لقد تبوأ الإمام محمد بن الحسن درجة رفيعة في العلم، ومكانة بارزة بين الأئمة، فقد كان فقيها مجتهدا في الفقه الإسلامي على منهج الإمام أبي حنيفة، المنهج الذي استكمله على أبي يوسف بعد وفاة أبي حنيفة ﵏ جميعًا.
وأكبر شاهد على ذلك أنه توجد له أراء اجتهادية خاصة في بعض الفروع الفقهية، كما يدل ذلك على أنه كانت له أصول فقهية معينة، وقواعد ثابتة، وطرق استنباط خاصة في تلك الفروع، وإن لم يعثر على تلك الأصول والطرق منصوصا عليها عنه. إلا أن أكثرها عرفت باستقراء كثير من فروعه الفقهية من خلال كتبه وشروحها. فقد كان عالما بالكتاب ووجوهه، لأنه المصدر الأصلي في التشريع الإسلامي. وبالحديث المصدر الثاني بعد الكتاب. ويرجع الفضل بعد الله تعالى إلى محمد في نشر فقه أبي حنيفة بين الناس. (^٣) وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إليه بعد الإمام أبي يوسف (^٤).
وكان غزير العلم، فقد روى الصيمري في وصفه: "أن منزلته في كثرة الرواية والرأي
_________________
(١) "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٥.
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: تاج التراجم ص ٢٣٧، الأعلام للزركلي ٦/ ٨٠، الفوائد البهية ص: ١٦٣.
(٤) مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص ٧٩.
[ ١ / ٤٨ ]
والتصنيف لفنون علوم الحلال والحرام منزلة رفيعة يعظمه أصحابه جدا". (^١)
وحكي عن الإمام الشافعي أنه قال: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بُختيّ كتبا" (^٢) أي حمل بعير ذكر. وقال "إني لأعرف الأستاذيّة عليّ لمالك، ثم لمحمد بن الحسن". وقال أيضًا: "ما سألت أحدا عن مسألة إلا تبين لي تغير وجهه إلا محمد بن الحسن" (^٣).
ومما لا شك فيه أن أوّلياته العلمية المتميزة، وسَبقه في تصنيف الفقه الإسلامي وتدوينِه من حيث سعة المسائل ودقّتها وغزارة مادتها وتنوع العلوم الفقهية، وسيادته في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية، وتأسيسه لعلم الفروق الفقهية، والاقتصاد الإسلامي والقانون الدولي الإسلامي يجعله حقيقا لأن يعدّ من أعظم رواد الفقه الإسلامي ونوابغه عبر التاريخ (^٤).