إن المصادر الفقهية العامة، نجد في الغالب منها أن الفقهاء يسلكون فيها "مسلك التعليل" عند ضبط المسائل، وهو ذكر القواعد ثنايا تعليل المسائل، فيسردون المسائل أولا، ثم يعللونها بالقواعد للاستدلال والتوجيه والترجيح، وهذا هو المنهج السائد المنتشر في الكتب التي ألفت في فقه المذاهب قديما وحديثا إلا أن بعض الفقهاء المبرزين قاموا بابتكار عمل جديد، وهو البدء بالقواعد، ثم ذكر الفروع التابعة لها، وهذه الظاهرة يعبر
_________________
(١) = علي القاري الهروي، مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم ١/ ٩٢٠، ص ٧٥. "تاريخ التراث العربي" ٣/ ٥٨. ٦٤٣:١ Brockelmann: g ١:٣٧٦ s،٦٤٤
[ ١ / ١١٤ ]
عنها "بمسلك التأصيل":
وهو استخلاص القواعد العامة التي كان يلتزمها الأئمة من الفروع المأثورة عنهم، وانتزاع العلل القياسية والضوابط الفقهية التي تضبط الفروع، ووضعها في فواتح الأبواب بعد التعديل والنظر في صياغتها عند الضرورة، ثم التفريع عليها.
ولا شك أن هذا المسلك يقرّب المسائل إلى الأذهان ويثرى عقلية الباحث ويروّض فكره، ويربّي ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة على تفريع المسائل من القواعد العامة، وبذلك يتمكن القاضي والمفتي على حل القضايا والمسائل المعروضة عليهم مما سكتت عنه النصوص الفقهية، فيرد الجديد من الحوادث الطارئة إلى ما ثبت لديه من الأصول.
ورسالة الإمام الكرخي في الأصول، وكتاب "تأسيس النظر" للدبوسي، وكتاب "القواعد" للمَقّري، وإن كان يتمثل فيها هذا المنهج إلا أن معظم شراح "الجامع الكبير" كانوا الروّاد الأوائل الذين نَحوا منحى التأصيل، ومهدوا هذا المسلك، منهم الإمام الجصاص الرازي (٣٧٠ هـ) وأحمد بن منصور الإسبيجابي (٤٨٠ هـ) والإمام خواهر زاده (٤٨٣ هـ) وصدر الشهيد برهان الدين بن مازه (٥٣٦ هـ) وأبو الفضل الكرماني (٥٤٣ هـ)، وعلاء الدين الأسمندي السمرقندي (٥٥٢ هـ)، والإمام العتابي (٥٨٦ هـ) والإمام الحصيري وغيرهم، مع اختلاف مناهجهم وتفاوتهم في العرض والأسلوب (^١).
سلك الإمام قاضي خان في فتاواه "مسلك التعليل"، وفي شرحه للزيادات سلك "مسلك التأصيل" حيث التزم في جميع مستهل الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد وتقدمة للباب التي تشتمل على بيان القواعد العامة والضوابط الفقهية المقصورة
_________________
(١) يرجع للتفصيل "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير شرح الجامع الكبير" للحَصيري، للدكتور علي أحمد الندوي ص ١٣٨ - ١٧٢، (وأصل هذا الكتاب رسالة الدكتوراة قدمها المؤلف إلى جامعة أم القرى مكة المكرمة)، وفيما أعلم أن المؤلف أول من أبرز هذه الظاهرة المتميزة عند الفقهاء الحنفية، وأوضح معالمها وكشَف عن جوانبها مفصلا، مع ضرب الأمثلة من مصادر فقهية خطّية، مستهلا من شروح الجامع الكبير، ومنتهيا إلى "شرح الزيادات" لقاضي خان.
[ ١ / ١١٥ ]
على أبوابها، التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك سهلت معرفة وجوه التفريعات، وقد يشرح هذه القواعد بعبارة جامعة مع التدليل والتمثيل لها، وتراه قد يكتفي بذكر قاعدة أو قاعدتين في الباب وقد يكثر، فيذكر خمس قواعد وأكثر في باب واحد.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي: "عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام (^١)، فهو كتاب فقه وتفقيه.
