بني البابَ على أن المبتلَى بين الشّرّين (^١) يَختار أهْونَهَما (^٢)؛ لأن مباشَرة الحرام
_________________
(١) وفي (أ) "البليتين"، شاع عند بعض الفقهاء هذا التعبير: "من ابتلي بين بليتين أو بين شرين" "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٨، والأولى في التعبير أن يقال: "من خيّر بين بليتين، أو ابتلي بإحدى بليتين غير عين" لأن من ابتلي بهما لا يسلم منهما، فكيف يختار أهونهما، نبّه إليه الشيخ الشِّلْبِي في حاشيته على "تبيين الحقائق" ١/ ٩٨.
(٢) "يُختار أهونُ الشرّين" المجلة، مادة: ١٩، "إذا تعارضَ مَفسدَتان، روعِي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفّهما" مادة: ٢٨، الأشباه لابن نجيم ص ٩٨، "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" مادة: ٢٧، هذه القواعد الثلاث، مختلفة الألفاظ، متحدة المعنى منبثقة من القاعدة الفقهية المشهورة: "جلب المصالح ودَرء المفاسد"، "القواعد الفقهية" ص ٣١٣. ويقول الإمام عز الدين بن عبد السلام: "إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، امتثالا لأمر الله تعالى فيها لقوله ﷾: "فاتقوا الله ما استطعتم". وإن تعذّر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة، ولا نبالي بفوات المصلحة". "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" ٢/ ١٦٠، وقال الزيلعي في باب شروط الصلاة: الأصل في جنس هذه المسائل: أن من ابتلي ببليتين وهما متساويتان، يأخذ بأيتهما شاء، وإن اختلفا، يختار أهونهما، لأن مباشرة الحرام لا تجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة. "تبيين الحقائق" ١/ ٩٨. ويمكن الاستيناس في تقرير هذه القواعد بقوله تعالى: "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قُلْ قِتالٌ فيه كبير وصدّ عن سبيلِ اللهِ وكُفْرٌ به والمسجدِ الحرام وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند الله والفتنة =
[ ١ / ٢٣٤ ]
لا تُباح إلا لضرورة، ولا ضرورة في الزيادة (^١).
قال محمد ﵀:
رجل بِحَلقه جَراح (^٢) لا يَقدر على السّجود (^٣)، ويقدر على غيرها (^٤) من
_________________
(١) = أكبرُ مِنَ القتل" (البقرة: ٢١٧). كما نجد في الحديث النبوي توجيه إلى مثل هذه القاعدة: روي عن عائشة ﵂، قالت: "ما خُيّرَ رسولُ الله - ﷺ - بين أمرين، أحدُهُمَا أيسَرُ مِن الأخر، إلا اختارَ أيسَرَهُما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثما، كان أبعدَ الناسِ مِنه" أخرجه مسلم في الفضائل: ٦٠٠٢ و٥٩٩٩، والبخاري في المناقب: ٣٥٦٠ وفي الأدب: ٦١٢٦، وأبو داود في الأدب: ٤٧٨٥.
(٢) أي لا ضرورة في ارتكاب الزيادة، بناء على مبدء عام وقاعدة ثابتة: "ما أبيح للضرورة يتقدّر بقدرها" مجلّة الأحكام العدلية، مادة: ٢٢ أو "الضرورات تقدّر بقدرها" "الأشباه والنظائر" لابن نجيم ص ٨٦، والسيوطي ص ٨٤، فما جاز للضرورة، يجوز إجرائه بالقدر الكافي لإزالة تلك الضرورة فقط، ولا يجوز استباحته أكثر مما تزول به الضرورة، والمراد بالضرورة هنا ما يرفع المؤاخذة؛ أي الحالة المُلجئة لتناول الممنوع شرعا. انظر "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" لعلي حيدر ١/ ٣٤. وهذه القاعدة مستوحاة من قوله تعالى: "فَمَنِ اضطُرّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه البقرة: ١٧٣، "ولا عادٍ" أي غير متجاوز مقدار الضرورة.
(٣) كذا في الأصل و(ب) وفي (ج) و(د) "جراحة".
