باب في الذي لا يجد الماء ويجد سؤر (^٤) الحمار أو النبيذ (^٥) وفي المسح في الباب خمسة فصول:
_________________
(١) سورة الزمر، ٣٦.
(٢) الظاهر أن هذه الخطبة من نساخ الكتاب وتصرفاتهم، لا من أصل الكتاب، ويدل عليه اختلاف عبارات الخطبة في جميع النسخ تعبيرا وبيانا ونقصا وزيادة، وقد جمعت وأثبتت ما ثبت في النسخ المختلفة.
(٣) هذا العنوان غير موجود في جميع النسخ المتوفرة، وهو إضافة من الباحث، لتتناسب مع نهج الكتاب، فإن الإمام محمد ﵀ رتب أبواب "الزيادات" على كتب فقهية، وهذا ظاهر من نهج الكتاب عموما، فقد نص على بقية الكتب من كتاب الزكاة والأيمان والنكاح وغيرها، وإن الإمام العتابي (أحد شُرّاح الزيادات) ذكر هنا عنوان "كتاب الصلاة"، وقد جمعت في العنوان "الطهارة والصلاة"، لأنه يضم ثلاثة أبواب من الطهارة وأربعة أبواب من الصلاة.
(٤) "السؤر" بالضم: البقية، والفَضلة، والجمع: الآسار. والفعل: أسأر. "القاموس المحيط" للفيروزآبادي ص ٥١٧، لسان العرب لابن منظور: ٣/ ١٩٠٥، والسؤر: بقية الماء التي يُبقيها الشارب في الإناء أو في الحوض، ثم استعير لبقية الطعام وغيره. "رد المحتار" لابن عابدين: ١/ ٢٢٢، ويطلق على الماء الذي خالطه اللعاب. "فتح القدير" لابن الهمام: ١/ ١١٧.
(٥) وفي نسخة (ب) "أو نبيذ التمر". و"النبيذ": الملقى، وما نُبِذ من عصير ونحوه، ونبذ تمرا: جعله نبيذا. "القاموس المحيط" ص ٤٣٢.
[ ١ / ١٤١ ]
الفصل الأول والثاني ينبني على أصلين (^١):
أحدهما: أن الطهارة شرط جواز الصلاة (^٢)، وإذا وقع الشك (^٣) فيها لا تجوز الصلاة، وسؤر الحمار مشكوك (^٤) في طهوريته (^٥)، روي ذلك عن محمد نصًا (^٦)،
_________________
(١) الملحوظ في نهج الإمام قاضي خان عند تأصيله للباب أنه عَبّر عن "القاعدة" و"الضابط" بكلمة "الأصل" باعتبار ما يتفرع عليه من فروع وجزئيات، وهذا دأبه في مستهل معظم الأبواب.
(٢) قال الإمام ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وَجَد المرء إليها السبيل"، "الإجماع" ص ٣١.
(٣) "الشك" نقيض اليقين. "لسان العرب" لابن منظور ١٠/ ٤٥١، وقال أبو البقاء: الشك: "هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما"، "الكليات" لأبي البقاء أيوب بن موسى الكفوي: ص ٥٢٨، وأحسن الجُرجاني بإضافة كلمة "الشاك" في تعريفه: هر التردد بين النقيضين بلا ترجيح لاحدهما على الأخر عند الشاك. "التعريفات": ص ١٦٨، وفي شرح الأشباه: "الشك لغة مطلق التردد، وفي اصطلاح الأصول استواء طرفي الشيء، وهو الوقوف بين الشيئين بحيث لا يميل القلب إلى أحدهما". "غمَز عيون البصائر" للحموي ١/ ٨٤.
(٤) "سؤر الحمار والبغل مشكوك" شاع هذا التعبير عند جمهور فقهاء الأحناف، والفقيه أبو طاهر الدباس كان ينكر هذه العبارة ويقول: لا يجوز أن يكون شيء من حكم الشرع مشكوكا فيه ولكن يُحتاط فيه، فلا يجوز أن يتوضأ به حالة الاختيار، وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين التيمم احتياطا". ذكره الإمام السرخسي في المبسوط ١/ ٥٥ وابن الهمام في فتح القدير ١/ ١١٣ والبابرتى في العناية ١/ ١١٣، ولعله تأثرًا بهذا اصطلح القاضي أبو الحسن علي السُغدي في "النتف في الفتاوى" بأنه: "مشكل محتاط فيه" ١/ ١١، وهذا أولى وأنسب، واختار هذا التعبير الإمام قاضي خان في شرحه للجامع الصغير، الجزء الأول ص ٧، شريط مصور محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تحت رقم ٤٩١٧.
(٥) "الطهور" بالفتح اسم لما يُتطهر به، وحكى المطرزي عن ثعلب: "أن الطهور ما كان طاهرا في ٣٠٣. فالأصح أن دليل الشك هو التردد في تحقق الضرورة المسقطة للنجاسة، لأن الحمار يربط في الدور والأفنية ويشرب من الأجانات المستعملة، فبالنظَر إلى هذا القدر من المخالطة، فيه الضرورة والبلوى، إلا أنها دون ضرورة الهرة والفأرة لد خولهما المضايِقَ دون الحمار، فلو لم تكن ضرورة أصلا كان كالسباع في الحكم بالنجاسة بلا إشكال، ولو كانت الضرورة كضرورتهما كان مثلهما في سقوط النجاسة، وحيث تحققت الضرورة من وجه دون وجه، واستوى ما يوجب الطهارة والنجاسة تساقطا للتعارض، ووجب المصير إلى الأصل، والاصل شيئان: الطهارة في الماء، فلا يتنجس بما لم تتحقق نجاسته، والنجاسة في جانب اللعاب والعِرق بمقتضى حرمة لحمه الثابتة، إلا أن الضرورة تحققت في عرقه حيث يتعذر للراكب الإحتراز عنه، فيجب سقوط نجاسته رفعا للحرج، وقد ركب النبي ﷺ الحمارَ معروريا والحَرحر تِهامة، ولم يرد الأمر في حديث بغسل الثياب والبدن عنه، بخلاف لعاب الحمار متردد في ثبوت الضرورة، فبقي الأمر مشكلا، نجسا من وجه وطاهرا من وجه آخر. انظر: "التلويح مع التوضيح" ٢/ ١٠٥، "فتح القدير" و"العناية" ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٦) صرح به قاضي خان في "شرح الجامع الصغير" فقال: من المشايخ من قال: لا شك في طهارته، إنما الشك في طهوريته، وهكذا رُوي عن محمد نصا، فإنه قال: "ثلاث لو غمس الثوب فيه يجوز فيه الصلاة: الماء المستعمل وسؤر الحمار وبول ما يؤكل لحمه". "شرح الجامع الصغير" مخطوط ١/ ٨، كما ذكر البابرتي نص الإمام محمد ﵀ في "العناية" ١/ ١١٤.
