مكانة «الوقاية» و«شرح الوقاية» بين كتب الفقه الحنفي
أعرض هنا التسلسل التاريخي لمراحل الفقه الحنفي وكتبه؛ لنتبين ما سبق «الوقاية» و«شرح الوقاية» من الكتب فنتعرَّف مدى تأثرهما بها، والطريق التي مشى عليها الفقه الحنفي حتى وصل إليهما، وممَّا استقى مؤلِّف «الوقاية» كتابه.
وبذكر المراحل التاريخية لما بعدهما؛ نتعرَّف على مدى تأثُّر مَن تأخر عنهما بهما واستفادتهم منهما، ونظرتهم إليهما، وقبل ذلك أمهد بتمهيد مختصرٍ عن نشأة الفقه نتبيَّن من خلاله سبب اعتناء العلماء ومنهم برهان الشريعة وصدر الشريعة كلٌّ بخدمة مذهبه فحسب، ولئن أطال الله في عمري لأفردن هذا البحث بدارسة خاصة تتناول جميع جوانبه، لما اعتراه من الخلط والتخبط في الفهم في هذا الزمان؛ ولذا ألتمس القارئ الكريم اعتذارًا على الإيجاز المذكور هنا.
تمهيد:
بعث رسول الله - ﷺ - هاديًا للعالمين ومبيِّنًا لأحكام الدين سلوكًا وعقيدةً وعملًا، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أتمَّ البيان: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وقال - ﷺ -: «تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (^١)، وهذا التعليم منه - ﷺ - استغرق كلَّ حياته لكلِّ مَن صحبه، فكلٌّ من صحابته - ﵃ - يمكن أن يقول له كلامًا يتلاءم مع نفسه وحاله، وعلى حسب ما يقتضيه المقام من البيان والتعليم، الأمر الذي أدَّى إلى اختلاف فيما ينقل عن الرسول - ﷺ - في الأقوال والأفعال، علاوةً على أن كبار الصحابة المجتهدين الذين تصدُّوا للفتوى ورد عنهم أقوال عديدة تختلف عمَّا نقل عن بعض
_________________
(١) في «المستدرك» (١: ٧٥)، و«المسند المستخرج» (١: ٣٦)، «المعجم الكبير» (١٨: ٢٤٧)، وغيرها.
[ ١ / ٦١ ]
منهم، وبعض يخالف ما روي عن رسول الله - ﷺ -، بل إن لبعضهم أقوال تخالف ما روي من الأحاديث، وكذا ورد عنهم أقوال أجمعوا واتَّفقوا عليها.
فمِن بين الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة والآثار المختلفة عن الصحابة والمجمع عليها لا بدَّ من استخراج الحكم الشرعيّ سواء أكان في العبادات أم الأحوال أم المعاملات أم غيرها، وهذه هي مهمّةُ المجتهد التي إذا أقدم عليها غيرُه ضلَّ، قال تقي الدين السُّبكي (^١): نسب قول: الحديث مضلَّة إلا للفقهاء؛ إلى كل من ابن وهب والليث بن سعد وابن عيينة - ﵃ -، ولا يخفى معناه على مَن له نوع اتّصال بكتب العلم وأهله، وروي قريب من معناه عن أئمة آخرين. انتهى.