(٤) أي لا يقدر على السجود أصلا بسبب جرح أو خوف أو مرض فالكل سواء، فإذا كان الرجل في جبهته جرح لا يستطيع السجود عليه، لم يجزه الإيماء، وعليه أن يسجد على أنفه فقط، وكذا لو كان الجرح بأنفه وهو يستطيع أن يسجد على جبهته، لا يومئ، ويسجد على جبهته فقط. انظر "كتاب الأصل" ١/ ٢٢٢، و"البحر الرائق" ١/ ١٢٢.
(٥) وفي (ج) و(د) "غيره".
[ ١ / ٢٣٥ ]
الأفعال، فإنه يصلي قاعدًا بإيماء (^١)، لأن القيام والركوع شرعا وسيلة إلى السجود، لأن معنى القربة في الخرور، و"الخرور" سُقوط من القيام (^٢)، فكان القيام وسيلة إلى السجود، ولهذا شرع السجود قربة خارج الصلاة (^٣)، دون القيام والركوع.
فإذا سَقط السجود لمكان العَجز، سقط الوسيلة والتبعُ تحقيقا للتبعيّة (^٤).
_________________
(١) وفي (أ) "بالإيماء"، والإيماء لغة: الإشارة، "أومأت إليه" إيماءً، أشرت إليه بحاجب أو يد أو غير ذلك. "المصباح المنير" ص ٦٧٣. وحقيقة الإيماء: طأطأة الرأس، وروي مجرد تحريكها، انظر: "ردّ المحتار" لابن عابدين ١/ ٥٠٩، وقال علاء الدين السمرقندي: إذا عجز عن الإيماء وهو تحريك الرأس سقط عنه أداء الصلاة عندنا. "تحفة الفقهاء" ١/ ١٩٢، فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخرت الصلاة عنه، ولا يؤمئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه، وَحُكِىَ ابن الهمام عن محمد ﵀ قال: "لا أشك أن الإيماء برأسه يجزئه، ولا أشك أنه بقلبه لا يجزئه، وأشك فيه بالعين". "فتح القدير" ١/ ٣٧٦. وقوله: "يصلي قاعدا بإيماء" أي جوازًا، لا وجوبا، فلو قام وقرأ وركع، ثم قعد وأومأ للسجود، يجزيه، كما صرّح به الشارح في المسألة التالية.
(٢) "خَرّ": سَقَط سقوطا يسمع منه خَريرٌ، والحرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من عُلوّ، وقوله تعالى: "خرّوا له سُجّدًا" فاستعمال "الخر" تنبيه على اجتماع أمرين: السقوط، وحصول الصوت منهم بالتسبيح. "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب الأصفهاني، ص ١٤٥، "المصباح المنير" مادة: خرّ، ص ١٦٦.
(٣) مثل سجدة التلاوة، وسجدة الشكر.
(٤) نقل ابن نجيم عن البدائع أن الركوع يسقط عمن يسقط عنه السجود وإن كان قادرا على الركوع. "البحر الرائق" ٢/ ١٢٢.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وكذا لو كان بحال لو سجد سال جُرحه، وإن لم يسجد لا بسيل لأن ترك السجود أهون من الصلاة مع الحدث (^١)، فإن الصّلاة بالإيماء حالة الاختبار جائزة، وهو التطوع على الدابّة، والصلاة (^٢) مع الحدَث لا تجوز بحالٍ ما (^٣).
فإن قام وقرأ وركع ثم قعد وأومأ للسجود (^٤)، جاز، والأول أولى (^٥) لما قلنا.
_________________
(١) والضابط في هذا ما ذكره الإمام قاضي خان في فتاواه: "كل من لا يقدر على أداء ركن إلا بحدث يسقط عنه ذلك الركن"، "فتاوى قاضي خان" ١/ ١٧٢، وانظر "الفتاوي التاتارخانية" ٢/ ١٣١.
(٢) "الصلاة" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أولى كما في الأصل.
(٣) انظر: "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٨، و"الأشباه والنظائر" لابن نجيم، ص ٩٨.
(٤) وفي (أ) و(ب) "بالسجود".
