَ مِن أوسَط ما تُطعِمُونَ أهليكُم" المائدة، الآية: ٨٩، وفي كفارة الظهار قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ المجادلة، الآية: ٤، وفي كفارة الإفطار في صوم رمضان عمدا ما جاء أن النبي - ﷺ - أمر رجلا أفطرَ في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يُطعم ستين مسكينا، رواه الجماعة عن أبي هريرة (نيل الأوطار ٤/ ٢١٤) وفي جزاء الصيد للمحرم قَوله تعالى: "أو كفارةٌ طعامُ مسَاكينَ" المائدة، الآية: ٩٥.
(٢) ذكر الكاساني أنه مرويّ عن سيدنا عليّ كرّم الله وجهه وجماعة من التابعين مثل محمد بن كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة ومالك والثوري والأوزاعي ﵏، فإن الإطعام في متعارف اللغة اسم للتمكين من المطعَم، أي الآكل، لا التمليك، قال الله تعالى: "ويُطعِمون الطعامَ على حبّه مِسكينا ويتيما وأسيرا" الدهر، الآية: ٨، والمراد بالإطعام الإباحة لا التمليك، وهو الأمر المتعارف بين الناس، يقال: فلان يُطعم الطعام أي يدعو الناسَ إلى طعامه، والدليل عليه قوله سبحانه تعالى في نفس الآية: "من أوسَط مَا تُطعمُون أهليكُم" وإنما يطعمون على سبيل الإباحة دون التمليك، بل لا يخطر ببال أَحد في ذَلك التمليك، فدل أن الإطعام هو التمكين من التطعم، إلا أنه إذا ملّك جاز، لأن تحت التمليك تمكينا، لأنه إذا ملّكه فقد مكّنه من التطعم والأكل، فيجوز من حيث هو تمكين. يرجع لتفصيل الأدلة إلى "بدائع الصنائع" ٥/ ١٠١ و"المبسوط" ٨/ ١٥١.
(٣) ورد لفظ "الإيتاء" في الزكاة، مثل قوله تعالى: "وآتوا الزكاة" وفي العُشر، مثل قوله تعالى: "وآتوا حَقّه يومَ حَصادهِ" الأنعام، الآية: ١٤١، وورد لفظ "الأداء" في صدقة الفطر، كما في قوله - ﷺ -: "أدّوا عن كلّ حر أو عبد، صغير أو كبير" أخرجه عبد الرزاق، ورواه أبو داود عن الزهري، نصب الراية ٢/ ٤٠٦.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
لا يجوز فيه إلا التمليك؛ لأن الأداء والإيتاء عبارة عن التمليك، لا يقال لمن أطعم غيرَه طعامَ الإباحة: "أدى إليه".
وما ورد بلفظة "الصدقة" نحو كفارة الحلق (^١)، قال محمد ﵀: لا يجوز فيه إلا التمليك؛ لأن المنصوص عليه الصدقة، فينصرف (^٢) إلى التمليك، كصدقة الفطر (^٣).
ولأن الله تعالى أضافَ مطلق الصدقة إلى الفقير (^٤) بلام التمليك، بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (^٥)، فلابدّ التمليك.
ولأبي يوسف ﵀: أنها (^٦) كفّارة، فيجوز فيها طعام الإباحة (^٧)، كما في غيرها من الكفارات، وطعام الإباحه يُسمّى صدقة أيضًا، قال ﵇: "نفقة
_________________
(١) يشير إلى ما جاء في كفارة حلق الرأس عن عُذر للمُحرم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ البقرة، الآية: ١٩٦.
(٢) وفي الف وب: "فينصرف وهو الأصح".
(٣) لأن التصدّق تمليك فأشبه الزكاة والعشر. انظر "بدائع الصنائع" ٥/ ١١٢.
(٤) وفي الف وب: "الفقراء".
(٥) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
(٦) وفي الف وب: "أنه".