[ ١ / ١٤٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = نفسه مُطَهّرا لغيره .. "المغرب" ٢/ ٢٩. وهذا صريح في أن الشك في طهوريته لا في طهارته، وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال بعض الفقهاء ومنهم الإمام السرخسي بأن الشك في طهارته، "المبسوط" ١/ ٤٩، ويقول جمهور الفقهاء من الحنفية بأن الشك في طهوريته فقط لا في طهارته، وهو الراجح المختار، انظر: الهداية ١/ ٢٤ و"فتح القدير" ١/ ١١٤ و"رد المحتار" ١/ ٢٢٦ و"فتاوى النوازل" لأبي الليث السمرقندي ص ١٠. وبه جزَمَ قاضي خان في فتاواه فقال: "واختلفوا في الشك، قال بعضهم: الشك في طهارته حتى لو وقَع في الماء القليل يُفسده، والصحيح أن الشك في طهوريته" "فتاوى قاضي خان" على هامش الفتاوى الهندية ١/ ١٨. يقول الطحطاوي ناقلا عن البحر: "والمعتمد أن كلا من عِرق الحمار ولعابه طاهر، وإذا أصاب الثوب أو البدن لا يُنجسه، وإذا وقع في الماء القليل صار مشكوكا، وإن الشك في جانب اللعاب والعرق، أي في ذاتهما متعلق بالطهارة، وفي جانب السؤر متعلق بالطهورية فقط، ولا شك في الطهارة، لأن الماء طاهر بيقين وقد خالطه مشكوك في طهارة وهو اللعاب أوالعرق، فلا ينجس بالشك، ولكن أورث شكا في طهوريته للاحتياط، حتى لو اختلط هذا السؤر بماء قليل جاز الوضوء به من غير شك ما لم يُساوه". "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح" ص ٢٠. وهنا لابد من التنبيه على أن جماعة من الفقهاء عللوا الشك في طهارة لعاب الحمار والبغل وعرقهما بتعارض الأدلة في حرمة لحومهما وإباحتها، قال المرغيناني: "وسبب الشك تعارض الأَدلة في إباحته وحرمته واختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته". "الهداية" / ٢٤. ومنهم الكاساني: "بدائع الصنائع" ١/ ٦٥ والقاضي أبو الحسن علي السغدي: "النتف في الفتاوى" ١/ ١٢ والإمام أبو محمد علي المنبجى: "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" ١/ ٨٦، والزيلعي: تبيين الحقائق ١/ ٣٤، والإمام علي القاري الهروي: "شرح النقاية ١/ ٦٠. وهذا التعليل ليس بسديد، ولذلك تعقب عليه الفقهاء المتأخرون، يقول صاحب التلويح: وهذا ضعيف، لأن أدلة الإباحة لا تساوي أدلة الحرمة في القوة، حتى أن حرمته مما يكاد يجمع عليه، كيف ولو تعارضتا لكان دليل التحريم راحجا كما في الضبع، حيث يحكم بنجاسة سؤره "التلويح مع التوضيح" ٢/ ١٠٤ يرجع للتفصيل "إعلاء السنن" للشيخ ظفر أحمد العثماني ١/ =
[ ١ / ١٤٣ ]
فيضم إليه التيمم حتى تحصل الطهارة بيقين (^١).
_________________
(١) روى الإمام محمد في "الأصل" عن أبي حنيفه، قال: "هذا أخذٌ بالثقة، فإن أجزاه سؤر الحمار لم يضره التيمم شيئًا، وإن لم يُجزه كان قد تيمم. "كتاب الأصل" ١/ ١١٢. وهنا تندرج بعض الضوابط الفقهية التي تتفرع من القاعدة المشهورة الثابتة: "اليقين لا يزول بالشك":
(٢) "النجس الثابت بيقين لا يَرتفع إلا بطاهر بيقين" ابن عابدين: "رد المحتار" ١/ ٢٧.
(٣) "ما ثبَتَ بيقين لا يَرتفع إلا بيقين". ابن نجيم: الأشباه والنظائر ص ٦٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
ونبيذ التمر (^١) عند أبي حنيفة طهور كالماء، [إلا أنه تشترط النية (^٢) في التوضّؤ به
_________________
(١) = ٣ - "لا يتنجس بالشك ما كان طاهرا، ولا يَطهَرُ ما كان نجسا". قاضي خان: "شرح الجامع الصغير" مخطوط، ورق ١/ ٨.
(٢) "نبيذ التمر" الذي اختلف فيه الفقهاء فسّره الإمام محمد ﵀ في "النوادر" بقوله: "هو أن يلقي تميزات في ماء حتى صار الماء حلوا رقيقا، ولا يكون مشتدا ومُسكِرا". النهاية ١/ ١٢٠، لأن من عادة العرب أنها تَطرَح التمرَ في الماء الملح ليحلو. فلو توضأ بالنبيذ قبل أن يصير حُلوا بلا خلاف، ولو توضأ به إذا أسكَر فلا يجوز بالإجماع، لأنه صار مُسكرا حراما، وإذا طبخ أو اشتدّ فالصحيح من مذهب أبي حنيفة أنه لا يجوز الوضوء به. "البحر الرائق" ١/ ١٤٣. وقال قاضي خان: "والنبيذ الذي تكلموا فيه أن يلقي في الماء تميرات حتى يأخذ الماء حلاوتَه، ولا يشتد، ولا يصير مسكرا، ولا يجوز التوضى بالمطبوخ حلوا كان أو مشتدا. ومن أصل أصحابنا أن الماء إذا تغير بالطبخ لا يجوز التوضى به كماء الباقلاء وماء الورد ونحوه، وإذا طبخ بما يقصد به المبالغة في التنظيف كالأشنان والصابون فحينئذ يجوز به التوضي ما دام رقيقا، فإن غلب ذلك على الماء وصار ثخينا لا يجوز به التوضي، فإذا كان هذا حكم الماء المطلق فما ظنك في النبيذ المطبوخ "شرح الجامع الصغير" مخطوط: ١/ ٨، تبين من ذلك أن الذي اختلفوا فيه هو: "نبيذ التمر الرقيق السيال الحلو غير المطبوخ غير المشتد" فقال الإمام الشافعي والإمام أحمد وأبو يوسف من الحنفية ﵏ بأنه لا يجوز الوضوء به ويتيمم عند ذلك. راجع: "بدائع الصنائع" ١/ ١٧، حاشية ابن عابدين ١/ ٢٢٧، "البحر الرائق" ١/ ١٤٤، المغني لابن قدامة ١/ ١٠. المهذب ١/ ٤، قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص ٤٥.
(٣) "النية" في العبادات هي: "قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل"، ابن نجيم نقلا عن "التلويح"، وعرفها البيضاوي بأنها: الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى وامتثالا لحكمه". "الأشباه والنظائر" لابن نجيم ص ٢٤. وذكر ابن الهمام والبابرتي عن القدوري أنه لا يجوز التوضؤ بنبيذ التمر إلا بالنية كالتيمم، لأنه بدل عن الماء، حتى لا يجوز التوضؤ به حال وجود الماء، وينتقض وضوؤه إذا وجد ماء مطلقا.
[ ١ / ١٤٥ ]
عنده] (^١)، فلا يتيمم معه (^٢).
وعند أبي يوسف ليس بطهور أصلا، فيتيمم، ولا يتوضأ به (^٣).
_________________
(١) = "فتح القدير" و"العناية": ١/ ١٢٠. ويلاحظ هنا أن قاضي خان ذكر اشتراط النية في الوضوء. بنبيذ التمر فقط، أما سؤر الحمار فحكى ابن الهمام الخلاف فيه، وقال: "والأحوط أن ينوى" "فتح القدير" ١/ ١١٧، ونقل ابن عابدين عن البحر والنقاية أنها شرط فيه وفي نبيذ التمر. "رد المحتار" ١/ ٢٢٧.
(٢) ما بين المعكوفتين سقطت من الأصل، وزيدت من (الف)، (ب)، (ج) و(د) فإنها زيادة مهمة.
(٣) رُوي عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أربع روايات في نبيذ التمر: الأولى: يتوضأ به جزما ولا تيميم معه، وهى قوله الأول، وهى رواية "الجامع الصغير" ص ٧٤ - و"الزيادات"، هذه هي المشهورة وذكرت في أكثر المتون، انظر الهداية ١/ ٢٤، "الفتاوى الهندية" ١/ ٢٢. الثانية: يتوضأ به، ويضيف إليه التيمم استحبابا، فالجمع بينها مستحب، وهي رواية "الأصل" في كتاب الصلاة ١/ ٧٤. الثالثة: يجب الجمع بينه وبين التيمم كسؤر الحمار، وهو قول الإمام محمد، وذكر الكاساني أنها رواية الحسن عن أبي حنيفة. "بدائع الصنائع" ١/ ١٥، كما صرح بها ابن الهمام نقلا عن "خزانة الأكمل". "فتح القدير" ١/ ١٢٠. الرابعة: أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهو قوله الأخير، وبه قال أبو يوسف والأئمة الثلاثة. ويلاحظ أن بعض الفقهاء ذكروا ثلاث روايات لأبي حنيفة في هذه المسئلة، مثل ابن عابدين، فقد ترك الرواية الأولى المشهورة، "رد المحتار" ١/ ٢٢٧ وأبي بكر الجصاص في أحكام القرآن فقد ترك الرواية الثانية والبابرتي، فقد ترك الرواية الثالثة، "العناية" ١/ ١١٨، لكن الذي تحقق بعد التتبع هو أربع روايات عنه، كما ذكرت آنفا.