وقد أوجد الله تعالى في هذه الأمّة العديد من المجتهدين على طوال القرون، كلٌّ منهم يبذل قصارى جهده في استخلاص أصول وقواعد يحتكم إليها في استنباط الأحكام الشرعيّة، وهذا الأصول والقواعد التي قعَّدها لنفسه تتفاوت قوَّة وضعفًا في استيعابها للمسائل الفقهية في بابها، وكُلَّما كان للمجتهد قواعد أكثرَ استيعابًا لفروعها كان الفقيه أكثر اجتهادًا وفقهًا من غيره، وأقدر على القيام بهذه المهمّة، فيحيط به التلاميذ من كلِّ حدب، ويقبل عليه الناس مستفتين، يصور هذا المعنى ما نقل عن زفر تلميذ الإمام أبي حنيفة - ﵁ -:
أنه قدم البصرة، وكان الشائع فيها رأي عثمان البَتِيّ، وهو رئيسها وفقيهها، فكان يأتي حلقته فيسمع مسائلهم، فإذا وقفَ على الأصل الذي بنوا عليه تتبع فروعهم التي فرّعوا على ذلك الأصل، فإذا وقفَ على تركِهم الأصل طالب البَتِيّ حتى يلزمه قوله، ويبيّن له خروجه عن أصله، فيعود أصحابه شهودًا عليه بذلك، فإذا وقف أصحاب البَتِيّ على ذلك واستحسنوا ما كان منه، قال لهم: ففي هذا الباب أحسن من هذا الأصل، ويذكره له، ويقيم الحجّة عليه فيه، ويأتيهم بالدلائل عليه، ويطالب البَتِيّ بالرجوع إليه، ويشهد أصحابه عليه بذلك ثمَّ قال لهم: هذا قول أبي حنيفة - ﵁ -،
_________________
(١) في «معنى قول الإمام المطلبي إذا صحّ الحديث فهو مذهبي» (ص ١٨).
[ ١ / ٦٢ ]
فما مضت الآيام حتى تحوَّلت الحلقة إلى زفر، وبقي البَتِيّ وحده (^١). ثم صار مذهب زفر هو الشائع في البصرة.
فالسبب الرئيس في الخلاف في الفروع بين الفقهاء هو اختلاف الأصول والقواعد
التي بنوا عليها هذه الفروع (^٢)، ولا يمكن للفقيه أن يكون مجتهدًا إلا إذا كان له أصول.
ومن بين هؤلاء المجتهدين الكثيرين تلَّقت الأمّة اجتهاد الأئمة الأربعة المتبوعين دون سواهم (^٣)؛ لأسباب كثيرة كدقّة أصولهم واشتهار تقواهم وورعهم وكثرة تلاميذهم وغير ذلك، وكلُّ واحد منهم قدَّمَ لنا عصارة وخلاصة ما في القرآن والسنة وآثار الصحابة من الأحكام الفقهية المرتكزة على قواعده، والخالصة عن التعارض والاضطراب الظاهري الذي يرد على الآيات والأحاديث والآثار فيما بينها، ففي هذا الدور قطع الفقه شوطًا كبيرًا في انفصاله عن مورده واستقلاله في مسائل وفتاوى شاملة لجميع أبوابه.
مما حدى بتلاميذ الأئمة الأربعة ومَن تبعهم أن يكملوا ما بدأه هؤلاء الأئمة، ويتمِّموا بناءه، لا أن يعودوا ويفعلوا كما فعلوا إذ فيه إعادة لَما تَّم وانتهى، فكلٌّ منهم
_________________
(١) انتهى من «لمحات النظر في سيرة الإمام زفر» (ص ١٨)، و«مقدمات الإمام الكوثري» (ص ٣٠١ - ٣١٢) وغيرهما.
(٢) كون الخلاف الفقهي بين المذاهب راجعًا إلى الأصول قرَّره كثير من العلماء الكبار، منهم: اللكنوي في كتاب «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام»، والكشميري في «نيل الفرقدين في رفع اليدين» فكلٌّ منهم بعدما أفاض في عرض المسألة وبيان أدلة كل طرف، قرَّر ذلك. وعن استيفاء الأئمة المتبوعين لأدلة الأحكام سئل ابن خزيمة هل تعرف سنة لرسول الله - ﷺ - في الحلال والحرام لم يودعها الشافعي كتابه؟ فقال: لا. ينظر: «معنى قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي» (ص ١٠٦)
(٣) قال الحطاب المالكي: إنما وقع الإجماع عليها؛ لأنها انتشرت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامّها وشروط فروعها، فإذا أطلقوا حكمًا في موضع وجد مكملًا في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنهم الفتاوى مجرّدة، فلعلّ لها مكملًا أو مقيّدًا أو مخصصًا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير الإنسان في تقليده على غير ثقة، ومن دوّن مذهبه كالثوري والأوزاعي وداود الظاهري فقد انقرض مذهبه وصار كأن لم يدون ولم يدون مذهب عالم من علماء السنة غير مذاهب هذه السبعة. ينظر: «لزوم طلاق الثلاث» (ص ٢ - ٣). وأما حكم التزام مذهب معيَّن وجواز الانتقال من مذهب لآخر فقد فصّل فيه الشنقيطي في «قمع أهل الزيع والإلحاد» (ص ٤٠ - ٤١).
