في الباب فصلان:
فصل: في إضافة المِلك كالدار، والعبد، وغير ذلك.
وفصل: في إضافة النسبة، كالزوج، والأخ، والصديق، وغير ذلك.
وكل فصل على وجهين: إما أن جمَع بين الإضافة والإشارة، أو أفرد الإضافة عن الإشارة.
والأصل فيه: أنه متى جمَع بين الإضافة. والإشارة في إضافة النسبة، تُعتبر الإشارة دون الإضافة، (^١) فيحنث وإن انقطعت الإضافة.
وفي إضافة الملك كذلك عند محمد.
وعندهما كما تُعتبر الإشارة، تعتبر الإضافة، فلا يحنث إذا انقطعت الإضافة، وإن أفرَد الإضافة عن الإشارة.
أجمعوا على أن في إضافة المِلك إذا وجُد الفعل بعد زوال الإضافة، لا يحنث (^٢).
_________________
(١) يرجع لمباحث الجمع بين الإشارة والتسمية: "الهداية" مع "فتح القدير" ٢/ ٤٦٥.
(٢) إذا حلف أحد على ما في ملك فلان، يحنث إذا كان الشيء مملوكا له وقت فعل المحلوف عليه، سواء أكان ما في ملك فلان مملوكا له وقت الحلف، أم لم يكن مملوكا له حينذاك، لا يحنث بالإنفاق، ونصّ الكاساني بأن هذا جواب ظاهر الرواية في الأصل والزيادات."بدائع الصنائع" ٣/ ٧٨.
[ ١ / ٣٢٢ ]
واختلفوا في فصل النسبة: قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا وجد الفعل بعد زوال الإضافة، لا يحنث، وقال محمد: يحنث.
وهل يدخل في اليمين ما حدَث بعد اليمين في إضافة النسبة؟
لا يدخل الحادث في ظاهر الرواية (^١)، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يدخل.
وفي فصل الملك يدخل الحادث، كما يدخل القديم.
وعن أبي يوسف: أن فيما لا يَستَحدِث فيه الملك عادةً كالدار، ينصرف المين إلى الموجود وقت اليمين، لا إلى الحادث بعد اليمين.
وعنه في رواية أن في الكلّ لا يدخل الحادث بعد اليمين، والصحيح هو الأول (^٢).
إذا عرفنا هذا، قال [محمد ﵀] (^٣):
رجل حلف: لا يدخل دارَ فلانٍ هذه، أو لا يكلّم عبد فلان هذا، أو لا يركب دابّة فلان هذه، ففعل بعد ما باع فلان داره، أو عبده، لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: يحنث.
لمحمد (^٤) أن الإضافة للتعريف، والإشارة كذلك، والإشارة أبلَغ (^٥)؛ لأنها تقطع
_________________
(١) فإذا حلف: "لا يكلّم زوج فلانة أو صديق فلان أو ابن فلان" فإنه يقع على ما كان متحقق وقت الحلف، ولا يشمل ما يحدث من زوجية وصداقة وولد في المستقبل، فإذا زال عقد النكاح، وصلة الصداقة، فكلّم المحلوف عليه، حنث. انظر "بدائع الصنائع" ٣/ ٧٩.
(٢) انظر: "تحفة الفقهاء" للسمرقندي، ٢/ ٣٣٧، و"بدائع الصنائع" ٣/ ٧٩.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل.
(٤) "لمحمد" ساقط من النسخ الأخرى.
(٥) أورد السرخسي هذه القاعدة بصيغة: "الإشارة أبلغ أسباب التعريف" المبسوط" ٧/ ٤٣، فالإشارة تعتبر أقوى من الوصف في البيان، لأن الوصف قد يختلف وقد يحتمل، وعلّله قاضي خان هنا خير تعليل "بأن الإشارة تقطع شركة الأغيار"، ولذلك قالوا الوصف في الحاضر لغوٌ.
[ ١ / ٣٢٣ ]
شركة الأغيار، والإضافة لا تقطع، فتعتبر الإشارة، وتَبْطل الإضافة (^١).
ولهما: أن لكل واحدةٍ منهما فائدة سوى فائدة الأخرى، أما فائدة الإضافة أن المملوك لا يُهجَر لعينه، وإنما يُهجر لأجلِ مالَكه، فكان المقصود إظهار غيظِ لَحِقَه من المالك، والمقصود من الإشارة تقييد اليمين بهذا المحل، لعداوةٍ وقعَت بينهما بسبب هذا المحلّ.
وإذا كانت الإضافة داعيةً إلى اليمين تقيّد اليمين ببقائها (^٢)، بمنزلة الاسم والصفة، إذا كانت داعية إلى اليمين تقيّد اليمين ببقاءها.
كما لو حلَف: لا يأكل هذا الرّطَب، فأكل بعد ما صار تمرا، لا يحنث؛ لأن صفة الرطوبة تَصلح داعية إلى اليمين، لضَررٍ تعلق بها، فتَتَقيّد اليمين ببقائها (^٣).
