مسائل الباب تدور على أصول:
١ - منها: أن القدرة على الطهارة بالماء، تمنع التيمم وجودًا وبقاءً (^١)، لأن التيمم بدل (^٢)، والقدرة على الأصل (^٣) تمنع المصير إلى البدل (^٤)، [كالقدرة على التكفير بالمال
_________________
(١) قوله: "وجودا وبقاء"، بيّنه الحصكفي في ضابط: كلّ ما يمنع وجودُه التيممَ نقَضَ وجودُه التيممَ. "الدر المختار" ١/ ٢٥٦، وذكره الكاساني بقوله: "والأصل فيه: أن كل ما منع وجودُه التيممَ نقض وجودُه التيممَ". "بدائع الصنائع" ١/ ٥٧.
(٢) التيمم بدل عن الوضوء بلا شك عند جميع الفقهاء، لكنهم اختلفوا في كيفية البدلية: فعند الحنفية التيمم بدل مطلق، يرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء، فيجوز قبل دخول الوقت، وعند الشافعية التيمم بدل ضروري، فلا يرتفع الحدث به لكن أبيح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة كالمستحاضة، فلا يجوز التيمم قبل دخول الوقت عنده، لأنه بدل ضروري ولا ضرورة قبل دخول الوقت، وقد حقّق الكاساني هنا بحثا لطيفا فليراجع. "بدائع الصنائع" ١/ ٥٥.
(٣) كذا في الأصل و(ا) و(ج) و(د) وزاد بعده في (ب): "الطهارة بالماء الأصل" وما أثبت أصح، ولعله توضيح من الناسخ.
(٤) هذه قاعدة مهمَّة وثابتة باتفاق الفقهاء، ذكرها الفقهاء بصياغات مختلفة متقاربة: "إذا تعذّر الأصل يُصار إلى البدل" "القواعد" للزركشي، حرف الهمزة. "إذا بطل الأصل يُصار إلى البدل" مجلة الأحكام العدلية: مادة: ٥٣. "لا يقوم البدل حتى يتعذّر المبدل منه" "القواعد" للإمام المقرّي المالكي، مخطوط مصور عن مكتبة شستربيتي برقم ٤٧٤٨ اللوحة ٤٦، انظر "القواعد الفقهية" =
[ ١ / ١٦٦ ]
تمنع لتكفير (^١) بالصوم (^٢)] (^٣).
_________________
(١) = للدكتور علي أحمد الندوي ص ٢٠٢. وذكرها قاضي خان بأسلوب آخر: "ما لم يقع اليأس عن الأصل لا يصار إلى البدل" صفحة ١٠٦٥ من هذا الشرح، وبيّنها الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: "قاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذّر الأصول كالتراب في الطهارة، والصوم في كفارة اليمين" إعلام الموقعين ٣/ ٣٩٩، وقال السرخسي: "القدرة علي الأصل قبل حصول المقصود بالحلف تسقط اعتبار الحلف"، "شرح السير الكبير" ١/ ٣٤٤. أما بعد حصول المقصود فقال الكاساني فيه: "القدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل، لا تبطل حكم البدل". "بدائع الصنائع" ١/ ٦٥. وهذه القاعدة التي تتفرع عليها مسائل كثيرة فقهية في الطهارة والعبادات والمعاملات، مستوحاةٌ من دلالات النصوص القرآنية، منها: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [سورة النساء: الآية: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة: الآية: ١٨٤]. وقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [سورة البقرة: الآية: ٢٣٩].
(٢) وفي (ج) و(د) "تمنع الصوم".
(٣) وذلك في كفارة اليمين، وهذا بإجماع الفقهاء مستندا إلى صريح الآية القرآنية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٩] فإذا عجز الإنسان عن كل واحد من الخصال الثلاثة المالية لزمه التكفير بالصوم، والمراد بالعَجز: ألا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة زائدا عن حاجته الأصلية، كمن يجد كفايتَه في يومه وكفاية من تجب عليه نفقته فقط، ولا يجد ما يفضل عنه. "الفتاوى الهندية" ١/ ٦١، "المغني" ٨/ ٧٥٦. كما يشترط عند الحنفية استرار العجز إلى الفراغ من الصوم "الدر المختار" ٣/ ٦٢، "بدائع الصنائع" ٣/ ٩٧.
(٤) ما بين المعكوفتين أثبت من (ا) و(ج) و(د)، وفي الأصل: "كما في التكفير بأن القدرة على المال تمنع المصير إلى الصوم"، وما ثبت أوضح.
[ ١ / ١٦٧ ]
والقدرة على الطهارة بالماء (^١)، إنما تكون بوجود ما يكفي للطهارة المحتاج إليها (^٢).
ووجود "الماء المباح" (^٣) كما يُثبت القُدرةَ للواحد، يُثبت للجماعة، لأن "القادر": هو الذي لو أراد تحصيل الفعل لا يتعذر عليه (^٤)، وكلّ واحد من الجماعة بهذه المثابة.