(٤) وجه قول أبي يوسف أن الله تعالى أوجب التيمم عند عدم الماء المطلق، ونبيذ التمر ليس بماء =
[ ١ / ١٤٦ ]
وعند محمد ﵀ نبيذ التمر مشكوك في طهوريته كسؤر الحمار، فيجمع بينه وبين التيمم (^١).
والثاني: [أن] (^٢) شرط جواز المسح على الخف (^٣) اللبس على طهارة
_________________
(١) = مطلق، بدليل أنه لا يجوز التوضؤ به مع القدرة على الماء المطلق، فآية التيمم توجب نقل الحكم من الماء المطلق إلى التراب فمن نقله إلى النبيذ ثم من النبيذ إلى التراب فقد خالفَ الكتاب. بدائع الصنائع ١/ ١٥. ورَوى نوح بن أبي مريم وأسد بن عمرو والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قول أبي يوسف، "كتاب الأصل" ١/ ٧٥، وهو المفتى به في المذهب لموافقته رأي الجمهور ولأنه ثبت رجوع الإمام إليه واختاره الطحاوي: "مختصر الطحاوي" ص ١٥، وقاضي خان: "شرح الجامع الصغير" مخطوط ١/ ٨، فتاوى قاضي خان ١/ ١٨. وقال ابن الهمام: "وجب تصحيح الرواية الموافقة لقول أبي يوسف". "فتح القدير" ١/ ١١٩، وعلل الحصكفي كونه المفتى به: بأن المجتهد إذا رجَع عن قول لا يجوز الأخذُ به. وقال ابن عابدبن: "وهو المذهب المصحح المختار المعتمد عندنا. "رد المحتار" ١/ ٢٢٧، وقال ابن نجيم: "وبالجملة فالمذهب المصحح المختار المعتمد عندنا هو عدم الجواز موافقة للأئمة الثلاث"، فلا حاجة للاشتغال بحديث ابن مسعود الدال علي الجواز، لأن من العلماء من تكلم فيه وضعفه، وإن أجيب عنه بما ذكره الزيلعي وغيره. البحر الرائق ١/ ١٤٥، وهو اختيار العلامة العيني: عمدة القاري ١/ ٩٤٨.
(٢) ووجه قوله أن آية التيمم تقتضي ثبوت النقل إلى التيمم عند فقد الماء من غير واسطة بينهما، وحديث ليلة الجن يوجب الوضوء به فيجمع بينهما احتياطا، ولأن في الحديث اضطرابا وفي التاريخ جهالة، فوجب الجمع بينهما. "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٣٥، "العناية" ١/ ١١٩.
(٣) "أن" سقط من الأصل، وثبت في بقية النسخ.
(٤) "المسح" لغة: إمرار اليد على الشيء، وشرعا: إصابة البَلة لخف مخصوص في زمن مخصوص. =
[ ١ / ١٤٧ ]
كاملة. (^١)
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
[الفصل الأول] (^٢):
_________________
(١) = و"الخف" شرعا: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. انظر الدر المختار ١/ ٢٦١.
(٢) روى محمد عن أبي حنيفة يُعبر عن هذا الشرط: قلتُ: أرأيتَ رجلا غسل رجليه، ولبس خفيه على غير وضوء ثم أحدث، أيتوضأ ويمسح على خفيه؟ قال: لا، قلتُ: لم؟ قال: لأنه ليس له أن يمسح على الخفين حتى يلبسهما على وضوء تام، فإن لبسهما على وضوء تام ثم أحدث بعد ذلك، توضأ ومسح عليها. "كتاب الأصل" ١/ ٨٩. أما وجه اشتراط هذا، فأولا: لما رواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "صببت على رسول الله - ﷺ - في وضوئه، ثم أهويتُ لأنزع خفيه، فقال: دَعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، ومسح عليهما" أخرجه البخاري في الوضوء، باب إذا أدخل رجليه وهم طاهرتان، رقم ٢٠٦، ١/ ٣٩٠، ومسلم في الطهارة، باب المسح على الخفين، رقم ٢٧٤، ١/ ٢٣٠. وثانيا: ما ذكره السرخسي أن موجب لبس الخف المنع من سراية الحدَث إلى القدمين، لا تحويل حكم الحدث من الرجل إلى الخف، وإنما يتحقق هذا إذا كان اللبس على طهارة. "المبسوط" ١/ ٩٩. ثم إنه يشترط عند الحنفية كمالَ الطهارة وقت الحدَث، لا وقت اللبس، حتى لو غَسَل رجليه ولبس خفيه ثم أكمَل الطهارةَ ثم أحدَث، يُجزئه المسح، لان الخف مانع حلول الحدث بالقدم، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع، وهو وقت الحدث. راجع للتفصيل: "الهداية" و"فتح القدير" ١/ ١٤٦، "بدائع الصنائع" ١/ ٩، "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٩، "اللباب في الجمع بين السنة والكتاب" ١/ ١٦٠.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من جميع النسخ المتوفرة وإضافة من الباحث، لأن الشارح قسم هذا الباب إلى خمسة فصول، ثم ذكر أن الفصل الأول والثاني ينبني على أصلين، كما صرح بالفصل الثاني فيما بعد، فلعله ذهول من النساخ.
[ ١ / ١٤٨ ]
مسافر أحدث فلم يجد (^١) إلا سؤر حمار أو بغل، فإنه يتوضأ به (^٢) ويتيمم، لما قلنا (^٣)، وبأيهما بدا جاز.
وقال زفر ﵀: لا يجوز تقديم التيمم، لأنه يتيمم، ومعه ماء أمر باستعماله (^٤)، فلا يجوز (^٥).
وإنا نقول: إن كان سؤر الحمار (^٦) طهورا فتقديم التيمم لا يضر، والطهارة تحصل بالماء، وإن لم يكن طهورا فوجوده لا يمنع التيمم (^٧).
والأفضل أن يتوضأ أو لا حتى يصير عادما للماء الطاهر بيقين (^٨).
_________________
(١) وفي "كتاب الأصل" قال أبو حنيفة: "إذا توضأ الرجل بسؤر الحمار أو البغل وهو يجد غيره لم يجزه" ١/ ٢٥٣. فإذا وجد ماء مطلقا تعين المصير إليه، ولو توضأ بسؤر الحمار وتيمم ثم وجد ماء لا يصلي ما لم يتوضأ به. "الفتاوى التاتارخانية" نقلا عن "الفتاوى العتابية" ١/ ٢٢١.
(٢) لفظ "به" ساقط من نسخة (ج) و(د) والأصح إثباته.
(٣) قوله: "لما قلنا" ساقط من نسخة (ا) و(ب) وهو سهو من الناسخ.
(٤) "المبسوط" للسرخسي: ١/ ٥٠.
(٥) قوله: "فلا يجوز" ساقط من (ب) سهوا.
(٦) في (ا) و(ب): "السؤر" بدل "سؤر الحمار".
(٧) أي الاحتياط في الجمع بينهما لا في الترتيب، لأن المطهر في الواقع أحدهما، إما السؤر أو التيمم، فوجب الضم دون الترتيب. "المبسوط" ١/ ٥٠، "فتح القدير" ١/ ١١٧.
(٨) قوله: "عادما للماء الطاهر" يصدق هذا إذا كان سؤر الحمار قليلا بقدر ما يتوضأ به فقط، أما إذا كان كثيرا فلا يصير عادما للماء إلا بإراقته، وذكر ابن عابدين وعالم بن العلاء الأنصاري عن نصير بن يحيى هذا الحلّ أن من لم يجد إلا سؤر الحمار يُهرِقُه حتى يصير عادما للماء ثم يتيمم. قال الصفار: وهو قول جيد. "رد المحتار" ١/ ٢٢٧، و"الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٢١.
