الأصل فيه أن كلمة "حتى" تُستعمل للغاية (^٢)، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^٣)، لكن من شرط حَملها على الغاية أن يكون المعقود عليه (^٤) فعلا يمتدّ، وما دخلت عليه كلمة "حتى" يصلح غاية، بأن يكون مؤثرا في إنهاء المحلوف عليه (^٥)، أو
_________________
(١) "فيها غاية" ساقط من الف وب.
(٢) اتفق كل من السرخسي والبزدوي وشارح أصوله وغيرهم أن كلمة "حتى" وضعت للغاية في أصل كلام العرب وحقيقته، يقول السرخسي: "حتى": فهي للغاية باعتبار أصل الوضع بمنزلة "إلى"، هو المعنى الخاص الذي لأجله وضعت الكلمة، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾، "أصول السرخسي" ١/ ٢١٨. حتى صرّح الإمام البزدوي بأن معنى الغاية لا يسقط عنه إلا مجازا، "أصول البزدوي" وشرحه "كشف الأسرار" ٢/ ١٦٠، وجعله صاحب القاموس الفيروزآبادي أول معاني "حتى" "القاموس المحيط" ص ١٩٢، وانظر "التنقيح والتوضيح مع شرح التلويح" ١/ ١١٢، "جمع الجوامع" مع حاشية البناني ١/ ٣٤٥، "شرح المنار وحاشيته" ١/ ٤٧٢.
(٣) سورة القدر، الآية: ٥.
(٤) في الف: أن يكون "المحلوف عليه".
(٥) أي: يشترط لإفادة "حتى" معنى الغاية شرطان:
(٦) أن يحتمل ما قبلها الامتداد.
(٧) ويصلح ما بعدها للانتهاء، قال السرخسي في أصوله: "فمتى كان ما قبلها بحيث يحتمل المتداد، وما بعدها يصلح للانتهاء به، كانت عاملة في حقيقة الغاية، ثم خرّج على هذا بعض مسائل "الزيادات" =
[ ١ / ٣٤٩ ]
لا يكون داعيا إلى تحصيله؛ لأن غاية الشيء ما ينتهي به ذلك الشيء (^١).
وقد تستعمل للجزاء بمعنى "لام كَي" (^٢)، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (^٣)، ويقول الرجل لغيره: "أكرِمُكَ (^٤) حتى تُكرمني"، أي لتَكرمني.
لكن من شرط حمله على الجزاء أن يدخل بين فعلين، أحدهما منه، والآخر من غيره، وأوّلهما يصلح سببا للثاني (^٥).
_________________
(١) = مع الإحالة إليه، راجع "أصول السرخسي" ١/ ٢١٨. وانظر "أصول البزدوي" وشرحه "كشف الأسرار" ٢/ ١٦٢، ١٦٣ و"شرح التلويح على التوضيح" ١/ ١١٢، "المغني في أصول الفقه" ص ٤١٩.
(٢) عرّف الجرجاني الغاية: "ما لأجله وجود الشيء"، وقال أبو البقاء: الغاية: هي ما يؤدي إليه الشيء، ويترتب هو عليه. انظر: "التعريفات" ص ٢٠٧، و"الكليات" لأبي البقاء، ص ٦٦٩.
(٣) وتكون "حتى" هنا مجازا لخروجها عن حقيقة معنى الغاية الذي هو أصل معناها. انظر: "أصول السرخسي" ١/ ٢١٩. "كشف الأسرار" ٢/ ١٦٣، و"شرح التلويح" ١/ ١١٢.
(٤) سورة التوبة، الآية: ٦.
(٥) في الف وب: "لأكرمتك".
(٦) أشار إليه السرخسي بقوله: "ومثل هذا في الأفعال تكون للجزاء إذا كان ما قبلها يصلح سببا لذلك، وما بعدها يصلح أن يكون جزاء، فيكون بمعنى لام كي، قال تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة "أي لكيلا تكون فتنة". "أصول السرخسي" ١/ ٢١٩. وانظر "أصول البزدوي" وشرحه "كشف الأسرار" ٢/ ١٦٣، و"شرح التلويح على التوضيح" ١/ ١١٢.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وإن كان الفعلان من واحد أو من اثنين، لكن الأول لا يصلح (^١) سببا للثانى، فكلمة حتى للعطف (^٢)، بمعنى (^٣) حرف "فاء"، أو كلمة "ثم"؛ لأنها تستعمل للعطف أيضًا، تقول: "جاءني القوم حتى زيد".