[ ١ / ٦٣ ]
من كلام إمامه أصَّل القواعد وشيَّدها، وفرَّع عليها الفروع الكثيرة المتّفقة مع أصول إمامه، وكان يتعامل مع كلام إمامه في الاجتهاد والاستنباط كما يتعامل المجتهد مع كلام الشارع (^١)، واهتموا كثيرًا بتحرير كلامهم في كلِّ مسألة، وألَّفوا المختصرات والمطولات في ذلك.
وهذا التدرج الفقهي كان نتيجة تغيُّر الحياة الاجتماعية التي يعيشها المسلمون، فقد تطوَّرت واتّسعت عمّا كانت عليه في حياة الصحابة - ﵃ - ودخلت في الإسلام أممٌ جديدةٌ ذات حضارات ومدنيات مختلفة، وذمم الناس ساءت، والأفكار فسدت عمّا كانت عليه في عصر الصحابة - ﵃ -.
فالصحابة منهم مَن كان مجتهدًا ومنهم مَن كان مقلّدًا، والمقلّد فيهم يعملُ بالتقليد المطلق من غير التزام مذهب معيّن، وكان التقليدُ الشخصي نادرًا فيهم، لكن لمّا تغيّر الزمان على ما ذكر اختار العلماءُ لغير المجتهدين أن يلتزموا مذهب إمام معيّن (^٢)، لا لأنه كان حكمًا شرعيًا، بل لكف الناس عن اتباع الهوى، فإن الرجل العاميّ إذا حصلت له الحرية في أن ينتقي من أقوال الفقهاء ما يوافق أهواءه صار الدين لعبةً في أيدي المتطفلين، تتلاعب به أهواؤهم (^٣)، وهذا مما لا يبيحه أحد، فكان حكم التقليد الشخصي سدًا للذريعة لا تشريعًا لما لم يثبت من الصحابة والتابعين، قال شيخ الهند: التقليد الشخصي ليس بحكم شرعي بل هو فتوى انتظامي (^٤).
_________________
(١) قال الخادمي في رسالته في «مسنونية السواك» (ص ٢٣٦ - ٢٣٧): لا شك أن حجتنا على الأحكام أقوال فقهائنا إذ الاحتجاج بالنصوص هو مذهب الاجتهاد.
(٢) قال ابن رجب في «الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة» (ص ٣٤): علَّة منع تقليد غير الأئمة الأربعة أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه، أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم مَن يذبّ عنها وينبّه على ما يقع من الخلل فيها بخلاف هذه المذاهب المشهورة.
(٣) قال الدهلوي في «الانصاف» (ص ٩٧): هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعت الأمة أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى ولا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم وأشرِبَت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه.
(٤) ينظر: «أصول الإفتاء» (ص ١٧).
[ ١ / ٦٤ ]
المراحل التاريخية لكتب الفقه الحنفي لما سبق «الوقاية» و«شرح الوقاية» وما تلاهما:
وتفصيل ما سبق من الكلام في مذهب الحنفية؛ لنتعرف المراحل التي سار عليها الفقه حتى وصل إلى «شرح الوقاية» الذي هو موضوع هذه الدراسة: أن أبا حنيفة - ﵁ - وهو تابعيٌّ (^١) رأى أنسًا - ﵁ - وغيره في الكوفة - التي بناها الفاروق - ﵁ -، وبعثَ إليها ابن مسعود - ﵁ - ليعلم أهلها، وقال: إنّي آثرتكم على نفسي بعبد الله. ووصفه: بأنه كنيف مليء علمًا. حتى أن عليًّا - ﵁ - عندما جاء لإقامة خلافته فيها، أعجب أيما إعجاب بكثرة فقهائها، فقال لابن مسعود - ﵁ -: ملأت هذه القرية علما وفقهًا.