٢ - وحَرف آخر (^٥): أن عند اجتماع الحَدَثين أو النجاستين، يصرف الماء إلى
_________________
(١) الزائد عن حاجته الأصلية، وإلى هذا أشار الإمام العتّابي في تأصيله للباب فقال: "الأصل في الباب: أن القدرة على الماء الفاضل عن حاجته الأصلية تمنع الطهارة بالتيمم ابتداء وبقاء، لأن القدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل يبطل حكم البدل" "شرح الزيادات" للعتابي، مخطوط، ق ٣٠.
(٢) من الشروط الأساسية لجواز التيمم أن لا يكون واجدا للماء قدر ما يكفي الوضوءَ للمحدث أو الغسلَ للجُنب في الصلاة التي تفوت إلى خلّف. انظر "بدائع الصنائع" ١/ ٤٦. "ردّ المحتار"١/ ٢٥٥. وقال المرغيناني: والمراد ماءٌ يكفي للوضوء، لأنه لا معتبر بما دونه ابتداء، فكذا انتهاءً. "الهداية" ١/ ٢٦.
(٣) "المباح" هنا في معناه اللغوي، دون الاصطلاحي، أي الماء الذي أباحه مالكه، فالقدرة تتحقق بالإباحة.
(٤) "القُدرة" هي القوّة على الشيء، والتمكّن منه، وفي الاصطلاح: "هي الصفة التي تمكّن الحيّ من الفعل وتركِه بالإرادة"، و"القادر" في قول الجرجاني: "هو الذي يفعل بالقصد والاختيار". "التعريفات" ص ٢١٩ - ٢٢١.
(٥) قوله: "حرف آخر" بمعنى أصل آخر، مصطلح اتبعه الشراح المتقدمون أيضا، وقد شاع هذا =
[ ١ / ١٦٨ ]
أغلظهما، لكونها (^١) أهمّ، والجَنابة أغلظ من الحدَث (^٢)، لأنها تمنع قراءة القرآن، والحدث لا.
٣ - وحَرف آخر: أن الجَنابة كما لا تَتَجزَّى ثبوتًا، لا تتَجزَّى زوالًا (^٣).
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
_________________
(١) = المصطلح عند قاضي خان في "شرح الزيادات" والحَصيري في "التحرير شرح الجامع الكبير".
(٢) كذا ثبت في (د)، وفي الأصل و(ا) و(ب): "لكونها" وفي (ج): "لكونهما"، وكلاهما خطاء وما أثبت أصح، لأن الضمير عائد إلى: "أغلظ"، أي: يُصرف الماء إلى أغلظ الحدثين وأغلظ النجاستين، ثم المراد من "النجاسة" في هذا الضابط النجاسة الحقيقية، لورودها بإزاء الحدَث، وهو النجاسة الحكمية، يقول الحصكفي معرّفا "النَجَس": هو لغة يعمّ الحقيقي والحكمي، وعُرفا يختصّ بالأول، ونقل ابن عابدين عن البحر أن "الخبث" يخصّ النجاسةَ الحقيقية، و"الحدَث". يخصّ النجاسة الحكمية. "ردّ المحتار" ١/ ٣٠٨.
(٣) "الحدَث" في اصطلاح الفقهاء: هو النجاسة الحكمية المانعة من الصلاة وغيرها من العبادات التي تشترط لصحتها الطهارة. "التعريفات" ص ١١٢. والنجاسة الحكمية: هي أمر اعتباري يقوم بالأعضاء، ويمنع من صحة الصلاة، و"الحدث" على نوعين: أصغر وأكبر، فالحدث الأصغر: الذي تتحقق الطهارة منه بالوضوء أو التيمم، كالخارج من السبيلين، والحدث الأكبر: الذي تتحقق الطهارة منه بالغسل، مثل الجَنابة والحيض والنفاس. وإذا أطلق "الحدث" في عبارات الفقهاء فيراد به الحدث الأصغر، كما يتضح من خلال مسائل هذا الباب.
(٤) هذا الضابط لا يخصّ الجنابةَ فقط، بل يعمّ الحدثَ، أصغر كان أو أكبر، صرّح به ابن عابدين، فقال: إن (النجاسة) الحكمية لا تتَجَزَّأ على الأصح، فمن بقيت عليه لُمعة فهو محْدِث، فلا توصف بالقلة. "ردّ المحتار" ١/ ٣٠٨.
[ ١ / ١٦٩ ]
[الفصل الأول]: (^١)
مسافر جُنب اغتسل، وبقي لُمعة (^٢) لم يُصبها الماء، وفنِي الماء (^٣)، تيمّم، لأن الجَنابة باقية، لما ذكرنا (^٤).
فإن تيمّم، ثم أحدث، تيمّم للحدث، لعجزه عن الطهارة بالماء.
فإن وجد بعد ذلك ماءً، فالمسألة على وجوه:
إن كان كثيرا، يكفي لهما (^٥)، يصرفه إليهما، وينتقض تيممه، لما قلنا.
_________________
(١) هذا العنوان إضافة من الباحث، ولم تكن في النسخ المتوفرة، والغالب أنه سقط سهوا، لأن الشارح قسّم هذا الباب إلى فصلين، كما سيأتي الفصل الثاني، ومن هنا يستلزم وجود الفصل الأول.