(٧) حتى جاز فيه التمليك والتمكين، وقال الكاساني: كذا حكى الشيخ القدوري ﵀ الخلاف، وذكر القاضي في شرحه "مختصر الطحاوي" قولَ أبي حنيفة مع أبي يوسف. "بدائع الصنائع" ٥/ ١١٢.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الرجل (^١) على نفسه صدقةٌ، وعلى عَيَاله صدقة" (^٢)، فلا يتقيّد بالتمليك إلا بدليل (^٣).
إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: من عجَز عن صوم رمَضان لمرض، أو سفَر، أو حَمل، أو رضاع، بأن خافت على نفسب، أو ولدها الهلاك، كان عليه القضاء، ولا يجوز له الفدية (^٤).
لأن بهذه العوارض لا يصير الصوم مَأيوسًا عنه، بل يُرجى (^٥) وجود عدّةٍ من أيام أخَر، وقد ذكرنا أنه لا يصار إلى الفدية إلا عند اليأس عن الصوم، بخلاف "الشيخ الفاني" (^٦) لأن ذلك عَجْزٌ لا يُرجى زواله، بل يزداد كلَّ يوم إلى أن يكون آخره الموت (^٧).
_________________
(١) وفي الف وب: "المرء".
(٢) أخرج ابن ماجة عن المقدام بن معدي كرب عن النبي - ﷺ - قال: "ما مِن كَسبِ الرجل كسب أطيَب مِن عَملِ يَديه، وما أنفَقَ الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو له صدقة" كاب التجارات، باب الحث على المكاسب، ١/ ١٥٥، وروي عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل معروف صدقة، وما أنفَق الرجل على نفسِه وأهله فهو له صدقة، وما وقي به عرفَ فهو صدقة، رواه الحاكم في المستدرك، في البيوع، وقال: حديث صحيح الإسناد، باب كل معروف صدقة، ٢/ ٥٠، كما رواه الدارقطني في سننه، في البيوع، ص ٣٠، وأخرج الطبراني في "معجمه" عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ -، قال: "من أنفَقَ على نفسه نفقةً فهي له صدقة، ومن أنفق على امرأتِه وأهله وولده فهو له صدقة" انظر: "نصب الراية" للزيلعي، ٣/ ٣٧٩.
(٣) قوله: "فلا يتقيد بالتمليك إلا بدليل".
(٤) انظر: "ردّ المحتار" ٢/ ١١٩، و"فتح القدير" ٢/ ٨٢.
(٥) وفي الف وب: "ويرجى".
(٦) "الشيخ الفاني": هو العاجز عن الصوم عجزا مستمرا، قال النسفي: هو الهرم الذي فنيت قوته، وقال ابن عابدين: هو الذي فنيت قوته أو أشرَفَ على الفناء، ولذا عرّفوه بأنه الذي كل يوم في نقص. وسمّي فانيا إما لقربه إلى الفناء أو لأنه فنيت قوته. انظر: "طلبة الطلبة" ص ٥٩، "ردّ المحتار" ٢/ ١١٩، "العناية" ٢/ ٨٢.
(٧) يشترط لوقوع الفدية بدلا عن صوم دوامُ العجز عن الصوم، وحُدوث القوة للشيخ الفاني موهوم، فلو قدر على الصوم بعد أداء الفدية يبطل حكم الفداء، لأن شرط الخلفية استمرار العجز. راجع "الهداية" و"فتح القدير" ٢/ ٨٣.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وكذلك من أفطر بعَذر، أو بغير عذر، ولم يقض حتى عجَز، وصار فانيا، جاز له الفدية؛ لوقوع اليَأس.
والفدية: نصف صاع من بُرّ: أو صاع من تمر، أو شعير، كما في صدقة الفطر.
ويجوز فيه طعام الإباحة (^١)، لأنه نصّ على الإطعام (^٢) مَن عليه قضاء رمضان، إذا فَرَط في القضاء حتى مرض، وأوصى بأن يطعموا عنه، فأطعموا عنه، قال: يُجزئه، إن شاء الله.