بل بلغ تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أربعة آلاف شخص هم سرج تلك القرية، وأبلغ العجلي عدد الصحابة الذين سكنوا الكوفة فقط إلى ألف وخمسمئة صحابي (^٢) ـ.
وكان أبو حنيفة - ﵁ - بعدما يحقِّقُ المسائل الفقهية ويمحصُها بالدلائل على ما هو مشهورٌ من طريقته في التفقيه يأمر تلامذته بتدوينها، وعدد تلامذته الذين دوَّنوا الفقه أربعون (^٣)، أبرزُهم محمد بن الحسن الشيباني؛ إذ على كتبه الاعتماد في نقل المذهب؛ لشدّة تحرِّيه وفقهه وحفظه وتفريعه وتدوينه، فكتبه المسمَّاة بظاهر الرواية، وهي «المبسوط»، و«الجامع الكبير» (^٤)، و«الجامع الصغير» (^٥)، و«الزيادات»، و«السير
_________________
(١) أثبت كبار المحدثين والمؤرخين تابعية أبي حنيفة: منهم: الذهبي في «مناقب أبي حنيفة» (ص ٨)، والسيوطي في «تبييض الصحيفة» (ص ٢٩٥)، وابن حجر المكي في «الخيرات الحسان» (ص ٢٩)، والنووي في «تهذيب الأسماء» (٢: ٢١٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤: ٢٠٨)، واليافعي في «مرآة الجنان» (١: ٣١٠)، والخوارزمي في «جامع المسانيد» (١: ٢١ - ٢٢)، والقاري في «سند الأنام» (ص ٥٨٥ - ٥٨٨)، وتفصيل الكلام في «إقامة الحجة» (ص ٨٣ - ٨٩).
(٢) ينظر: تفصيل هذا البحث في «حسن التقاضي» (ص ١٠ - ١١).
(٣) أشهرهم وأقدمهم: أبو يوسف وزفر وداود الطائي وأسد بن عمر ويوسف بن خالد السمتي، ويحيى بن زكريا. وتمامه في «حسن التقاضي» (ص ١٢). وعن عبد الرحمن الرازي: أول من صنَّف الكتب بالكوفة يحيى بن زكريا. ينظر: «الفوائد» (ص ٣٧٠).
(٤) من شراحه: الحصري والقونوي وابن السراج والخلاطي والآب كرمي وافتخار الدين الهاشمي والضرير والكردري وسبط ابن الجوزي وسليمان الصدر والطحاوي والعتابي والبزدوي والمارديني والكرماني والقباوي. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٢٢).
(٥) من شرّاحه: الكردري والتمرتاشي والجصاص وابن حسكا الفزي والعقيلي والطحاوي والظهير البلخي والضرير والعتابي والبزدوي وقاضي خان وصدر القضاة وأبو الليث والنجم والحسامي والبرهاني والصدر الشهيد. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٢١ - ٦٢٢). «مفتاح السعادة» (٢: ٢٥٦).
[ ١ / ٦٥ ]
الكبير» (^١)، و«السير الصغير»، التي نقلت لنا بالرواية المشهورة أو المتواترة تحكي لنا الصحيح من مذهب أبي حنيفة - ﵁ -، وكان الفقهاء لزمن متأخِّر يعتنون بها حفظًا وتدريسًا وشرحًا ولا سيما «الجامعين» و«المبسوط»، حتى قال بعضهم (^٢): من حفظَ «المبسوط» ومذهب المتقدمين، فهو من أهل الاجتهاد. وقد توفِّي محمد بن الحسن (١٨٩ هـ) فتكون تأليفاته في القرن الثاني الهجري.
وأما في القرن الثالث الهجري: ألف الخصّاف (ت ٢٦١ هـ) كثيرًا من الكتب منها: «النفقات»، و«أدب القاضي»، وقد اهتمّ العلماء بها شرحًا (^٣) وتدريسًا.
