عاش الإمام قاضي خان ﵀ في القرن السادس الهجري، حيث ولد بأوزجند، فرغانة قبل عام ٥١٨ هـ، وتوفي ببخاري عام ٥٩٢ هـ، أي في أواخر عصر الدولة العباسية. الثانية التي سقطت عام ٦٥٦ هـ بسقوط بغداد على يد التتار.
وقد كان هذا العصر عصر ضعف وانهيار للدولة العباسية، كثرت الفتن والاضطرابات، ونجمت بجانب الدولة العباسية عدة دول. قال ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب، وبلاد الشام في بعض الأخيان والحرمين في أزمان طويلة. وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولا بعد دول حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق؛ وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر
_________________
(١) "الفوائد البهية" ص - ٦٦.
(٢) ذكره المولى ابن كمال باشا الرومي من طبقة المجتهدين في المسائل الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته في الفروع والأصول.
[ ١ / ٦٧ ]
الأوقات" (^١).
وعاصَر الإمام قاضي خان من خلفاء بني العباس:
١ - الفضل المسترشد بالله بن المستظهر (٥١٢ هـ - ٥٢٩ هـ).
٢ - المنصور الراشد بالله بن المسترشد (٥٢٩ هـ - ٥٣٠ هـ).
٣ - المقتفي بأمر الله محمد بن المستظهر بالله (٥٣٠ هـ - ٥٥٥ هـ).
٤ - المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٥٥٥ هـ - ٥٦٦ هـ).
٥ - المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن بن يوسف (٥٦٦ هـ - ٥٧٥ هـ).
٦ - الناصر لدين الله العباس أحمد بن المستضيء (٥٧٥ هـ - ٦٢٢ هـ) (^٢).
وقد كانت القوة المسيطرة على الخلافة في أواخر الدولة العباسية دولة السلاجقة، وهم شعب من شعوب الترك يعرفون باسم العز، هاجروا إلى ما وراء النهر عام ٣٧٥ هـ. وكان السلطان السلجوقي ملكشاه قد أعطى أنوشتكين - أحمد سقاه بلاطه بلد خوارزم، فبدأ أنوشتكين ملكه لخوارزم عام ٤٧٠ هـ ثم تعاقب على هذا الملك أحفاده من بعده بإقرار من ملوك السلاجقة، وخضوع من ملوك خوارزم في أغلب الأحيان إلى أن بدأت الخلافات تنشب بينهما حيث طمع ملوك خوارزم في الاستقلال عن السلاجقة، والاستئثار بالسلطة على البلاد التي تحت أيديهم وأعلنوا ذلك، فقامت المعارك بينهما.
وقد كان في كل مدينة حاكم مَحليّ أو نائب من المسلمين يتولى إدارة الشؤون الداخلية والنواحي الدينية، ويقوم بدفع ضريبة للقر اخطائيين.
وكان الحكم المحلى الذي له المشورة في جميع الأمور في بخارى هو: تاج الدين أحمد بن عبد أحمد بن عمر بن مازة، وذلك بعد مقتل الصدر الشهيد، ثم كان الحاكم
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٢٠٥. وبلاد ما وراء النهر يراد به ما وراء نهر جيحون من جهة الشرق، وما كان من جهة غرب النهر فهو خراسان وولاية خوارزم، وهي من أخصب البلاد. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٥/ ٤٥.
(٢) ينظر: "البداية والنهاية" ١٢/ ٢١١، ٢٤١، ٢٦٢، ٣٠٤، ١٣/ ١٠٦.
[ ١ / ٦٨ ]
محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري الملقب بصدر جهان، وكان الحاكم بسمرقند السلطان عثمان بن إبراهيم بن حسين. (^١)
ولا شك أن ضعف الخلافة العباسية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الحروب كان له الأثر الكبير على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في ذلك العصر، إلا أنه رغم الاضطراب السياسي وأحداث داخلية وخارجية كانت هناك حركات علمية ونهضة أدبية في بخارى وسمرقند وما جاورها من البلاد الإسلامية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، يتمثل ذلك في التأليف والتدريس والقضاء والإفتاء وبناء المدارس الإسلامية والمكتبات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك ما أسّسه الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي الطوسي ٤٨٥ هـ، من مدارس نظامية في المدن الإسلامية الكبرى (^٢).
أنجبَ هذا العصر علماء وفقهاء أفذاذا كانوا أئمّة في العلوم النقلية والعقلية، ووجد فيه أعلام من الفقهاء الذين كان لهم دور كبير في توضيح المذهب وتطويره وتهذيبه، لذلك أصبحت أقوالهم محل الاعتماد والتعويل في الذهب.
وفي هذه الفترة الزمنية التي عاشها الإمام قاضي خان بمدينة بخارى، وجدت بها وما جاورها طائفة من جهابذة العلماء: بعضهم من الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأكثرهم من الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج، والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، وفيما يلي أذكر أشهر فقهاء الحنفية الذين عاصرهم قاضي خان في تلك المنطقة:
١ - ركن الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد المعروف بالصفار، المتوفى سنة (٥٣٤ هـ) شيخ قاضي خان.
_________________
(١) انظر: الكامل ١٢/ ٢٥٧، ٢٥٨، دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ٤١١، ٦٠٢، أوضاع الدول الإسلامية في الشرق الإسلامي لسعيد بن محمد الغامدي/ ١٨٥/ ١٨٧.
(٢) ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، ٤/ ٢٥٦، "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي، ص ٢٨٤، "مقدّمة ابن خلدون" ٣/ ١٢٢٥.
[ ١ / ٦٩ ]
٢ - صدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة (٥٣٦ هـ) صاحب "شرح أدب القاضي" للخصاف، أحد جهابذة المذهب.
٣ - شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جد قاضي خان.
٤ - الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة (٥٤٢ هـ)، صاحب "خلاصة الفتاوى".
٥ - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة (٥٥٢ هـ). صاحب "تحفة الفقهاء".
٦ - الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز، الظهير البلخي (٥٥٣ هـ).
٧ - قاضي القضاة عليّ بن أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن عليّ بن قاضي القضاة أبي عبد الله، الدامغاني، (٥٨٣ هـ).
٨ - زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتّابي، (٥٨٦ هـ).
٩ - ملك العلماء أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (٥٨٧ هـ) صاحب البدائع.
١٠ - علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، (٥٩٣ هـ) صاحب الهداية.
١١ - برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة ٥٥١ هـ - ٦١٦ هـ صاحب "المحيط البرهاني".
وغيرهم الذين كانوا نجوما ساطعة في سماء العلم، وكل واحد منهم يتبوّأ مركزا علميا مرموقا، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم في ازدهار العلم وتطور المذهب، وتميّز الإمام قاضي خان بينهم في تمكّنه في الاجتهاد والقضاء والإفتاء، ورسوخه في الفقه الحنفي.
[ ١ / ٧٠ ]