[ ١ / ١٤٩ ]
وإن صلى بأحدهما لا يجوز، ويعيدها (^١) لما ذكرنا، فإن توضأ بسؤر الحمار، ولبس الخف، ثم أحدث قبل التيمم، أو جمع بينهما ولبس الخف (^٢)، ثم أحدث ومعه سؤر حمار، فإنه يتوضأ به ويمسح على الخف (^٣).
لأن سؤر الحمار (^٤) إن كان طهورا فشرط جواز المسح قد وجد، وهو اللبس على الطهارة، وإن لم يكن طهورا (^٥) فالطهور هو التيمم، ولا حَظّ للرِّجلين من التيمم.
وأما الفصل الثاني:
فإن لم يجد إلا نبيذ التمر فإنه يتوضأ به عند أبي حنيفة ﵀، ولا يتيمم معه (^٦)
_________________
(١) وفي "فتاوى قاضي خان": ولو اكتفى بأحدهما وصلى لا تجوز صلاته. ١/ ١٨ وانظر "الفتاوى الهندية" ١/ ٢٤.
(٢) كذا في الأصل، وفي (ا) و(ب): "ثم لبس ثم أحدث".
(٣) هذا إذا لم يجد ماء مطلقا، فإن وجد ماء مطلقا، نزع خفيه وتوضأ وغسل قدميه، لأنه ليس بطهور عند وجود الماء المطلق. فصله الكاساني في "بدائع الصنائع" ١/ ١٠، وانظر "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٧٥.
(٤) كذا في الأصل، وكلمة "الحمار" ساقطة من بقية النسخ، وكلاهما صحيح.
(٥) قوله: "طهورا" سقط من النسخ البقية، وثبوته أوضح.
(٦) وهو قوله الأول، وإنما قال هذا على خلاف القياس، لأن مقتضى القياس أن لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر لتغير طعم الماء وصيرورته مغلوبا بطعم التمر، فكان في معنى الماء المقيد، وبالقياس أخذ أبو يوسف، إلا أن أبا حنيفة ترك القياس بالنص، وهو ما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "ما في إداوتك؟ قلت: نبيذ، قال: تمرة طيبة وماء طهور، قال: فتوضأ منه" أخرجه أحمد في مسند ابن مسعود ١/ ٤٥٥، كما أخرجه أصحاب السنن بألفاظ مختلفة في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ: أبو داود: رقم الحديث ٨٤، وليس في روايته لفظ "وتوضأ"، ابن ماجه: رقم ٣٨٤، وزاد فيه: "فتوضأ"، الترمذي: رقم =
[ ١ / ١٥٠ ]
وقال في "كتاب الصلاة" (^١): [إن] (^٢) التيمم معه أحبّ إليّ (^٣).
فإن توضأ بنبيذ التمر هل يمسح على الخف (^٤) عند أبي حنيفة ﵀؟ اختلف
_________________
(١) = ٨٨، وزاد: "فتوضأ به وصلى الفجر" وقال: "وأبو زيد - الراوي - مجهول عند أهل الحديث ٦، لا يعرف له رواية غير هذا الحديث"، وقد ضعّف الطحاوي الحديث، واختار أنه لا يجوز لأحد أن يتوضأ بالنبيذ لا في سفر ولا في حضر، وكذلك ضعّفه الزيلعي، وذكر له ثلاث عِلل. انظر: الطحاوي: "شرح معاني الآثار" ١/ ٩٤، ٩٦، الزيلعي: "نصب الراية" ١/ ١٣٨. وقد سبق أن الإمام أبا حنيفة رجع عن قوله الأول إلى قول أبي يوسف المفتى به في المذهب، يقول الشيخ ظفر أحمد العثماني مبينا وجه رجوعه إلى قول الجمهور: "لعل وجهه التردد الواقع في أن قصة الوضوء بالنبيذ كانت بمكة قبل نزول آية المائدة، أو بالمدبنة بعد نزولها، وتعدد ليلة الجن ووقوعها بالمدينة … وأيضا وقع التردد في صفة النبيذ الذي توضأ به رسول الله - ﷺ - هل كان الماء غالبا أو الحلاوة أو كانا مساويين". "إعلاء السنن" ١/ ٣١٥.
(٢) يعني "كتاب الصلاة" من "كتاب الأصل" المعروف بالمشوط للإمام محمد ﵀، ففي "كشف الظنون". "وللإمام محمد الشيباني "مبسوط"، ألّفه مفردا، فأوّلا ألف مسائل الصلاة، وسمّاه "كتاب الصلاة"، ومسائل البيع وسمّاه "كتاب البيوع"، وهكذا الأيمان والإكراه، ثم جمعت فصارت مبسوطا، وهو المراد حيث ما وقع في الكتب: قال محمد في كتاب فلان". كشف الظنون ٢/ ٥٨١.
(٣) "إن" أثبت من النسخ الأخرى غير الأصل.
(٤) انظر: "كتاب الأصل" للإمام محمد ١/ ٧٤، وهذه رواية ثانية عن أبي حنيفة، ذكر البابرتي عن شيخ الإسلام قال: "إشارة إلى أنه لو توضأ به ولم يتيمم جاز، ولو عكس لم يجز، والجمع بينهما مستحب". "العناية" ١/ ١١٨.
(٥) "على الخف" ساقط من النسخ الأخرى.
[ ١ / ١٥١ ]
المشايخ [فيه] (^١) قال بعضهم: لا يمسح (^٢)، وفرقوا بينه وبين سؤر الحمار.
[والفرق] (^٣) أن جواز المسح عُرف نصًا، والنصّ ورد (^٤) في الماء المطلق (^٥)، فلا يقاس عليه غيره، إلا إذا كان في معناه، والنبيذ ليس بماء ولا في معنى الماء، لأن الوضوء بالماء يتكرر، وبالنبيذ لا يتكّرر عادة، فلم يكن ضرورة، بخلاف سؤر الحمار (^٦)، لأنه لو كان طهورا، كان ماء مطلقا (^٧).
وعند محمد ﵀ الحكم (^٨) ما ذكرنا في سؤر الحمار.
_________________
(١) "فيه" سقط من الأصل وثبت في بقية النسخ، وثبوته أولى.
(٢) يدل كلام الكاساني على جراز المسح عند أبي حنيفة، "بدائع الصنائع" ١/ ١٠، وذكر عالم بن العلاء عن الناطفي أنه لا يمسح في قول أبي حنيفة، الفتاوى التاتارخانية ١/ ٢٧٥. وبما أنه قد تبيّن فيما سبق رجوع الإمام أبي حنيفة عن هذا القول، وأن الفتوى على قول أبي يوسف بعدم جواز التوضؤ بنبيذ التمر، فلا داعي لتخريج هذه المسائل.
(٣) ما بين المعكوفتين زيادة من (الف) و(ج) و(د)، وفي نسخة (ب): "وجه الفرق".
(٤) "ورد" ساقط من (ا) وهو سهو.
(٥) لأن مطلق اسم الماء ينصرف إلى الماء المطلق، و"الماء المطلق": هو الذي تتسارع أفهام الناس إليه عند إطلاق اسم الماء كماء الأنهار، والعيون، والآبار، وماء السماء، وماء الغدران، والحياض، والبحار. "بدائع الصنائع" ١/ ١٥، وعرّف أبو الليث السمرقندي "الماء المطلق": بأنه ما كان على صفة المنزّل من السماء. "خزانة الفقه" ص ٩٢.
(٦) وفي بقية النسخ: "بخلاف السؤر" بسقوط لفظ الحمار.
(٧) يتفرّع عليه ما ذكره قاضي خان في فتاواه بأنه إذا كان معه سؤر الحمار ونبيذ التمر، يتوضأ بسؤر الحمار ويتيمم، ولا يلتفت إلى نبيذ التمر، لأن سؤر الحمار كان طهورا في الأصل، وإنما صار مشكلا بشرب الحمار، أما نبيذ التمر فما كان طهورا في الأصل. "فتاوى قاضي خان" ١/ ١٨.
(٨) "فيه" ساقط من النسخ الأخرى، وثبت في الأصل، وثبوته أولى.
