تبين مما سبق أن الإمام محمد الشيباني بدأ حياته الفقهية بحضور حلقات الإمام أبي حنيفة، وبعد وفاته تفقّه بأبي يوسف، ثم رحل إلى الإمام مالك وسمع منه الموطأ، فهؤلاء الأئمة الثلاثة هم أبرز أساتذة الإمام محمد، ثم كثر مشايخه وتنوعت ثقافته، وسمع منهم سماعا كثيرا (^٢)، أذكر بإيجاز فيما يلي بعض شيوخه الذين لهم أكبر الأثر في تدوين شخصية محمد العلمية، لتتبين مصادر تلقي العلم للإمام محمد.
١ - الإمام أبو حنيفة (١٥٠ هـ): هو "الإمام العَلَم" (^٣)؛ "فقيه الملة" (^٤) النعمان بن ثابت بن زَوْطي، الكوفي، مولى بني تَيم بن ثعلبة.
وُلد في زمن جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ (^٥)، ورأى أنس بن مالك غير
_________________
(١) "مناقب الإمام الأعظم" ٢/ ١٥٥، "بلوغ الأماني" ص ٦.
(٢) "الأنساب" للسمعاني، ٧/ ٤٣٣.
(٣) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي، ١٤١ - ١٦٠ هـ، ص ٣٠٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٠، ودول الإسلام ١١/ ١٠٣.
(٥) "عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" لمحمد بن يوسف الصالحي الشافعي، ص ١٧٩.
[ ١ / ٢٨ ]
مرة بالكوفة إذ قدمها أنس (^١).
وروى عن عطاء بن أبي رباح، وهو أكبر شيخ له وأفضلهم، وروى عن الشعبي، وعبد الرحمن بن هُرمز الأعرج وعمرو بن دينار، وعطية العوفي، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن السائب، وهشام بن عروة وحماد بن أبي سليمان وبه تفقه، وخلقٍ كثير (^٢).
وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك؛ وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى والناس عليه عيال (^٣)، وهذا مستفاد من قول الإمام الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة (^٤).
وقال الإمام الذهبي: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه". "وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء" (^٥).
تفقه به جماعة من الكبار، منهم: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو القاضي، والقاسم بن معن، وروى عنه من المحدثين والفقهاء عدّة لا يُحصون.
وقال يحيى بن معين: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدّث بما لا يحفظه (^٦). وقال يحيى بن سعيد القطّان: "لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله" (^٧). وعن ابن المبارك قال: "ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وعلمًا من أبي حنيفة" (^٨).
_________________
(١) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي ص ٣٠٦.
(٢) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٢.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٢.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٤٠٣.
(٥) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٤٠٣. "العِبَر في خبر من عَبَر"، للذهبي ١/ ١٦٤.
(٦) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٤.
(٧) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٤٠٢.
(٨) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص ٣١٢.
[ ١ / ٢٩ ]
وكان خزّازًا ينفق من كسبه ولا يقبل جوائز السلطان تورعًا، وله دار وصُنّاع ومعاش متّسع، وكان معدودًا من الأجواد والأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثر التلاوة وقيام الليل ﵁ (^١).
والإمام محمد الشيباني كان من أجل تلامذته لتأثره بإمامه، لا سيما في طرق الاستنباط وتفريع المسائل، فكان يوافق شيخَه في أغلب المسائل ويخالفه في بعضها.
ومحمد في فترة تلمذه للإمام أبي حنيفة لم يكن يكتفي بالسماع والمشاركة في تحقيق المسائل، فقد كان مع هذا يدوّن ويسجّل ويحرص على ذلك حرصًا شديدًا، وكان لذلك أثر كبير في حياة محمد الباكرة بما قام به بعد أن استحصد علمه بتدوبن الفقه وتصنيفه في سورة لم يسبق بها، وكانت نبراسًا لسائر الفقهاء من بعده.
قال زفر: كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، فقال يومًا لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب ما تسمعه مني فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدًا، والرأي غدًا فأتركه بعد غد (^٢).
وكان أبو حنيفة وهو الأستاذ الذي اهتم بتربية الرجال أكثر من اهتمامه بتأليف الكتب - يؤثر تلميذه بمزيد من رعايته وحدبه، وهكذا قامت الصلة بين الأستاذ والتلميذ على التقدير والحب والرعاية والعطف، تخلّف محمد عن الحلقة يومًا، وعرف الأستاذ أن تلميذه مريض فذهب يعوده (^٣)، ومرض أبو يوسف مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة وكان معه تلميذه محمد (^٤).