(٢) "اللُمعة" بضمّ اللام، أصلها في اللغة: قطعة من النبت إذا أخذت في اليُبس، ثم استعملت في قطعة من البدن أي العضو، لم يصبها الماء في الوضوء أو الغسل، ففي الحديث: "إنه - ﷺ - رأى رجلا يصلي، وفي ظَهر قدمه لُمعَة قدر الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره النبي - ﷺ - أن يعيد الوضوء والصلاة" (رواه أبو داود في الطهارة، الحديث ١٧٥) قال ابن الأثير: أراد بقعة يسيرة من جسده لم ينَلها الماء. "النهاية" ٤/ ٢٧٢، "القاموس المحيط" مادة: لمع. ص ٩٨٤، "طِلبة الطلبة" ص ٧.
(٣) وفي بقية النسخ: "ماؤه".
(٤) أي: في الضابط الثالث بأن الجنابة لا تتجزّأ ثبوتا ولا زوالا، وفسّر السرخسي هذا الضابط معلّلا لهذه المسألة بقوله: "إن زوال الجنابة معتبر ثبوتها حكما، فكما لا يتحقق ثبوتها في بعض البدن دون البعض، فكذلك لا يتحقق زوالها ما بقي شيء لم يصبه الماء". "المبسوط"١/ ١٢٤.
(٥) أي: لللُمعة والوضوء.
[ ١ / ١٧٠ ]
وإن كان قليلا، لا يكفي واحدا منهما، لم ينتقض تيممه، لأنه وجد ما (^١) لا يكفي للطهارة المحتاج إليها، فكان وجوده كعدمه، فإن أراد استعمال هذا الماء، يصرفه إلى اللمعة، لأن تقليل أغلظ الحدثين.
وإن كان يكفي أحدَهما بعينه يَصرفه إليه، وتيممه للآخر على حاله (^٢).
وإن كان يكفي كلَّ واحد منهما بانفراده، ولا يكفي لهما جميعا (^٣)، يصرفه إلى اللمعة، لأنها أهمّ، وينتقض تيممه للحدث.
وذُكر في "نوادر الصلاة" (^٤) أنه لا ينتقض (^٥)، قيل: ما ذكر ثمَّة قول أبي يوسف
_________________
(١) "وجد ما" ساقط من (ب)، وثبت في النسخ الأخرى.
(٢) ينبغي الاعتبار هنا أن الجنب إذا تيمم للجنابة، ثم أحدث، صار محدِثا لا نجبا، لأن ذلك التيمم أخرجه من الجنابة إلى أن يجد ما يكفيه للاغتسال، فإذا صار محدثا ووجد ما يكفيه للوضوء فقط ولو مرّة واحدة، يتوضأ به، وتيممه للجنابة باق. انظر: "المبسوط" ١/ ١١٤ و١٢٤، "ردّ المحتار" ١/ ٢٥٥.
(٣) "جميعا" سقط من النسخ الأخرى.
(٤) كتاب: "نوادر الصلاة" من تأليف الإمام محمد الشيباني، وهو جزء من "كتاب الأصل"، وقد سبق تعليقا من "كشف الظنون" بأن الإمام محمد ألف "المبسوط" مفردا، فأولا ألّف مسائل الصلاة، وسمّاه "كتاب الصلاة"، ومسائل البيع، وسمّاه كتاب البيع، وهكذا الأيمان والإكراه، ثم جمعت فصارت مبسوطا، وذكر ابن النديم: ولمحمد من الكتب في الأصول: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب المناسك، كتاب نوادر الصلاة، كتاب النكاح .. النسخ "الفهرست" لابن النديم ص ٢٥٣، ثم الذي يظهر لي بعد تصفّح محتويات "كتاب الأصل" المطبوع منه والمخطوط، أن رواة "كتاب الأصل" ضمّوا وخلَطوا مسائل "نوادر الصلاة" في "كتاب الصلاة"، فلا نجد عنوان "نوادر الصلاة" من بين أبواب "كتاب الأصل" لا في القدر المطبوع منه، (وهو ناقص) ولا في النسخ الخطية التي تيسّر لي الاطلاع عيها، ويؤيّده أن قاضي خان أحال هذه المسألةَ إلى "نوادر الصلاة"، بينما أسندها السرخسي في مبسوطه والعتّابي في شرحه إلى "كتاب الصلاة" من "الأصل" انظر "المبسوط" ١/ ١٢٤، "شرح الزيادات" للعتابي ق ٣، وكذلك في "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٥٥.
(٥) "كتاب الأصل" ١/ ١٢٨.
[ ١ / ١٧١ ]
﵀، وما ذكر هاهنا قول محمد وزفر (^١) رحمهما الله.
وجه تلك الرواية، أن الماء مستحقّ الصَّرف إلى اللمعة، فصار كالمصروف إليها، وكالمستحق لحاجة العطش، فيكون كالمعدوم في حقّ جواز التيمم (^٢).
