من الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، ومن كتب الفتاوى التي نالت أسمى مكانة
_________________
(١) "الوجيز في أصول التشريع الإسلامي" للدكتور محمد حسن هيتو، ص ٤٩٦.
(٢) "التخريج عند الفقهاء والأصوليين" للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، ص ٣٢٤.
(٣) انظر "البرهان" للجويني ٢/ ١٣٣٢، و"جمع الجوامع" سرح الجلال المحلى، ٢/ ٣٨٢.
(٤) "البرهان" للجويني ٢/ ١٣٣٢.
[ ١ / ٨٨ ]
في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان، لأنه احتوى على المسائل التي يغلب وقوعها وتمسّ الحاجة إليها بدون التعرض للفروض النادرة.
وبجانب ذلك نرى أن الإمام قاضي خان يسلك فيه مسلك الترجيح عند تعدّد الروايات من أئمة المذهب المتقدمين وكثرة الأقاويل من المتأخرين، وكلّ ذلك جعل هذه المجموعة الطيبة المختارة من الفتاوى تحوز القبول والاعتماد لدى العلماء (^١).
يقول حاجي خليفة في بيان وصفه وأهمّيته: "هي مشهورة، مقبولة، معمول بها، متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصبَ عين من تصدّر للحكم والإفتاء". (^٢)
ووصفها العلامة اللكنوي بقوله: "وله الفتاوى المشهورة المتداولة … انتفعت بفتاواه، وهي في أربعة أسفار معتمدة عند أجلّة الفقهاء، حتى قال قاسم بن قطلوبغا في تصحيح القدوري: ما يُصحّحه قاضي خان مقدم على تصحيح غيره (^٣)؛ لأنه فقيه النفس" (^٤).
أما طريقته وترتيبه ومنهجه الذي وضعه المؤلف نُصبَ عينيه في الفتاوى، فخير ما عبّره هو نفسه في فاتحة الكتاب قائلا:
"ذكرتُ في هذا الكتاب من المسائل التي يغلب وقوعُها وتمسّ الحاجة إليها، وتدور علميها واقعات الأمّة، ويقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي أنواع وأقسام: منها ما هي مروية عن أصحابنا المتقدمين، ومنها ما هي منقولة عن المشائخ المتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين، ورتّبتُه ترتيبَ الكتب المعرفة.
_________________
(١) "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير" ص ١٤٨.
(٢) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧.
(٣) ينظر ترجيح وتصحيح قاضي خان في فتاواه مثلا: ١/ ١٨، ٢٢، ٢٤، ٣٥، ٢٠٦، ٢١٤، ٢١٥، ٢٤٠، ٢٦٩، ٢٧٨، ٣٠٧، ٣٢٨، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٥٠، ٣٥٤، ٣٧٧، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٥١، ٥٣٠، ٥٣٦، ٥٤٢.
(٤) "الفوائد البهية" ص ٦٤.
[ ١ / ٨٩ ]
وجعلتُ لكل جنسٍ فصلا، وبيّنتُ لكل فرع أصلا، وفيما كثُرَتْ فيه الأقاويل من المتأخرين اقتصرتُ فيه على قول أو قولين، وقدّمتُ ما هو الأظهَر وافتتحت بما هو الأشهَر، إجابةً للطالبين وتيسيرا على الراغبين، وعلى الله توكلت فيما تمنيت، واستعصمتُه عن الخطأ فيما نويت، وهو حسبي ونعم الوكيل، وعليه أتوكّل وبه أستعين" (^١).
وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون تاريخ تصنيفه: قيل افتتح بإملائه يوم الأربعاء، وقت الظهر، العاشر من محرم، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة (^٢).
وقد طبع هذا الكتاب قديما طبعة حجرية في كلكته بالهند، في أربعة أجزاء، سنة ١٨٣٥ م - ١٢٥١ هـ، ثم أعيد طباعته بهامش "الفتاوى الهندية" في مصر بدار الطباعة العامرة ببولاق، سنة ١٣١٠ هـ، وبهامش "الفتاوى السراجية" (^٣)، وما زال هذا الكتاب القيّم بحاجة إلى خدمة علميّة وإعادة نشر في حُلة جديدة لتتيسّر الاستفادة منه (^٤).