ولو أنه لم يوصِ بذلك، فلورَثته أن يطعموا عنه، إن أحبّوا (^٣).
_________________
(١) قال الحصكفي: وهل تكفي الإباحة في الفدية؟ قولان، المشهور نعم، واعتمده الكمال بن الهمام للتنصيص على الإطعام في الفدية، انظر "فتح القدير" ٢/ ٨٣، "ردّ المحتار" ٢/ ١٢٠.
(٢) وفي وب: "على الطعام".
(٣) أي لا يلزم عليهم، فإنه لابدّ من الإيصاء لإلزام الوارث، فإن لم يوص فللوارث أن يخرجه ولا يلزمه، وإذا أوصى أخرج عنه من ثلث المال. انظر "الهداية" و"العناية" على هامش فتح القدير، ٢/ ٨٤.
[ ٢ / ٣٧١ ]
هكذا قال في الكتاب (^١)، ولم يعلّقه بالمشيئة، ولابدّ أن يكون معلقا؛ لأن مع الأمر، لما كان معلقا، فعند عدم الأمر أولى، إلّا أنه لم يذكر ذلك لظهوره.
فرّق بينه، وبين الحج، إذا مات، وعليه حجة، وأوصى بأن يحجّ عنه، فأحجّوا عنه، قال: يُجزئه؛ ولم يُعلّقه بالمشيئة، وإن لم يوص به (^٢)، وأحجّ الورثة عنه بغير أمره (^٣)، قال: يُجزيه إن شاء الله (^٤).
في باب الحجّ لم يعلّقه بالمشيئة عند الأمر، في الإطعام علّقه بالمشيئة عند الأمر؛ لأنه لم يَرِد فيه نصّ.
أما في الحج عند وجود الأمر، ورد نص، وهو ما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال للخَثْعَمِية (^٥): "أرأيتِ إن كان (^٦) على أبيكِ دَين، فقضيتِه، أما كان
_________________
(١) أي قال محمد ﵀ في "كتاب الزيادات" كما يظهر من سوق الكلام في "شرح الزيادات" للعتّابي، ورق ١٧.
(٢) "به" ساقط من الف وب.
(٣) "بغير أمره" ساقط من الف وب.
(٤) قاله في "كتاب الأصل" ففيه: وإذا حجّ الرجل عن أبيه أو أمه حجّة الإسلام من غير وصية أوصى بها الميت، قال: يجزيه إن شاء الله تعالى، بلغنا عن النبي - ﷺ - أنه قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أما قبل منك؟ فالله أحق أن يقبل". "كتاب الأصل" ٢/ ٥١١.
(٥) ورد في بعض الروايات: "امرأة من خَثعَم"، وخثعَم بفتح الخاء المعجمة وسكون المثلثة، اسم قبيلة.
(٦) وفي الف وب: "لو كان".
[ ٢ / ٣٧٢ ]
يجزئه، فقالت: نعم! فقال ﵇: فَدَينُ الله أحقّ" (^١).
جوّز رسول الله ﷺ أداء الحج عن أبيها الشيخ الفاني بأمره، وشَبّه دَين الله بدَين العباد، وفي دَين العباد، مَن عليه الدَين إذا أمَر غيرَه (^٢) بقضاء دينه، لا يتخيّر صاحب الدين في القبول، وإن تبرع غيره عنه بقضاء دَينه من غير أمره (^٣) يتخير صاحب الدين في القبول.