[ ١ / ١٥٢ ]
وأما الفصل الثالث:
ينبني على أصل واحد: وهو أن الجمع بين الغسل والمسح على الخفّ لا يجوز (^١)، لأن المسح بدل الغسل (^٢)، والجمع بين البدل والمبدل محال (^٣).
فإذا غَسل إحدى الرجلين، أو غسل بعض الرِجل، لا يمسح على الأخرى، كيلا
_________________
(١) وجّهَ الإمام العتّابي هذا الأصلَ بأن الرِجلين في وجوب الغسل كعضو واحد، لأن الله تعالى جَمعهما في الأمر بالغسل في قوله: وأرجلكم إلى الكعبين فإذا وجب غسل بعضه وجب غسل كله، والمسح على الخف بدل عن الغسل، والجمع بين الأصل والبدل متعذر. "شرح الزيادات" للإمام العتابي المتوفي ٥٨٦ هـ، ورق ٢، مخطوط مصور محفوظ بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام تحت رقم ٣١٨٠. ونظرا لما قاله العتابي ذكر المرغيناني هذا الضابط بإضافة قيد فقال: "تعذّر الجمع بين الغسل والمسح في وظيفة واحدة"، "الهداية" ١/ ٢٩. "وظيفة واحدة"، وهي غسل الرجلين، وقيّد بالواحدة لأنهما في غيرها يجتمعان كغسل الوجه واليدين ومسح الرأس.
(٢) فرّق أبو البقاء بين "البدل" و"الخلف"، فالبدل مشروع في الأصل كالمسح على الخلّف، والخلف ليس بمشروع في الأصل كالتيمم. "الكليات" ص ٢٣٣.
(٣) هذا الأصل معروف لدى الفقهاء وإن اختلفت صياغته: "لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل" و"لا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض، و"الأصل لا يجتمع مع البدل" الإسعاف بالطلب مختصر شرح المنهج المنتخب على قواعد المذهب للشيخ أبي القاسم التواني ص ١٧١ و"البدل يقوم مقام المبدل ويسدّ مسده" "القواعد" لابن رجب الحنبلي ص ٣١٤ القاعدة الثالثة والأربعون بعد المائة. وقد تكرّر ذكر هذا الأصل في عِدّة مواضع من هذا الباب، ومعظم المسائل في الفصل الثالث والرابع والخامس متخرّجة عليه، ومن أجل تكرّر هذا الأصل اختصره قاضي خان في الفصل الخاص بقوله: "الجمع الممتنع" و"الجمع المتعذر".
[ ١ / ١٥٣ ]
يؤدّي إلى الجمع بين البدل والمبدل (^١).
قال محمد ﵀:
رجل بإحدى رجليه جَراحة لايستطيع غسلها، فإنه يمسح على الخرق (^٢) التي عليها، فإن توضأ، ومسح علَى الخِرق، وغسل الرِّجل الصحيحة، ولبس الخُفّ على الصحيحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، وينزع الخُفّ، ولا يمسح على الخف (^٣).
ووجه ذلك أن قوله: "لا يستطيع غسلها" محتمَل (^٤)، يحتمل أنه أراد [به] (^٥) غسل الجَراحة، فيغسل ما وراء الجراحة، ويمسح على الجراحة. وفي هذا الوجه لا يشكل أنه لا يمسح، لأنه يغسل بعض المجروحة، فلو مسح على خف الصحيحة يؤدي إلى الجمع.
ويحتمل أنه أراد بقوله: "لا يستطيع غَسلها" يعني الرِّجلَ المجروحة (^٦)، وفي هذا
_________________
(١) كذا ثبت في الأصل وفي (ج) و(د)، لكن سقطت العبارة من قوله: "فإذا غسل" إلى" بين البدل والمبدل" من نسخة (الف) و(ب)، وهو سهو من الناسخ.
(٢) "الخِرق" جمع "الخِرقة" بالكسر، القطعة من الجَراد والثوب. "القاموس المحيط" مادة "خرق" ص ١١٣٤.
(٣) خرّج أبو الليث السمرقندى هذه المسئلة، وعلّله بأن الجمع بين الغسل والمسح لا يجوز في عضو واحد، والرِجلان في حق الغسل كعضو واحد. "فتاوى النوازل" ص ٣٢. وانظر: "الفتاوى الهندية" ١/ ٣٦.
(٤) لفظ "محتمل" ساقط من (ب) والصحيح إثباته.
(٥) إضافة من بقية النسخ.
(٦) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "أنه أراد به الرّجلَ المجروحة"، ففي الاحتمال الأول الضمير في قوله: "غسلها" يرجع إلى "الجَراحة"، وفي الاحتمال الثاني يرجع إلى الرِجل المجروحة.
[ ١ / ١٥٤ ]
الوجه لا يمسح أيضا، لأن المسح على الجبيرة (^١) كالغسل لما تحتها (^٢)، ما دامت العلة باقية (^٣)، حتى لا يتوقت بوقت (^٤)، فلو مسح على خف الصحيحة (^٥) يؤدي إلى الجمع.
وعلى قياس ما رُوي عن أبي حنيفة ﵀: "أن من ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضرُّه جاز" (^٦)، ينبغي أن يجوز (^٧)، لأنه لما سقط غَسل المجروحة، صارت
_________________
(١) "جَبيرة" جمعها: جبائر، وهي العيدان التي تجبر بها العظام. "القاموس المحيط" مادة: الجبر.
(٢) في الأصل: "لما تحته" وهو تصحيف، لأن الضمير يرجع إلى الجبيرة.
(٣) قال الزيلعي: "إن المسح على الجبيرة ما دام العذر قائما أصل، لا بدل". "تببين الحقائق" ١/ ٥٢.
(٤) لعدم التوقيف بالتوقيت حيث لم يرد أثر ولا خبر، والمقادير لا تعرف إلا سماعا فيمسح إلى وقت البُرء. "العناية" ١/ ١٥٩ "بدائع الصنائع" ١/ ١٤، ومن هنا اتضح الفرق بين "المسح على الجَبيرة" و"المسح على الخف"، وهناك فروقٌ أخرى بينهما ذكرها الكاساني وابن نجيم وهي كالآتي:
(٥) لا يشترط شَدّ الجبيرة على طهارة، ويشترط لبس الخف على كمال الطهارة.٢ - يجمع المسح على الجبيرة مع الغَسل بخلاف مسح الخف.٣ - يجب تعميمها أو أكثرها بخلاف الخف. ٤ - لا يقدّر المسح على الجبيرة بمدة بخلاف الحف. ٥ - لا ينتقض المسح على الجبيرة إذا سقطت من غير بُرءٍ فلا تجب إعادته، بخلاف الخف إذا سقط. ٦ - لا تنزع الجبيرة للغُسل عن الجَنابة بخلاف الخف. ٧ - إذا كان على عَضو جبيرتان فسقطت إحداهما أعادَها بلا إعادة مسحِها، بخلاف نزع أحد الخفين فإنه يوجب غسل الرجلين. انظر: "بدائع الصنائع" ١/ ١٤، "الفروق" للكرابيسي ١/ ٣٨، "الأشباه والنظائر" ص ٤٤٢.
(٦) كذا في الأصل، ولفظ: "الصحيحة" ساقط من بقية النسخ وثبوته أولى.
(٧) نسب السرخسي هذا القول إلى غير رواية الأصول عن أبي حنيفة. "المبسوط" ١/ ٧٤. وإلى هذا أشار الزيلعي بقوله: وعند أبي حنيفة ليس بواجب حتى يجوز تركه من غير عذر في رواية. "تبيين الحقائق" للزيلعي ١/ ٥٣، لكن ما رواه الإمام محمد عن أبي حنيفة في "كتاب الأصل" دالّ بوضوح على أن ترك المسح على الجبيرة لا يجوز عنده إلا إذا خاف الضرر."كتاب الأصل" ١/ ٥٥.
(٨) أي المسح على الخفّ، حيث لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل.
[ ١ / ١٥٥ ]
كالذاهبة أصلًا.