(٥) مَن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود أو عن السجود فقط يسقط عنه القيام في المذهب عند الحنفية، كما في هاتين المسألتين، ونصّ المرغيناني والزيلعي وابن عابدين على أن الصورة الأولى أفضل له، وعللوا بأن ركنية القيام للتوسل به إلى السجدة لما فيها من نهاية التعظيم، فإذا كان لا يتعقبه السجود لا يكون ركنا، فيتخير، والأفضل هو الإيماء قاعدا، "الهداية" ١/ ٧٧، "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٨، وذكر ابن عابدين أن ما عنده من كتب المذهب، فتاوى وشروح، كلهم متفقون على التعليل بأن القيام سقط لأنَّهُ وسيلة إلى السجود، وأن هذه المسألة من المسائل التي سقط فيها وجوب القيام مع انتفاء العجز الحقيقي والحكمي. "ردّ المحتار" ١/ ٥٠٩ ومثله في "منحة الخالق على البحر الرائق" لابن عابدين، مطبوع على هامش البحر الرائق ٢/ ١٢٦. وعند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد لم يسقط عنه القيام، يصلي قائما فيوميء للركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجدة. رجع المدونة الكبرى ١/ ٧٦، وكتاب الأم ١/ ٦٩، والمغني لابن =
[ ١ / ٢٣٧ ]
وكذا شيخ، لو صلى قائما سلَس بوله، أو سال جرحه، أو لا يقدر على القراءة، ولو صلى قاعدًا، لم يُصبه شيء من ذلك، فإنه يصلي قاعدًا، يركع، ويسجد) لأنَّهُ ابتُلي
_________________
(١) = قدامة ١/ ٧٨٢، وهذا ما قاله عدد من الفقهاء الحنفية، منهم الإمام زفر كما في "بدائع الصنائع" ١/ ١٠٧، والإمام خواهر زاده محمد بن محمود بن عبد الكريم الكَردري، كما في "فتح القدير" ١/ ٣٧٧، وهذا ما اختاره صاحب "النهر الفائق شرح كنز الدقائق" عمر بن إبراهيم أخ العلامة ابن نجيم، فقال: "يفرض عليه أن يقوم للقراءة، فإذا جاء أوان الركوع والسجود أومأ قاعدا" نقل عنه في "ردّ المحتار" ١/ ٥٠٩، والذي ذكره في النهر، أقرّه عليه الطحطاوي في حاشيته على "مراقي الفلاح" ص ٢٥٢، ويميل إليه ابن الهمام، فتعقّب على ما قاله المرغيناني بقوله: "هذا مبنيّ على صحة المقدمة القائلة: ركنية القيام ليس إلا للتوسل إلى السجود، وقد أثبتها بقوله: لما فيها من زيادة التعظيم، أي السجدة على وجه الانحطاط من القيام، فيها نهاية التعظيم وهو المطلوب، فكان طلب القيام لتحقيقه، فإذا سقط سقط ما وجب له، وقد يمنع أن شرعيته لهذا على وجه الحصر، بل له ولما فيه نفسه من التعظيم كما يشاهد في الشاهد من اعتباره كذلك، حتَّى يحبّه أهل التجبر لذلك، فإذا فات أحد التعظمين صار مطلوبا بما فيه نفسه، ويدل على نفي هذه الدعوى أن من قدر على القعود والركوع والسجود لا القيام، وجب عليه القعود مع أنه ليس في السجود عقيبه تلك النهاية لعدم مسبوقيته بالقيام "فتح القدير" ١/ ٣٧٧. وما قاله صاحب "النهر" هو الأولى والأحوط عندي من وجوب القيام لمن قدر عليه، لأن القيام والركوع ركن من أركان الصلاة، وأمره عظيم، والتعليلات العقلية لا تبرّر لسقوطه مع القدرة عليه، وظاهر حديث عمران بن حصين: "صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا" (أبو داود ٩٥٢، الترمذي ٣٧٢، النسائي ١٢٢٣) مؤيد له، والعجز عن إتيان بعض أركان الصلاة لا يقتضي سقوط سائرها، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور، والضرورة تتقدر بقدرها، كما تجدر الإشارة هنا بأن الإمام قاضي خان تبنّى في ثنايا هذا الباب قاعدة أخرى تتفرّع من قاعدة الباب وهي: "ترك فريضة واحدة أهون من ترك الفرائض"، ص ٢٤٣، فهذه القاعدة أيضًا تؤيد ما قلناه آنفا.
[ ١ / ٢٣٨ ]
بين ترك القيام، وبين الصلاة مع الحدث أو بدون القراءة، وترك القيام أهون، فإنه يجوز حالة الاختيار، وهو التطوع (^١) على الدابة (^٢)، وترك القراءة لا يجوز إلا لعذر (^٣)، وكذا الصلاة مع الحدث.
