بنى الباب على أن بقاء اسم الشيء يدلّ على بقاء ذلك الشيء، وزوال الاسم يدل على زواله؛ لأن الأسَامي جُعِلت أعلاما على المسمّيات، فزوال الاسم يدل على زوال المسمّى (^١).
قال محمد ﵀: رجل حلف: ليجعلن من هذا الثوب قَباء وسَراويل، فجعله قباء، ثم نقضه، فجعله سراويل، برّ في يمينه، لأن شرط برّه جَعل القباء، والسراويل من الثوب مطلقا غير مقيّد بصفة الجمع أو التعاقب، وقد وُجد؛ لأن اسم الثوب لا يزول بجَعله قباء.
ألا ترى أن مَن حلف: لا يلبس ثوبا، فلبِس قباء، حنث (^٢).
_________________
(١) وقد أجاد العتابي عند تأصيله للباب وزاد، فقال: إن الحنث والبر متى تعلق بشرطين، لا يتفاوت في حق الحنث والبرّ وجودهما معا أو على العاقب عملا بإطلاق اللفظ، ولا يبرّ بوجود بعض شرط البرّ، كما لا يحنث بوجود بعض شرط الحث. الثاني: أن اليمين متى عقدت على عينٍ يُسمّى باسم، يبقى ببقاء ذلك الاسم، وينتهي بزوال ذلك الاسم، لأن تبدّل اسم الذات يوجب تبدل العين، واليمين المعقودة على عين لا يبقى ببقاء عين آخر. "شرح الزيادات" للعتّابي، مخطوط، ورق ١٤.
(٢) وفي (ا) و(ب): "يحنث". فيقع يمينه على كل ملبوس يستر العورة وتجوز الصلاة فيه، وكل ملبوس بهذه الصيغة كان داخلا =
[ ١ / ٣١٧ ]
وكذا لو أشار إلى الكِرباس (^١)، وحلف: لا يلبَس هذا الثوب، فخاطه قباء، ولبِسه، حنث في يمينه (^٢).
وإذا بقي الإسم بعد جَعل القباء والسراويل من الثوب، فإن نوى أن يجعل البعض قباء والبعض سراويل، صحّث نيته، ويحنث، لأن مثل هذا الكلام قد يُذكر، ويُراد به بيان حَذاقته، أو بيان سِعة الثوب، فإذا نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد على نفسه، يصدّق.
وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل (^٣) ﵀ أنه قال: يُنظر إلى
_________________
(١) = تحت اليمين. "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٥٥٧.
(٢) "الكِرباس": يكسر الكاف، الثوب الخشن، وهو فارسي معرّب، والجمع: كرابيس، وينسب إليه بيّاعه فيقال: كرابيسي. "المصباح المنبر" مادة الكرباس.
(٣) قال الإمام السرخسي: إن حلف: لا يلبس ثوبا بعينه، فاتخذ منه جُبة، وحشاها، ولبسها، خث، لأنه جعل شرط حنثه لبس العين، وعقد اليمين باسم الثوب، والثوب باق بعد ما اتخذ منه الجبة، فإن لابس الجبة يسمى لابسا للثوب، بخلاف ما لو حلف على قميص: لا يلبسه أبدا، فجعل منه قباء فلبسه، لم يحنث، لأنه عقد اليمين باسم القميص، ولا يبقى هذا الاسم بعد ما جعله قباء. "المبسوط" ٩/ ٢.
(٤) هو محمد بن الفضل أبو بكر الفضلي الكُمَارى البخاري، كان إماما كبيرا وشيخا جليلا، معتمدًا في الرواية، مقلدا في الدراية، رحَل إليه أئمة البلاد، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، تفقّه على الأستاذ عبد الله السَبَذْمُوني عن أبي حفص الصغير عن أبيه عن محمد، وتفقّه عليه القاضي أبو علي النسفي، والإمام الحاكم عبد الرحمن، والإمام الزاهد عبد الله، والإمام إسماعيل الزاهد، مات ببخارى سنة ٣٨١ هـ وهو ابن ثمانين سنة. ترجمته في: طبقات الفقهاء، لطاش كبرى زاده، ص ٦٢، كتائب أعلام الأخبار، برقم ١٨٥، الطبقات السنية، برقم ٢٢١٣، الجواهر المضية، برقم ١٤٦١، كشف الظنون، ٢/ ١٢٩٤، =
[ ١ / ٣١٨ ]
سابقة الكلام، فإن دلّ ذلك على أنه أراد به بيان الحذاقة والخياطة، يكون حانثا، وإلا فلا (^١).