ثم من حكم الغاية، أن يشترط للبر وجودُ ما هو غاية، حتى لو ترك الفعل قبل وجود الغاية، يحنث.
ومن حكم الجزاء أن يشترط للبر وجودُ ما هو سبب، ولا يشترط وجود الجزاء. ومن حكم العطف أن يشترط للبر وجودهما (^٤).
إذا عرفنا هذا (^٥)، قال محمد ﵀:
رجل قال لغريمه: إن لم ألازمك حتى تقضيني حقّي، فامتنع عن الملازمة (^٦) قبل
_________________
(١) كذا في الأصل، والف وب، وجاء في ج ود: "لا يصلح"، وهو خطأ صريح.
(٢) فإن بين العطف والغاية مناسبة بمعنى التعاقب، ولكن مع وجود معنى الغاية فيها. "أصول السرخسي" ١/ ٢١٩، "أصول الشاشي" لأبي علي ص ٢٢٢، "أصول البزدوي" وشرحه "كشف الأسرار" ٢/ ١٦٥.
(٣) وفي الف: بمنزلة.
(٤) "أصول السرخسي" ١/ ٢١٩.
(٥) "إذا عرفنا هذا" ساقط من الف وب.
(٦) فسر الفقهاء "الملازَمة" عدة تفسيرات، قال قاضي خان في كتاب الدعوى من هذا الشرح: "ليس تفسير "الملازَمة" هو المنع عن الذهاب، لأنه حَبس، لكن يذهب المدّعي مع المدّعى عليه، ويدور معه أينما دار كيلا يغيب"، ٤/ ١٢٦٨. وأحسن تفسير للملازمة هو ما ذكره ابن عابدين في =
[ ١ / ٣٥١ ]
استيفاء الحق، حنث في يمينه (^١)، لأن الملازمة ممّا يقبل التوقيت، وقضاء الدين يصلح مؤثرا في إنهائها؛ لأنه هو المقصود، فيكون غاية، فإذا امتنع عنها قبل المقصود، حنث في يمينه (^٢).
وكذا إذا قال: إن لم أضربك حتى يدخل الليل، أو حتى ينهاني (^٣)، أو حتى يشفع فلان، أو حتى تصيح، أو حتى تشتكي يدي، فامتنع عن الضرب قبل ذلك، حنث في يمينه (^٤)، لأن الضرب يقبل التوقيت (^٥) والامتداد بواسطة الموالاة، والشفاعة، والصّياح، والنهي وغير ذلك مؤثر في ترك الضرب، فكان غاية (^٦).
_________________
(١) = حاشيته بقوله: "وأحسن الأقاويل في الملازمة ما روي عن محمد أنه قال: يلازمه في قيامه وقعوده، ولا يمنعه من الدخول على أهله، ولا من الغداء والعشاء والوضوء والخلاء، وله أن يلازمه بنفسه وإخوانه وولده، ممن أحبّ". "ردّ المحتار" ٤/ ٣٥٦. "فتح القدير" ٧/ ١٨٢.
(٢) لأن الملازمة تحتمل الامتداد، وقضاء الدين يصلح منهيا للملازمة. "أصول السرخسي" ١/ ٢١٨، و"الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٤٤٠.
(٣) بخلاف ما إذا فرّ منه الغريم، فلا يحنث، لأنه عقد يمينه على فعل نفيه في المفارقة، وهو ما فارق غريمه، إنما الغريم هو الذي فارقه. صرّح به السرخسي وقاضي خان، انظر "المبسوط" ٩/ ٢٣، و"فتاوى قاضي خان" ٢/ ٣٠.
(٤) وزاد في الف وب: "فلان".
(٥) "أصول السرخسي" ١/ ٢١٨، نقلا عن "الزيادات". "أصول البزدوي" ٢/ ١٦٤.
(٦) وفي الف وب: "حتى يقبل التأبيد".
(٧) وعلّل له السرخسي بقوله: لأن الضرب بطريق التكرار يحتمل الامتداد، والمذكور بعد الكلمة صالح للانتهاء، فيجعل غاية حقيقة، وإذا أقلَع عن الضرب قبل الغاية حنث، إلا في موضع يغلب =
[ ١ / ٣٥٢ ]
فإن نوى الجزاءَ يصدّق، فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى محتمل لفظه، وفي القضاء لا يصدق، لأنه نوى التخفيف.