ولو كان (^٤) لو سجد، سال (^٥) جرحه، أو سلَس بَوله، ترك السجود أيضًا، لما قلنا، ويصلي بالإيماء، ويجعل السجودَ أخفض من الركوع (^٦).
_________________
(١) وهو "التطوع" ساقط من (ب).
(٢) "على الدابة" ساقط من بقيّة النسخ.
(٣) وفي (ب) "إلا بعذر"، ومثاله أن المصلي لو كان به وجع السنن بحيث لا يطيقه إلا بإمساك الماء أو الدواء في فمه، وضاق الوقت، فإنه يقتدي بإمام، وإن لم يجد يصلي بغير قراءة ويعذر. ذكره الشيخ الشلبي نقلًا عن صاحب القنية والدراية في باب صلاة المريض، انظر حاشية الشلبي على "تبيين الحقائق" ١/ ٩٨.
(٤) وفي (ب) "وإن كان".
(٥) وفي (ب) "يسيل".
(٦) فيه إشارة إلى أنه يكفيه أدنى الانحناء الزائد عن انحناء الركوع للتمييز بينهما، وأنه لا يلزمه تقريب جبهته من الأرض بأقصى ما يمكنه. "ردّ المحتار" ١/ ٥٠٩، "فتح القدير" ١/ ٣٧٥، وأنه يلزمه جعل السجود أخفض من الركوع، حتَّى لو سوّاهما للايصحّ. "البحر الرائق" لابن نجيم ٢/ ١٢٢. وجعل الإيماء بالسجود أخفض من الركوع يستند إلى ما رواه البزار في مسنده، كما في نصب الراية ٢/ ١٧٥ والبيهقي ٢/ ٣٠٦ كلاهما من حديث جابر "أن النَّبِيّ ﷺ عاد مريضا، فرأه يصلي على وسادة، فأخذها فرمي بها، فأخذ عُودا ليصلي عليه، فأخذه فرمي به، وقال: "صلّ على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماءً، واجعل سجودَك أخفضَ من ركوعك" =
[ ١ / ٢٣٩ ]
فإن صلى في هذين الفصلين بركوع وسجود مع سيلان الدم، لا يجوز، لأنَّهُ ترك الصلاة بطهارة مع القدرة عليها.
وإن كان لو صلى قائما (^١) أو قاعدا، سال جرحه، وإن استلقي على قَفاه لا يسيل، فإنه يقوم، ويركع، ويسجد) لأن الصلاة مع الحدث كما لا تجوز إلا لضرورة، فمع الاستلقاء (^٢) أيضًا لا تجوز إلا لضرورة (^٣)، فاستويا، فترجّح الأداء مع الحدَث، لِما فيه من إحراز الأركان (^٤).
المحبوس في السجن في المصر، إذا كان على وضوء، فلم يجد مكانا نظيفا، فإنه يصلي بالإيماء، ثم يعيد إذا خرج، والقياس أن لا يعيد، وهو قول أبي يوسف وزفر رحمهما الله.
وكذا إذا لم يكن على وضوء، ولم يجد ماء، ووجد ترابا نظيفا، فإنه (^٥) يصلي بالتيمّم (^٦)، ثم يعيد، وفي القياس لا يعيد، وهو قول أبي يوسف وزفر رحمهما الله.
_________________
(١) = وقال ابن حجر في الدراية ١/ ٢٠٩: رواة البيهقي ثقات، وقال الزيلعي: ورواه أبو يعلى عن عطاء عن جابر مرفوعا به. ٢/ ١٧٥.
(٢) وفي (أ): "ولو كان لو صلى بإيماء".
(٣) الاستلقاء: أن يلقي على ظهره، ويجعل رجلاه إلى القبلة وتحت رأسه مخدّة ليرتفع فيصير شِبه القاعد، ويصير وجهه إلى القبلة لا إلى السماء. "تبيين الحقائق" ١/ ٢٠١.
(٤) وفي بقيّة النسخ: "فكذا مع الاستلقاء"، بسقوط عبارة: "أيضًا لا تجوز إلا لضرورة".
(٥) أي أداء أركان الصلاة بتمامها من القيام والركوع والسجود.
(٦) "فإنه" ساقط من (ب).