ونظرا إلى عظم أهمية الكتاب وشهرته العلمية، اهتم بعض العلماء باختصاره وتلخيصه، منها:
- "مختصر قاضي خان" للشيخ محمد بن مصطفى بن الحاج محمد افندى:
أشار إليه حاجي خليفة بقوله: "وقد رتّب رجل من علماء الروم مسائله يقال له محمد وهو محمد بن مصطفى بن الحاج محمد افندي، وأوله: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كلنا لنهتدي لولا أن هدانا الله النسخ، ذكر فيه أنه أشار إليه شيخه المولى محمد ابن شيخ الإسلام محمد الشهير بجوي زاده سنة ٩٩٥ هـ بترتيبه فرتّبه وسمّاه "وهاج الشريعة" (^٥).
_________________
(١) "فتاوى قاضي خان" ١/ ٢.
(٢) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧.
(٣) انظر "معجم المطبوعات العربية والمعرّبة" جمع وترتيب يوسف اليأن سركيس، ٢/ ١٤٨٧. مكتبة الثقافة الدينية، الظاهر، مصر.
(٤) ومن أماني الغالية خدمة هذا الكتاب القيم، عما قريب - إن شاء الله - أدعو الله العليّ القدير التوفيق والرشاد وحسن الإخلاص.
(٥) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧.
[ ١ / ٩٠ ]
وقد اطلعت على هذا المخطوط أثناء زيارتي لمكتبة مراد ملا في إستنبول، والمختصر في ١٢٤ ورق، تحت رقم ١١٨٨، وهو كتاب نفيس قيّم، أوضح المؤلف منهجه في المقدمة قائلا:
"ألفيت كتاب الفتاوى للإمام، الجليل الشأن، فخر الدين قاضي خان، أسكنه الله بحبوحة الجنان، محيطا بالمسائل الصحيحة المهمّة، حاويا على الأقوال القويّة من الأثر، ومنبّها على ما عليه الاعتماد من روايات المتقدمين والمتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين، فانتخبت منه المسائل التي نبّه فيها على ما هو الأصح والأقوى، وعليه الاعتماد والفتوى، وما ذكره على هذا الوجه في غير بابه وفصلِه نقلتُه إلى محلّه مطابقا لأصله، تسهيلا على راغبين في أخذه ووصله، وميّزته بأن أقول في ابتدائه: ذكر المصنف ﵀، وفي انتهائه: انتهى، وأشرتُ إلى المواضع المنقول عنها، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الجميل، إنه حسبي ونعم الوكيل. كتاب الطهارة " وجاء في آخره: "وقع الفراغ عن انتخابه وتنميقه بفضل الله تعالى وحسن توفيقه يوم الجمعة المبارك، الثامن والعشرين من شوال المكرم سنة ١٠٦٩ هـ" (^١).
- "محكمة السلطان مختصر قاضي خان":
تأليف العلامة أبي أحمد أشرف بن يوسف أينال الطرازي، من علماء القرن الثامن، رأيتُ نسخة خطّية منه في مكتبة الأسد بدمشق، نسخت سنة ٧٠٦ هـ، في ٣٧٤ ورق، تحت رقم ٤٢٦، أوّله: الحمد لله الذي خفّف على عباده … كتاب الطهارة".
وثبتت العبارة التالية على وجه الغلاف: هذا الكتاب المحكم، هو المختصر من فتاوى قاضي خان، من تأليف الإمام الربّاني والحبر الهمداني العابد الزاهد التقي النقي الحاج الحرمين مولانا أشرف الحق في الدين، قدّس الله روحه ونوّر قبره.
- "مختصر قاضي خان" للمولى يوسف بن جنيد الشهير بأخي جلبي التوقاتي، في
_________________
(١) "مختصر قاضي خان" ورق ١، مكتبة مراد ملا، استنبول.
[ ١ / ٩١ ]
مجلد، أوله: الحمد لله الملك القوي المتين الخ، وأهداه إلى السلطان بايزيد خان (^١).