وفي القرن الرابع: ظهرت في المذهب الحنفي عدّة مختصرات نافست كتب محمد بن الحسن في التدريس والحفظ والشرح، وهي «الكافي» للحاكم الشهيد (ت ٣٣٤ هـ) الذي جمع فيه مسائل كتب محمد بن الحسن ظاهر الرواية، مع إسقاط المتكرر، وأبرز شروحه «المبسوط» للسرخسي المشهور والمتداول إلى هذا الزمان، و«مختصر الطحاوي» (^٤) (ت ٣٢١ هـ)، و«مختصر الكَرْخي» (^٥) (ت ٣٤٠ هـ)، وشرحهما العلماء شروحًا كثيرة جدًّا، وفي هذا القرن جمعت الفتاوى والنوازل في المسائل الفقهية التي أفتى بها كبار متقدِّمي الحنفية، وقام بذلك أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ (ت ٣٧٥ هـ) في كتابه «مختارات النوازل»، وألَّف أيضًا «مقدمة» مشهورةً في أحكام الصلاة والطهارة شرحَها كثيرٌ من العلماء (^٦).
وفي القرن الخامس: ألَّف القُدُوريّ (ت ٤٢٨ هـ) «مختصره» (^٧) المشهور، والذي نافسَ كتبَ محمّد بن الحسن و«الكافي» و«مختصر الطحاوي»، و«مختصر الكرخي» منافسةً
_________________
(١) من شراحه: الحصري وشيخ الإسلام السغدي والسرخسي. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٣١).
(٢) ينظر: «التبيين» (٤: ١٧٦).
(٣) فمن شراحه: الجصاص والهندواني والقدوري والسغدي والسرخسي والحلواني وخواهر زاده والصدر الشهيد وقاضي خان. ينظر: «شرح أدب القاضي» (١: ٤٦ - ٤٧).
(٤) من شراحه: أبو بكر الوراق والجصاص والأسبيجابي والبري. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٣٢).
(٥) من شرّاحه: الجصاص وأبو عبد الله الضرير والقدوري. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٣٣).
(٦) منهم: السرماري والقرماني والعلقمي والولوني والكنجاني وابن عرب شاه. ينظر: «الكشف» (٢: ١٧٩٥ - ١٧٩٦).
(٧) من شراحه: الخبازي والخلخالي والسروجي والرسغي والنصروي والنوري والأقطع والاسبيجابي والزاهدي والكادوري ومحمد بن رمضان الرومي. ينظر: «الجواهر» (٥: ٦٣٢ - ٦٣٣).
[ ١ / ٦٦ ]
كبيرةً في اهتمام العلماء به حفظًا وتدريسًا وشرحًا؛ لسهولة عبارته، والتزامه بذكر ما عليه الاعتماد في المذهب.
وفي القرن السادس: ألَّفَ علاء السمرقنديّ (ت ٥٣٩ هـ) «تحفة الفقهاء» وشرحَها تلميذه الكاساني (ت ٥٨٧ هـ) في «بدائع الصنائع»، وألَّفَ أبو حفص النسفي (ت ٥٣٧ هـ) «منظومة الخلاف» التي اهتمّ العلماء بشرحها (^١)، وأبو القاسم السمرقندي (ت ٥٥٦ هـ)
«الفقه النافع» (^٢)، والغزنوي (ت ٥٩٣) «مقدمته» المشهورة (^٣)، ولم ينته هذا القرن حتى ألف المَرْغينانيّ كتاب «الهداية»، وهو شرح لـ «بداية المبتدي» له، جمع فيه ما بين «متن القُدُوريّ» و«الجامع الصغير» للشيباني، وأكثر في «الهداية» من التأصيل والاستدلال للمسائل عقلًا وشرعًا، فشاعت في البلاد وذاعت، وأصبحت محطّ نظر العلماء، فدرَّسوها وشرحوها (^٤)، ومما قيل فيها:
إلى حافظيه ويجلو العمى … كتاب الهداية يهدي الهدى
فلازمه واحفظه يا ذا الحجى … فمن ناله نال أقصى المنى
وقيل:
إن الهداية كالقرآن قد نسخت … ما صنفوا قبلها في الشرع من كتب
فاحفظ قراءتها والزم تلاوتها … يسلم مقالك من زيغ ومن كذب (^٥)
قال طاشكبرى زاده بعد أن ذكر عددًا من شروحها: شروح «الهداية» لا تنحصر فيما ذكر، لكن الأشهر ما ذكرناه ومع جد الفضلاء وسعيهم على شرحها لم تبرز
_________________
(١) منهم: حافظ الدين النسفي والموصلي والحموي والافشنجي والقره حصاري والأسمندي والسديدي والحدادي والقيصري وابن الشحنة. ينظر: «الكشف» (٢: ١٨٦٧ - ١٨٦٨).