(٧) عدم الماء في المصر إنما لا يعتبر لأنَّهُ لا يكون إلا نادرا، فأما في السجن فعدم الماء ليس بنادر، =
[ ١ / ٢٤٠ ]
أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فرّقا بين هذين الفصلين، وبين المسافر إذا صلى على الدابة بالإيماء لخوف سبع، أو لِصّ، أو طين، أو مرض، أو تيمّم لخوف سبع، أو لعذر آخر، فإنه لا يعيد، والفرق أن المنع ههنا جاء، لا من قبل من له الحق، فلا يعتبر، وثمّة العذر (^١) جاء من قِبل مَن له الحق، وتمامه في كتاب الصلاة (^٢).
فإن كان المحبوس على غير وضوء، فلم يجد ماءً، ولا ترابا نظيفا (^٣)، فإنه لا يصلي، وكذلك المسافر إذا لم يجد ماء، ولا ترابا نظيفا لا يصلي (^٤).
وقال أبو يوسف ﵀ (^٥): يصلي بالإيماء ثمّ يعيد، لأنَّهُ إن عجز عن التحقيق، لم يَعجِز عن التشبّه، فيأتي بالتشبّه، إظهارًا للعبودية، كمن عجز عن الصوم يتشبّه (^٦).
_________________
(١) = فكان معتبرًا، فأمره الصلاة بالتيمم لعجزه عن الماء. "المبسوط" ١/ ١٢٣.
(٢) "العذر" ساقط من في بقيّة النسخ.
(٣) انظر "كتاب الأصل" ١/ ١٢٥، فالأمر بالإعادة أخذ بالاستحسان، لأن عدم الماء كان المعنى من العباد، ووجوب الصلاة عليه بالطهارة لحق الله تعالى فلا يسقط بما هو من عمل العباد، بخلاف المسافر، فإن هناك جواز التيمم لعدم الماء لا للحبس، فلا صنع للعباد فيه، فهو نظير المقيد إذا صلي قاعدا تلزمه الإعادة إذا رفع عنه القيد. "المبسوط" ١/ ١٢٣.
(٤) هذه مسئلة فاقد الطهورين؛ أي الذي يفقد الماء والتراب، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس لا يمكنه إخراج تراب مطهر.
(٥) من قوله: "إذا لم يجد ماء" سقطت العبارة كلها في (أ) و(ب).
(٦) زاد في (أ) "إنه".
(٧) ذكر السرخسي أنه اختلفت الروايات عن محمد ﵀، فذكر في "الزيادات" ونُسَخ أبي حفص من "الأصل" كقول أبي حنيفة ﵀، وفي نُسَخ أبي سليمان ذكر قوله كقول أبي =
[ ١ / ٢٤١ ]
هما يقولان: بأن الصلاة بغير طهارة معصية، والعجز عن الطاعة لا يُبيح المعصية (^١)، بخلاف الإمساك في بعض اليوم.
العاري في السفر إذا لم يجد ثوبا. فإنه يصلي قاعدًا بالإيماء، لأنَّهُ ابتلي بين الإيماء، وبين كشف العورة، وكشف العورة أغلظ، لأن الصلاة بالإيماء حالة الاختيار جائزة، وهو التطوع على الدابة، ومع كشف العورة لا تجوز إلّا لضرورة، فكان تَحمّل الإيماء أولى.
ولو كانوا جماعة، يصلون وحدانا بالإيماء، فإن صلوا جماعة يكون الإمام وسطهم، لما عُرف في كتاب الصلاة (^٢).
ولو وجد ثوبا مملوأ من الدم (^٣)، يتخيّر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله،
_________________
(١) = يوسف ﵀. "المبسوط" ١/ ١٢٣، والراجح أن قوله مثل قول أبي يوسف في هذه المسألة، بأنه يتشبّه بالمصلين وجوبا، وهو المفتي به في المذهب، صرّح به الحصكفي، وذكر أنه صحّ رجوع الإمام إليه، راجع "ردّ المحتار" ١/ ١٦٨. ويمكن أن يكون الدليل على وجوب هذا التشبّه ما أخرجه الشيخان والإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" "نيل الأوطار" ١/ ٢٥٢، فلا يجوز للمسلم العاقل أن يمضي عليه وقت الصلاة وهو لا يتشبّه بالمصلين فيه قدر الإمكان، والتكليف إنما يثبت بحسب الطاقة.
(٢) وفي (أ) و(ب): وبالعجز عن الطاعة لا تصح المعصية".