ومحمد ﵀ يقول بأن الماء صالح للصرف إلى كل واحد منهما، ألا ترى أنه لو توضأ به، صحّ، فينتقض تيممه، كرجلين وجدا ماءً يكفي لأحدهما (^٣).
وتخريج الماء المستحق لحاجة العطش على قول محمد وزفر، أن الصَّرف إلى
_________________
(١) كذا في الأصل، وسقط اسم "زفر" من (ج) و(د) والصحيح إثباته، كما صرّح به المؤلف بعد قليل عند بيان تخريج المسألة على قول محمد وزفر رحمهما الله.
(٢) لأن المستحَق كالمصروف، فكان عادما للماء معنًى. "بدائع الصنائع" ١/ ٤٧. وقال الحصكفي: المشغول بالحاجة وغير الكافي كالمعدوم. "ردّ المحتار" ١/ ٢٥٦.
(٣) ذكر السرخسي وعالم بن العلاء هذه الأوجه الخمسة محيلا إلى الزيادات، كما نقل خلاف أبي يوسف ومحمد مع بيان الوجه لهما، "المبسوط" ١/ ١٢٤، "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٥٥، ورجّح ابن عابدين رأي أبي يوسف بعد أن نقل هذه المسائل كلها. "ردّ المحتار" ١/ ٢٥٦.
[ ١ / ١٧٢ ]
التوضؤ حرام لأنه إهلاك النفس، أما [هاهنا] (^١) بخلافه، لأنه يجوز الصّرف إلى زوال الحدَث (^٢).
فإن صَرَف الماءَ (^٣) إلى الحدث جاز، وينتقض تيممه للجابة باتفاق الروايات.
هذا إذا تيمم للجنابة، ثم أحدث، ثم تيمم للحدث (^٤)، ثم وجد ماءً.
فإن تيمم للمعة، ثم أحدث، ثم وجد ماءً قبل أن يتيمم للحدث، فهو على الوجوه التي ذكرنا:
فإن كان الماء يكفي لهما، فإنه يغسل به اللمعة، ويتوضأ للحدث.
وإن كان لا يكفي واحدا منهما، تيمَّمَ للحدث، لأنه محدث، ليس معه ماء يكفي للحدث، ولا ينتقض تيممه للجنابة، ويصرف الماء إلى الجنابة تقليلا للجنابة.
وإن كان يكفى للمعة، ولا يكفي للوضوء، ينتقض تيممه للجنابة، فيغسل [به] (^٥) اللمعة، ويتيمم للحدث.
وإن كان يكفي للحدث، ولا يكفي للمعة، يتوضأ به، وتيممه للجنابة على حاله (^٦).
_________________
(١) كذا في بقية النسخ، وفي الأصل: "أما هي"، وما ثبت اصح.
(٢) سقطت هذه الفقرة كلها من نسخة: (ب)، وثبتت في بقية النسخ.
(٣) "الماء" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) كذا في الأصل، و"للحدث" ساقط من النسخ الأخرى.
(٥) كذا في النسخ الأخرى، وفي الأصل: "به".
(٦) وفي الأصل: "حالها"، والصواب ما ثبت.
[ ١ / ١٧٣ ]
وإن كان يكفي كلّ واحد منهما بانفراده، يصرفه إلى اللمعة، لأنها أغلظ، ويتيمم للحدث، لما ذكرنا (^١).
فإن كان لم يتيمم للمعة حتى أحدث، والمسألة بحالها (^٢)، فإنه يتيمم تيممًا واحدا لهما، لأن التيمم خَلَف عن الماء (^٣)، وثمّة أسباب انتقاض الطهارة، وإن تعدّدت يُكتفى بتطهير واحد، كالمرأة إذا خرجت من حيضها، فأجنبت، تكتفي بغسل واحد في ظاهر الرواية (^٤)، كذلك هنا (^٥).
قيل: وينبغي أن ينويَ التيمم من الحدثين، حتى لو نوى [من] (^٦) أحدهما خاصّة، لا يكون للآخر، لأن التيمم لا يجوز بدون النية (^٧).
_________________
(١) "ردّ المحتار"/ ٢٥٦، "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٥٥.
(٢) الكلام مرتبط بما بدأ به الفصل الأول، أي مسافر جنب اغتسل وبقي لمعة، وفني الماء، ولم يتيمم لللمعة حتى أحدث .. الخ.
(٣) "الخلَف": هو ما لا يجوز الإتيان به إلا عند عذر وجد في الأصل، والخلف لا يخالف الأصل في وصفه، قال البابرتي في شرح الهداية: والحدَث والجنابة في التيمم من حيث الجواز والكيفية والآلة سواء، وكذا الحيض والنفاس. "العناية" ١/ ١٢٧.
(٤) "كتاب الأصل" ١/ ١١٥، وذكره في "الفتاوى التاتارخانية" عن الزيادات ١/ ٢٥٦.
(٥) كذلك هنا ساقط من النسخ الأخرى.
(٦) ما بين المعكوفتين ساقط من الأصل و(ج) و(د)، وأثبت من (ا) و(ب) وثبوته أولى.