٢ - الإمام محمد بن يوسف (١٨٣ هـ): هو يعقوب بن إبراهيم، الإمام المجتهد المحدث، قاضي القضاة، ولد في الكوفة سنة ١١٣ هـ. وحدّث عن هشام بن
_________________
(١) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص ٣٠٦.
(٢) "تاريخ بغداد" ١٣/ ٤٠٢، وانظر "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" للشيخ الكوثري ص ١٢، ط/ الخانجي.
(٣) مناقب الكردري ٢/ ١٥٥.
(٤) تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٦.
[ ١ / ٣٠ ]
عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقّه به، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، وعن أبي يوسف: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنه (^١).
وحدّث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع … وعدد كثير.
وقال أحمد بن حنبل: "أول ما كتبت الحديث اختلفتُ إلى أبي يوسف". وعن ابن معين: "أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سُنَّة (^٢). وقال النسائي: "أبو يوسف القاضي ثقة (^٣).
وقال محمد بن الحسن: "مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه، وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض (^٤). ومما يدل على عظيم شغفه بالعلم أنه اشتغل به إلى أن لفَظَ نَفَسه الأخير. قاله الإمام السرخسي (^٥).
وكان قد سكن بغداد وتولّى القضاء بها لثلاثة من الحلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجلّه، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة (^٦).
روى الشيخ زاهد الكوثري عن إسماعيل بن حماد أنه قال: "كان محمد بن الحسن يبكر إلى مجلس الحديث ونبكر إلى أبي يوسف، فيجيء وقد مضت المسائل، ونحن
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٤٧٠.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٤٧٠.
(٣) مقدمة "إعلاء السنن" ٣/ ٧١.
(٤) "وفيات الأعيان، لابن خلكان" ٦/ ٣٨٢.
(٥) يرجع للتفصيل "المبسوط" ٤/ ٢٣، "الطبقات السنية" ١/ ١٩٠.
(٦) المصدر السابق ٦/ ٣٧٩. وقال الخطيب في تاريخ: "وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام". ١٤/ ٢٤، وانظر: "مجموع فتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٠/ ٣٠٤، و"الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار" لدكتور حسن الباشا ص ٤٢٤.
[ ١ / ٣١ ]
نتحدث، فيعيد عليه أبو يوسف ما مضى، فجاء يومًا ونحن نتحدث، فسأله أبو يوسف عن مسألة مرت من المسائل، فأجاب محمد عنها بخلاف ما مضى، فقال أبو يوسف ليس هذا الجواب، فتنازعا فيها، فقال محمد: "ليس هذا قوله، إلى أن دعا بالكتاب فإذا الجواب كما قال محمد بن الحسن. قال أبو يوسف هكذا يكون الحفظ (^١).
٣ - الإمام مالك (١٧٩ هـ): هو شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر … الأصبحي المدني. كان فقيهًا محدثًا يعد من التابعين، وكانت أمه قد حملت به لمدة سنتين ولد في سنة ٩٣ هـ، عام موت أنس خادم رسول الله ﷺ.
وطلب العلم وهو حَدَث ابن بضع عَشْرة سنة … فأخذ عن نافع، وسعيد المقبُري، وعامر بن عبد الله بن زبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير جدًّا، كما يظهر من "الموطأ".
وتأهّل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدّث عنه جماعة وهو شاب طريّ، وقصده طلبة العلم من الآفاق، وحدّث عنه شيوخه: عمّه أبو سُهَيل، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ويحيى بن سعيد وغيرهم. ومن أقرانه: مَعْمَر، وابن جُريج، وأبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، وشعبة، والثوري، والليث، وسفيان بن عُيَينة، وأبو إسحاق الفَزاري، ومحمد بن الحسن الفقيه، وعبد الرحمن بن القاسم … وغيرهم (^٢).
ومن كلمات الأئمة في الثناء عليه: قال ابن عيينة: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجّة زمانه. وقال الشافعي - وصَدَق وبرَّ -: إذا ذكُر العلماء فمالك النجم (^٣).
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا لهم أتمّ اعتناء برواية "الموطأ" ومعرفته، (^٤). ورواية
_________________
(١) "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ص ٣٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨ - ٥٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٧ - ٧٠.