(٣) انظر "كتاب الأصل" باب صلاة العريان، ١/ ١٩٣، وفيه أن الأفضل لهم أن يصلو قعودا وحدانا يومنون إيماء، ويجعلون السجود أخفض من الركوع.
(٤) يعني به أن النجاسة زادت عن ثلاثة أرباع الثوب، فلو وجد ثوبا ربعه طاهر، لم يجزه الصلاة عريانا، لأن ربع الشيء يقوم مقام كله، (كما سيأتي في ص ١٠٤) فصار كما لو كان كله طاهرا، ويخيّر إذا كان الطاهر أقل من الربع. يرجع "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٧، و"كتاب الأصل" =
[ ١ / ٢٤٢ ]
إن شاء صلى في الثوب النجس (^١) بركوع وسجود، وإن شاء صلى عاريًا بالإيماء (^٢).
وقال محمد ﵀: يصلي في الثوب النجس (^٣) بركوع وسجود، لا يجوز له إلا ذلك؛ لأنَّهُ ابتلي بين ترك فريضة واحدة، وهو ترك (^٤) طهارة الثوب، وبين ترك الفرائض، وترك فريضة واحدة أهون (^٥).
ولأن حكم العورة أشدّ، فإن من العلماء من جوّز الصلاة في الثوب النجس، وهو عطاء (^٦) ﵀، كالطواف يجوز (^٧) في الثوب النجس، وإن كان الطواف صلاة
_________________
(١) = ١/ ١٩٣، و"فتح القدير" ١/ ١٨٢.
(٢) "النجس" ساقط من (أ) و(ب).
(٣) نص المرغيناني والزيلعي على أن الصلاة في الثوب النجس أفضل من الصلاة عريانا، لما فيه من الإتيان بالركوع والسجود وستر العورة. راجع للتفصيل "فتح القدير"، ١/ ١٨٤، و"تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٧.
(٤) "النجس" ساقط من النسخ الأخرى.
(٥) "ترك" ساقط من (ب).
(٦) يوجّه لقوله بأن خطاب التطهر سقط عنه لعجزه، ولم يسقط عنه خطاب الستر لقدرته عليه، فصار بمنزلة الطاهر، لكن يرد هذا بأن المأمور به هو الستر بالطاهر فإذا لم يقدر عليه سقط، فيميل إلى أيهما شاء. "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٨.
(٧) هو عطاء بن حمزة السُغدي، كان فاضلا عارفا بالمذهب، متبحرا إمامًا في الفروع والأصول، ترد الفتاوى عليه من أقطار الأرض، أخذ عنه جماعة، منهم نجم الدين عمر النسفي. ترجمته في: "الطبقات السبتية" برقم ١٤٣١، و"كتائب أعلام الأخبار" برقم ٢٨٨. و"الجواهر المضية" برقم ٩٣٧، و"الفوائد البهية" ص ١١٦.
(٨) كذا في الأصل، و"يجوز" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أولى.
[ ١ / ٢٤٣ ]
بالحديث (^١)، وأحد لم يجوّز الصلاة مع انكشاف العورة، كما لا يجوز الطواف.
وهما يقولان: كل واحد منهما مانع حالة الاختيار، فاستويا، فيتخيّره (^٢)، ولا نقول (^٣): إن في الإيماء ترك الفرائض، بل فيه تحصيل الأركان (^٤)، لكن (^٥) بضرب قصور مع احتراز (^٦) الطهارة، وفي ذلك تحصيل الأركان مع استعمال النجاسة، وذلك ضرب قصور أيضًا، فاستويا.
ولو كان معه (^٧) ثوبان، نجاسة أحدهما أكثر من قدر الدرهم، ونجاسة الآخر أقلّ، يصلي في أقلّهما نجاسة؛ لأنَّهُ طاهر في حق الصلاة، وإن كان نجاسة كل واحد منهما أكثر
_________________
(١) أي ثبت بالحديث أن الطواف في حكم الصلاة، وهذه إشارة إلى ما رواه النسائي عن طاوس، عن رجل أدرك النَّبِيّ ﷺ قال: "الطواف بالبيت صلاة فأقِلّوا من الكلام" أخرجه النسائي وانفرد به، رقم الحديث ٢٩٢٢، كتاب المناسك، باب إباحة الكلام في الطواف. كما روى النسائي في الباب رواية أخرى عن طاوس قال قال عبد الله بن عمر: "أقلّوا الكلام في الطواف فإما أنتم في الصلاة" الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس موقوفًا الحديث بلفظ: "الطواف بالبيت صلاة" مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٠١.