بخلاف ما إذا حلَف: لا يكلّم هذا الصبي، فكلّمه بعد ما شاخ، حنث؛ لأن
_________________
(١) ولذا قال العتابي: "الإضافة تلغو عد الإشارة". "شرح الزيادات" ورق ١٤.
(٢) كذا في الأصل، وجاء في ج ود: "بتقييد اليمين ببقاءهما"، وهذا خطأ وتصحيف، والصحيح ما أثبت.
(٣) علّله ابن الهمام بأن الأصل أن المحلوف عليه إذا كانت بصفة داعية إلى اليمين، تقيّد به في المعرف والمنكر، فإذا زالت زال اليمين عنه، وما لا تصلح داعيةً، اعتبر في المعرف دون المنكر. "فتح القدير" ٤/ ٤٥.
[ ١ / ٣٢٤ ]
صفة الصّباء داعية إلى الرحمة، لا إلى الهجران، فلا يُعتبر (^١)، وتعلق اليمين بالإشارة.
فإن قيل: هذا يستقيم في الثوب والدار، لا في العبد؛ لأن العبد قد يهجر لعينه.
قلنا: روى ابن سماعة (^٢) عن أبي حنيفة ﵀ في العبد، كما قال محمد ﵀ (^٣).
وفي ظاهر الرواية: لا فرق بين الدار، والعبد؛ لأن العبد لخِسّته، وسقوط [رُتبته] (^٤) ملحَق بالجَمَادات لا يقصد بالهجران، فكانت الإضافة معتبرة، فلا يحنث عند زوالها.
فإن قال: عَنَيت بهذا أن لا أدخلها ما دامت في مِلكِ فلان.
قال محمد ﵀: يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوَى محتمل لفظه، ولا يُصدّق قضاءً؛ لأنه نوَى تخصيص بعض الأحوال، فلا يصحّ، فصار (^٥) كما لو حلف: لا يأكل طعامًا، ونوى طعاما دون طعام.
وإن قال (^٦): عَنيت أن لا أدخلها حال قيام الملك، وبعد الزوال أيضًا، يصدّق،
_________________
(١) لأن هجران المسلم بمنع الكلام معه منهي عنه، فلم يعتبر ما يخال داعيا إلى اليمين من جَهله وسوء أدبه، فإن الشارع منعنا من هجران المسلم مطلقا. "فتح القدير" ٤/ ٤٥.
(٢) هو محمد بن سَماعة بن عبيد الله التميمي، وقد تقدم ترجمته في ص ١٩٧.
(٣) "تحفة الفقهاء" للسمرقندي، ٢/ ٣٣٧.
(٤) ما بين المعكوفتين سقط من الأصل.
(٥) "فصار" ساقط من بقية النسخ.
(٦) "قال" ساقط في النسخ الأخرى، ويجب ثبوته، فلا يستقيم الكلام بدونه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
قضاء؛ لأنه نوى التشديد.
وإن أفرد الإضافة عن الإشارة، بأن قال: لا أكلّم عبد فلان، لا أركب دابّة فلان، [لا أسكن دار فلان] (^١)، لا ألبَس ثوب فلان، فباع فلان داره، أو عبدَه، أو ثوبَه، ففَعَل الحالف، لا يحنث.
أما عندهما فظاهر، وكذلك عند محمد؛ لأنه لما أفرَد الإضافة عن الإشارة كان المراد إظهار غيظ لحقّه من جهة المالك.
وإن كلّم عبدا، اشتراه فلانٌ بعد اليمين، أو ركب دابة اشتراها فلان بعد اليمين، حنث في يمينه؛ لما ذكرنا أن المقصود هجران المالك مطلقا، وفي هذا لا فرق بين الحادث والقديم.
وهذا فيما يستحدث الملك فيه عادة، أما ما لا يستَحدِث المِلك فيه عادة، كالدار، وأفرد الإضافة عن الإشارة، فالمسألة (^٢) على وجوه:
إن دخل دارا كانت في ملكه وقت اليمين، ووقت الدخول، حنث في قولهم جميعا (^٣).
وإن دخل دارا (^٤) كانت في ملكه وقت اليمين، وهي ليست في ملكه وقت الدخول، لا يحنث؛ لأن الإضافة داعية إلى اليمين، وقد زالت.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وزيد من بقيّة النسخ.
(٢) كذا في الأصل، وفي النسخ الأخرى: فهو على وجوه.
(٣) جميعا ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) كذا في الأصل، وقوله: "دخل دارا" ساقط من بقيّة النسخ، وثبوته أولى.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وإن دخل دارا اشتراها فلان بعد اليمين، حنث عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يحنث، عند أبي يوسف، وعنه في رواية: ينصرف اليمين إلى الموجود وقت اليمين، وإلى، الحادث بعده في جميع الفصول.