وقال أكثرهم: هو قول الكلّ (^١)، لأن أبا حنيفة ﵀ يقول: الأولى أن يمسح علي الجبائر (^٢)، لما ورد فيه من الآثار (^٣)، فلا ينبغي له
_________________
(١) أي أبو حنيفة وصاحباه ﵏، لا خلاف بين الفقهاء في سقوط المسح إذا كان المسح على الجبائر يضرّه، لأن الغسل أقوى من المسح، ولما سقط الغسل عن هذا الموضع لخوف الضرر فالمسح أولى، وأما إذا كان لا يضره المسح فقد ذكر بعض مشايخ الحنفية الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، مستحب عنده، وواجب عندهما، والصحيح أن المسح واجب عندهم جميعا: ليس بفرض، كما أشار إليه قاضي خان بقوله: "هو قول الكلّ"، وعليه الفتوى، لأن غسل هذا العضو كان واجبا، ثم تعذّر فيجب بدله وهو يقدر عليه، فالطاعة بحسب الطاقة، "ردّ المحتار" ١/ ٢٧٩، "تبيين الحقائق" ١/ ٥٣، ولذا نقل ابن الهمام عن صاحب الهداية في "التجنيس": "الاعتماد على ما ذكر في شرح الطحاوي وشرح الزيادات أنه ليس بفرض عنده". "فتح القدير" ١/ ١٥٩. لأن الفرض اسم لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، ووجوب المسح على الجبائر ثبت بحديث عليّ ﵁، وإنه من الآحاد فيوجب العمل دون العلم .. وإن الصاحبين لا يقولان بفرضية المسح على الجبائر لانعدام دليل الفرضية بل بوجوبه من حيث العمل. لأن مطلق الأمر يحمل على الوجوب في حق العمل، وإنما الفرضية تثبت بدليل زائد: انظر "بدائع الصنائع" ١/ ١٢٣.
(٢) قوله: "على الجبائر" سقط من (ا) و(ب)، وأثبت من الأصل و(ج) و(د).
(٣) المسح على الجبيرة جائز باتفاق الفقهاء، وثبتت مشروعيته بالسنة والمعقول: أما السنة: فمنها ما رُوي عن علي ﵁ قال: "انكسرت إحدى زندي، فسألت رسول =
[ ١ / ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = الله - ﷺ - فأمرني أن أمسح على الجبائر" روه ابن ماجة في الطهارة وسننها، باب المسح على الجبائر، رقم ٦٥٧، والدارقطني في الطهارة باب جواز المسح على الجبائر ١/ ٢٢٦، وسنده ضعيف نصب الراية للزيلعي ١/ ١٨٦، ورواه عبد الرزاق في باب المسح على العصائب والجروح، رقم ٦٢٣، "مصّنف عبد الرزاق" ١/ ١٦١، وحَسّنه المتقي صاحب "كنز العمال" ٥/ ١٥١. ومنها: عن جابر ﵁ قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حَجر فشَجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأله أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنتَ تَقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي - ﷺ - أخبر بذلك فقال: قَتَلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العَيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويَعصِب على جُرحه خِرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". رواه أبو داؤد بسند ضعيف في الطهارة، باب المجروح والتيمم، رقم ٣٣٦، والدارقطني في الطهارة، باب جواز التيمم لصاحب الجراح ١/ ١٨٩، وقال البيهقي: هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب. "نصب الراية" ١/ ١٨٧، وقال الشوكاني: قد تعاضدت طرق حديث جابر، فصلح للاحتجاج به على المطلوب، وقوي بحديث علي. "نيل الأوطار" ١/ ٢٥٨. ومنها: عن أبي أمامة "عن النبي - ﷺ - أنه لما رماه ابن قمئة يوم أحد رأيت النبي - ﷺ - إذا توضأ حل عن عصابته، ومسح عليها بالوضوء" رواه الطبراني في "الكبير"، "مجمع الزوائد" ١/ ١٨٠. ومنعا: أثر ابن عمر ﵁، قال المنذري: صحّ عن ابن عمر المسح على العصابة موقوفا عليه، وساق بسنده أن ابن عمر ﵁ توضأ وكفّه معصوبة فمسح عليها وعلى العصابة وغسَل سِوى ذلك. قال ابن الهمام بعد نقل هذا: "والموقوف في هذا كالمرفوع لأن الأبدال لا تنصب بالرأي". "فتح القدير" ١/ ١٥٨. وأما المعقول؛ فإن الضرورة والحاجة تقتضي جواز المسح على الجبائر، لأن في نزعها ضررا ومشقة، و"المشقة تجلب التيسير"، قال المرغيناني: لأن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف فكان أولى بشرع المسح "الهداية" ١/ ٣٠.
[ ١ / ١٥٧ ]
أن يتركه (^١)، وإذا مسح صار مقيما للفرض، كالمسافر إذا أدى الجمعة، فيصير جامعا بين المسح وبين الغسل، وذلك لا يجوز (^٢).
هذا إذا لبس الخف (^٣) على الصحيحة لا غير.
فإن لبس على الصحيحة، ومسح على الجبيرة، ولبس الخف على المجروحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويمسح عليهما لأن المسح على الجبيرة بمنزلة الغسل، ولو غسلهما، ولبس الخف عليهما يمسح (^٤)، كذلك ههنا (^٥).
_________________
(١) قال السرخسي: "فإن ترك المسحَ وهو لا يضرّه قال في الأصل: "لم يجزه في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى"، ولم يذكر قولَ أبي حنيفة رحمه الله تعالى". "المبسوط" ١/ ٧٤ الملحوظ على قول الإمام السرخسي: "ولم يذكر قول أبي حنيفة ﵀" (وقد نقل بعض الفقهاء كلام السرخسي هذا) أن الإمام محمد ذكر قبل بيان رأيه ورأي أبي يوسف، ثلاثة فروع عن أبي حنيفة في نفس الصفحة ما تنصّ بوضوح أنه لا يجوز ترك المسح بدون الضرر، فقال محمد في "الأصل": "قلتُ: أرأيت إن كانت به جراحة، وهو يخاف على نفسه أن يمسح عليها؟ قال: إذا خاف على نفسه أن يمسح عليها فلم يمسح عليها أجزاه. قلت: أرأيت ان كانت الجراحة في جانب رأسه، وهو يقدر على أن يمسح بقية رأسه ولا يضره؟ قال: فليمسح ما بقى من رأسه، قلت: فإن لم يفعل، وصلى هكذا أياما من غير أن يمسح على بقية رأسه؟ قال: عليه أن يمسح على بقية رأسه ويُعيد الصلوات كلها"."كتاب الأصل" ١/ ٥٥.
(٢) كذا ثبت في الأصل و(ج) و(د)، وجاء في (ا) و(ب): "فيصير جمعا" ثم سقطت العبارة التالية منهما: "بين المسح وبين الغسل وذلك لا يجوز "وهو تصحيف وسقوط".
(٣) "الخف" ساقط من النسخ الأخرى.
(٤) ذكَر العلامة الكاساني وعالم بن العلاء بعضَ مسائل هذا الفصل مع الإحالة إلى الزيادات راجع: بدائع الصنائع ١/ ١٠ والفتاوى التاتارخانية ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠، كما ذكرها ابن الهمام نقلا عن "شرح الزيادات" لقاضي خان، وذكر بعضَ عباراته أيضًا، انظر "فتح القدير" ١/ ١٥٩.
(٥) وفي (ج) و(د): "كذا هذا".
[ ١ / ١٥٨ ]
بخلاف ما إذا لبس الجُرموق (^١) فوق خُفٍّ ممسوح (^٢)، حيث لا يجوز المسح على
_________________
(١) "الجُرموق": ما يلبس فوق الخف وقاية له، والجمع الجراميق، مثل عصفور وعصافير، انظر: "المغرب في ترتيب المعرب"، "المصباح المنير" مادة: "جرموق" ص ٩٧، والموق والجرمرق مترادفان، قال الجوهري: "الموق": الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرّب. "الصحاح" مادة: "موق" ص ٦٣٩.