(٢) وفي (أ) و(ب) فيتخير".
(٣) وفي (أ) ولا يقال.
(٤) لقيام البدل مقام الأصل.
(٥) "لكن" ساقط من (ب).
(٦) وفي (أ) و(ب) "إحراز" وهو خطأ.
(٧) سقطت العبارة في (ب) من قوله وفي ذلك تحصيل الأركان إلى قوله: ولو كان معه.
[ ١ / ٢٤٤ ]
من قدر الدرهم، يتخيّر لاستواءهما في المنع، والمستحبّ: الصلاة في أقلهما نجاسة؛ لأن ذاك (^١) أقرب إلى الأدب.
ولو كان دم أحدهما قدر الرّبع، ودم الآخَر أقل، يصلي في أقلهما دمًا، لا يجزيه إلا ذلك، لأن الربع له حكم الكل (^٢).
ولو كان في كل واحد منهما قدر الربع، وفي أحدهما أكثر، لكن لا يبلغ ثلاثة أرباع الثوب، صلى في أيّهما شاء؛ لاستواءهما في الحكم، والأفضل الصلاة في أقلهما نجاسةً (^٣)، لما قلنا.
ولو كان رُبع أحدهما طاهرا، والآخر مملوا دمًا، يصلي في الذي ربعه طاهر؛ لأنَّهُ أهون، ألا ترى أن العارى، لو (^٤) وجد ثوبا رُبعه طاهر، فصلي عاريا، لا يجوز.
ولو وجد ثوبا مملوأ من الدم، أو الطاهر منه دون الرُّبع، يتخيّر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله (^٥)، إن شاء صلي فيه، وإن شاء صلي عريانا (^٦).
ولو كان طرف أحدهما طاهرا، يمكنه أن يتّزر به، فإنه يتّزر به، ويصلي، لا يُجزيه إلا ذلك.
_________________
(١) "ذاك" ساقط من النسخ الأخرى.
(٢) يرجع "فتح القدير" ١/ ١٨٤، و"تبيين الحقائق"، للزيلعي ١/ ٩٧.
(٣) انظر "الأشباه والنظائر" ص ٩٨.
(٤) وفي (أ) و(ب) "إذا" مكان "لو".
(٥) كذا في الأصل و(ج)، وجاءت العبارة في (أ) و(ب) كما تلي: ولو وجد ثوبا أقل من ربعه طاهر، إن شاء صلى فيه، وإن شاء صلى عريانا.
(٦) قد سبق ذكره مفصلًا في ص ٢٤٢.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أما إذا كان لا يتحرك الطرف الآخَر فلا يشكل، وأمّا إذا كان يتحرك، وهو المراد [من المذكور في] الكتاب (^١)، فلأنه صلى] (^٢) في الثوب الطاهر، وهو حامل النجاسة، ولو صلي في [الثوب] الآخَر (^٣) كان مستعملا للنجاسة، وفي الاستعمال حمل وزيادة، فكان ما قلناه أهون (^٤).
امرأة خرجت من البحر عريانة، ومعها ثوب، لو صلّت فيه قائمة، ينكشف شيء من فخذها ومن ساقِها ما يمنع الجواز (^٥)، ولو صلت قاعدة لا ينكشف، فإنها تصلى قاعدة، لما ذكرنا أن ترك القيام أهون، وكذا لو انكشف الساق وحدها.
ولو صلت قائمة لا ينكشف منها شيء، أو ينكشف شيء يسير، أقلّ من رُبع الساق، تصلي قائمة؛ لأنَّهُ لا عذر لها في ترك القيام، ودلت هذه المسألة على أن القدم (^٦) ليس بعورة.
ولو كان الثوب يغطّى جسدَها، وربعَ رأسها، فتركت تغطية الرأس،
_________________
(١) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، ففيه: "وهو المراد بالكتاب"، أي المتن، وهو "الزيادات".
(٢) وفي (أ) و(ب) "يصلي".
(٣) كذا في (أ) و(ب)، وكلمة "الثوب" ساقط من الأصل.