فإن قيل: في الإطعام عند وجود الأمر، وجب أن لا يكون معلّقا بالمشيئة، كما في
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري من حديث ابن عباس في كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، الحديث: ١٥١٣، وأخرجه أيضا في كتاب جزاء الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، الحديث: ١٨٥٤، وأخرجه أيضا في الكتاب نفسه، باب حج المرأة عن الرجل، الحديث: ١٨٥٥، وأخرجه في المغازي، باب حجة الوداع، الحديث: ٤٣٩٩، وفي الاستيذان، الحديث: ٦٢٢٨، وأخرجه مسلم في الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، الحديث: ٣٢٣٨، ٣٢٣٩، وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب الرجل يحج مع غيره، الحديث: ١٨٠٩، وأخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج، باب: الحج عن الميت الذي لم يحج، الحديث: ٢٦٣٣، وأخرجه فيه أيضا، باب الحج عن الحي الذي لا يستمسك على الرحل، الحديث: ٢٦٣٤،: وفيه أيضا، باب تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين، الحديث: ٢٦٣٩، وفيه أيضا، باب حج المرأة عن الرجل، الحديث: ٢٦٤٠ و٢٦٤١، وأخرجه في آداب القضاة، باب الحكم بالتشبيه والتمثيل، الحديث:٥٤٠٥ و٥٤٠٦ و٥٤٠٧، وأخرجه الإمام أحمد، ١/ ٣٤٦.
(٢) "غيره" ساقط من الف وب.
(٣) "من غير أمره" ساقط من الف وب.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
دَين العباد.
قلنا: تشبيه دَين الله تعالى بدَين العباد، إنما عرف في الحجّ بخبر الواحد، وأنه يُوجِب العمل دون العلم، فلِمكان أنه يوجب العمل، قال بالجواز، ولمكان أنه لا يوجب العلَم، علّقه بالمشيئة (^١).
وكل مريض لم يَبرأ، أو مسافر لم يُقِم، حتى مات، لا شيء عليه؛ لأنه لم يُدرك عِدّةً من أيام أخَر (^٢).
فإن أوصى بأن يطعموا عنه، ومات، وجب عليهم أن يطعموا عنه من ماله (^٣)، لكل يوم نصف صاع؛ لأن تنفيذ الوصيّة حق على الوارث، ولو أمرهم بأن يطعموا عنه ما لا يكون واجبًا عليه، تنفذ الوصيّة، فإذا أوصى بما كان واجبًا عليه، أولى.
_________________
(١) أوضحه الإمام السرخسي بمزيد من التفصيل فقال: فإن قيل: فلماذا قيّد الجواب بالاستثناء بعدما صحّ الحديث فيه؟ قلنا: لأن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين، فإن قيل: فقد أطلق الجواب في كثير من الأحكام الثابتة بخبر الواحد؟ قلنا: خبر الواحد موجب للعمل، ففيما طريقُه العمل، أطلقَ الجواب فيه، فأما سقوط حجة الإسلام عن الميت بأداء الورثة، فإنه أمر بينه وبين ربه تعالى، فلهذا قيّد الجواب بالاستثناء. "المبسوط" ٤/ ١٦١.
(٢) وإن الله تعالى أوجب عليهما القضاء في عِدَة من أيام أخر، ولم يُدركا عدة من أيام أخر، فلهذا لو صح المريض وأقام المسافر، ولم يقضيا ثم ماتا، لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة، لوجود الإدراك بهذا المقدار، وفائدة لزوم القضاء وجوب الوصية بالإطعام. انظر: "الهداية" وشرحها "العناية" ٢/ ٨٠.
(٣) أي من ثلث التركة، وهذا معروف.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وإن مات، ولم يوصِ بذلك، لا يجب على الورثة أن يطعموا عنه؛ لأن الحقوق المتعلقة بالمال، كالزكاة ونحوها، لا تجب على الورثة بعد الموت، في أولى، وإن أحبّ الورثة أن يطعموا عنه لكل يوم نصف صاع، كان لهم ذلك (^١).
ويستحب لكل وارث أن يسعى في تخليص مورثه عن دَين الله تعالى، كما في دين العباد.
ومَن عليه كفارة اليمين، أو القتل، إذا لم يجد ما يكفّر به، وهو شيخ كبير، أو لم يصم، حتى صار فانيا، لا يجوز له الفدية؛ لأن هذا الصوم بدَل عن غيره، ولهذا لا يجوز المصير إلى الصوم إلّا عند العجز عن التكفير بالمال (^٢)، وقد ذكرنا أن الفِدية لا تجوز إلا عن صومٍ هو أصل.