(٧) هذا ما قاله الإمام أبو بكر الجصّاص الرازي المتوفي (٣٧٠ هـ)، صرّح به الكاساني والبابرتي وابن عابدين، وذكر الكاساني عن الجصاص بأنه لا يجب في التيمم نية التطهير وإنما يجب نية التمييز، وهو أن ينوي الحدثَ أو الجنابة لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة، فلا بد من التمييز بالنية، كما في صلاة الفرض أنه لا بد فيها من نية الفرض، لأن الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة.
[ ١ / ١٧٤ ]
فإن تيمم لهما، ثم وجد ماءً، فهو على الوجوه التي ذكرنا:
إن كان يكفي لهما، انتقض تيممه لهما، وإن كان لا يكفي أحدهما، بقي تيممه لهما، وإن كان يكفي لأحدهما بعينه، انتقض تيممه في حقه دون الآخر، وإن كان يكفي كل واحد منهما بانفراده، ينتقض تيممه للجنابة، وفي انتقاض التيمم للحدث روايتان لما ذكرنا (^١).
_________________
(١) = والصحيح في المذهب أن ذلك ليس بشرط، نصّ عليه المرغيناني، ونقل قاضي خان في فتاواه وابن الهمام عن صاحب الهداية في "التجنيس" والكاساني بأن ابن سماعة روي عن محمد أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء، أجزأه عن الجنابة، وهذا لأن التيمم يحتاج إلى النية ليصير طهارةً، إذ هو ليس بتطهير حقيقة، وإنما جُعل تطهيرا شرعا للحاجة، والحاجة تعرف بالنية، ونية الطهارة تكفى دلالة على الحاجة، وكذلك نية الصلاة، لأنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة، فكانت دليلا على الحاجة، فلا حاجة إلى نية التمييز أنه للحدث أو للجنابة، ولو تيمم ونوى مطلقَ الطهارة أو نوى استباحةَ الصلاة فله أن يفعل كل ما لا يجوز بدون الطهارة، كصلاة الجنازة وسجده التلاوة ومسّ المصحف ونحوها، لأنه لما أبيح له أداء الصلاة فَلأن يباح له ما دونها أو ما هو جزء من أجزائها أولى. انظر: "فتاوى قاضي خان" ١/ ٥٣، "بدائع الصنائع" ١/ ٥٢، "فتح القدير" و"العناية" ١/ ١٣١، "ردّ المحتار" ١/ ٢٤٨.
(٢) كذا في الأصل و(ج) و(د)، وسقطت هذه الفقرة كلها من قوله: "إن كان يكفي" إلى آخرها من (ا) و(ب).
[ ١ / ١٧٥ ]
الفصل الثاني:
جُنب نسِي أن يبدأ بمواضع (^١) الوضوء، واغتسل، ونسي ظهره أيضا، ثم أهرق (^٢) الماء، فإنه يتيمم لما ذكرنا.
فإن وجد من الماء ما يكفي لمواضع الوضوء أو الظهر، ولا يكفي [لهما] (^٣)، يصرفه إلى أيهما شاء، والصرف إلى مواضع الوضوء أولى، لأن الباقي في الظَّهر ومواضع الوضوء (^٤) نجاسة الجنابة، فاستويا، بخلاف ما تقدّم، إلّا أن المستحبّ صرفه إلى أعضاء (^٥) الوضوء، كما يُستحبّ تقديم الوضوء في الاغتسال (^٦) عن الجنابة (^٧).
ولا ينتقض تيممه بالاتّفاق، لأنه تيمم للجنابة، والماء الموجود لا يكفي لإزالة
_________________
(١) كذا في الأصل، و(ج) و(د): وفي (ا) و(ب) ب: "بأعضاء الوضوء".
(٢) في جميع النسخ الموجودة: "إهراق" بصيغة المصدر، وهو تصحيف.
(٣) كذا في بقيّة النسخ، وفي الأصل: "يكفيهما".
(٤) قوله: "في الظهر ومواضع الوضوء" ساقط من (ا) و(ب) سهوا.
(٥) كذا في الأصل، و(ب)، وفي (ا) و(ج) و(د) "مواضع".
(٦) اتفقت المذاهب الأربعة على استحباب تقديم الوضوء على النسل، وهو ثابت بصفة غسل النبي - ﷺ - في الأحاديث الصحيحة. "فتح القدير" ١/ ٣٩، "بدائع الصنائع" ١/ ٣٤، "المغني" ١/ ٢١٧، "مغني المحتاج" للشربيني ١/ ٧٣، "الشرح الصغير" ١/ ١٧٠.
(٧) كذا في الأصل، وقوله: عن الجنابة" ساقط من (ا) و(ب)، وجاء في (ج) و(د): "على الاغتسال عند الجنابة"، وما ثبت أصح.
[ ١ / ١٧٦ ]
الجنابة (^١).
جُنب معه ماء قدر ما يتوضأ به، تيمم، ولا يتوضأ به عندنا (^٢)، وقال الشافعي (^٣) ﵀: يتوضأ به ليصير عادما للماء، ثم يتيمم (^٤).
وإنا نقول: هذا الماء إذا كان لا يكفي لإزالة الجنابة، كان وجوده كعدمه (^٥).
