برزت معالم التأصيل عند قاضي خان في شرحه واضحة المعالم، وتميزت من الدقة والثقة والإحكام، مع غزارة المادة وعمق الفكرة ودقة التفقه وقوة الاستنباط والفهم، ويظهر فيها بكل وضوح شخصية قاضي خان الاجتهادية وملكته الفقهية التي صار بها "فقيه النفس" على حد تعبير العلامة قاسم بن قُطلوبُغا والعلامة ابن عابدين، كما يتبدى ذلك الناظر في الكتاب، وفيما يلي أشير باختصار إلى المنهج الذي سار عليه قاضي خان عند التأصيل:
١ - التزم بأن يستهل كل باب بأصل أو أصلين أو أصول. والمنهج السائد هو التأصيل في فاتحة الباب، إلا أنه أحيانا يؤصل لكل فصل عند بدءه.
وعموما يذكر القواعد والضوابط في فاتحة الباب، ثم يزيد عليه أثناء شرح المسائل.
٢ - يفصح عن تأصيله للباب بقوله: "بنى الباب على أصول: منها .. " وقد يعبر بقوله: "أصل الباب" ثم يذكر غيرها بعنوان "حرف آخر".
٣ - في بعض الأبواب يتعرض لأدلة الكتاب والسنة أولا، ثم يخلص منه إلى ذكر ضابط تتخرج عليه مسائل الباب (^١).
٤ - كثيرا ما يدمج قواعد متعددة في أصل واحد، لارتباط بعضها ببعض، وأمثلة ذلك كثيرة، أكتفي بواحدة منها، قال في أول باب من كتاب الشهادات:
"بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن جهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة؛ لأن المقصود من الشهادة القضاء، والقضاء إلزام، وإلزام المجهول لا يتحقق.
والثاني: أن القاضي لا يقضي بدليل فيه شبهة، ولا ينقض قضاؤه بدليل فيه شبهة،
_________________
(١) كما يظهر في باب من يغسل من الشهداء ومن لا يغسل ص ١٨٤ - ١٨٦.
[ ١ / ١٢٢ ]
لما عرف أن الثابت لا يبطل بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك" (^١).
٥ - هناك قواعد تكرر ذكرها في كثير من الأبواب، بصياغة واحدة أو بصياغة مختلفة، يشير إليه قاضي خان بقوله: "بنى الباب على أصول عرفت غير مرة" (^٢). ولا يخفى أن هذا التكرار يدل على كثرة فروع ذلك الأصل.
٦ - قد يشرح القاعدة شرحا وافيا في مستهل الباب بالتوجيه والتمثيل والتفريع.
٧ - قد يسهب إسهابا، ويفصّل في عرض أصول الباب، فمثلا ذكر في باب من البيوع ثمانية أصول، وفي أول باب من كتاب المأذون بنى البابَ على ستة أصول.
٧ - إن الامام قاضي خان ﵀ درج عند تأصيله للباب على مصطلح خاص، حيث يعنى بقوله: "أصل" أو "حرف" كل قاعدة لها ظلال فقهية.
فيشمل ذلك كل قاعدة فقهية عامة التي وردت في قوالب وصياغات وجيزة مركزة، أو ضابطة فقهية مقصورة على بابها، أو قاعدة أصولية التي تتخرج عليها الفروع الفقهية، أو أصول نحوية التي تتخرج عليها المسائل الفقهية كما في أبواب الأيمان والوكالة والوصايا، وقد أسهب في شرح هذا النوع من القواعد. بسبب عناية الإمام محمد بهذا الموضوع عناية تامة.