(٢) قوله: "خف ممسوح"، هذا قيد مهمّ يجب التنبه إليه، فعليه مدار الكلام في المسئلة، فالمراد: أنه لبس الخفين ثم مسح عليهما، ثم لبس الجرموقين فوق الخفين فحينئذ لا يجوز المسح على الجرموقين، فإنه تشترط لجواز المسح علي الجرموق عند الحنفية ثلاثة شروط: أولا: أن يكونا بحيث لو انفردا يصح مسحهما، حتى لو كان بهما خرق مانع لا يجوز المسح عليهما، ثانيا: أن يلبسهما قبل أن يمسح على الخفين، (وهذا ما أشار إليه قاضي خان بقوله: "خف ممسوح" وإن لم يصرح به في فتاواه: ١/ ٥٢) فإذا لبسهما بعد أن مسح على الخفين لا يجوز له أن يمسح على الجرموقين، لأنهما حينئذ لا يكونان تبعا للخف، وإنما جاز المسح عليهما بسبب كونهما تبعا له، ولأن حكم المسح استقرّ على الخف. ثالثا: أن يلبسهما على الخفين قبل أن يحدث، فلا يجوز المسح عليهما إذا لبسهما بعد ما أحدث، لأن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث، وقد انعقد في الخف، فلا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك، ولأن وظيفة المسح استقرت للخف لحلول الحدث به فلا يزال بمسح غيره. والملحوظ هنا أن كثيرا من كبار الفقهاء أغفلوا عن ذكر الشرط الثاني، مثل الكاساني في "بدائع الصنائع" ١/ ١١، والمرغيناني في "الهداية"، وابن الهمام في "فتح القدير" ١/ ١٥٥، والزيلعي في "تبيين الحقائق" ١/ ٥٢، إنما ذكره السرخسي في "المبسوط" ١/ ١٠٢، وابن عابدين في "ردّ المحتار" ١/ ٢٦٨، وقال فيه: "صرّح بهذا الشرط في السراج، وشروح المجمع، ومنية المصلي وغيرها"، كما صرح به عليّ القاري في "شرح النقاية" ١/ ٧٣. فإذا تحققت هذه الشروط =
[ ١ / ١٥٩ ]
الجرموق، لأن المسح على الخف ليس كالغسل لما تحته، بدليل أنه يتوقت، فيصير المسح على الجرموق بدلا عن المسح على الخف، والبدل لا بدل له.
ولو لم يستطع المسح على الجبيرة (^١)، فغسل الصحيحة، ولبس الخف عليها، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويمسح على الخف لأن المجروحة لمّا تعذّر غسلها، والمسح على جبيرتها (^٢)، سقطت وظيفتها في الوضوء (^٣)، فيصير كأن ليس له إلا رجل واحدة، وهي الصحيحة (^٤).
الفصل الرابع:
ينبني على أصل واحد: وهو أن قليل الخَرق والإنكشاف لا يمنع جواز المسح، لأن خِفاف الناس لا تخلو عنه عادة، فلو قلنا بأنه يمنع، أدّى إلى الحرج، وفي الكثير لا يؤدي إلى الحرج (^٥).
_________________
(١) = الثلاثة جاز المسح على الجرموق عند الحنفية خلافا للشافعية، راجع لتفصيل الأدلة المراجع السابقة.
(٢) قد يكون الجرح بالغَ الخطورة والحساسية حيث لا تتحمل أيّ مسّ أو لمس، فحينئذ يسقط المسح على الجبيرة باتفاق الفقهاء، كما سبق. وفي أحكام المسح على الجبائر تجب مراعاة قاعدة: "الثابت بالضرورة تتقدّر بقدرها".
(٣) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: "والمسح عليها" بسقوط لفظ: "جبيرتها"، ومقتضى السياق أن ما ثبت في الأصل أصح.
(٤) "في الوضوء" ساقط من النسخ الأخرى، وثبوته أولى.
(٥) "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٨١.
(٦) من شروط جواز المسح على الخفين أن يكون الخف مما يمكن متابعة المشي المعتاد، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، فترى الإمام قاضي خان يعرّف "الخف" في فتاواه بأسلوب دقيق جامع للشروط: "الخف الذي يجوز عليه المسح ما يكون صالحا لقطع المسافة، والمشي المتتابع عادة، =
[ ١ / ١٦٠ ]
و"الكثير" مقدّر بثلاثة أصابع (^١) من أصغر أصابع الرِّجل، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله بثلاثة من أصابع اليد (^٢).
_________________
(١) = ويستر الكعبين وما تحتهما". "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٦. ثم يتفرع على هذا الشرط شرط آخر، وهو أن يكون الخف صحيحا سليما من الخروق، لأن المشي المتتابع مع الخف لا يتحقق إلا به، وإلى هذا أشار قاضي خان في شرحه بعد قليل بقوله: "لأن في الخفين لا يمنع المشي المعتاد، وفي الواحد يمنع، فلا يصلح لقطع المسافة، وأمر المسح يدور عليه". واتفق الفقهاء في اشتراطه أيضا، لكنهم اختلفوا في مقدار الخرق اليسير المتسامح: فالشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية قالوا بعدم جواز المسح على خف خرق، وإن كان يسيرا، والحنفية والمالكية أجازوا المسح على خف خرق يسير استحسانا ورفعا للحرج. ثم اختلفت الحنفية والمالكية في تعيين الحدّ الفاصل بين الخرق القليل والكثير، فالخرق الكثير عند المالكية: ما لا يمكن به متابعة المشي، وهو الخرق الذي يكون بمقدار ثلث القدم، وعند الحنفية: هو بمقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم. راجع للتفصيل: "مغني المحتاج" ١/ ٦٥، "المغني" لابن قدامة ١/ ٢٩٤ - ٢٩٦، "الشرح الكبير" للدردير ١/ ١٤٣، "القوانين الفقهية" لابن جزّي ص ٣٨، "بدائع الصنائع" ١/ ١١، "فتح القدير" ١/ ١٥٥.
(٢) مما قدّر بثلاثة أصابع لوجهين: أحدهما: أن هذا القدر إذا انكشف منع من قطع الأسفار، والثاني: أن ثلاثة أصابع أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل، واعتبار الأصغر للاحتياط. راجع "كتاب الأصل" ١/ ٦٠ "بدائع الصنائع" ١/ ١١، "الهداية" ١/ ٢٩.
(٣) لمعتبر أصابع اليد أو أصابع الرجل، فرواية الحسن عن أبي حنيفة ثلاثة أصابع من أصابع اليد، لأن الممسوح به اليد، ورواية محمد في "الزيادات" ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرجل، كما سيأتي، وهو الأصح، صححّه المرغيناني، "الهداية" ١/ ٢٩، لأن الخرق الكثير مانع من قطع السفر، وقطع السفر إنما يتحقق بالرجل فيعتبر أصابعها، لأن الأصل في القدم هو الأصابع. وليعلم أن السرخسي والكاساني والبابرتي أسند هذه الرواية إلى "الزيادات". انظر: "المبسوط" ١/ ١٠٠، "بدائع الصنائع" ١/ ١١، "العناية" ١/ ١٥١.
[ ١ / ١٦١ ]
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀:
رجل لبس خفين لا ساق لهما (^١)، فظهر من أعلى الخف، أو من أسفله (^٢)، من موضع الغسل، كالكعب ونحوه، قدر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرِّجل، لم يمسح لأن ما ظهر وجب غسله، فالمسح يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل.
وإن كان ما خرَج أقلّ من ثلاثة أصابع، يمسح، لأن ما خرج لم يجب غَسله لقلّته، فالمسح لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل (^٣).
فإن كان الخرق في موضعين، في ظهر القَدَم والعقب ونحو ذلك، إن كان في خف واحد يجمع، وإن كان (^٤) في خفين لا يجمع (^٥) عندنا، خلافا لزفر (^٦) ﵀.
_________________
(١) قوله: "لا ساق لهما"، قيّد بهذا لأنه لا يعتبر الخرق في الساق، لأن عدم الساق لا يمنع المسحَ فالخرق أولى. صرّح به قاضي خان في فتاواه: ١/ ٤٩.
(٢) قال الكاساني: وسواء كان الخرق في ظاهر الخف، أو في باطنه، أو من ناحية العقب بعد أن كان أسفل من الكعبين. "بدائع الصنائع" ١/ ١١. وكذا في "المبسوط" ١/ ١٠٠.