وفي ظاهر الرواية فرّق بين الدار وغيرها، فقال: الدار مما لا يستحدث فيها الملك عادة، فكان مقصود الحالف (^١) ظاهرا الامتناع عن دخول دارٍ هي مملوكة له وقت اليمين، كما في النكاح والنسب.
ولهما أن اللفظ مطلق، فلا يقيّد، وما قال من العادة، قلنا: هي مشتركة، فلا يصلَح مقيّدا.
ولو قال: لا أدخل دارا لفلان، اختلفت الروايات فيه عن أبي يوسف، والأصحّ أنه على هذا الخلاف.
ولو قال: لا أكلّم زوج فلانة، أو زوجةٍ فلان، أو صديق فلان، أو أخ فلان، أو ابنه، وهو الفصل الثاني، أن جمع بين الإضافة والإشارة، فقال: زوج فلانة هذا، أو صديق فلانٍ هذا، فكلّمه بعد زوال الزوجية، والصّدَاقة، حنث في قولهم؛ لأن الحر يُهجَر لعينه، ويحتمل هجرانه لغيره، فإذا جمع بين الإضافة والإشارة، انتفى جهة الهجران لغيره، إذ لو كان هجرانه لغيره لاقتصر على الإضافة، فكانت الإضافة ههنا للتعريف، بمنزلة الإشارة، كأنه قال: لا أكلّم هذا الشخص.
والدليل على هذا الأصل ما ذكر في هذا الباب: رجل حلَف لا يكلم إخوة فلان، وهم عشرة، أو بني فلان، أو نساء فلان، لا يحنث ما لم يكلّم الكلّ.
_________________
(١) وفي (ا) و(ب): "فكان مقصود ظاهر الامتناع"، وما ثبت أصح.
[ ١ / ٣٢٧ ]
ولو حلف لا يكلم عبيد فلان، وهم عشرة، أو لا يركب دوابَّ فلان، فكلّم ثلاثا منهم، أو ركب الثلاث، حنث؛ لأن في الفصل الأول تعلّقت اليمين بأعيانهم، وتنصرف إلى الموجودين وقت اليمين، فكانت الإضافة بمنزلة الإشارة، كأنه قال: لا أكلّم هؤلاء، فما لم يكلّم الكلّ، لا يحنث، وهذا عند محمد ﵀.
أمّا عندهما إضافة النسبة إذا كانت مطلقة، لا تكون بمنزلة الإشارة، حتى لو زالت الزوجيّة والصداقة، لا يحنث عندهما؛ لما يذكر في آخر الباب.
وفي الفصل الثاني: المنع لمعنىً في المالك، فلا يتعلق اليمين بأعيانهم، إلا أنه ذكر الإضافة بلفظة الجمع، وأقلّ الجمع ثلاثة.
وإن أفرد الإضافةَ عن الإشارة في هذا الفصل، فقال: لا أكلّم صديق فلان، أو زوجة [فلان] (^١)، أو نحو ذلك، فكلّم بعد زوال الزوجية، والصّداقة، لا يحنث عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ويحنث عند محمد ﵀.
وجه قوله (^٢): أن الداعي إلى اليمين أذىً لَحِقه من جهته، لا من جهة فلان، لأن الحرّ يُقصد بالهجران لعينه، فكانت الإضافة بمنزلة الإشارة، ألا ترى أنه لو كلم امرأةً تزوّجها فلان بعد اليمين، لا يَحنث.
ولهما: أن هجران الحرّ لغيره محتمل أيضًا، فإذا ترك الإشارةَ، دّل ذلك على هذا الوجه؛ إذ لو كان لِعينِه لعَيّنَه.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من (ا) و(ب).
(٢) "وجه قوله" ساقط من (ا) و(ب).
[ ١ / ٣٢٨ ]
وإن لم يكن له صديق، ولا زوجة، فاستحدث، فكلّمه، ينبغي أن يحنث عندهما على هذا الأصل.
وإن حلف: لا يكلم صاحب هذا الطّيْلَسَان (^١)، فكلّمه بعد ما باع، حنث بالإجماع؛ لأن الإنسان لا يمتنع عن كلام صاحب الطيلسان، لأجل الطيلسان (^٢)، فكانت، الإضافة للتعريف، وإن كلّم المشتري لا يحنث؛ لِما ذكرنا أن الإضافة للتعريف.
_________________
(١) "الطيلَسان": فارسي معرّب، قال الفارابي: هو فيعلان، بفتح الفاء والعين، والجمع: طَيَالِسة، والطيلسان: من لباس العجم، وفي القاموس: الطيلسان: ضرب من الأكيسة. "القاموس المحيط" و"المصباح المنير" مادة: طلس.
(٢) لأن الطيلسان مما لا يقصد بالمنع، وإنما يقصد ذات صاحبه، وإنها باقية. "بدائع الصنائع" ٣/ ٨٠.
[ ١ / ٣٢٩ ]