احتل الإمام قاضي خان مكانة مرموقة بارزة بين الفقهاء الحنفية، تتجلّى منزلته بوضوح من حيث إن الذين كتبوا في "طبقات الفقهاء الحنفية" (^٢) من المحقق ابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)، وعصام الدين أبو الخير طاش كبري زاده (ت ٩٦٨ هـ)، والعلامة ابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ)، والعلامة عبد الحي اللكنوي (^٣)، اتفقت كلمتهم على أن الإمام قاضيخان
_________________
(١) "الجواهر المضية" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٢) يقول العلامة اللكنوي في أهمية معرفة طبقات الفقهاء: "وهذا أمر لا بد للمفتى من معرفته لينزل الناس منازلهم، ويضعهم في مواضعهم، فإن من لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم يقع في الخبط بتقديم من لا يستحق التقديم، وتأخير من يليق بالتقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومن قبلنا لم يعلم بطبقات فقهاءنا، فرجح أقوال من هو أدنى، وهجر تصريحات من هو أعلى" "النافع الصغير" ص ٥.
(٣) جعلل المحقق ابن كمال باشا الفقهاءَ الحنفية سبعَ طبقات، وذلك في رسالته المسمّاة "طبقات الفقها"، مخطوطة في معهد الدراسات الإسلامية العليا ببغداد، ذكر ذلك دكتور محمد عبد اللطيف الفرفور في "الوجيز في أصول الاستنباط" ص ٥٣٤.
[ ١ / ٨٣ ]
من "طبقة المجتهدين في المسائل" الذين يجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ومن هذه الطبقة الإمام الخصاف، والإمام الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي. وهذه الطبقة أعلى طبقة الفقهاء بعد طبقة المجتهدين في المذهب من أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وحسن بن زياد، وهذه الطبقة تميزت بخدمة الفقه الحنفي، ووضعت الأسس لنموه والتخريج والبناء على أقواله، كما وضعت أسس الترجيح فيه والمقايسة بين الآراء وتصحيح بعضها وتضعيف الآخر.
وهؤلاء الفقهاء، عملهم في الحقيقة يتكوّن من عنصرين على حد تعبير الشيخ أبي زهرة:
أحدهما: استخلاص القواعد العامّة التي كان يلتزمها الأئمة من الفروع المأثورة عنهم، فإنهم جمَعوها في قواعد وضوابط، واعتبروها الأصل الذي كان على أساسه الاستنباط، وكان مقاس الاستخراج السليم للأحكام الفقهية.
ثانيهما: استنباط الأحكام في المسائل التي لا نصّ فيها عن أئمة المذهب على حسب أصول قرّروها ومقتضى قواعد بسطوها (^١).
ولقد نهَج الإمام قاضي خان على هذا النمط في مؤلفاته، خاصة في "الفتاوى" وفي
_________________
(١) = وقد اعتمد كثير من العلماء تقسيم ابن كمال ياشا، فذكره عصام الدين طاش كبري زاده في مقدمة كتابه "طبقات الفقهاء" ص ٧ - ١٠ وفقَ ما جاء في كلام ابن كمال باشا، دون تعليق أو تغيير، ثم أعاد نصّها ابن عابدين في رسالته: "شرح عقود رسم المفتي" ١/ ١١، ١٢ من رسائل ابن عابدين، وفي كتابه "ردّ المحتار" ١/ ٧٧، كما ذكره العلامة اللكنوي في مقدمة "الفوائد البهية" ص ٦، و"النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ١٠، ١١ مع بعض الملاحظات. وقد وجّه إلى هذا التقسيم وترتب الطبقات وتوزيع الفقهاء عليها نقدٌ من قبل بعض العلماء إلا أنه خارج عن موضوعنا ولا يقدح ما ذكرنا، وقد فصّله الدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين خير تفصيل في كتابه "التخريج عند الفقهاء والأصوليين" فليرجع ص ٣٠١ - ٣١٠.
(٢) "أبو حنيفة" للشيخ محمد أبي زهرة، بتصرف واختصار ص ٤٤٢.
[ ١ / ٨٤ ]
"شرح الزيادات"، وله آراء وترجيحات مديدة معتمدة عند الفقهاء المتأخرين الذين أكثروا النقلَ عنه.
ثناء العلماء عليه: احتل الإمام قاضي خان مكانة علمية بارزة بين الفقهاء الحنفية، فأشادوا بذكره، وأثنوا عليه ولقبوه بألقاب فخمة.
يذكره الإمام الحصيري معترفا بمناقبه وفضله بقوله: "قال مولانا وسيدنا القاضي الإمام الأجل الأستاذ قاضي القضاة فخر الله والدين ركن الإسلام والمسلمين، بقيّة السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز متّع الله الإسلام والمسلمين بطول بقائه" (^١).
يقول كمال الدين بن الفوطي الشيباني الحنبلي في ترجمته: "من القضاة الفضلاء والرواة النبلاء" (^٢).
وقال ابن العماد الفقيه المؤرخ والأديب الحنبلي في ترجمته: "الإمام الكبير بقية السلف مفتي الشرق من طبقة المجتهدين في المسائل" (^٣).
وقال ابن عابدين الشامي: "لا يعدل عن تصحيح قاضي خان فإنه فقيه النفس" (^٤).