وهذه القواعد والضوابط الفقهية التي تعرض لها الإمام قاضيخان في تقدمة الباب تعتبر بمثابة مفاتيح في فكّ مسائلها العويصة، التي تقيم الارتباط الجذري بين الفروع والأصول، وبذلك سهلت معرفة وجوه التفريعات.
ومعظم هذه القواعد مستوحاة من نصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة، مستمدة من النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية وفلسفتها الحكيمة.
شرح الزيادات لقاضي خان مصدر معتمد عند الفقهاء:
نظرا لما يحتله الإمام قاضي خان من مكانة مرموقة بين الفقهاء الحنفية، ترى كثيرا من الفقهاء المتأخرين يكثرون النقل عن مؤلفاته القيمة، وإن كتب الفتاوى والشروح مليئة بالإحالة إليه، والاعتماد على فتاواه وترجيحاته وتصحيحاته.
ومما يدل على أن هذا الشرح ظلّ محل اعتبار وعناية لدى فقهاء المذهب الحنفي
_________________
(١) القواعد والضوابط، ص ١٧٠، طبع الكتاب من القاهرة، ١٤١١ هـ، وأصل هذا الكتاب رسالة الدكتوراة قدمها المؤلف إلى جامعة أم القرى مكة المكرمة … أما كتاب "التحرير في شرح الجامع الكبير" للحصيري، فما زال مخطوطا لم ينشر، يقع في ست مجلدات.
[ ١ / ١١٦ ]
المتأخرين، أنهم استفادوا منه في مؤلفاتهم، وفيما يلي أذكر على سبيل المثال بعض الفقهاء الذين أخذوا عنه:
١ - أحال إليه المحقق ابن الهمام ونقل منه في مواضع كثيرة من "فتح القدير"، فقد نقل منه في باب المسح على الخفين (^١).
وفي كتاب الزكاة، قال ابن الهمام في آخر باب صدقة السوائم: "وبسَطه في "شرح الزيادات" (^٢)، ثم اقتبس عبارة طويلة من هذا الشرح ما يقارب صفحتين. وقال في موضع آخر: والفرق يطلب في "شرح الزيادات" (^٣)، كما نقل في الجزء الثالث مسائل كثيرة من شرح الزيادات على نفس الترتيب والمنهج (^٤).
٢ - نقل عنه الفقيه أكمل الدين البابرتي في شرحه "البناية" (^٥).
٣ - أشار إليه العلامة فخر الدين الزيلعي في كتاب الدعوى من "تبيين الحقائق" بعد أن ذكر بعض الأصول التي دوّنها قاضي خان، بقوله: "وبيان طرق هذه المسائل وتخريجها على هذه الأصول وتمام تفريعها مذكور في شرح الزيادات لقاضى خان" (^٦).
٤ - ومما يدل على قيمة الكتاب العلمية أن العلامة زين الدين بن نجيم وضعه في قمة مصادر كتابه الشهير "البحر الرائق"، نص عليه في مقدمته قائلا: "ومن الفتاوى: المحيط والذخيرة والبدائع والزيادات لقاضي خان وفتاواه المشهورة .. " (^٧).
نرى أن العلامة ابن نجيم عده من الفتاوى المعتمدة، فاستفاد منه في مؤلفاته، ونقل منه
_________________
(١) انظر "فتح القدير" ١/ ١٥٩.
(٢) "فتح القدير" ١/ ٥١٧.
(٣) "فتح القدير" ١/ ٥٠٦.
(٤) "فتح القدير" ٣/ ١٥٩.
(٥) انظر مثلا باب المسح على الخفين ١/ ١٥٩ من البناية على هامش فتح القدير.
(٦) انظر "تبيين الحقائق" للزيلعي ٤/ ٣٢٤.