فإن مات، وأوصى بأن يكفّر عنه (^٣) في كفارة اليمين، كفّروا عنه بإطعام عشرة مساكين، أو بالكسوة، وفي كفارة القتل كفّروا عنه بالإعتاق، لأن عند وجود الوصيّة، التركة يبقى على حكم مِلك الميّت، فصار فعل الوارث بأمره، كفعله بنفسه.
_________________
(١) قال ابن عابدين: إن الوصيّ يُطعم "عنه بعد موته عن كل واجب، من الثلت لزوما إن أوصى، وإلا جوازا، ثم نقل عن القهستاني أن الزكاة والحج والكفارة من الوارث تجزيه بلا خلاف، أي ولو بدون وصيته. "ردّ المحتار " ٢/ ١١٩.
(٢) وهذا دليل على أن الصوم بدل عن التكفير بالمال، والبدل لا يكون له بدل، فإذا عجز عن البدل تأخّر وجوب الأصل، وهو أحد الأشياء الثلاثة إلى وقت القدرة، لأن إيجاب الفعل على العاجز محال. "بدائع الصنائع" ٥/ ١١٢.
(٣) وفي الف: "عن كفاره".
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وليس لهم أن يطعموا عنه مكان الصيام، لأن الميت، لو أطعم بنفسه مكان الصيام، لا يجوز، فكذا الوارث.
ذكر في كفارة اليمين: الإطعام والكسوة، ولم يذكر الإعتاق؛ لأنه ذكر التكفير، فيلزمهم أدنى ما يكفّر به، ولا يلزمهم الزيادة.
وإنما ذكر الإعتاق في كفارة القتل؛ لأن كفارة القتل: الإعتاق والصوم، وتكفير غيره عنه بالصوم لا يكون، فتعيّن الإعتاق.
هذا إذا أوصى، وإن كفروا عنه بغير وصية يجوز تبرع الورثة بالإطعام والكسوة، إن شاء الله، ولا يجوز بالإعتاق، لأن في الإعتاق إلزام الوَلاء على الميت (^١)، وليس لأحد إلزام الولاء على الميت، وليس في الإطعام والكسوة إلزام شيء على الميت.
ولا يجوز الإطعام في كفارة القتل، لأنه غير مذكور، ولا يمكن إثبات ذلك قياسا.
وإنما وضع المسائل في كفارة اليمين والقتل، دون الظهار؛ لأن كفارة الظهار تسقط بموت أحدهما، لأنها لا تجب إلا عند العزم على الوطء.
المتَمتّع إذا لم يجد الهَدْي، ولم يَقدر على الصوم، لا يجزئه الفدية عن الصوم، لأن الصوم هنا خلَف عن الهدي.
وكذلك في كفارة الحلق عن الأذى، إذا لم يقدر على الإطعام، والنّسك، وعجز عن الصوم، لا يجوز له الفدية (^٢) لوجوه:
_________________
(١) انظر "فتح القدير" فقد خرّج هذه المسألة من الزيادات، ٢/ ٨٤.
(٢) انظر "ردّ المحتار" ٢/ ١٢٠.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
منها: أن الصوم ليس بواجب على سبيل التعيين، بل هو مخيّر بين الصيام، والصدقة، والنسك في كتاب الله تعالى.
فالصيام ثلاثة أيام، والصدقة ثلاثة آصع على ستة مساكين، والنسك شاة، والفدية عُرفت بدلا عن صوم هو واجب على سبيل التعيين، لا غير (^١).
ثم قد ذكرنا أن طعام التمليك مقدّر بنصف صاع، اما طعام الإباحة أكلَتَان مُشبِعتان (^٢): غَداء وعَشاء، أو غداءان، أو عَشاءان، أو عشاء وسُحور؛ لأن السحور غَداء؛ لِما رُوي عن رسول الله ﷺ أنه قال لعِربَاض بن سارية (^٣)، حين
_________________
(١) ذكر ابن عابدين هذا الضابط بقوله: لا تصحّ الفدية عن صوم هو بدل عن غيره، وبناه الكاساني على قاعدة أن البدل لا بدل له، وقال الحصكفي: هذا إذا كان الصوم أصلا بنفسه وخوطب بأدائه، كصوم رمضان، وقضائه، والنذر، كما لو نذر صوما معينا فلم يصم حتى صار فانيا، جازت له الفدية. راجع "ردّ المحتار" ٢/ ١١٩، ١٢٠، "بدائع الصنائع" ٥/ ١١٢.