ولو قال: إن لم أخبر فلانا بما صَنعت حتى يضربك، فعبدي حر، فأخبَره ولم يضربه، برّ في يمينه، لأن الإخبار مما لا يتوقّت، ويَصلح سببا للضرب، فحمل على الجزاء، كأنه قال: "إن لم أسَبّب سببًا لضربك" فإذا أخبره بُصنعه، فقد سَبّب لضربه، فصار بارًا.
وكذا لو قال: إن لم آتك حتى تُغَدّينى اليوم، أو قال: إن لم تأتِني حتى أغدّيك اليوم، فأتاه اليوم ولم يغده، برّ في يمينه؛ لأن بالتغدية لا تنتهي الزيارة، بل تزداد، فلا يصلح غاية، فتكون للجزاء.
وكذا إذا قال: "إن لم أضربك حتى تضربني"، لأن الضرب داع إلى الضرب، لا إلى تركه، فيكون للجزاء، لأن المقصود إظهار عجز فلان (^١) عن ضربه، وذلك إنما يتحقق عندي عدم ضرب فلان إياه.
ولو قال: إن لم آتك اليوم حتى أتغدّى عندك، أو إن لم تأتِني اليوم، حتى تتغدّى عندي، أو قال: إن لم آَتِك اليوم، حتى أغديك، أو [قال] (^٢) إن لم تأتِنى اليوم، حتى
_________________
(١) = على الحقيقةِ عُرفٌ، فيعتبر ذلك؛ لأن الثابت بالعرف ظاهرا بمنزلة الحقيقة، حتى لو قال: إن لم أضربك حتى أقتلك أو حتى تموت، فهذا يحمل على الضرب الشديد باعتبار العرف. "أصول السرخسي" ١/ ٢١٨. ونحوه عند البزدوي في أصوله ٢/ ١٦٤، ١٦٥.
(٢) وزاد في الف: "فلان المخاطب".
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من الف وب.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تغديني، أو إن لم آتِك (^١) حتى أضربك، فأتاه، ولم يتغدّ، ولم يضربه حتى مضى اليوم، حنَث في يمينه (^٢).
لأن كلمة "حتى" للعطف هنا؛ لأنّ فعله لا يصلح جزاءً لفعله، والتغدية لا تصلح غايةً للإتيان، فتكون للعطف، كأنه قال: إن لم آتِك اليوم، فاتغدّى عندك، فما لم يوجد الفعلان جميعًا لا يبر.
فإن لم يوقّت بيوم، فأتاه ولم يتغد، لا يحنث؛ لأن رجاء البر ثابت، بأن يتغدى بعد ذلك (^٣)، ولكن يشترط أن يكون التغدية بعد الإتيان؛ لما ذكرنا أنه للعطف، بمعنى كلمة "ثم" أو حرف "فاء"، تحقيقا لمعنى الغاية بقدر الإمكان، إلا أن ينويَ التغدية على فَور الإتيان، فيحنث، ويصير كأنه قال: "إن لم آتك، فاتغذى عندك".
وعن أبي يوسف: لو قال لجاريته: إن لم تجئني الليلة حتى أجامعك مرتين، فجاءته، فجامعها مرة، فأصبح، حنث في يمينه، وهذا وقوله: "إن لم تجئني الليلة، فأجامعك مرتين" سواء.
_________________
(١) وزاد في الف وب: "اليوم".
(٢) فإن الفعلين من شخص واحد، فلا يصلح الثاني أن يكون جزاء للأول، فحمل على العطف المحض لتصحيح الكلام، وشرط البر وجود الأمرين في اليوم، فإذا لم يوجدا، حنث. "أصول السرخسي" ١/ ٢١٩.
(٣) قال قاضي خان في فتاواه: له قال: إن لم آتك اليوم حتى أتغدى عندك، فأتاه ولم يتغدّ عنده، ثم تغدى عنده في يوم آخر من غير أن أتاه، برّ في يمينه. "فتاوى قاضي خان" ٢/ ٣١.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وإن لم يوقّت بالليل لا يحنث لأن الوقت مُتّسع وله أن يجامعها في أيّ وقت شاء.
وعندي على قياس ما ذكرنا في ظاهر الرواية، لا يحنث، ويحمل على السبب؛ لأن إتيانها إليه يصلح سببا، وقد دخلت على فعلين: أحدهما منه، والآخر من غيره.
- والله أعلم -
[ ١ / ٣٥٥ ]