(٧) "البحر الرائق" ١/ ٣.
[ ١ / ١١٧ ]
في كتاب الزكاة ومواضع أخر (^١).
كما نقل في موضع آخر من البحر كلام الزيلعي الذي ذكرته آنفا، ثم قال: "وقد يسر الله تعالى لي بشرح الزيادات لقاضى خان قبل تأليف هذا المحل، فأحببت أن أنقل منه بألفاظه، فأقول مستعينا بالله، قال قاضى خان في هذا الشرح من كتاب الجنايات، من باب جناية أم الولد على مولاها وعلى غيره، وجنس مسائل القسمة أربعة .. " ثم نقل ما يقارب ثلات صفحات متوالية من شرح الزيادات بلفظه ونصه (^٢).
وحَريّ بالذكر أيضًا أن "شرح الزيادات" كان من مصادر ابن نجيم في "الأشباه والنظائر" وسجل أصولَ شرح الزيادات معزوا إليه، في مواضع من الكتاب (^٣).
٥ - كان "شرح الزيادات" من جملة مصادر العلامة ابن عابدين (^٤)، وإنه اعتمد كثيرا على ترجيحات قاضي خان وتصحيحاته، وقد سبق أن نقلت كلمته: "لا يعدل عن تصحيح قاضي خان فإنه فقيه النفس" (^٥).
وفي هذه النقول دلالة واضحة على أن شرح الزيادات كان مصدرًا معتمدًا لدى الفقهاء وموضع التعويل لدى الفقهاء المتأخرين.
وقد ذكر طاش كبرى زاده في كتابه الشهير "مفتاح السعادة" شرحَ الزيادات وشرحَ الجامع الصغير لقاضي خان من الكتب المعتبرة والمعتمدة في الفقه وعلم الفتاوى (^٦).
_________________
(١) انظر "البحر الرائق" ٢/ ٢٤١.
(٢) "البحر الرائق" ٧/ ٢٤٦.
(٣) فمثلا قال في ص ٢٥٩: "يدل عليه أن قاضى خان قاله في أول البيوع في شرح الزيادات، فصارت مسائل الباب على قسمين .. ". كما جاء في ص ٤٨٦ من الأشباه: "وفي شرح الزيادات لقاضى خان من أول كتاب الغصب، الأصل الأول: إن زوال المغصوب عَن ملك المالك عند أداء الضمان، عندنا يستند … ".
(٤) انظر حاشية ابن عابدين ٧/ ١٦٤. طبع دار الفكر.
(٥) حاشية ابن عابدين ٤/ ٥١٣.
(٦) "مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم" لأحمد بن مصطفي طاش كبرى زاده =
[ ١ / ١١٨ ]
ومما يدل على عناية الفقهاء واهتمامهم بهذا الشرح الأبيات التالية التي أثبتت على غلاف نسخة مكتبة الأحمدية بحلب:
حَمدا لمن تفضّلَ بالإحسان … على عباده بلا امتنان
على النبي أفضل الصلاة … المصطفى من بني عدنان
والآل والصَحب على التوالي … إلى انقضاء غاية الأوان
فهذه زيادات الإمام … محمد بن الحسن الشيباني
وشرحها للأوزجندي … العالم المشتهَر بقاضي خان
فضائله أضحَى بها الدهرُ حاكيا … وكفى بنا هذا لجلالة الشأن
ولم تَرَ عينُ الزمان بمثله … أزاهيرَ في روضة النعمان
يمهّد أصلًا أوائلَ بابه … بثمر في الفرع على الإتقان
ويبحث عن فروق المسائل … عن أمثالها بأوضح التبيان
ولو سمعا حكما بنقل مسألة … لم يختلف بثبوته خصمان
أرجو من الرحمن أن يخصّهما … بزيادة الغفران والرضوان
وبفيض هذا الدعاء أتوسّل … لعفو ذنوبي إلى الرحمن
وأنا الملتجي الله تعالى
أحمد المدرس (^١)