(٢) وهذا قول عامة الفقهاء، وعن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاؤوس والشعبي أنه يطعمهم أكلة واحدة، والصحيح قول العامة، لأن الله ﷿ عرّف هذا الإطعام بإطعام الأهل بقوله تعالى: "من أوسَط ما تُطعمُونَ أهليكم" وذلك أكلتان مشُبعتان، غداء وعشاء، كذلك هذا، ولأن الله جلّ شأنه ذكَرَ الأوسَط، وهو أكلتان في يوم بين الجيد والردئ والسرف والقتر، وهو الأكل المعتاد في الدنيا وفى الآخرة أيضا، قال الله تعالى في حق أهل الجنة: "ولهم رزقُهُم فيها بُكرة وعَشِيا" فيحمل مطلق الإطعام على المتعارف. راجع للتفصيل "بدائع الصنائع" ٥/ ١٥٢.
(٣) عِرباض بن سارية السلمي، ﵁، يكنى أبا نجيح، كان من أهل الصّفّة، سكن الشام، ومات بها، وروى عنه من الصحابة عبد الرحمن بن عمرو وجبير بن نفير، توفي في سنة ٧٥ هـ، وقيل توفي في فتنة ابن الزبير. انظر: "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير الجزري، برقم =
[ ٢ / ٣٧٧ ]
دخل عليه وهو يتسحّر: "هَلُمّ إلى الغداء المبارك" (^١).
والمستحبّ هو الغداء والعشاء؛ لأن السحور سُمّي غداء، إلا أنه ليس بغداء حقيقة، ولا يُسمى غداء عادة، ولهذا لو حلف: لا يتغدّى، فتسحّرَ، لا يحنث.
ولو أفرط إنسان في الأكل، فأكل في الغداء أو العشاء مقدارَ أكلتين، لا يجوز إلا عن أكلة واحدة؛ لما ذكرنا أنه مقدّر بأكلتين مشبعتين.
وعن أبى يوسف ﵀: من عَال يتيما، فأطعمَه وكساه، جاز أن يجعله عن زكاة ماله (^٢)، إلا أنه يخالف ظاهر الرواية، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية.
_________________
(١) = ٣٦٢٤، ٤/ ١٩، "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر النمري القرطبي المتوفي ٤٦٣ هـ، بهامش الإصابة، ٣/ ١٦٦، "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر، ٤/ ١٩٦.
(٢) أخرج النسائي عن العِرباض بن ساريةَ قال: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان، وقال: هَلمّوا إلى الغداء المبارك" رواه النسائي في الصيام، باب دعوة السحور، الحديث ٢١٦٢. وأخرجه أبو داود في الصوم، باب من سمّى السحور الغداء، الحديث ٢٣٤٤.
(٣) نقل ابن الهمام عن "الفتاوى" والخلاصة: رجل له أخٌ قضى عليه بنفقته، فكساه وأطعمه ينوي به الزكاة، قال أبو يوسف: يجوز، وقال محمد: يجوز في الكسوة، لا في الإطعام، وقول أبي يوسف في الإطعام خلاف ظاهر الرواية، ويمكن بناء الاختلاف في الإطعام على أنه إباحة أو تمليك. وفي "الكافي": عائل يتيم أطعمَه عن زكاته صحّ، خلافا لمحمد، لوجود الركن، وهو التمليك، وهذا إذا سلّم الطعام إليه، أما إذا لم يدفع إليه لا يجوز لعدم التمليك. انظر "فتح القدير" ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٣٧٨ ]