فإن توضأ به، وتيمم، ثم أحدث، تيمم للحدث لعجزه عن الأصل.
فإن تيمم، ثم وجد ماءً يكفي لأحدهما، ولا يكفي لهما، يصرفه إلى الجنابة لأنها أهمّ (^٦)، ويعيد التيمم للحدث في هذه الرواية.
رجل بثوبه أو بدنه دم كثير. فأحدث، ولم يجد ماءً، تيمم وصلى، لعجزه عن الماء.
_________________
(١) كذا في "الفتاوى التاتارخانية" نقلا عن "الزيادات" ١/ ٢٥٦.
(٢) يرجع "المبسوط" ١/ ١١٣، "بدائع الصنائع" ١/ ١٨٤.
(٣) تقدم ترجمة الإمام الشافعي ﵀ عن بيان تلامذة الإمام محمد الشيباني في الفصل الأول من القسم الدراسي.
(٤) للشافعية قولان، والقول الأظهر عند الشافعية أنه لو وجد ماء لا يكفيه، يجب عليه استعماله، لأنه واجد للماء فلا يجوز له التيمم. "الأم" ١/ ٤٤ مغني المحتاج ١/ ١٤٥، المهذب مع المجموع ٢/ ٢٩٤. وهو رأي الحنابلة، "المغني" ١/ ٢٣٧، "المبدع" ١/ ٢١٣. أما المالكية فاتفقوا مع الحنفية في أنه إن لم يجد ماء كافيا للطهارة فعليه التيمم. انظر "حاشية الدسوقي" ١/ ١٤٩.
(٥) فإن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح الصلاة، وجودُه وعدمه بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجسا، ولأن الغسل إذا لم يُفد الجواز كان الاشتغال به سفها مع أن تضيع الماء وإنه حرام. فالمراد من الماء في آية التيمم هو الماء المفيد لإباحة الصلاة عند الغسل به كما يقيّد بالماء الطاهر. راجع "بدائع الصنائع" ١/ ٥٠.
(٦) قوله: "لأنها أهمّ" ساقط من (ا) و(ب)، وهذا ما قرّر المؤلف ضابطا في فاتحة الباب: أن الماء القيل يُصرف إلى أغلظ الحدثين، لأن إزالة الأغلظ أهمّ من إزالة الأخفّ.
[ ١ / ١٧٧ ]
فلو وجد ما يكفي للثوب أو البدن، ولا يكفي لهما، يصرف الماء (^١) إلى الدّم، وتيمم للحدث (^٢).
وعن حماد (^٣) ﵀: أنه يصرفه إلى الحدث، لأن الصلاة تجوز مع النجاسة في الجملة، ولا تجوز مع الحدث، فكان الحدث أغلظ (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصل، وسقط "الماء". بقيّة النسخ.
(٢) وتجب هنا مراعاة الترتيب بأن يغسل النجاسة أولا ثم يتيمم، فلو تيمم آولا ثم غسلها، يعيد التيمم، لأنه تيمم وهو قادر على الوضوء، صرّح به ابن عابدين نقلا عن "المحيط" والكاساني. "ردّ المحتار" ١/ ٢٣٢، "بدائع الصنائع" ١/ ٥٧.
(٣) هو أبو إسماعيل حمّاد بن أبي سليمان مسلم الكوفيّ، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري ﵁، أصله من أصبهان، أحد أئمة الفقهاء، من فقهاء التابعين، كان إمام العراق وفقيهها أكثر من ثلاثين سنة، يرجع إليه ويؤخذ بقوله، تفقّه بإبراهيم النخعي، وروى عن أنس بن مالك، وروى عنه سفيان وشعبة وأبو حنيفة، وبه تفقّه وعليه تخرّج وانتفع، ولم يفارقه، وأخذ حمّادٌ بعد ذلك عنه، روى له مسلم وأصحاب السنن، مات سنة عشرين ومائة. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣١، تهذيب التهذيب ٦/ ١٣ - ١٨، تقريب التهذيب ١/ ١٩٧، التاريخ الكبير ٣/ ١٨، ميزان الاعتدال ١/ ٥٩٥، الثقات ٤/ ١٥٩، لسان الميزان ٧/ ٢٠٤، الطبقات الكبرى ٦/ ٣٢٠، شذرات الذهب ١/ ١٥٧ طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٨٣، الجوهر المضيّة برقم ٥٤٠، الطبقات السنية برقم ٧٩٦، كتائب أعلام الأخيار للكفوي برقم ٦٥.
(٤) هذا قول حماد بن أبي سليمان، شيخ أبي حنيفة، صرّح به السرخسي، وقال: هذه أول مسئلة خالف فيها أبو حنيفة ﵀ أستاذَه، ثم وجّه لقوله بأن حكم الحدث أغلظ من حكم النجاسة، بدليل أن القليل من النجاسة عَفو، ومن الحدث لا، وبدليل جواز الصلاة في الثوب النجس إذا كان لا يجد ماءً يغسل به، ولا تجوز الصلاة مع الحدث بحال، فصرف الماء إلى أغلظ الحدثين أولى."المبسوط" ١/ ١٠٥، =
[ ١ / ١٧٨ ]
وإنا نقول: في صرف الماء إلى النجاسة، والتيمم للحدث، تحصيل الطهارتين (^١)، وفيما قال [حماد] تحصيل طهارة واحدة، فكان ما قلناه أولى (^٢).