(٢) منهم: حافظ الدين النسفي والرامشي، وممن نظمه محمد بن جلال الدين المعروف بسلطان (ت ٧٤٠ هـ). ينظر: «الكشف» (٢: ١٩٢٢). و«المذهب الحنفي» (٢: ٤٧١).
(٣) ممن شرحها: أحمد بن محمد بن الضياء القرشي. ينظر: «الضوء اللامع» (٧: ٨٤ - ٨٥).
(٤) وممن شرحها: الصغناقي والقونوي والضرير والكاكي والسروجي والخبازي والإتقاني وابن الهمام والبابرتي والكرلاني والغزنوي والعيني واللكنوي وغيرهم كثير ينظر: «الكشف» (٢: ٢٠٣٢ - ٢٠٤٠).
(٥) ينظر: «مفتاح السعادة» (٢: ٢٣٩).
[ ١ / ٦٧ ]
لطائفه من جلباب التمتع والاحتجاب، ولم تذلل صعاب دلائله للطلاب، بل بقيَ بعد خبايا في الزوايا، ولله در مصنّف لا تنتهي لطائفه ودقائقه، ولا تنكشف معانيه وحقائقه. انتهى (^١).
وفي القرن السابع: وهو عصر الاهتمام بتدوين العلوم في متون في مختلف الفنون؛ إذ رأى العلماء أنها الطريقة الفضلى في التعلُّم، فالطالب يحفظ المتن، وهو الأساس والقواعد لكلّ علم يكون فيه، فيتمكّن من استحضاره في أي وقت وزمان، ثم يكثر قراءة الشروح عليه حتى يكون ملكةً في هذا العلم، وفي هذا القرن ألَّفَ في المذهب الحنفي المتون الأربعة المعتمدة، وهي «الوقاية»، و«الكنْز» للنَّسَفيّ (^٢) (ت ٧٠١)، و«المجمع» لابن الساعاتي (ت ٦٩٤ هـ)، و«المختار» للموصلي (ت ٦٨٣ هـ).
وهذه المتون الأربعة مع «الهداية»، و«مختصر القدوري» انفردت باهتمام العلماء على ما سواها إذ وجدت عنايةً كبيرةً منهم، ولا سيما «الوقاية»، و«الكنْز»، فشروحها لا تحصى عددًا، وأبرز شروح «الوقاية» شرح صدر الشريعة الذي هو موضوع هذه الدراسة، وأبرز شروح «الكنْز» شرح الزَّيْلَعِيّ المسمَّى «تبيين الحقائق» وشرح ابن نجيم المسمَّى «البحر الرائق»، وأبرز شروح «المجمع» (^٣) شرحُ ابن ملك، وأبرز شروح «المختار» شرحُ مؤلِّفه المسمَّى «الاختيار».
قال اللكنوي (^٤): وقد كثر اعتماد المتأخرين على الكتب الأربعة وسمّوها المتون الأربعة: «المختار»، و«الكنْز»، و«الوقاية»، و«مجمع البحرين»، ومنهم من يعتمد على الثلاثة: «الوقاية»، و«الكنْز»، و«مختصر القدوري». انتهى.