(٤) سير أعلام النبلاء ٨/ ٨٥.
[ ١ / ٣٢ ]
الإمام محمد للموطأ هي من أحسن الروايات من بين عدة روايات ضبطًا وصحة.
توفي سنة (١٧٩ هـ). ودُفن بالبقيع، ﵀ رحمة واسعة (^١).
٤ - ابن جُريج المكّي (١٥٠ هـ): عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، القرشي، الأموي، المكي، صاحب التصانيف (^٢).
حدّث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر وجوّد، وعن ابن أبي مُلَيكة، ونافع مولى ابن عمر وميمون بن مِهْران وعمرو بن دينار، وابن المنكدر. وحدّث عنه: الأوزاعي، والليث، والسفيانان، وابن عليّة، ويحيى بن سعيد القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، ووكيع، وعبد الرزاق بن همّام، وأمم سواهم (^٣)، ومنهم الإمام محمد الشيباني (^٤).
قال الذهبي: قد قدم عبد الملك بن جُريج إلى العراق قبل موته، وحدّث بالبصرة، وأكثر، ويبدو أن الإمام محمّدًا رحل إلى البصرة فسمع منه. توفي سنة (١٥٠ هـ).
٥ - مِسْعَر بن كِدام (١٥٣ هـ): هو مسعر بن كدام بن ظُهَيْر بن عُبَيْدة بن الحارث، الإمام الثبْت، شيخ العراق، أبو سَلَمَة الهلالي الكوفي، الحافظ.
قال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة ومسعر. وقال وكيع: شك مسعر كيقين غيره (^٥).
روى عن عديّ بن ثابت، وعمرو بن مُرّة، وقتادة بن دِعامة، وسعيد بن إبراهيم، وزياد بن علاقة، وسعيد بن أبي بردة، … وخلق كثير. وروى عنه سفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وسليمان التَّيْمي، وابن المبارك، ومحمد بن بِشر، ويحيى بن آدم … وخلق سواهم (^٦). وسمع منه الإمام محمد أيضًا (^٧).
_________________
(١) انظر: المصدر نفسه ٨/ ١٣٠ - ١٣٢.
(٢) المصدر نفسه ٦/ ٣٥٢.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٦، ٣٧٢.
(٤) انظر "الطبقات" لابن سعد ٧/ ٣٣٦، ترجمة الإمام محمد.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٦٤، ١٦٦، ١٦٧، ١٧٣.
(٦) المصدر نفسه ٧/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٧) انظر "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص: ٧٩.
[ ١ / ٣٣ ]
٦ - عمر بن ذَرّ الهمداني (١٥٣ هـ): ابن عبد الله بن زرارة، الإمام الزاهد العابد، أبو ذر الهمداني، الكوفي (^١).
وثّقه النسائي ويحيى بن معين والدارقطني، واحتج به البخاري دون مسلم (^٢).
وقد حدّث عن أبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، ومعاذة العدوية، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، وإسحاق الأزرق، ويونس بن بُكير، وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، والخُرَيبي، وروى عنه أبو حنيفة مع تقدمه. ومن جملة من تلقّى عنه محمد بن الحسن الشيباني (^٣).
٧ - مُحِلّ بن مُحْرِز الضَّبِّيّ الكوفي (١٥٣ هـ): روى عن أبي وائل وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وروى عنه يحيى القطان وجرير ووكيع، وعلي بن مسهر، وخلاد بن يحيى، ومنهم الإمام محمد أيضًا (^٤).
٨ - الأوزاعي (١٥٧ هـ): هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي. وكان مولده في حياة الصحابة، سنة (٨٨ هـ) في مدينة بعلبك (^٥). أحد الأئمة المجتهدين وبن أفاضل المحدثين.
حدّث عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن سيرين، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، ونافع مولى بن عمر، والوليد بن هشام، وخلق كثير من التابعين وغيرهم.
روى عنه: ابن شهاب الزهري ويحيى بن أبي كثير - وهما من شيوخه - وشعبة والثوري ومالك وسعيد بن عبد العزيز وابن المبارك وأبو إسحاق الفزاري والوليد بن مسلم
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٥، وتاريخ الإسلام ص ٥٣٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٦، ٣٨٨.
(٣) انظر "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، ترجمة الإمام محمد، و"الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٤) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٧/ ٣٣٦، ترجمة الإمام محمد.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧ - ١٠٩.