هذا إذا وجد الماء قبل التيمم للحدث.
فإن تيمم للحدث (^٣)، ثم وجد ما يكفي لأحدهما، فإنه يغسل به (^٤) الدم، ويعيد التيمم للحدث.
قال مشايخنا ﵏: على قياس ما رُوي عن أبي يوسف، ينبغي أن لا يلزمه إعادة التيمم للحدث، لأن هذا الماء (^٥) مستحقّ الصرف إلى النجاسة، فكان في حق الحدث وجوده كعدمه (^٦).
_________________
(١) = وذكر ابن عابدين في الأنجاس أن الجاسة الحكمية أقوى، لكون قليلها يمنع جواز الصلاة اتفاقا، ولا يسقط وجوب إزالتها بعذر. "ردّ المحتار" ١/ ٣٠٨.
(٢) أي: حقيقية وحكمية، فهو قادر على الجمع بين الطهارتين بأن يغسل النجاسة بالماء فيطهر به الثوب، ثم يكون عادما للماء، فيكون طهارته التيمم، ومن قدَر على الجمع بين الطهارتين لا يكون له أن يأتي بأحدهما ويترك الآخر. "المبسوط" ١/ ١٠٥، "بدائع الصنائع" ١/ ٥٧.
(٣) ولذا قال ابن عابدين نقلا عن" الخانية"؛ فلو وجد ماء يكفي لإزالة الحدث أو غسل النجاسة المانعة، غسلها وتيمم عند عامّة العلماء، وإن عكَسَ، وصلّى في النجس، أجزأه وأساءَ. "ردّ المحتار" ١/ ٢٣٢.
(٤) كذا في الأصل و(ا)، وسقط "للحدث" من (ب) و(ج) و(د).
(٥) "به" ساقط من بقيّة النسخ.
(٦) "هذا الماء" ساقط من (ا) و(ب) و(د).
(٧) وقد سبق تعليقا أن ابن عابدين رجّح قول أبي يوسف. "ردّ المحتار" ١/ ٢٥٦.
[ ١ / ١٧٩ ]
جماعة من المتيممين في السفر، انتهوا إلى رجل معه ماء (^١) يكفي لأحدهم، فسألوه، فقال صاحب الماء: "خذوه، فليتوضأ به أيّكم شاء"، انتقض تيممهم، لأنه أباح الماء لهم، فصار كما لو كان مباحًا من الأصل
فإن توضأ به أحدهم، أعاد الباقون تيممهم، لِما قلنا.
وإن قال صاحب الماء: "هذا الماء لكم جميعا"، فقبضوه، لم ينتقض تيممهم، لأن هذه هبة، فملك كل واحد منهم (^٢) بعضَه، إلا أن يُبيح كل واحد منهم (^٣) لأصحابه، فينتقض تيممهم، وكذلك إذا أباحوه لواحد (^٤)، ينتقض تيمم ذلك الواحد.
قيل: هذا قولهما، أما عند أبي حنيفة ﵀ ينبغي أن يبطل تيممهم، لأن هبة المشاع (^٥) فيما يحتمل القسمة لا تصح عنده، فبقي مجرّد الإباحة.
والأصحّ أنه قول الكلّ لوجهين:
أحدهما: أنه ما نصّ على الإباحة، فلو ثبتت الإباحة، إنما تثبت في ضمن التمليك،
_________________
(١) كذا في (د) وفي الأصل و(ج): ما يكفي، وما أثبت أولى.
(٢) كذا في الأصل، و"منهم" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أولى.
(٣) "منهم" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) كذا في الأصل و(ب) و(ج) و(د)، وفي (ا): "لأحدهم".
(٥) "المشاع" ما يحتوي على حصص شائعة، يشترط في الموهوب عند الحنفية أن يكون مفرزا، فلا تصح هبة المشاع إذا كان يحتمل القسمة كالبيت الكبير، وتكون الهبة فاسدة، وتصح الهبة إذا كان مشاعا لا يحتمل القسمة للضرورة، كالبيت الصغير والسيارة. راجع للتفصيل والأدلة: "المبسوط" ١٢/ ٦٤، "ردّ المحتار" ٥/ ٦٨٨، "بدائع الصنائع" ٦/ ١١٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
فإذا بطل التمليك، لم تقع الإباحة.
والثاني: أن عنده هذه هبة فاسدة، فإذا اتصل بها القبض، تفيد الملك، وإن اختلفوا أنها تفيد بضمان أو بدونه (^١)، هكذا ذكره شمس الأئمة السرخسي (^٢) ﵀ (^٣).
وذُكر في "واقعات الناطفي" (^٤): أن هبة المُشاع فيما يقسم (^٥) باطلة عند أبي حنيفة
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "أو بغير ضمان".
