تقريظ العلامة المحدث الفقية القاضي الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ونائب رئيس جامعة دار العلوم كراتشي وشيخ الحديث بها
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الكتب الستّة للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ رحمه الله تعالى أساس للمذهب الحنفيّ عوّل عليه فقهاء الحنفية في كل عصر ومصر إجماعًا منهم على أنه المصدر الموثوق لمعرفة المذهب، وأن ما جاء فيه يسمّى "ظاهر الرواية" ولفوق رتبة على ما جاء في الكتب الأخرى المنسوبة إلى الإمام محمّد أو غيره من أئمة المذهب الحنفيّ. ومن هُنا تناول الفقهاء الحنفية هذه الكتب دراسة وشرحًا، وتفريعًا وتأصيلا، حتى صارت شروحها مصدرًا لكلّ من قام بتدوين المذهب وتأليفه.
ومن المؤسف جدّا، أنّ هذه الكتب الستّة وشروحها الضافية افتقد اليوم معظمها فلا يوجد منها إلا الجامع الصغير والجامع الكبير وأبواب من المبسوط الذي يسمّى الأصل. وأمّا من الشروح الكبيرة فلا يوجد إلا شرح السير الكبير للسرخسى رحمه الله تعالى، والشروح الباقية لا يوجد منها إلا نسخ يسيرة خطية في بعض المكتبات.
وإن كتاب "الزيادات" من أهمّ الكتب الستّة التي تسمّى ظاهر الرواية ألّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد "الجامع الكبير" وجمع فيه المسائل التي فاتته فيه، ومن ثمّ سماها "الزيادات" لكون مسائلها زائدة على "الجامع الكبير". ولكن لا يوجد منه ولو نسخة واحدة حتى في المكتبات التي عُنيت بالحفاظ على تراثنا العتيق. ومن أهمّ شروح هذا الكتاب "شرح الزيادات" للقاضى خان رحمه الله تعالى، وإنّ اسم "القاضي خان" رحمه الله تعالى يُغنينا عن التنويه بأهمية هذا الكتاب، فإنه معروف في الفقهاء الحنفية
[ ١ / ٥ ]
بتمكنه في الفقه، وتضلعه في المذهب، وكون فتاواه مصدرًا موثوقًا لفروع الحنفية. وبما أنه رحمه الله تعالى سلك في شرح الزيادات مسلك التأصيل، حيث بدأ في كل باب ببيان القواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بذلك الباب، ثم فرّع عليها الأمثلة والتفاريع، فإنه مفيد للغاية لدارسى الفقه الحنفيّ.
وإن هذا الكتاب، على أهميته، لم يزل كنزًا مخبوءًا في صورة نسخ خطيّة في بعض المكتبات، لم يتوجّه أحد إلى تحقيقه وإخراجه إلى أن وفّق الله ﷾ ابن أختى الفاضل الدكتور الشيخ قاسم أشرف، حفظه الله تعالى، فاختار تحقيق هذا الكتاب والعمل عليه موضوعًا لرسالة الدكتوراه في كلية الشريعة لجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. ونظرًا إلى ضخامة الكتاب، كان بإمكانه أن يختار جزءا من الكتاب لتسجيله كرسالة الدكتوراه، ولكنه، حفظه الله تعالى، كان يرغب في خدمة العلم والفقه أكثر مما يرغب في الحصول على شهادة الدكتوراه فأثار همّته لخدمة الكتاب كلّه، حتى أنجز هذا العمل الجليل مشكورًا، على الرغم من العقبات الكؤودة في هذا السبيل، التي بيّنها في مقدمته، ولم تفتر همّته عن الرحلة إلى بعض البلاد الإسلامية التي رجا من مكتباتها أن يحصل على شئ يُعينه في إخراج الكتاب بشكل مقبول.
ولم يألُ المحقّق جهدًا في تحقيق الكتاب ومقارنة مخطوطاته، وتصحيح عباراته، وشرح العويص منها، والتعليق على ما يحتاج إلى التعليق، وتنقيح مسائل الكتاب بمساعدة كتب المذهب الأخرى، لأن جُهده هذا يتجلّى في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يقدّمه الآن بين أيدى أهل العلم بما تُقرّ الأعين وتبهج الصدور.
ولا أطيل في التعريف بالكتاب والثناء عليه، فإنه الآن بمتناول القارئ الكريم، والطِيب يُعرف بنفحاته غنيًا عن إطراء المادحين، وثناء المعرّفين.
وأدعو الله ﷾ أن يبارك في عمر المحقّق وعلمه وعمله، ويوفّقه لأضعاف أمثاله بصدق وإخلاص، ويجعل عمله هذا ثقلا في حسناته، ويتوجّه بالقبول في جنابه، وينفع به طلاب العلم في كل زمان ومكان. إنه ﵎ على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
محمد تقى العثمانى
دار العلوم كراتشى ١٤
ليلة الجمعة ١٧/ جمادى الأولى سنة ١٤٢١ هـ
[ ١ / ٦ ]