[ ١ / ٣٤ ]
وخلق كثير (^١). ومن تلاميذه الإمام محمد بن الحسن (^٢) أخذ عنه فقه أهل الشام.
وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة وفقهاء الأندلس، ثم فني (^٣). وكان رأسًا في العلم والعمل، وجَمَّ المناقب، ومع علمه كان بارعًا في الكتابة والترسّل.
قال الوليد بن مسلم: "ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي". وقال أبو مسهر: "كان يحيى الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً". وقال النووي: "أجمع العلماء على إمامة الأوزعي وعلو مرتبته" (^٤). وقال الإمام مالك: "كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به" (^٥).
٩ - عبد الله بن المبارك: هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة، ولد سنة (١١٨ هـ) (^٦)، وتوفي في العراق سنة (١٨١ هـ) (^٧).
طلب العلم والحديث، وطاف البلاد مشرقا ومغربا يجمع الحديث ويأخذ عن شيوخ الأمصار، أخذ عن هشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وابن أبي ذئب، ومالك، والثوري، وشعبة، والأزواعي، والليث (^٨).
ومن أشهر من أخذ عنه العلم: داود العطار، وسفيان بن عيينة، وأبو إسحاق
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٨.
(٢) انظر: "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، "الأنساب" للسمعاني ٧/ ١١٧، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٧، وانظر: "تقريب التهذيب" ص ٣٤٧، برقم ٣٩٦٧.
(٤) "تهذيب الأسماء والصفات" للنووي ١/ ٢٩٩.
(٥) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٠/ ٢٠٦ المقدمة.
(٦) "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٥٣.
(٧) "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٦٨،، وانظر: "الفكر السامي" ١/ ١٩٨.
(٨) "تذكرة الحفاظ" ١٥٢ - ١٥٣، "الفكر السامي" ٣/ ١٩٣، "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٥٥.
[ ١ / ٣٥ ]
الفزاري، ويحيى بن معين، ويعقوب الدورقي، والإمام محمد وغيرهم (^١).
قال عنه أحمد بن حنبل: "لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب منه" (^٢). وقال عنه ابن معين: "كان متثبتًا ثقة وكان عالمًا صحيح الحديث" (^٣). وقال النسائي: "لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك ولا أعلى منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه" (^٤).
١٠ - مالك بن مِغْول (١٥٩ هـ): ابن عاصم بن غزيّة بن خَرَشة، الإمام، الثقة، والمحدّث، أبو عبد الله البجلي، الكوفي.
حدّث عن الشعبي، وعبد الله بن بُريدة، ونافع العُمَري، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: شعبة، والثوري، ومسعر، وابن عيينة، وابن المبارك، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم (^٥). ومن جملة تلاميذه: الإمام محمد بن الحسن (^٦).
قال أحمد: "ثقة، ثبت في الحديث". وقال ابن معين وأبو حاتم: "ثقة" (^٧).
١١ - يونس بن أبي إسحاق (١٥٩ هـ): عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، محدّث الكوفة. كان أحد العلماء الصادقين، يُعدّ في صغار التابعين.
حدّث عن أنس بن مالك، وناجية بن كعب، والشعبي، ومجاهد، وأبي بُردة، وأبي بكر ابْنَي أبي موسى الأشعري. وروى عنه: ابنه عيسى، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، ومحمد بن يوسف الفِريابي، وقبيصة،
_________________
(١) "ميزان الاعتدال" ٢/ ١٢٠١١، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ١٩٢، "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" لمحمد بن الحسن الحجوي ٢/ ١٧٢، ١٩٩، و"تذكرة الحفاظ" ٢٣٧، ٥٠٥.
(٢) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٢.
(٣) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٣.
(٤) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٣.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٧٤.
(٦) "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٧) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ١٧٤، ١٧٥.
[ ١ / ٣٦ ]
وعلي بن محمد المدائني، وخلق كثير، وهو من بيت العلم والحفاظ (^١).
وهو أحد مشايخ الإمام محمد في الحديث (^٢). قال عبد الرحمن بن مهدي، والنسائي: "ليس به بأس" (^٣).
١٢ - سفيان الثوري (١٦١ هـ): سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، شيخ الإسلام، إمام الحفّاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد، مصنّف كتاب "الجامع".
ومن شيوخ أبي عبد الله: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وبُكير بن عطاء، وجعفر الصادق، وحمّاد بن أبي سليمان، وحُمَيد الطويل، وراشد بن كَيْسان، وربيعة الرأي، وجمّ غفير من المحدثين.