(٢) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السَرَخْسي، شمس الأئمة، وهو المراد بهذا اللقب عند الإطلاق، أحد الفحول الأئمة الفقهاء الراسخين الذين حرَثوا الفقه الإسلامي، وبذلوا جهودا مضنية في ازدهاره ونموّه، كان إماما، متكلّما، فقيها، أصوليا، مناظرا، عدّه ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل، تفقّه على شمس الأئمة أبي محمد عبد العزيز الحلواني (٤٤٨ هـ)، ولُقّب بلقبه، وتفقّه عليه برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازه، ومحمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جدّ قاضى خان، وأبو حفص عمر بن حبيب، جدّ صاحب الهداية من الأم، وغيرهم من كبار الفقهاء، وصنّف في الفقه والأصول، فأملى من خاطِره "المبسوط" السفر العظيم نحو خمسة عشر مجلدا و"شرح السير الكبير"، وهو مسجون في الجُبّ بأوزجند، بسبب كلمة نصح بها الخاقان، ومن مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وشرح الزيادات، وشرح زيادات الزيادات، وأصول السرخسي، وشرح كتاب النفقات للخصّاف، وشرح أدب القاضي للخصاف، وشرح مختصر الطحاوي، وشرح كتاب الكسب لمحمد، وأشراط الساعة، والفوائد الفقهية، وكتاب الحيض. مات سنة ٤٨٣ هـ، و"السَرَخْسي" نسبة إلى سرخس، بفتح السين وفتح الراء وسكون الخاء، بلد قديم عن بلاد خراسان. ترجمته في: مفتاح السعادة ٢/ ١٨٦، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ٧٥، كشف الظنون ١/ ٤٦، تاج التراجم لقاسم بن قُطلوبُغا ٥٢، كتائب أعلام الأخيار برقم ٢٦٧، الجواهر المضية برقم ١٢١٩، الطبقات السنية برقم ١٧٨٧، الفوائد البهية ص ١٥٨.
(٣) "المبسوط" ١٢/ ٦٤، ٦٥.
(٤) "واقعات الناطِفِيّ" تصنيف أحمد بن محمد بن عمر أبو العباس الناطفي الطبري، أحد الفقهاء الكبار، وأحد أصحاب الواقعات والنوازل، تلميذ أبي عبد الله الجرجاني، وهو تلميذ أبي بكر الجصاص الرازي، ومن تصانيفه: الواقعات، وقد كثر ذكرها في مصادر المذهب، والأجناس، والفروق، والهداية في الفروع، مات بالري سنة ٤٤٦ هـ والناطِفِي: نسبة إلى عمل الناطف وبيعه، وهو نوع من الحلوى، انظر المصباح المنير. ترجمته في: طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ٧٢، كشف الظنون ١/ ١١، تاج التراجم ٩، كتائب أعلام الأخيار برقم ٢٤٤، الجواهر المضية برقم ٢٢١، الطبقات السنية برقم ٣٤٣، الفوائد البهية ص ٣٦، مفتاح السعادة ٢/ ٢٧٩.
(٥) الضابط فيما يقبل القسمة وما لا يقبلها: أن كل شيء يضرّه التبعيض فيوجب نقصانا في ماليته، يكون مما لا يحتمل القسمة، وما لا يوجب ذلك فهو يحتملها. "تكملة فتح القدير"، و"العناية" ٧/ ١٢١.
[ ١ / ١٨١ ]
﵀، لا تُفيد الملك، وإن اتصل بها القبض.
المصلِّي بالتيمم إذا رأى مع رجل ماءً، إن علم أنه يعطيه، قطع الصلاة، لأنه قدر على الماء.
وإن علم أنه لا يعطيه، مضى على صلاته، لعدم القدرة.
وإن أشكل عليه، يمضي أيضًا، لأن شروعه قد صحّ، فلا يقطع بالشكّ.
فإذا فرغ من الصلاة (^١) سأله، فإن أعطاه أو باعه بثمن المثل، وهو يقدر عليه، أعاد الصلاة، وإن أبى أن يعطيه، فصلاته [تامّة] (^٢).
فإن سأله بعد ذلك ثانيًا، فأعطاه، لا يعيد ما صلّى (^٣)، ويتوضأ [به] (^٤) لصلاة أخرى،
_________________
(١) "من الصلاة" ساقط من بقيّة النسخ.
(٢) ما بين المعكوفتين أثبت من النسخ الأخرى، وفي الأصل: "ماضية".
(٣) "ما صلّى" ساقط من (ب) و(ج) و(د)، وثبوته أولى.
(٤) ما بين المعكوفتين إضافة من النسخ الأخرى.
[ ١ / ١٨٢ ]
لأن الإعطاء بعد المنع، لا يُبيّن أنه كان قادرًا وقت الصلاة.
الخلاف ما إذا أعطاه قبل المنع، بمنزلة ما لو سأله قبل الشروع في الصلاة، فأبى، فصلّى بالتيمم، ثم سأله، فأعطاه، لم يُعِد ما صلى، كذلك ههنا.
- والله أعلم.
[ ١ / ١٨٣ ]