نهج الإمام قاضى خان في هذا الشرح أسلوبا علميا مركزا من حيث الترتيب وحسن التنظيم وتهذيب المسائل، وأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض النقاط الرئيسية التي برزت لي أثناء تحقيق الكتاب:
_________________
(١) = تحقيق كامل كامل بكرى وعبد الوهاب أبو النور ج ٢ ص ٦٠٢ دار الكتب الحديثة - القاهرة.
(٢) كلمتان غير واضحة، فلم أتبتهما، غلاف نسخة مكتبة الأحمدية بحلب.
[ ١ / ١١٩ ]
١ - التزم في مستهل الأبواب في الكتاب كله، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع المتناثرة التي ذكرها الإمام محمد في الباب.
٢ - يهتم بشرح تلك الأصول والقواعد بعبارة جامعة وجيزة، مع التمثيل والتفريع عليها في كثير من الأبواب، كما يذكر أحيانا الأدلة التي استمدت منها هذه القواعد، وله في هذا المجال ذوق علمي رفيع ونظرات جيدة، مستمدة من النظر في مقاصد الشريعة وفلسفتها الحكيمة، كما يظهر للقارئ ثنايا تأصيله للأبواب (^١).
٣ - يلخص المسائل التي ذكرها الإمام محمد في الباب قبل البدء في شرحه، ويدونها تحت عنوان "الفصل"، أو "القسم"، وأحيانا ينظم الفصل إلى مسائل حسب المقتضى.
٤ - سبق أن أشرت إلى أن هذا الشرح اندمج مع أصل الكتاب: "الزيادات" اندماجا، كغيره من الشروح الأخرى لكتب ظاهر الرواية، وتُمثله تمثلا كاملا، فدرج الإمام قاضي خان بعد تأصيله للباب على أنه يورد كلام الإمام محمد، مصدرا ذلك في الغالب بقوله: "إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀ .. "، أو "إذا عرفنا هذه الجملة قال محمد .. "، ثم يبدأ في التشريح والتفريع، والتعليل والتدليل.
ومن هنا نستطيع أن نجزم ببداية كلام محمد دون نهايته، حيث أننا لا نجد أي إشعار لنهاية كلامه.
٥ - أحيانا يربط الأحكام بالأدلة الشرعية، ويوجه لها عن طريق الاستشهاد بالآيات الكريمة أو الأحاديث النبوية أو آثار الصحابة، أو إجماع الأمة أو القياس والاستحسان.
٦ - كثيرا ما يخرِّج الفروع الجديدة على الأصول المدونة في فاتحة الباب، وبذلك ساهمَ مساهمة جادة في تفريع الفروع الفقهية.
_________________
(١) انظر مثلا: باب من يغسل من الشهداء ومن لا يغسل ص ١٨٤ - ١٨٧، و٣٦٠، و٣٦٤، ٣٦٦، و١١٥٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
٧ - يعتني ببيان وجوه الفرق بين المسائل المتشابهة والمتلابسة الذي ذكره الإمام محمد في "الزيادات"، فيفرق بين مسألتين، وقد يفرق بين عدة مسائل، ويوجه له بقوله: "والفرق" أو "ووجه الفرق فيه"، وقد يكثر في بيان هذه الوجوه (^١).
٨ - يوضح المسألة من كافة جوانبها، ويعتني ببيان وجوه مختلفة للمسألة، ويضم إليه ما في الكتب الأخرى من النظائر، كما توسع في التخريج والتفريع، وأسهب في المسائل الحسابية إسهابا مدهشا حيث قد يسجّل عشرات الصفحات في مسألة واحدة، ويخرجها على عِدة طرق حسابية سائدة في زمنه.
٩ - يهتم بذكر الخلاف إن كان هناك خلاف في المسألة بين الإمام أبي حنيفة وأصحابه، مع التدليل والتوجيه لكل قولٍ.
وسلك مسلك الترجيح عند تعدد الروايات عن أئمة المذهب، خصوصًا عند اختلاف الروايات المروية عن الإمام محمد، مع بيان أوجه الترجيح، وكما سيق أن تصحيحه وترجيحه معتمد ومقبول عند الفقهاء. ونظائر ذلك كثيرة في هذا الشرح.
١٠ - قد يتطرق إلى آراء المذاهب الأخرى الفقهية، خصوصا رأي الإمام الشافعي ﵀ وأدلته، وذلك نادر.
١١ - في كثير من المواضع يذكر آراء مشايخه وكبار الفقهاء، واختياراتهم الفقهية، أمثال الطحاوي والكرخي والخصاف والجصاص والسرخسي والقدوري والشاشي والبزدوي والحُلواني وغيرهم من كبار الفقهاء المجتهدين.
١٢ - قد يورد أقوال المخالفين وأدلتهم على صورة اعتراض بقوله: "فإن قيل" أو "لا يُقال" أو "فيه إشكال"، ثم يجيب عما أوردوه بأسلوب علمي دقيق.
وهذا موجز بعض مزايا كتابه.
كل ذلك جعل الكتاب مجموعة طيبة مختارة ومصدرا معتمدا عند الفقهاء.
_________________
(١) انظر ص ١٩٤٣، ١٩٤٥.
[ ١ / ١٢١ ]