وحدّث عنه من القدماء خلق، منهم: الأعمش، وأبان بن تغلب، وابن جريج، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وأبو داود الطيالسي (^٤). ومن جملة الرواة عنه: الإمام محمد (^٥).
أثني عليه الأئمة ثناءً عطرًا، إذ قال شعبة وابن عيينة، وأبو عاصم، ويحيى بن معين وغيرهم: "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث" (^٦). وقال ابن حجر: هو "ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة" (^٧).
١٣ - داود الطائي (١٦٢ هـ): الإمام الفقيه، الزاهد، أبو سليمان، داود بن نُفير
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٦.
(٢) انظر: "الجواهر المضية" ٣/ ٦٥٠ - ٦٥١.
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٦، ٢٧.
(٤) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٤، ٢٣٦.
(٥) انظر: "تعجيل المنفعة لزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، ترجمة الإمام محمد، "الأنساب" ٧/ ٤٣٣، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٦) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٣٦.
(٧) "التهذيب" لابن حجر ص ٢٤٤، برقم ٢٤٤٥.
[ ١ / ٣٧ ]
الطائي، الكوفي. ولد بعد المأة بسنوات، وكان من كبار أئمة الفقه والرأي.
روى عن عبد الملك بن عُمير، وحميد الطويل، وهشام بن عروة وسليمان الأعمش، وجماعة. وحدّث عنه: ابن عُلَيّة، وزافر بن سليمان، ومصعب بن المقدام، وإسحاق بن منصور السلولي، وأبو نُعَيم، وآخرون.
روى الطحاوي بسنده قال: "سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة، يقول: قال محمد بن الحسن: "كنت أتي داود الطائي، في بيته فأسأله عن المسألة، فإن وقع في قلبه أنها مما أحتاج إليه لأمر ديني، أجابني فيها، وإن وقع في قلبه أنها من مسائلنا هذه، تبسّم في وجهي وقال: "إن لنا شغلًا، إن لنا شغلًا" (^١).
وذكر الذهبي في "المناقب" و"التاريخ" قول الإمام محمد: "بلغني أن داود الطائي كان يسأل عني وعن حالي فإذا أخبر قال: "إن عاش فسيكون له شأن" (^٢).
وقال الإمام الذهبي: "ومناقب داود كثيرة، كان رأسًا في العلم والعمل" (^٣).
١٤ - القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁، أبو عبد الله الهذَلي المسعودي الكوفي. الإمام الفقيه المجتهد، قاضي الكوفة، ومفتيها في زمانه، وكان ثقة، نحويًا، أخباريًا، كبير الشأن، لم يأخذ على القضاء معلومًا، نقله أحمد بن حنبل.
وقال أبو حاتم: "ثقة كان أروى الناس للحديث، والشعر، وأعلمهم بالعربية والفقه". قال الذهبي: "كان عفيفًا صارمًا، من أكبر تلامذة الإمام أبي حنيفة".
والإمام محمد يُعتبر من جملة أصحابه (^٤). توفّي في سنة (١٧٥ هـ) (^٥).
_________________
(١) "الجواهر المضية" ٢/ ١٩٤ - ١٩٥، برقم ٥٨٣.
(٢) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبه" ص ٨٠، وانظر "تاريخ الإسلام" ص ٣٦٠، ترجمة محمد بن الحسن.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٤٢٥.
(٤) انظر: "الجواهر المضية" ٢/ ٧٠٨ - ٧٠٩.
(٥) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ١٩١.
[ ١ / ٣٨ ]
هؤلاء أشهر أساتذة الإمام محمد، وليس من الميسور الإحاطة بجميع شيوخه في هذا المختصر، والذي يطلع على "الموطأ" برواية الإمام محمد، و"كتاب الآثار"، و"كتاب الحجّة على أهل المدينة" يظهر له وفرة شيوخ الإمام محمد الشيباني، ومكانته في الحديث إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، وسرد الشيخ زاهد الكوثري في "بلوغ الأماني" من شيوخ الإمام محمد - غير ما ذكرنا سابقًا - أسماء نحو سبعين شيخًا، فيهم: الكوفي، والبصري، والمدني، والمكي، والواسطي، والشامي، واليمامي، ثم قال: "وغير هؤلاء من أهل تلك البلاد وغيرها، ولم يزهد في الرواية عن أقرانه وعمن هو دونه، كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر" (^١).