(٤) ينبغي الاعتبار أن هذا حكم من خُيّر بين ثوبين أحدهما نجس كله، والثاني في طرفه نجاسة، لكن يختلف الحكم في الظروف العادية، قال قاضي خان في فتاواه: "إذا صلى في ثوب وطرفه طاهر، وطرف منه نجس فلبس الطرف الطاهر وألقى الطرف النجس على الأرض، إن كان ما على الأرض يتحرك بتحركه، لا تجوز صلاته". "فتاوى قاضي خان" ١/ ٣٣.
(٥) وزاد في (أ) و(ب) "جواز الصلاة".
(٦) وفي (ب) "قدمها".
[ ١ / ٢٤٦ ]
لا تجوز صلاتها؛ لأنّها تركت التغطية مع الإمكان.
ولو كان يغطّى أقل من ربع، لا يضرّها ترك التغطية، لأن ما دون الربع لا يُعطى له حكم الكل، والستر أولى تقليلا للانكشاف.
وكذا لو (^١) انكشف ربع ساقها، تصلى قاعدة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لما عُرِف.
ولو انكشف من ساقها أقل من الربع، ولو جمع يكون ربع ساقٍ واحد، تصلي قاعدة، لأن ما هو عَورة من أعضاءها، كلها في حكم الانكشاف كعضو واحد.
قال ﵀ (^٢): ألا ترى أنه لو انكشف من عورتها شيء، ومن بطنها شيء، ومن ظهرها شيء، ومن فخذها شيء، ومن ساقها شيء، وهي تَقدِر على التغطية، فتركت، لا تجوز صلاتها إذا كان لو جُمِع، يكون مثل ربع ساقها (^٣) أو عورتها (^٤).
بيّن بهذا أن جميع الأعضاء في حكم الانكشاف كعضو واحد، والمسألة بهذا الوضع دليل على التسوية بين العورة الغليظة والخفيفة في اعتبار الربع.
ومن الناس من قال: في [العورة] (^٥) الغليظة يعتبر قدر الدرهم، وفي الخفيفة
_________________
(١) وفي (ب) إذا.
(٢) "قال ﵀" ساقط من (ب).
(٣) وفي (أ) و(ب): "يكون ربع شعرها أوساقها".
(٤) يرجع "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٩٧، فقد بين المسألة محيلا إلى الزيادات.
(٥) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل، وأثبت من النسخ الأخرى.
[ ١ / ٢٤٧ ]
الربع؛ إظهارا للتفاوت بينهما، كما في النجاسة الغليظة والخفيفة (^١)، وإليه مال الكرخي (^٢) ﵀، وهذا غلط، لأنَّهُ يؤدي إلى أن انكشاف جميع العورة (^٣) الغليظة أو أكثرها لا يمنع، وانكشاف بعض (^٤) الخفيفة يمنع.
- والله أعلم -
_________________
(١) "الغليظة والخفيفة" ساقط من (أ) و(ب).
(٢) هو عبيد الله بن الحسين بن دلال، الشهير بأبي الحسن الكرخي، من أهل "كَرخ"، قرية بنواحي العراق، أخذ الفقه عن أبي سعيد البردعي، وانتهت إليه رئاسة الحنفية بالعراق بعد أبي خازم، تفقّه على يديه أبو علي الشاشي صاحب "أصول الشاشي"، وأبو بكر الرازي الجصاص، وأبو الحسن القدوري، وعلي التنوخي، وأبو عبد الله الدامغاني، وانتشر تلاميذه في كل مكان، وممن روى عنه الإمام أبو حفص بن شاهين، وكان مع غزارة علمه عظيم العبادة، صبورا على الفقر، قانعا متعففا، من آثاره: "شرح الجامع الكبير" و"شرح الجامع الصغير" للإمام محمد، ورسالة موجزة "أصول الكرخي" التي تعدّ من أول مصادر القواعد الفقهية، مولده سنة ستين ومائتين، وتوفي ليلة النصف من شعبان سنة أربعين وثلاثمائة. ترجمته في: الأنساب للسمعاني ١٠/ ٣٩٠، معجم البلدان ٤/ ٢٥٦، تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٥٥، طبقات الفقهاء للشيرازي ١٤٢، تاج التراجم ٣٩، الطبقات السبتية برقم ١٣٦٩، الجواهر المضية برقم ٨٩٤، الفوائد البهية ١٠٨، لسان الميزان ٤/ ٩٨، تاريخ بغداد ١٠/ ٣٥٣.
(٣) "العورة" ساقط من (ب).
(٤) وفي (أ) و(ب) ربع الخفيفة.
[ ١ / ٢٤٨ ]