وهي المقصودة بقولهم: ما في المتون مقدَّمٌ على ما في الشروح، وما في الشروح مقدَّمٌ على ما في الفتاوي، إلا إذا وجد ما يدل على الفتوى في الشروح والفتاوى،
_________________
(١) من «مفتاح السعادة» (٢: ٢٤٦).
(٢) وللنسفي أيضًا متن آخر مشهور سمَّاه «الوافي»، وشرحه «بالكافي»، يوجد له نسخة مخطوطة في مكتبة الأوقاف العراقية.
(٣) ومن شروحه أيضًا شرحٌ لأحمد بن إبراهيم بن ايوب العَيْنتابِي الحنفي، شهاب الدين أبو العباس، وهو في ستّ مجلدات، (ت ٧٦٧ هـ). ينظر: «الوفيات» للسلامي (٢: ٣٠٢).
(٤) في «الفوائد البهية» (ص ١٨٠).
[ ١ / ٦٨ ]
فحينئذ يقدَّمُ ما فيهما على ما في المتون؛ لأن التصحيح الصريحي أولى من التصحيح الالتزامي، ولم يريدوا بالمتون كل المتون، بل المتون التي مصنفوها مميّزون بين الراجح والمقبول والمردود والقوي والضعيف، فلا يوردون في متونهم إلا الراجح والمقبول والقوي وأصحاب هذه المتون كذلك، وهذا في عرف المتأخرين، أما في عرف المتقدّمين قبل أزمنة المصنفين المذكورين فحيث قالوا: ما في المتون مقدم. أرادوا به متون كبار مشايخنا، وأجلة فقهائنا كتصانيف الطحاوي والكرخي والجصاص والخصاف والحاكم وغيرهم (^١).
فأصحاب هذه المتون متفقون على الالتزام بذكر قول الإمام أبي حنيفة - ﵁ -،
والراجح في المذهب في كل ما يوردون، ويهتمون كثيرًا جدًا بجمع مسائل كثيرة في متونهم، مع اختصار شديد في العبارة، ويختلفون في أن بعضهم يذكر بعض المسائل وبعضهم لا يذكرها، ووكذا فيما هو الصحيح أو الأصح أو ما عليه الفتوى في المذهب كلٌّ على حسب اجتهاده، وعلى حسب الشائع في البلاد التي يعيش فيها، وأيضًا في ترتيب الكتب تقديمًا وتأخيرًا. وهذه الميِّزاتُ انفردوا فيها عن أصحاب المتون من المتقدِّمين، إذ قد يخرج صاحب المتن عن رأي المذهب في بعض المسائل، كما يقع ذلك من الطحاوي في «مختصره».
فالملاحظ ممَّا سبق من الكلام مدى اعتبار «الوقاية» في المذهب حتى دخلت قسمة المتون الأربعة والمتون الثلاثة المعتمدة في المذهب، ويرجع ذلك علاوة على ما سبق مما التزمه أصحاب المتون إلى كبر مكانة مؤلِّفها العلمية، ومنْزلته في المذهب، وإلى كونها جمعت مسائل «الهداية» السابق ذكر ما انفردت به من المميزات التي لم يشاركها فيه أيٌّ من الكتب المؤلّفة في المذهب. وسنلاحظ بتسليط النظر على القرون التي تلت هذا القرن مدى متابعة المؤلِّفين لأصحاب هذه المتون ولا سيما لمتن «الوقاية».
ففي القرن الثامن: ألف الكاكي (ت ٧٤٩ هـ) «عيون المذاهب»، وصدر الشريعة «مختصر الوقاية» المسمَّاة بـ «النقاية»، وقد اهتم العلماء بتحفيظها وتدريسها وشرحها،
_________________
(١) ينظر: «التعليقات السنية» (ص ١٨٠).
[ ١ / ٦٩ ]
كما مرّ سابقًا، وابن وهبان (ت ٧٦٨ هـ) «قيد الشرائد ونظم الفرائد» وقد اهتمّ العلماء بشرحها (^١) وتدريسها.