ولو قال: عبده حر، إن لم يجعل من هذه المِلحفة، أو من هذا الرداء قباء، وسَراويل، فجعلها قباء، ثم نقض، وجعَل سراويل، حنث في يمينه؛ لأن اسم الملحفة يزول بجعلها قباء، وإنما جعل السراويل من القباء، لا من الملحفة، فيحنث، وإن كانت، الملحفة لا تسَع لهما، يحنث للحال؛ لوقوع اليَأس عن البَرّ، وكذلك إذا جعلها قباء، يحنث للحال، لوقوع (^٢) اليأس عن البَرّ.
وعن محمد ﵀ في "النوادر": حلف (^٣) ليقطعنّ من هذا الثوب قميصين، فقطع قميصًا، وخاطَه، ثم فتَقه، وخاطه مرّة أخرى، حنث (^٤)، ولو فتقه، وقطع تقطيعا آخر، وخاطه، لا يحنث (^٥).
ولو قال: لأقطعنّ منه قميصَين (^٦)، فقطع قميصا، وخاطه، ثم فتَقه، ثم قطع
_________________
(١) = الفوائد البهية، ص ١٨٤.
(٢) انظر "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٥٦٨، نقل المسألة من الزيادات ثم ذكر قول محمد بن الفضل، هذا.
(٣) قوله: "لوقوع" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) وفي الف وب: "لو حلف".
(٥) لأنه لم يقطع الثاني، بل خاط الثوب مرّة أخرى.
(٦) "الفتاوى التاتارخانية" ٤/ ٥٦٨.
(٧) وفي ب: "من هذا القميصين ثوبين".
[ ١ / ٣١٩ ]
قميصا آخر على غير ذلك التقطيع، قال: لا يحنث (^١)، ذكره في "المنتقى" (^٢).
ولو قال: ليخيطنّ من هذا الثوب قميصين، فقطع قميصا، وخاطَه، ثم فَتَقه، وخاطه قميصا آخر، بَرّ في يمينه، والفرق ظاهر (^٣).
ولو قال: عبده حر، إن لم يجعل هذه الدار بُستانا، وحمّاما، فجعلَها بستانا، ثم حمّاما، أو حماما ثم بستانا، حنث؛ لأن اسم الدار يزول بجعلها بستانا أو حماما، كاسم الملحفة، ولو جعل البعض بستانا، والبعض حماما برّ في يمينه.
ولو لحف ليجعلنّ من هذه الدار منزلا وحمّاما، فجعلَها منزِلا ثم جعلها حماما، لا يحنث؛ لأن اسم "الدار" لا يزول بجعلها منزلا، ألا ترى أن من حلف لا يدخل دارا، فدخل منزلا منه، حنث، وإذا بقى اسم الدار، فقد جعل الحمّام من الدار، فيكون بارًا في يمينه.
_________________
(١) لتحقق القطع مرتين ولو كان القطع في ثوب واحد.
(٢) المنتقى في فروع الحنفية، للحاكم الشهيد أبي الفضل محمد بن محمد المروزي البلخي المقتول شهيدا سنة ٣٤٤ هـ، سمع الحديث بمَرو من أبي رَجاء محمد بن حَمدُويه، يروي عن أحمد بن حنبل، وسمع منه أئمة خُراسان وحُفّاظها، منهم أبو عبد الله الحاكم الحافظ، صاحب "المستدرك"، وصنّف المختصر والمنتقى والكافي وغيره، وكتاب الكافي والمنتقى أصلان من أصول المذهب بعد كتب محمد، وقال اللكنوي: لا يوجد المنتقى في ديارنا في أعصارنا. كتائب أعلام الأخيار، برقم ١٦٧، الطبقات السنية، برقم ٢٢٣٠، الجواهر المضية، برقم ١٤٧٧، الفوائد البهية ص ١٨٦، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ٥٧.
(٣) فإنه في المسألة الأولى ذكر القطع وهنا الخياطة.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وإن (^١) جعلها حمّاما أوّلا ثم منزلا، حنث؛ لأن اسم الدار يزول بجعلها حماما.
ثم ذكر محمد ﵀ على وجه الاستشهاد، فقال: رجل قال: إن اشتريت أنا وفلان عبدا، فعبدي حر، فاشترَياه معًا، أو أحدُهما بعد الآخر، حنث في يمينه.
إنما أراد بهذا الاستشهاد أن الحِنث إذا تعلّق بشيئين، يشترط وجودُهما مطلقا، ولا يتقيّد بصفة الاجتماع والتعاقب.
_________________
(١) وفي الف وب: "ولو".
[ ١ / ٣٢١ ]