(٣) قوله: "بين البدل والمبدل" ساقط من بقية النسخ، وثبت في الأصل.
(٤) كذا في الأصل، وفي (ج) و(د): "وفي الخفين".
(٥) قال السرخسي: "تُجمع الخروق في خف واحد، ولا تجمع في خفين، لأن أحد الخفين منفصل عن الآخر". "المبسوط" ١/ ١٠١، ولأن ما في الخفين لا يُخِلّ في صلاحيتهما لقطع المسافة. "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٩. "فتح القدير" ١/ ١٥١.
(٦) قد سبق أن الشافعية والحنابلة وزفر ﵏ لم يجيزوا المسح على الخف فيه خرق، قليلا كان أو كثيرا، وهو القياس: لأنه لما ظهر شيء من القدم وإن قلّ وجَبَ غسله لحلول الحدث به لعدم إلا استتار بالخف، والرجل في حق الغسل غير متجَزّئة، فما انكشف، حكمه الغسل، وما استتر، حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز، فغلب حكم الغسل. "المغني" ١/ ٢٩٧. وما قاله الحنفية وجهه الاستحسان، فإن رسول الله ﷺ أمر أصحابه رضى الله =
[ ١ / ١٦٢ ]
لأن في الخفين لا يمنع المشي المعتاد، وفي الخف (^١) الواحد يمنع، فلا يصلح لقطع المسافة، وأمر المسح يدور عليه، بخلاف النجاسة المتفرقة (^٢) في الثياب (^٣)، حيث تجمع (^٤)، لأن ثمّة المانع استعمال النجاسة أو حملها، وذلك حاصل (^٥).
الفصل الخامس (^٦):
مبنيّ على ما ذكرنا من الأصل (^٧) أن الجمع بين المسح والغسل في الرِّجل الواحدة،
_________________
(١) = عنهم بالمسح مع علمه بأن خفافهم لا تخلو عن قليل الخروق، فكان هذا منه بيانا أن القليل من الخروق لا يمنع المسحَ، ولأنَ المسح أقيم مقام النسل تخفيفا ورخصة، فلو منع قليل الانكشاف لم يحصل المقصود لوجوده في أغلب الخفاف، والخف وإن كان جديدا فآثار الدروز واضحة عموما، فيلحق الحرج في النزع، فجعل عفوا، والخرق اليسير إنما جُعل عفوا للضرورة، فلا ضرورة في الكثير، فيبقى على أصل القياس. "بدائع الصنائع" ١/ ١١، "المبسوط" ١/ ١٠٠، "العناية" ١/ ١٥١.
(٢) كذا في الأصل، وسقط "الخف" من بقية النسخ.
(٣) كذا في الأصل، وسقط "المتفرقة" من بقية النسخ. وهذه إضافة مهمّة.
(٤) أي: بخلاف النجاسة المتفرقة، حيث تجمع لمنع جواز الصلاة، وإن كانت متفرقة في ثيابه، أو خفيه، أو بدنه، أو مكانه، أو في المجموع، وبخلاف انكشاف العورة المتفرقة كذلك. انظر: "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٩، "تبيين الحقائق" ١/ ٤٩. "ردّ المحتار" ١/ ٢٧٤.
(٥) قوله: "حيث تجمع" سقط سهوا من (ا) و(ب)، وثبت في الأصل و(ج) و(د).
(٦) النجاسة تمنع الجواز لكونها حاملا لها أو مجاورا، وهو حامل للكل أو مجاور له، وكذا الانكشاف إنما يمنع لكونه غيرَ ساتر لعورته، وهو يوجد في الكل، ولأن البدن كله كعضو واحد في الحكم، وهذا بخلاف الخف، لأنه شُرع رخصة فلا يناسب التضييق. "تبيين الحقائق" ١/ ٥٠.
(٧) ذكر المؤلف في هذا الفصل أحكام المسح على الخف للمقطوع إحدى الرجلين أو جزء منهما.
(٨) قوله: "من الأصل" ساقط من بقية النسخ.
[ ١ / ١٦٣ ]
أو في الرِّجلين لا يجوز. قال [محمد ﵀] (^١):
رجل قُطعت إحدى رجليه، وبقي منها شيء يسير، فلبس الخف على الصحيحة، ثم أحدث، فإنه يتوضأ، ويغسل الصحيحة، ولا يمسح لأن ما بقي من المجروحة يجب غَسله، فلو مسح على خف (^٢) الصحيحة، يؤدي إلي الجمع الممتنع (^٣).
فإن كان لبس الخف على المقطوعة أيضًا، فإن كان الباقي أقلّ من ثلاثة أصابع، لا يمسح أيضا لأن ما بقي من المقطوعة يجب غسله لفوات محل المسح (^٤)، إذ محلّه مقدّر بثلاثة أصابع، وإذا. وجب غسله، وجب غسله الصحيحة أيضا، لما ذكرنا.
وإن كان الباقي من المقطوعة (^٥) ثلاثة أصابع أو أكثر من العقب، لا من موضع المسح، فكذلك (^٦).
وإن كان الباقي ثلاثة أصابع أو أكثر من موضع المسح، وهو ظهر القدم، فإن كان
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيدت من النسخ الأخرى.
(٢) كذا في الأصل، وكلمة: "خف" ساقط من النسخ الأخرى.
(٣) قوله: "الجمع الممتنع" يقصد به قاعدة: "لا يجوز الجمع بين البدل والمبدل"، فهو ممنوع عند عامة الفقهاء، وقد سبق بيانه.
(٤) اشترط الحنفية لجواز المسح على الخف في حالة قطع شيء من القدم أن يبقى من مقدّم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد ليتحقق أقلّ المقدار المفروض من محل المسح، وذلك ثلاثة أصبع من أصغر أصابع اليد. "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٧، "بدائع الصنائع" ١/ ١٢.
(٥) كذا في الأصل، وسقط قوله "من المقطوعة" في (ا) و(د) كما جاء في (ج) و(د): "وإن كان قد بقي من المقطوعة" وما أثبت أوضح وأفصح.
(٦) قال قاضي خان في فتاواه: وكذا لو بقى مما يلي العقب مقدار ثلاثة أصابع، ولم يبق من قِبل الأصابع مقدار ذلك، لا يجوز المسح، لأن محل المسح المقدّم دون المؤخّر. "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٨.
[ ١ / ١٦٤ ]
يعلم أن المسح يقع على جميع الباقي، أو على مقدار ثلاثة أصابع، أجزأه لما ذكرنا (^١).
ولو قُطعت إحدى رجليه من الكعب، [فتوضأ] (^٢)، ولبس الخف على الصحيحة، فإنه لا يمسح، لأن الكعب عندنا داخل في الوضوء، فيجب غَسل موضع القطع، لأنه باطن ظَهر من موضع الغسل (^٣).
وكذا إذا قُطعت يده من المرفق، يجب غسل مرضع القطع وإذا وجب غسل ذلك الوضع، وجب غسل الأخرى، كَيلا يؤدي إلى الجمع الممتنع (^٤).
ولو قُطعت من فوق الكعب، جاز المسح على الباقي، (^٥) لأن المقطوعة سقطت وظيفتها لزوال المحلّ، فجعلت كالمعدومة، فالمسح على الصحيحة لا يؤدي إلى الجمع المتعذّر.
_________________
(١) انظر "الفتاوى التاتارخانية" ١/ ٢٨٠، نقل مؤلفه هذه المسائل من "الزيادات".
(٢) ما بين المعكوفتين أثبتناه من (ج) و(د) وهو الصواب، وجاء في الأصل و(ا) و(ب): "فبرأ" مكان "فتوضأ"، وهو خطأ.
(٣) راجع: "فتاوى قاضي خان" ١/ ٤٨.
(٤) زاد في (ج) بعده: "المتعدد" وفي (د) "التعذر"، وهو زائد.
(٥) كذا في الأصل، و(ج) و(د)، وجاء في (ا) و(ب): "جاز على الأخرى المسح" وكلاهما صحيح يؤدّي معنى واحد.
[ ١ / ١٦٥ ]