وفي القرن التاسع: ألف ابن قاضي سماونة (ت ٨١٨ هـ) «لطائف الإشارات»، وألَّفَ ملا خسرو (ت ٨٨٥ هـ) «غرر الأحكام» وشرحه بـ «درر الحكام» التي مشى فيها على منوال «الوقاية» وشرحها لصدر الشريعة، إلاَّ أنه في بعض المسائل يعترض ويحقِّقُ ويرجِّح، ويقدِّمَ ويؤخِّرَ في كتبِ الكتاب، وأيضًا تابع ملا خسرو صدرَ الشريعة في متنه وشرحه في الأصول المسمَّى «مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول» فهو على غرار «التوضيح
في حلِّ غوامض التنقيح»، واعتنى العلماء كثيرًا بتدريس «درر الحكام» وتحشيتها (^٢).
وفي القرن العاشر: ألَّفَ الطرابلسيُّ (^٣) (ت ٩٢٢ هـ) «مواهبَ الرحمن» وشرحَه بـ «البرهان»، والأماسي (ت ٩٣٨ هـ) «مخزن الفقه»، وابنُ كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ) «الاصلاح» وشرحه بـ «الإيضاح»، وحاول فيهما إصلاح ما في «الوقاية»، وإيضاح ما في شرح صدر الشريعة من المسامحات والمخالفات، لكن كثيرًا من العلماء انبروا له، وردّوا كثيرًا ممَّا قاله كما سيتضح عند ذكر شروح الوقاية وحواشي صدر الشريعة، وللعلماء على «الإيضاح» تعليقات (^٤)، وألَّفَ الحلبيُّ (ت ٩٥٦ هـ) «ملتقى الأبحر» الذي جمع فيه بين «الوقاية» و«القدوري»، و«المختار»، و«الكنْز» مع بعض مسائل «المجمع» ونبذة من
_________________
(١) فممن شرحها مؤلفها، وابن الشحنة، وعلي بن غانم المقدسي. ينظر: «الكشف» (٢: ١٨٦٥ - ١٨٦٦).
(٢) فممن حشّاه: وانقولي وعزمي زاده وفوزي وقنالي زاده وابن كمال باشا والأنقروي ومعمار زاده وابن القرماني والحميدي وإسماعيل النابلسي ونوح الرومي وعلي الحموي والشرنبلالي وعبد الحليم والخادمي. ينظر: «الكشف» (٢: ١١٩٩ - ١٢٠٠).
(٣) وهو إبراهيم بن موسى الطرابلسي، برهان الدين، نزيل القاهرة، له: «مواهب الرحمن في مذهب النعمان»، قال: وقد صنفت هذا الكتاب على نحو القاعدة التي اخترعها صاحب «مجمع البحرين». وله شرح عليه سمَّاه «البرهان»، وله: «الإسعاف في حكم الأوقاف»، (٨٥٣ - ٩٢٢ هـ). ينظر: «النور السافر» (ص ١٠٤) «الكشف» (٢: ١٨٩٥).
(٤) منهم: محمد شاه ومحمد بن خرم وصالح بن جلال وبالي الطويل وغزالي زاده وتاج الدين الأصغر والبركلي. ينظر: «الكشف» (١: ١٠٩).
[ ١ / ٧٠ ]
«الهداية»، وقدم من أقاويلهم ما هو الأرجح، وأخّر غيره، واجتهد في التنبيه على الأصح والأقوى وفي عدم ترك شيء من مسائل الكتب الأربعة، ومشى فيه على نسق «الوقاية»؛ ولهذا ذاع صيته في الآفاق ووقع على قبوله بين الحنفية اتفاق، واهتم العلماء بتدريسه وشرحه (^١).
وفي القرن الحادي عشر: ألَّف التُّمُرتاشيّ (ت ١٠٠٤ هـ) «تنوير الأبصار» جمعَ فيه مسائل المتون المعتمدة مع الزيادة والترجيح، واعتنى العلماء فيه كثيرًا شرحًا (^٢) وتدريسًا مع ما سبق من المتون. والكواكبي (١٠٩٦ هـ) «الفرائد السنية» وشرحه «بالفوائد السمية».